1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مباحث الحکمة المتعالیة
  8. /
  9. المقصد الأول في بيان أمور مقدمية

الأمر الأول: في الحكمة

الحكمة: في الأصل؛ لجام خاص يجعل في فم الفرس يمنعه عن مخالفة الراكب ويصير منقاداً له[1]، وحيث أنّ هذا العلم يمنع العالم به عن مخالفة الله تعالى، ومخالفة البراهين الساطعة القويمة، وعن موافقة الأهواء النفسانية سميت حكمة لهذه الجهة.

وقد ذكر عين هذا اللفظ في القرآن الكريم فيما يقرب من عشرين آية، وفي جملة كثيرة من الآيات قُرن بالكتب السماوية والقرآن الكريم المهيمن على الكتب كلّها، ولا بُدَّ أنْ يكون كذلك بالمعنى الذي يأتي التعرض له، قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[2].

وقال عَزَّ من قائل: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ[3].

إلى غير ذلك من الآيات.

ويطلق إسم الحكيم عليه تعالى فيما يقرب من مائتي آية، وجميع مشتقات هذه الكلمة كالحكم والحاكم والحَكم والحكيم يُشعر ويدل على الإتقان والعلم والعقل والتدبر، وغير ذلك من الصفات الكاملة الدالة على الإكبار والتجليل والتوقير، قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[4].

الأمر الثاني: في تقسيم الحكمة وتعريفها وشرفها وغايتها

أمّا تقسيمها؛ فإلى علميّ وعمليّ، وأيّ منهما لا ينفع بدون الآخر كما في كلِّ علم, إذ أنّ العمل بلا علم فاسد[5]، والعلم بلا عمل أفسد[6].

وأمّا تعريفها؛ فعن الأعاظم[7] في تعريف الحكمة العلمية[8] أنَّها العلم بحقائق الموجودات بقدر الطاقة البشرية، على ما هي عليه في الواقع بالعلم واليقين، لا بالظن والتخمين. وهذا التعريف مبني على إمكان انكشاف الحقائق للعقول البشرية، وقد أثبتوا في محله عدم إمكان ذلك وقالوا غاية ما للعقول الاطلاع على بعض آثار الأشياء وخواصها فقط والإكتشاف مختص بالمبدأ والمبدع لها والقدير والقيوم عليها.

وعرَّفوا[9] العملية منها بأنَّها الإتّصاف بصفات الله والتخلّق بأخلاقه عزّ وجلّ والفناء في ساحته العليا؛ بحيث لا يصدر منه قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون ولا خطرات قلبية إلا برضاء الله تعالى. وهذا هو غاية دعوة الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى خاتمهم علیهم السلام، وغاية دعائهم لربهم أنْ يجعلهم هكذا.

هذا تعريف أعاظم المتألهين للحكمة العلمية والعملية.

وأمّا تعريفها في الكتاب والسنة فيوافق تعريف القوم أيضاً في الجملة، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ[10]. وقد شرحت الحكمة العملية في هذه السورة في الجملة، وحكمة لقمان مشروحة ورواها الفريقان عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم بطرق شتى، قال صلی الله علیه و آله و سلم: آتاني القرآن وآتاني الحكمة مثل القرآن وما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلا كان خراباً، ألا فتفقهوا وتعلموا ولا تموتوا جهالاً[11].

وعنه صلی الله علیه و آله و سلم أيضاً: رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ[12].

وعن الإمام الصادق علیه السلام: صِفَةُ الْحَكِيمِ‏ الثَّبَاتُ‏ عِنْدَ أَوَائِلِ الْأُمُورِ, وَالْوُقُوفُ عِنْدَ عَوَاقِبِهَا[13].

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذْ لَقِيَهُ رَكْبٌ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟. فَقَالُوا: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكُمْ؟. قَالُوا: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ, وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ, وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم: عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ؛ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ, فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَلَا تَبْنُوا مَا لَا تَسْكُنُونَ, وَلَا تَجْمَعُوا مَا لَا تَأْكُلُونَ, وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[14].

وعلى هذا يكون علم الأخلاق وعلم الفقه من الحكمة العملية؛ بل أصلها وأساسها.

ومن الحكمة العملية تدبير النفس وتدبير المنزل وتدبير المدينة وتدبير المملكة وتدبير العالم بأجمعه، والحكمة العملية تشمل كل ذلك.

وأمّا غايتها وشرفها؛ والكلام عن كلا الحكمتين؛ العلمية والعملية، فلا ريب في أنَّها أشرف الغايات لكونها من الإتّصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه، ومنه يعلم شرف نفس علم الحكمة؛ فهي أشرف العلوم ذاتاً وغايةً ومن سائر الجهات؛ بشرطها وشروطها.

ويقارن الحكمة مصطلحان قد يقع البعض في غائلة الإشتباه بينها وهما: العرفان، والكشف والشهود، والكلام فيهما معقود لأجله الأمرين الآتيين.

الأمر الثالث: في معنى العرفان

العرفان: هو كمال النفس في قوتي العلم والعمل، وانقطاعها عن الماديات بالكلية، وتوجهها إلى حضرة الأحدية من كل جهة بحيث تصير النفس مرآة صافية في نهاية الصفاء، وتستعد للواردات القلبية من الملكوت الأعلى.

وهو ممكن ثبوتاً ولا إشكال فيه، وهو معقول على نحو التشكيك، ولكن إثبات أنّ كلّ ما هو وارد قلبي مطابق للواقع الحقيقي مشكل جداً؛ لأنّ للملكات النفسانية وكمالاتها آثاراً خاصة بالنسبة إلى الواردات القلبية كما هو معلوم، ولذا أجمع فقهاء المسلمين على أنَّه لا اعتبار بها في الأحكام ما لم تكن مستندة إلى كيفية خاصة معروفة في الإستفادة من الكتاب والسنة. فكيف بما إذا كانت الواردات في أصول المعارف الحقة الإلهية التي تكون من أشد مزالّ الأقدام وأصعب الأشياء على عقول جميع الأنام.

الأمر الرابع: في الكشف والشهود[15]

وهو ما اكتفى به جمع في الإعتماد على جملة من المطالب من دون بيان الإستدلال لها وإقامة البرهان عليها كابني العربي والفارض والشيخ الإشراقي ونحوهم، وهو باطل للوجوه التالية:

أولاً: إنَّه أعم من الواقع؛ إذ المكشوفات والمشاهدات القلبية على فرض الصحة -في غير النبي صلی الله علیه و آله و سلم والمعصومين من خلفاءه علیهم السلام- تدور مدار الإعتقادات والملكات النفسانية، ولا ريب في أنّ للجهاد دخل في المكاشفات، كما أن للعوارض النفسانية من غلبة إحدى الأخلاط الأربعة[16] على الآخر فيها دخل كما ثبت في علم النفس قديماً وحديثاً فتختلف باختلاف الحالات، والحال أنّ الواقع لا اختلاف فيه.

 ثانياً: إنّ نسبة الكشف والشهود لجميع أفراد البشر من هبوط آدم علیه السلام إلى انقراض العالم؛ نسبته إلى الواقع ليست إلا كنسبة رأس إبرة تدخل في البحر المحيط بالدنيا وتخرج فيما تأخذه من النداوة من البحر، ومع هذا الإهمال والإجمال لا وجه لأن يعتمد عليه نفس الكاشف والشاهد فضلاً عن غيره. نعم؛ الأنبياء والمرسلون وكذا الأئمة المعصومون علیهم السلام يفيض الله عليهم بما يشاء وبقدر ما يشاء لاحتياج الناس إلى فقههم، ولا يكون هذا من الكشف والشهود في شيء، وما ظفرت على اطلاق الكشف والشهود بالنسبة إليهم بالمعنى الذي يدعيه هؤلاء.

ثالثاً: أجمع المسلمون على أنَّه لا أثر للكشف والشهود في الفروع العقلية فضلاً عن أصول المعارف الإلهية، ويأتي في النبوات وبيان حقيقة الرؤيا بعض ما ينفع المقام.

وإنْ قيل: إنَّه مخالف لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[17]، وغيرها من الآيات والروايات الدالة على أنَّ للمجاهدات النفسانية آثار واقعية.

فإنَّه يُقال:

  • المجاهدات النفسانية لا بُدَّ أنْ تكون ببيان الشرع والإحاطة بعلم الفقه من كلِّ جهة؛ إجتهادا أو تقليداً، وإلا فيكون ضررها على النفس وعلى الغير أكثر من نفعها كما هو المشاهد والمحسوس. وقد فصلت طرق المجاهدات في سُنّة نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم بكل وجه. ولعلنا نشير إلى جملة منها في خاتمة الكتاب عند بيان علم الأخلاق إنْ شاء الله تعالى.

وإن سُئل أنَّه لو حصل له القطع بشيء من الكشف والشهود فهل هو حجة له أو لا؟.

فجوابه: إنَّه لا اعتبار بقطعه إنْ كان متعلقه من أصول الدين وكان مخالفاً للشرع؛ سواء كان قاصراً أم مقصراً. نعم؛ المعروف أنَّه معتبر في غير أصول الدين مع عدم التقصير في المقدمات، وفيه أيضاً كلام قررناه في علم الأصول.

  • إنّ المراد بهداية السبيل في الآية الشريفة ونحوها هو التوفيق والتأييد والحفظ من أنْ يضلّ عن الطريق المستقيم؛ بعد أنْ يعمل الشخص بالوظائف المقررة من شرطها وشروطها.

الأمر الخامس: تقسيم آخر للحكمة

تقدم تقسيم الحكمة إلى النظرية والعملية، وقد قسموا القسم الأول إلى الحكمة الإلهية والطبيعية، والإلهيّة إلى إلهيّة بالمعنى الأعم وإلهيّة بالمعنى الأخص.

والأولى؛ عبارة عن الأمور العامة المحتاج إليها في جميع العلوم؛ لكون موضوعات سائر العلوم مسائل في هذا القسم من الحكمة؛ كمباحث الوجوب والإمكان والجواهر والأعراض بأقسامها.

والثانية؛ عبارة عمّا يبحث فيه عمّا يتعلق بالمبدأ تبارك وتعالى من صفاته وأفعاله وما يتعلق بهما.

ويكون موضوع الحكمتين الإلهيتين هو الوجود بما هو وجود من غير لحاظه مقيداً بقيد أبداً.

وهناك قسم آخر يقع ضمن مباحث الحكمة النظرية يسمى بـ (الحكمة الطبيعية)؛ وهي عبارة عمّا يبحث فيها من الأجسام وعوارضها ويكون موضوعها الوجود بما هو جسم لا من حيث الذات.

ومباحث الحكمة الطبيعية ثمانية:

  • البحث عن ذات الجسم مطلقاً؛ بما هو متغير، وعوارضه من الزمان والمكان والحركة والسكون.
  • البحث عن أحوال الأجسام البسيطة؛ ويعرف بعلم السماء والعالم أيضاً.
  • البحث في الجسم من حيث الكون والفساد، وكيفية الألطاف الإلهية في هذا الكون والفساد، ومنافعها في العالم وسائر الجهات والخصوصيات الراجعة إلى هذا النظام المحكم الذي تحيرت فيه العقول.
  • البحث في التركب بغير مزج؛ وهو علم الآثار الهوية وما يتمكن بها مِمّا لا يحصى ولا يستقصى.
  • البحث عن التركب مِمّا فيه مزج تام ولا نموّ فيه؛ وهو علم المعادن والأحجار الكريمة وما يتعلق بها.
  • البحث عن الجسم من حيث التركّب، وفيه مزج بلا إدراك؛ وهو علم النباتات بفروعه التي لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها.
  • البحث عن الجسم من حيث التركب والمزج وفيه شعور في الجملة بلا تعقل؛ وهو علم الحيوان بعرضه العريض جداً الذي لا يمكن لغير خالقها الإحاطة بها.
  • عين القسم السابق مع لحاظ التعقل؛ وهو علم النفس الذي تحيرت فيه عقول الأوائل والأواخر.

هذه هي بعض كليات الطبيعيات والجزئيات، وهي من أسرار الكون ولطائف الغيب؛ لا يمكن دركها إلا لخالقها، ويأتي في بيان موضوع الحكمة ما ينفع المقام أيضاً.

الأمر السادس: موضوع الحكمة الإلهية ومسائلها

موضوعها؛ هو ذات الوجود من غير تقيّد بقيد، ولا تخصص بخصوصيته.

ومسائلها؛ ما تبحث عن عوارض الوجود كالوجوب والإمكان وأقسامهما وأحوالهما، لأنّ موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

والمراد بالعرض الذاتي ما لا يصحّ سلبه عن الموضوع ولو كانت في البين واسطة، بخلاف العرض الغريب فإنَّه يصحّ سلبه عن الموضوع وإثباته للواسطة؛ ففي المقام لا يصحّ سلب الوجوب والإمكان والجوهرية والعرضية والعلية والمعلولية عن الوجود؛ بخلاف النباتية والجمادية والملكة ونحوها؛ فإنَّه يصحّ سلب ذلك كله عن ذات الوجود من حيث هو، ويصحّ اتصاف الجسم بها. وحيث أنّ الوجود يتصف بها بواسطة الجسم يصير ذلك كله عرضاً غريباً للوجود فتكون مسائل الحكمة الطبيعية من الأعراض الغريبة للوجود، ومن الأعراض الذاتية للجسم؛ لأنّ موضوعها الجسم.

إنْ قيل: إنّ الجوهر والعرض وأقسامهما إنَّما يعرض عليها الوجود بواسطة الإمكان, فلا بُدَّ أنْ يكون ذلك كله من العرض الغريب، وهو باطل. وكذا ما يبحث عنه في الحكمة الإلهية بالمعنى الأخص من صفات الله وأفعاله فإنَّها يعرض عليها الوجود بواسطة الوجوب فتكون أعراضاً غريبة لذات الوجود.

فإنَّه يقال: لا ريب في عدم صحة سلب ذلك كله عن ذات الوجود ولو كان العروض بواسطة الوجوب والإمكان؛ لأنّ هذه الواسطة من الواسطة في الثبوت، لا من الواسطة في العروض.

والمراد بالأولى؛ ما لا يمكن فيه سلب الصفة عن الموضوع كوساطة النار لحرارة الماء؛ فإنّ الماء حار حقيقة، وكوساطة الإبتداء لعروض الرفع على الكلمة؛ فإنّ الكلمة مرفوعة فيه حقيقة.

والمراد بالثانية؛ ما يمكن فيه السلب حقيقة كوساطة السفينة لحركة جالسها؛ فإنَّه يصحّ سلب الحركة عن الجالس حقيقة، وكوساطة الجسم لعروض قابلية الأبعاد الثلاثة للوجود؛ حيث يصحّ سلب تلك القابلية عن الوجود أولاً وبالذات وإنْ لم يصح بعنوان العناية والمجاز.

هذه خلاصة ما ينبغي أنْ يقال في المقام وهو يكفي لذوي البصائر والأفهام، وللقوم تطويل من الكلام من شاء العثور عليه فليراجع المفصلات، وفيما ذكرناه غنى عن مراجعتها إنْ شاء الله تعالى.

ثمّ إنهم سمّوا الحكمة الإلهية بالمعنى الأعم بالأمور العامة أيضاً للحاجة إليها في جميع العلوم لأنّ موضوعات جميع العلوم مندرجة فيها لكونها لا تخلو عن الجوهر أو العرض؛ وهما من مسائل هذا العلم.

الأمر السابع: علم الكلام

كان هذا العلم سطوراً يسيرة في صفحات قليلة يبحث في أنّ كلام الله تعالى حادث أو قديم، وأنَّه من صفات الذات أو الفعل.

وبعبارة أخرى؛ كان مسألة من مسائل الحكمة الإلهية بالمعنى الأخص، فنسجت حول هذه المسألة شبهات ومغالطات فاضطروا إلى جعله علماً مستقلاً مبوَّباً ومفصلاً بأبواب الحكمة وفصولها، وجعلوا موضوع علم الكلام عين موضوع علم الحكمة.

والفرق بين العلمين؛ إنّ الحكيم يراعي البراهين العقلية مطلقاً، ولو كانت مخالفة لظاهر ما ورد من الشرع فإنَّه يؤوّل الظاهر بما يوافق الدليل العقلي، بخلاف المتكلم فإنَّه يراعي الظواهر الشرعية مهما أمكنه، ولو كانت مخالفة للأدلة العقلية يؤوّل الأدلة العقلية إلى ما يوافقها. هذا هو أصل الفرق بينهما، ولكنهم لا يلتزمون بهذا الفرق كما لا يخفى على من تتبع العِلمين. وللمتكلمين مخالفات كثيرة في جملة من الموارد مع الحكماء لعلّنا نشير إليها في طيّ المباحث الآتية.

الأمر الثامن: البراهين العقلية التي يستدلُّ بها

البرهان الحقيقي التام؛ هو ما كانت مقدماته غير قابلة للخدشة، وغير معارض بمثله، ولم يبّين خلافه في جميع القرون والأعصار. ومع انتفاء واحد من هذه الأمور فلا اعتبار به، وجلّ البراهين التي يستدل بها في العلوم العقلية لا يخلو من أحدها؛ خصوصاً الطبيعيات حيث انكشف خلاف جملة من مسائلها بالعلوم الحديثة، كما أنّ كثيراً من مسائل الإلهيات مبني على ما يشبه الخطاب أو على قول أحد من أعاظم الحكماء. ولا خلاف في أنَّه لا اعتبار بالخطابة في الدقيّات العقلية، ولا بقول الخبر الواحد لاحتمال الخطأ فيه. نعم؛ لا بأس بذكره بعنوان التأييد بعد تمامية البرهان على المطلب.

الأمر التاسع: الأسفار الروحانية

قالوا إنَّها أربعة:

  • السفر من الخلق إلى الحقِّ؛ ويعني الإنقطاع عن العلائق والتوجّه إلى ربّ الخلائق.
  • السفر بالحقِّ في الحقِّ؛ ويعني التخلّق بأخلاق الله تعالى، والتشبه به في صفات الجلال والجمال بقدر الإمكان.
  • السفر من الحقِّ إلى الخلق بالحق؛ وهو التوجه إلى الخلق لاستكماله وتعليم البشر طريق السعادة وتحذيره عن الشقاوة، والتبشير والإنذار لمن يقبلها من النفوس البشرية. وهو من أجلّ صفات الله وأجلّ مقامات الأنبياء والتابعين لهم بإحسان.
  • السفر بالحقِّ في الخلق؛ وهو الإستقامة في تطهير النفس والنفوس والصبر والمجاهدة عند ورود المتاعب والمصاعب الشديدة، وهو أشدّ المراحل؛ خصوصاً بالنسبة إلى تكميل النفوس.

وقد رتّب صدر المتألهين كتابه على هذا الترتيب. ولا ريب في صحة ثبوت تصوير هذه الأسفار الروحانية، ولكلِّ سفر واحد من هذه الأسفار مراحل ومراتب كثيرة، ولكن مسافرين هذه الأسفار يختص بالأنبياء والمرسلين وأوصيائهم الذين صارت الدنيا لديهم كعفطة عنز[18] أو قلامة ظفر؛ خصوصاً سيدهم صلی الله علیه و آله و سلم الذي قال تعالى فيه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[19].

وقال بالنسبة إلى خليله علیه السلام: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ[20].

نعم؛ حيث أنَّ لهذه الأسفار مراتب كثيرة متفاوتة في الكمال والنقص يمكن أنْ يكون بعض مراتبها لبعض العلماء العاملين الراسخين في العلم المخالفين للهوى والممتثلين لحضرة العليّ الأعلى.

[1]. حَكَمْتُ‏ الفرس وأَحْكَمْتُه‏ بمعنى واحد. قال ابن شميل: الحَكَمَةُ حَلْقَةٌ تكون في فم‏ الفرس‏. وحَكَمَةُ الإِنسان: مقدم وجهه. ورفع الله‏ حَكَمَتَهُ‏ أَي رأْسه وشأْنه. [لسان العرب؛ ج12 ص144].

[2]. سورة النساء؛ الآية 54.

[3]. سورة آل عمران؛ الآية 48.

[4]. سورة البقرة؛ الآية 269.

[5]. عن أمير المؤمنين علیه السلام: لَا خَيْرَ فِي‏ عَمَلٍ‏ بِغَيْرِ عِلْمٍ. [غرر الحكم ودرر الكلم؛ ص778].

[6]. قال أمير المؤمنين علیه السلام: الْعِلْمُ بِغَيْرِ عَمَلٍ‏ وَبَالٌ. [عيون الحكم والمواعظ (لليثي)؛ الحكمة 1259].

[7]. درر الفوائد؛ ج1 ص6.

[8]. وهي الحكمة النظرية كما يُطلق عليها.

[9]. حکمت الهی عام و خاص؛ ص4.

[10]. سورة لقمان؛ الآية 12.

[11]. مجمع البيان؛ ج2 ص659.

[12]. وسائل الشيعة (ط. آل البيت علیهم السلام)؛ ج15 ص221.

[13]. مصباح الشريعة؛ ص198، الباب الخامس والتسعون في الحكمة. وأصل الحديث: قَالَ الإمام الصَّادِقُ علیه السلام:‏ الْحِكْمَةُ ضِيَاءُ الْمَعْرِفَةِ وَمِيرَاثُ التَّقْوَى وَثَمَرَةُ الصِّدْقِ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَعْظَمَ وَأَنْعَمَ وَأَجْزَلَ وَأَرْفَعَ وَأَبْهَى مِنَ الْحِكْمَةِ لِلْقَلْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ أَيْ لَا يَعْلَمُ مَا أَوْدَعْتُ وَهَيَّأْتُ فِي الْحِكْمَةِ إِلَّا مَنِ اسْتَخْلَصْتُهُ لِنَفْسِي وَخَصَصْتُهُ بِهَا وَالْحِكْمَةُ هِيَ النَّجَاةُ وَصِفَةُ الْحَكِيمِ‏ الثَّبَاتُ‏ عِنْدَ أَوَائِلِ الْأُمُورِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ عَوَاقِبِهَا وَهُوَ هَادِي خَلْقِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم لِعَلِيٍّ علیه السلام لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ عَبْداً مِنْ عِبَادِهِ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ مَشَارِقِهَا إِلَى مَغَارِبِهَا.

[14]. الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج2 ص53.

[15]. الكشف (لغةً): رفع الحجاب. يقال: كشفت المرأة وجهها، أي رفعت نقابها. و(إصطلاحاً): هو الإطّلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية.

[16]. وهي الصفراء والسوداء والبلغم والدم.

[17]. سورة العنكبوت؛ الآية 69.

[18]. مقتبس من كلام أمير المؤمنين علیه السلام في نهج البلاغة؛ الخطبة 3 (المعروفة بالشقشقية).

[19]. سورة الإسراء؛ الآية 1.

[20]. سورة الأنعام؛ الآية 75.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"