1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مهذب الأحكام
  8. /
  9. كتاب الحدود و التعزيرات
  10. /
  11. المقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم‏
كتاب الحدود و التعزيرات
الحمد للّه رب العالمين
و الصلاة على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين.

الحد و التعزير كل منهما عقوبة خاصة شرعية عند ارتكاب جرائم مخصوصة، و هما من الواجبات النظامية العامة، و من فروع القاعدة العقلية الدالة على أن جعل القانون بلا جعل عقوبة على مخالفته، يوجب صيرورة جعل أصل القانون لغوا، مع أن في الحدود حفظ مال النوع و عرضه، كما أن في القصاص حفظ النوع أيضا، و لا بد من تقديم أمور:

الأول‏: مادة (ح د د) بمعنى المنع، و منه سمي الحديد حديدا لمناعته و صلابته، كما أن مادة (ع ز ر) تستعمل بمعنى المنع أيضا، كما في قوله تعالى:

لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ‏1، و قوله تعالى‏ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ‏2، أي منعتموه و ما زلتم تمنعوه من كيد الكفار و المنافقين، و لا ريب في أن إقامة الحد و التعزير توجب منع الناس عن الاقدام على ارتكاب موجباتها.

الثاني‏: المشهور بين الفقهاء (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) أن كلما فيه عقوبة مقدرة تسمّى حدا، و ما ليس كذلك يسمّى تعزيرا، و لا بد و أن يكون‏ ذلك بحسب الغالب، و إلا فقد وردت في الشرع تعزيرات خاصة في موارد مخصوصة، محدودة بكميات معينة شرعية ضبطوها في موارد خمسة، تأتي الإشارة إليها في ما بعد إن شاء اللّه تعالى.

و لذا قسّموا الحدّ إلى قسمين: الحدّ بالمعنى الأخص، و الأعم. و الثاني:

يشمل التعزيرات أيضا، فالحدّ و التعزير و القصاص من المفاهيم المبيّنة العرفية و اللغوية و الشرعية، و الكل مشترك في أنها من الواجبات النظامية التي قررها الشارع الأقدس.

الثالث‏: موجبات الحدّ ستة: الزنا و ما يتبعه، و القذف، و شرب الخمر، و السرقة، و قطع الطريق.

و موجب الثاني ارتكاب المحرم الذي لم يعين الشارع له حدا مخصوصا، بل وكّله إلى نظر الحاكم الشرعي.

الرابع‏: أصل المجازاة على ارتكاب المبغوض في الجملة من الفطريات، كما نشاهد بين الوالد و الولد و المالك و المملوك و الخادم و المخدوم و الرئيس و المرءوس، إلى غير ذلك، و انما حدد الشارع أصل ارتكاب المبغوض و عقوبته بشي‏ء خاص و كمية مخصوصة، كما في جميع الموضوعات العرفية التي تكون متعلقة لأحكام خاصة.

الخامس‏: قد ورد في فضل إقامة الحد أخبار كثيرة من الفريقين، فعن نبينا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إقامة حدّ خير من مطر أربعين صباحا»3، و عن أبي جعفر عليه السلام في موثق حنان بن سدير: «حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة و أيامها»4.

أقول‏: لا بد و أن تحمل هذه الأخبار على ما إذا لم يضر المطر، و لا يكون من العذاب، كما ورد عن الكاظم في صحيح الحجاج: «و لإقامة الحد فيه أنفع‏ في الأرض من القطر أربعين صباحا»5، و يمكن حمل اختلاف الأخبار في كمية المطر على مراتب اختلاف المرتدعين عن المنكرات بواسطة إقامة الحدود.

السادس‏: الحدّ بمنزلة التوبة المقبولة، فكل من حدّ لا يعاقب على ما حدّ عليه يوم القيامة، إجماعا، و نصا، ففي الصحيح: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أقيم عليه الحدّ في الدنيا، أ يعاقب عليه في الآخرة؟ فقال عليه السلام: اللّه أكرم من ذلك»6.

السابع‏: كل حدّ محدود من اللّه عز و جل من حيث الكم و الكيف و سائر الجهات و الخصوصيات، و جعل تعالى لكل من تعدى ذلك الحدّ حدا، قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إن اللّه عز و جل جعل لكل شي‏ء حدّا و جعل على من تعدى حدّا من حدود اللّه عز و جل حدّا»7، و عن الصادق عليه السلام أيضا في الموثق: «إن لكل شي‏ء حدا، و من تعدى ذلك الحدّ كان له حدّ»8، و عن نبينا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من بلغ حدّا في غير حدّ فهو من المعتدين»9. و تقتضيه أصالة الحرمة و الاحترام في المسلم إلّا ما خرج بالدليل، فالسارق مثلا تقطع يده و يؤخذ مال الغير منه، و أما أنه يؤخذ سائر أمواله و يهتك بغير ما اذن اللّه تعالى فيه، فمقتضى الأصل، و إطلاق مثل هذه الروايات، عدم جوازه.

إن قيل‏: يستفاد جواز ذلك من دليل الحدّ بالفحوى.

يقال‏: لو لا إطلاق مثل هذه الروايات، و كون أحكام الحدود مخالفة لأصالة احترام النفس و العرض و المال، التي هي من الأصول النظامية.

الثامن‏: يحرم تعطيل الحدّ بعد ثبوته شرعا، لظهور الإجماع، و النص، قال علي عليه السلام: «اللهم إنه قد ثبت عليها أربع شهادات، و إنك قلت لنبيك صلّى اللّه عليه و آله فيما أخبرته من دينك: يا محمد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني و طلب بذلك مضادتي»10، و يأتي ما يدل عليه أيضا إن شاء اللّه تعالى.

التاسع‏: مما اتفقت عليه آراء العقلاء، سواء كانوا معتقدين بالأديان السماوية أم لا، حرمة الأمور الخمسة- التي اصطلحوا عليها بالأصول الخمسة النظامية- قتل النفس المحترمة بغير حق، و الزنا، و الظلم، و السرقة، و ترك الصنائع التي يتوقف عليها حفظ النظام. و يذكر حكم الظلم و الأخير في أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و حكم البقية في الحدود و القصاص.

العاشر: الحد مغاير للتعزير شرعا، و لكنه قد يطلق على التعزير أيضا، و في مورد التردد إن علم المراد بالقرائن الخارجية أو الداخلية من إجماع أو غيره فهو، و إلا فمقتضى الأصل عدم ترتب الأحكام الخاصة للحدّ كما هو الشأن في جميع موارد الدوران بين المطلق و المقيد في سائر الموارد.

و ذكر الفقهاء: من خواص الحدود أمورا خمسة: درءها بالشبهة، و عدم اليمين في الحدّ، و عدم الكفالة فيه، و للإمام العفو عن الحدّ الثابت بالإقرار دون البينة، و عدم الشفاعة فيه بعد ثبوته. و يأتي شرح ذلك مع بعض خواص اخرى إن شاء اللّه تعالى.

الحادي عشر: من القواعد التي أرسلوها إرسال المسلّمات، و جعلوها مما استدل بها لا عليها قوله صلّى اللّه عليه و آله: «تدرء الحدود بالشبهات»11، و البحث فيها من جهات:

الاولى‏: أن الشبهة إما موضوعية أو حكمية أو مفهومية، و كل منها إما أن تزول بأدنى الالتفات و الفحص، أو تبقى، و الظاهر خروج القسم الأول بجميع أقسامه عن مورد البحث، لأن المنساق من موارد استعمالاتها الشبهة المستقرة منها في الجملة، كما في جميع موارد استعمالات الشك، و الشبهة في الفقه من أوله إلى آخره- خصوصا إن عدّ ذلك من عدم المبالاة في الدين عند المتشرعة- و الشك في صحة استعمالها في مجرد الحاصل الزائل يكفي في عدم صحة التمسك بالدليل، لعدم إحراز الموضوع حينئذ، و من شرائط التمسك بالدليل إحراز موضوعه، فالمراد بها في المقام ما هو المراد بها في مورد الرجوع إلى البراءة العقلية و النقلية في الشبهات الحكمية و الموضوعية، فلو لم يكن المقرّ جازما في إقراره، فإن كانت في البين قرائن دالة عليه أو لم يكن اللفظ ظاهرا في المقر به، و كذا في البينة يكون ذلك كله شبهة دارئة للحد.

الثانية: الشبهة قد تكون حاصلة في الحال، و قد تحصل من الفحص و السؤال، و مقتضى إطلاق ما رواه الفريقان عن نبينا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله الشمول لكلا القسمين، و في الحديث: «إن ماعز بن مالك أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال له: إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال: زنيت، قال صلّى اللّه عليه و آله: و تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال صلّى اللّه عليه و آله: ما تريد إلى هذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أدخلت ذلك منه ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة و العصا في الشي‏ء أو الرشاء في البئر؟ قال: نعم يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأمر برجمه»12، و في الوسائل: «فلما أن وجد مس الحجارة خرج يشتد، فلقيه الزبير فرماه بساق بعير فعلقه به، فأدركه الناس فقتلوه، فأخبروا النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك فقال: هلّا تركتموه، ثمَّ قال صلّى اللّه عليه و آله: لو استتر ثمَّ تاب كان خيرا له»13، و قريب منه ما عن علي عليه السلام‏14.

الثالثة: في الدليل عليها بناء على ما ذكرناه في تقرير الموضوع، تكون من‏ صغريات الشبهة التحريمية بالنسبة إلى الحاكم، فيصح الاستدلال عليها بالأدلة الأربعة، التي استدلوا بها في ذلك المقام، فمن العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و من الكتاب الآيات النهاية عن التعرض لما لا يعلم حكما أو موضوعا15، و من السنة بالمتواترة الدالة على عدم التعرض لما لا يعلم حكمه‏16، و من الإجماع بما تكرر في كلماتهم من دعوى الإجماع في المقام، مضافا إلى أصالة الاحتياط في الدماء، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

الرابعة: يمكن استفادة القاعدة من الأخبار الكثيرة الواردة في سقوط الحد، منها ما في صحيح محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل دعوناه إلى جملة ما نحن فيه من جملة الإسلام فأقر به، ثمَّ شرب الخمر و زنى و أكل الربا، و لم يتبين له شي‏ء من الحلال و الحرام، أقيم عليه الحد إذا جهله؟

قال عليه السلام: لا، إلّا أن تقوم عليه بينة أنه كان أقر بتحريمها»17، فيستفاد منه أنه لا بد في ثبوت الحد من العلم، و العمد مطلقا، و لا ريب في أنهما لا يجتمعان مع الشبهة و الجهل، و في صحيح الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل أخذوه و قد حمل كارة من ثياب، و قال: صاحب البيت أعطانيها؟ قال عليه السلام: يدرأ عنه القطع إلّا أن تقوم عليه البينة»18، و هو صريح في ما قلناه، و في خبر جميل عن أحدهما عليهما السلام: «في رجل دخل في الإسلام فشرب خمرا و هو جاهل، قال عليه السلام: لم أكن أقيم عليه الحد إذا كان جاهلا، و لكن أخبره بذلك و أعلمه، فإن عاد أقمت عليه الحد»19، و إطلاقه يشمل مورد الشبهة أيضا، و الروايات الواردة في هذا المضمون كثيرة جدا.

و بالجملة: القاعدة مما يستدل بها في الفقه لا أن يستدل عليها، كما لا يخفى على من راجع المطولات، و حينئذ يكون قوله عليه السلام: «تدرء الحدود بالشبهات»20، أو قوله صلّى اللّه عليه و آله: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم»21، كما ورد عن طرق العامة، قد ورد موافقا للقاعدة، فيكون البحث عن السند فيها لغوا، لما ثبت في محله من أن القواعد المعتبرة مطلقا نظامية كانت أو غيرها، يكون الردع الصريح الصحيح مانعا عنها، و لا يحتاج إلى ورود التقرير فضلا عن وروده أيضا في المستفيضة بالدلالات الضمنية بالسنة مختلفة، و اللّه العالم.

  1. سورة الفتح: 9.
  2. سورة الأعراف: 157.
  3. الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 4.
  4. الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 2.
  5. الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 3.
  6. الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 7.
  7. الوسائل: باب 2 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 2.
  8. الوسائل: باب 3 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 6.
  9. الوسائل: باب 3 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 2.
  10. الوسائل: باب 1 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 6.
  11. الوسائل: باب 24 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 4.
  12. السنن الكبرى للبيهقي ج: 7 باب: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات ج: 8 صفحة: 227.
  13. الوسائل: باب 15 من أبواب حد الزنا الحديث: 2 و 1.
  14. الوسائل: باب 26 من أبواب حد الزنا الحديث: 2 و 5.
  15. راجع تهذيب الأصول ج: 2 صفحة: 164 و 176.
  16. راجع تهذيب الأصول ج: 2 صفحة: 167 و 176.
  17. الوافي المجلد التاسع صفحة: 76 باب: من أتى ما يوجب الحد بجهالة.
  18. الوافي المجلد التاسع صفحة: 76 باب: من أتى ما يوجب الحد بجهالة.
  19. الوسائل: باب 8 من أبواب حد السرقة الحديث: 1.
  20. الوسائل: باب 24 من أبواب مقدمات الحدود.
  21. السنن الكبرى للبيهقي ج: 8 صفحة: 238 باب: ما جاء في درء الحدود بالشبهات.
الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"