1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 51 الى 54

وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥۱) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥۲) وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥۳) وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)


هذه الآيات كسابقتها في مقام تعداد النّعم على بني إسرائيل و هي تشتمل على نزول التوراة التي هي من أعظم النّعم عليهم، لأنها من أهم الكتب السماوية بعد القرآن و ان قوبلت منهم بالرد و الكفران، و عبادة العجل.

قوله تعالى: وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى‏ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
الوعد: معروف، و قد استعملت مادة (و ع د) بجميع هيئاتها في القرآن‏ الكريم، و تستعمل في الخير تارة: و هو كثير، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ [سورة المائدة، الآية: 9] و قال تعالى: وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ [سورة النساء، الآية: ۹٥]. و في الشر أخرى: كقوله تعالى: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة الحج، الآية: 72]. و فيهما معا ثالثة: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [سورة فاطر، الآية: ٥].
و الإيعاد و الوعيد يستعملان في الشر، قال تعالى: وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [سورة ق، الآية: 28]، و قال تعالى: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [سورة ق، الآية: ۱٤]. و خلف الوعد بالخير قبيح و لكن لا قبح في خلف الوعيد.
و المعروف بين الأدباء و تبعهم المفسرون ان كل واحد من الوعد و خلفه خير يتصف بالصدق و الكذب و هو بالنسبة إلى خلف الوعد باطل، لأنه من مقولة الفعل و العمل لا من مقولة اللفظ و القول إلّا أن يريدوا الإلحاق الحكمي لا الموضوعي. و كذا بالنسبة إلى نفس الوعد فإنه قد يستعمل في مقام الإنشاء لا الإخبار.
ثم إنّ المفسرين ذكروا تبعا لأهل اللغة أنّ المواعدة من الطرفين فلا بد من قيام المصدر بهما، و قد ذكرنا في قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ [سورة البقرة، الآية: 9] أنّ أصل المفاعلة لا تدل إلّا لإنهاء المصدر إلى الغير سواء قام الغير بهذا الفعل أو لا، و لا بد في تعيين ذلك من التماس القرينة.
و لما اجتاز بنو إسرائيل البحر- كما تقدم- سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من ربهم فواعده ربه فضرب له ميقاتا، و قد ذكر الميعاد في القرآن الكريم في موارد ثلاثة هنا، و في آية ۱٤۲من سورة الأعراف، و في آية 80 من سورة طه.
و كان مكان الميعاد هو الجانب الأيمن من طور سيناء قال تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ [سورة طه، الآية: 80].
و أما زمان الميعاد فهو ذو القعدة و العشرة الأولى من ذي الحجة كما يستفاد ذلك من الروايات الواردة على ما يأتي، و يقتضيه الإعتبار أيضا، لأنه زمان قبول توبة آدم (عليه السلام)، و من أشهر الحج و من أشهر الحرم، و زمان ورود وفد اللّه تعالى من أطراف الأرض الى المواقيت المكانية فاتحد الميقاتان: المكاني، و الزماني، و هما مقام تجلي عظمة اللّه تعالى لأمة نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) كما تجلى لموسى بن عمران، و قد أدرك (عليه السلام) الميقاتين أحدهما جانب الطور الأيمن و ثانيهما
ما حكاه أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «أحرم موسى من رملة، و مر بصفائح الروحاء محرما يقود ناقته بخطام من ليف عليه عباءتان تطوانيتان يلبّي و تجيبه الجبال».
و الأربعون هي مجموع المدة، و يمكن أن يكون في أصل التشريع ثلاثين ليلة فزيد عليه إتمام العشرة، لأن أفعاله جلّت عظمته تتغير بتغير المصالح و المقتضيات، و لذلك تقع مورد البداء و النسخ، كما يأتي تفصيله، و يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۲] فذكر تعالى هنا الأربعين باعتبار مجموع الوعدين.
و كانت الغاية المطلوبة من هذا الميقات هي الانقطاع عن جميع العلائق و التوجه التام إلى رب الخلائق ليستعد بذلك للاستشراق و التجلي و تلقي المعارف و التوراة، و عن جمع كثير من العرفاء أنه قد كان لكل نبي ميقات زماني و مكاني مع ربه يختلف ذلك باختلاف حالاتهم و درجاتهم و منهم من ذكره اللّه تعالى في القرآن الكريم بإشارات مختلفة، و منهم من لم يذكره.
و إنّما خص سبحانه و تعالى الليالي بالذكر دون الأيام إما لأن الليالي أولى و اجمع للمناجاة معه جل شأنه، أو لأن الليل أسبق من اليوم لأنها غرر شهور العرب التي وضعت على سير القمر و ظهور الهلال، أو لأن الليل يشتمل تمام اليوم دون العكس.
و يمكن أن يكون ذكر الليالي لأجل بيان أن موسى (عليه السلام) كان يوصل صومه بالليل و لو اقتصر على ذكر خصوص اليوم لما أفاد هذا المعنى‏ و في الحديث عن الصادق (عليه السلام): «ان موسى (عليه السلام) كان حين ذهابه إلى المناجاة يمضغ ورق شجرة و يطرحه تحرزا عن رائحة فمه حين مناجاته مع ربه، فأوحى اللّه تعالى اليه: يا موسى لخلوق فم الصائم أحب إليّ من ريح المسك».
و لكن عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) النهي عن صوم الوصال، مع‏ أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصوم صوم الوصال، فقيل له: «كيف ذلك يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي فيطعمني و يسقيني ربي».
و (موسى) اسم غير عربي مركب من لفظين: [مو] و هو الماء و [شا] و هو الشجر، سمي بذلك لأن التابوت الذي وضعته أمه فيه و ألقته في البحر امتثالا لوحي اللّه تعالى إليها: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي [سورة القصص، الآية: 7] وجد عند الشجر فسمي باسم الماء و الشجر.
و عن جمع من المفسرين و اللغويين إبدال الشين بالسين المعجمة، و يشهد لهم بعض اللغات العبرية، و هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليه السلام).
و قد ورد اسمه (عليه السلام) في القرآن الكريم في ما يقرب من مائة و ست و ثلاثين موضعا، و شرح اللّه تعالى حالاته بالتفصيل من ولادته الى هجرته من مصر و نشر دعوته بما لم يشرح حال نبي من أنبيائه بمثل ذلك.
و أما جعل الميعاد في الأربعين فلأن الإخلاص للّه عزّ و جل في هذا المقدار من الزمان له موضوعية خاصة، و لهذا العدد آثار معينة كما يشهد به وجدان أهل الحال، و ثبت ذلك في الفلسفة العملية و علم الأخلاق، و قد قرره نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «من أخلص للّه أربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه و أنطق بها لسانه».
و أما ذكره بعنوانين ثلاثين، و الإتمام بالعشر في آية أخرى، قال تعالى: وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ‏ لَيْلَةً [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۲] فلأجل أن للعشر الأخير من الأربعين الإخلاصية آثارا خاصة لا تحصل في سائر عشراتها السابقة، و تأتي تتمة الكلام في البحث الفلسفي الأخلاقي.
قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ.
الاتخاذ: الافتعال و الجعل، سواء كان بمعنى عبادتهم للعجل أم جعله إلها: و العجل: ولد البقر، و إنما عبر به إما لعجلة السامري اتخاذه إلها و عبادته له، أو لعجلة موسى في إفنائه دفعا للشر؛ كما قال تعالى: لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [سورة طه، الآية: 97] فكان جعله إلها و افناؤه بالتعجيل.
و المعنى: اتخذتم العجل إلها بعد غياب موسى عنكم، و ذهابه إلى الميعاد لأخذ التوراة، و هذا من عجيب حالهم حيث قابلوا النعمة بأقبح أنواع الخيانة للعهد و أشد أفراد الجناية على النفس، لأنهم استبدلوا التراب برب الأرباب، و ما رأوه في العجل من الخوار بالعزيز الجبار و سيأتي تفصيل قصة العجل و عبادته في سورة الأعراف إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
العفو: إنما يصدق بالنسبة إلى استحقاق العقاب أيضا، و لكنه لم يصل إلى الفعلية إمهالا منه في عقوبة عباده، فلا بد و أن تشكروا على هذه النعمة، أي عدم العجلة في العقوبة حتّى تختاروا إما البقاء على الكفر أو الاهتداء فتتحقق العقوبة بالنسبة إلى الأول، دون الأخير.
قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
أي: اذكر نعمة أخرى لبني إسرائيل و هي من أهم النّعم، المعنوية و الظاهرية، الفردية و النوعية و هي نزول التوراة كتاب يفرق بين الحقّ و الباطل، فيه تفصيل كل شي‏ء، و سبب للاهتداء الى الحق المبين و الصراط المستقيم، كما قال تعالى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ [سورة الأعراف، الآية: ۱٤٥] فقد حصل من الميعاد أمران: أحدهما خير الأمور، و هو من اللّه تعالى، و الثاني شر الأمور و هو عبادة العجل و كان من الشيطان، لقانون مقابلة كل حق بباطل حسب ما اقتضته المقادير الإلهية في الأمور النوعية، بل الشخصية أيضا.
و الفرقان هو ما يفرق بين الحق و الباطل. و هذا وصف لكل كتاب سماوي، و شريعة إلهية، قال تعالى: وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ [سورة آل عمران، الآية: 3]. و يمكن أن يكون المراد بالفرقان المعنى الوصفي الشامل للجميع لا خصوص المعنى العلمي للقرآن.
كما يمكن أن يراد من الفرقان هنا المعنى الجامع لكل ما يفرق بين الحق و الباطل من التوراة، و فرق البحر، و سائر الآيات و المعجزات التي فرق بها بين الحق و الباطل.
و كلمة (لعل) إذا استعملت في كلامه تعالى تكون بداعي محبته تعالى لمدخولها و رضائه و اشفاقه بالنسبة إليه، لا بمعنى الترجي الحقيقي لاستحالته بالنسبة إليه عزّ و جل، إذ كيف يتصور فيه ذلك و هو عالم الغيب و الشهادة من جميع الخصوصيات مما هو موجود و ما مضى و ما هو آت، فكل شي‏ء حاضر لديه، و عن جمع من المفسرين أنها بمعنى «كي» التعليلية.
و في هذه الآيات المباركة تعجيب منهم فإنّه مع ظهور الآيات الكثيرة لبني إسرائيل، ليتدبروا فيها، و يعتبروا منها، و يعملوا بما أمرهم اللّه تعالى به، لكنهم قابلوا تلك بالكفران، و نقض ما أمرهم اللّه تعالى فكفروا برسالة خاتم النبيين.
و لعل السبب في ذلك يرجع إلى أمر مركوز في أنفسهم و هو انهم كانوا يتوقعون أن يكون خاتم النبيين من بني إسرائيل، لتتم لهم الحركة الدينية ابتداؤها و انتهاؤها لكن جعلها اللّه تعالى في بني إسماعيل فحصلت المعاداة الفطرية بينهم.
و على أية حال ففي هذه الآيات إشارة إلى بعدهم أيضا عن مقام الشكر و الاهتداء، لإفراطهم في اللجاجة و العصيان.
قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ. أي اذكر لبني إسرائيل ما فاله موسى لهم. و الظلم الحاصل من عبادة العجل عظيم بتمام معنى العظمة، لأنه شرك و قد وقع بعد الآيات الكثيرة الواقعة من اللّه تعالى، فكأنهم سقطوا من السماء إلى الأرض بظلمهم هذا، و من درجات المقربين إلى أسفل السافلين. و لذلك كان ظلما عظيما على أنفسهم بعد تمامية الحجة عليهم حيث صاروا كفارا جاحدين، و حكمهم شديد في شريعة التوراة و القرآن، فقول موسى (عليه السلام): «إنكم ظلمتم» إخبار لهم عن كفرهم و جحودهم و هم اعترفوا بذلك و لم يحك القرآن الاعتراض منهم على موسى (عليه السلام) في ذلك، مع بنائهم على الاعتراض و اللجاج.
و القوم اسم جمع لا واحد له من لفظه و واحده [امرؤ] و المعروف بين أهل اللغة اختصاصه بالرجال، دون النساء، قال تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [سورة الحجرات، الآية:11]، و قال زهير: و ما أدري و سوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء و قد يراد من القوم النساء أيضا، لقرينة تدل عليه قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [سورة الأعراف، الآية: ٥۹]، و قال تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ [سورة الأنعام، الآية: 83] و معلوم أن الرسالة تعم الرجال و النساء.
و هو في المقام منادى مضاف حذف منه الياء و أصله يا قومي. و خطاب موسى لقومه إنما كان بأمر منه تعالى، و إنما فعل ذلك إجلالا لشأن موسى (عليه السلام)، و أن خطابه كخطاب اللّه تعالى معهم، و لا بد و ان يكون كذلك، لأن كلام النبي (عليه السلام) في جهات التشريع و تربية أمته نفس كلام المنبأ عنه و إلّا لغي التشريع المبني على النبوءة الإلهية، فقد ورد في حق نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» [سورة النجم، الآية: ٤] و هذا الحكم يجري فى جميع أنبياء اللّه‏ تعالى كل في أمته و مورد نبوته.
قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ. البارئ مثل الخالق لفظا و معنى، لكنه أخص من الثاني من جهات ثلاث:
الأولى: اختصاصه بالإطلاق على اللّه عزّ و جل، و لا يطلق على غيره إلّا بالعناية.
الثانية: اختصاصه في كون متعلقه الحيوان، يقال: خالق الخلق و بارئ النسمات.
الثالثة: اختصاص مورده بالأمور الدقيقة التي لا يحيط بها إلّا علّام الغيوب. فهو أخص من الخالق و المصور، قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة الحشر، الآية: ۲٤].
و البارئ من الأسماء الحسنى. و التعبير به في هذه الآية المباركة إشارة إلى نهاية جهلهم، حيث اختاروا عبادة الحيوان المعروف بالغباوة في مقابل من هو بارئ لذاته و من ذاته، و تقدم معنى التوبة في آية: 37.
قوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. بيان للتوبة، أي: ليقتل من لم يعبد العجل من عبده، و لعل التعبير ب «أنفسكم» اشارة الى ملاحظة التراحم بينهم لئلا يتسرعوا الى القتل، لأن بينهم كانت وحدة القرابة و الدين، و ليس المراد قتل الإنسان نفسه [الانتحار] كما في بعض التفاسير، بل قتل بعضهم بعضا لما قلنا من وجود الوحدة بينهم- هذا في شريعة موسى (عليه السلام)، و أما في الشريعة المقدسة السمحاء فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أنعم اللّه على عبده بعد الإسلام أفضل من التوبة»، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «كفى بالندم توبة»، أو:«إن الإسلام يجبّ ما قبله».
و الأمر بالقتل في الآية المباركة يتصور على وجوه:
الأول: القتل العشوائي- كالسباع الضارية التي يتكالب بعضهنّ على بعض- بلا فرق فيه بين البر، و الفاجر- أي عابد العجل- كما في جملة من‏ التفاسير؛ و هذا و إن أمكن ثبوتا، بل ورد نظيره في شمول العذاب للمذنبين و غيرهم بتركهم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و لكنه بعيد عن حالتهم، فإنها كانت حالة بدائية أي أول دخولهم في شريعة موسى (عليه السلام)، فهي تقتضي الجلب و المداراة، لا الدفع و التضييق.
الثاني: نفس القسم الأول مع اقتضائهم ذلك بأنفسهم لا بإيجاب من اللّه تعالى عليهم ابتداء- فيكون الأمر تقريرا لما سألوه- و هو غير بعيد، خصوصا من الإسرائيليين الذين ينسب إليهم كل غث و سمين، كما عن جمع.
الثالث: إنّ الأمر من اللّه تعالى كان امتحانيا، كما في قضية إبراهيم خليل اللّه و ذبح ابنه إسماعيل فلم يقع قتل في البين، و إنّما وقع الاستسلام و الامتحان موقعه.
الرابع: ما تقدم منا من قتل الأبرياء لعبدة العجل، و سيأتي في البحث الروائي ذلك أيضا.
قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ. أي توبتكم بقتلكم لأنفسكم طاعة للّه، و مطهرة لكم، و كفارة لذنبكم فيرتفع العقاب الأخروي بذلك، و في تكرار لفظ البارئ اشارة إلى أنه جل شأنه يتدارك هذا القتل بلطفه و عنايته.
قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. لأنّ ذلك مقتضى كونه بارئا و محيطا بدقائق الأمور و أسرارها و منعما عليهم، و قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ عام لجميع المذنبين و لجميع الشرائع الإلهية، فقد وردت هذه الجملة في أغلب قصص الأنبياء (عليهم السلام) بل جميعها، فيستفاد أنه لم يجعل اللّه تعالى دينا إلّا و قرنه بقبول توبة المذنبين، و هذا هو النظام الأحسن الذي يرتضيه العقل، و يدل عليه النقل أيضا.
بقي شي‏ء: و هو أن عبادة العجل كانت شركا باللّه تعالى، و قد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [سورة النساء، الآية: ٤۸]. و يمكن الجواب عنه: بأن تحمل الآية على ما إذا مات‏ مشركا، لا ما إذا تاب و ندم كما في عبدة العجل، فإنّهم بقتل أنفسهم و تسليمهم لذلك، و قبول توبتهم لم يبق موضوع للسؤال بعد ذلك لا في الدنيا و لا في الآخرة.
و ربما يقال: إن بين قوله تعالى: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. و بين قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تهافتا فإنه بعد عفوه تعالى عنهم لا يبقى مجال للتوبة. نقول: يؤخذ بكل منهما من جهة لا من جميع الجهات، فإن كل مجتمع يقع فيه المنكرات- أصولا أو فروعا- أو هما معا- تتحقق أصناف ثلاثة: الأول: من يردع المنكر و يحاربه.
الثاني: من يفعل المنكر و يأتي به. الثالث: من يهم بفعل المنكر و لم يفعله. و الأول في هذه القضية كان منحصرا في موسى و هارون، و الثاني من اتخذ العجل إلها، و الثالث من همّ بالاتخاذ و لم يتخذه. و الأخير مورد العفو، و الثاني مورد التوبة، و الأول هو الرادع الإلهي.

عن العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً قال (عليه السلام): «كان في العلم و التقدير ثلاثين ليلة، ثم بدا للّه فزاد عشرا، فتم ميقات ربه الأول و الآخر أربعين ليلة».
أقول: يأتي ما يتعلق بالنسخ و البداء تفصيلا إن شاء اللّه تعالى.
و في تفسير العسكري: «لما فرج اللّه عن بني إسرائيل أمره اللّه عزّ و جل أن يأتي للميعاد و يصوم ثلاثين يوما، فلما كان في آخر الأيام استاك قبل الفطر، فأوحى اللّه عزّ و جل اليه: يا موسى أما علمت أن خلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك صم عشرا أخر و لا تستك عند الإفطار، ففعل ذلك موسى، فكان وعد اللّه عزّ و جل أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة».
أقول: هذا نحو تحبّب و احترام بالنسبة إلى الصائم لئلا يشمئز أحد من خلوق فمه.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: «أن موسى‏ (عليه السلام) لما خرج الى الميقات و رجع إلى قومه و قد عبدوا العجل قال لهم: «يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، فقالوا: كيف نقتل أنفسنا؟ فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس و معه سكين، أو حديدة، أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا أنتم متلثمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا. فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلّى بهم موسى (عليه السلام) و صعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتّى نزل جبرائيل، فقال قل لهم يا موسى ارفعوا القتل، فقد تاب اللّه عليكم فقتل عشرة آلاف و أنزل اللّه تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
أقول: و قريب منه ما في تفسير العسكري، و قد وقع القتل من غير العابدين للعجل على العابدين له بأمر من موسى (عليه السلام)، و يجوز للنبي أن يوكل بعض مقدمات القتل إلى من يشاء، و كان ذلك توبة منهم. و الحصر في العدد غير حقيقي فلا ينافي الحديث الآتي.
و في الدر المنثور عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية- قال (عليه السلام): «قالوا لموسى:
ما توبتنا؟ قال موسى (عليه السلام): يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه و أباه و ابنه و اللّه لا يبالي من قتل حتّى قتل منهم سبعون ألفا فأوحى اللّه إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم و قد غفر لمن قتل، و تيب على من بقي».
أقول: تقدم في الرواية السابقة وجه ذلك.

لا ريب في أنّ إفاضاته تعالى غير متناهية، و ليست هي محدودة بحد خاص، و التحديد إنما هو في المفاض عليه فإن العطيات بقدر القابليات و الإفاضات إنما هي محدودة بحدود الاستعدادات. و على هذا فإن المستفيض قد يشمله الفيض العام (مطلق الوجود) و قد يشمله الفيض الخاص، كما أنه‏ ربما يستفيد من الفيض الأخص، و الأخير يتوقف على أمور خاصة شرعية- كالرياضات و العبادات- توجب تهيئة النفس للإفاضة بالفيض الأخص، بلا فرق بين الأنبياء و المرسلين و غيرهم، فإن خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) مع أنّه من أكمل النفوس و أتمها و أقربها إلى ربّ العالمين تحصل من عباداته للّه تعالى و مجاهداته فيه جل شأنه حالات لم تكن له قبل ذلك.
و القابلية للاستفاضة إنما تحصل بانقلاع النفس عن العلائق الجسمانية و الحواجب الظلمانية، و انقطاعها إلى اللّه تعالى و تصفية مرآتها عن الغبار و محو جميع الأنداد و الأغيار، فإن لذلك الأثر العظيم في حصول الانس و تجلي القلب بأنوار القدس فيتجلى اللّه تعالى على قلبه بنور عظمته، و إليه‏ أشار نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: «من أخلص للّه أربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه و أنطق بها لسانه».
و الغرض من الميقات و الميعاد هو ذلك، و قد تقدم أنه قال جمع من العرفاء: إن لكل نبي و ولي ميقاتا مخصوصا.
و إنّما ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الرواية الصباح ليلازم العبد على الصمت و السكوت إلّا عن الحق، لأن اليوم و الصباح مظنة الخلطة مع النّاس و التكلم معهم في أمور الدنيا، و في الحديث: «من رأيتموه سكوتا فادنوا منه فإنه يلقي الحكمة».
ثم إنّ للميقات و الميعاد مظاهر مختلفة فقد كان ميقات موسى في أربعين ليلة و في جانب الطور الأيمن كما عرفت، و أما مواقيت خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) فقد جعل لأمته مواقيت خمسة مكانية كمواقيت الحج و العمرة و زمانية كأشهر الحج أو هما معا فيما إذا اتفقتا معا، و هي من علامات رسالته و معجزات نبوته؛ و فيها يتبرأ كل مسلم من الشرك و الأنداد و يطرح الأغيار و الأضداد و يتهيأ تهيئة الأسير الذليل بين يدي الرب العظيم ليتجلى اللّه تعالى عليهم عشية عرفات فيحسن إلى محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم فكان من إحدى مظاهر تجليات اللّه تعالى لعباده يوم القيامة؛ و آخر كلام موسى (عليه السلام) مع ربه في الميقات «سبحانك تبت إليك».
و أما أول كلام أمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و آخر كلامهم إنما هو تبشيرات الوصول و المواجهة:
«لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك».
و يفترق ميقات موسى بن عمران عن ميقات أمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أن الأول شخصي و الآخر نوعي، و أنّ الثاني كان ميقاتا قبل خلق الخلق، و لكن الأول صار ميقاتا بورود موسى (عليه السلام) اليه.
و من المواقيت أيضا لأمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) مواقيت الصلاة التي يحضرون فيها لدى اللّه تعالى في أوقات صلواتهم و توجهاتهم إليه بقلوبهم و أبدانهم كما يشير إليه‏
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الصّلاة معراج المؤمن» كما أن الاعتكاف الحاصل لهم في المساجد كذلك بل اجتمع فيه الميقات الزماني و المكاني و الحالي أيضا.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"