1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة فاتحة الکتاب
  10. /
  11. آية 7

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ (۷)


قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. بيان للصراط المستقيم و إنما كرر لفظ «الصراط»، لأهمية الموضوع و أنّ المطلوب ليس مجرد حدوث الهداية فقط بل بقاؤها و إبقاؤها؛ و قد بيّن تعالى الصراط المستقيم بنفسه، لأن صراطا يكون مبدؤه من اللّه تعالى و منتهاه اليه كيف يمكن وصفه و بأي وجه يتحقق نعته؟!! فلا يقدر المخلوق أن يصفه إلّا بما وصفه الخالق بالقول الجامع في قوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فمن يقدر أن يحد هذه النعمة العظمى التي هي أجلّ مواهب اللّه تعالى في الدنيا و الآخرة و أعلى الكمالات الإنسانية في ما يرد عليه من العوالم كلها و أنّى للممكن المتناهي من كل جهة أن يحيط بحقيقة ما يكون كله منه تبارك و تعالى.
و عن جمع من اللغويين أن استعمال النعمة يختص بذوي العقول فلا يستعمل في غيرهم إلّا بالعناية و له وجه إن أريد منه أن الغاية من خلق النّعم هو الإنسان، كما في قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [سورة البقرة، الآية: 29]. و أما لو أريد ملاحظة الوسائط بعضها مع البعض فلا كلية له، قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ [سورة لقمان، الآية: 31].
و إنما اطلق لفظ النعمة في الآية المباركة، ليفيد التعميم من كل جهة تتصور من النّعم الظاهرية و الباطنية، قال تعالى: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [سورة لقمان، الآية: 20].
كما بين تعالى بعض مصاديق نعمه في الآية المباركة: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ [سورة النساء، الآية: ٦۹] فإنهم نعم مطلقا و ان النّعم الواردة من المبدأ غير محدودة بحد خاص، قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [سورة إبراهيم، الآية: ۳٤].
ثم إنّ مادة (نعم) استعملت في القرآن العظيم بهيآت مختلفة كلها تشعر بالحنان و الرأفة و العطف و الرحمة قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ [سورة الغاشية، الآية: 8]، و قال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [سورة البقرة، الآية: ٤۷]، و قال تعالى: وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [سورة الدخان، الآية: 27] إلى غير ذلك من الآيات المباركة الدالة على ما ذكرنا.
تلخيص ما تقدم في أمور:
الأول: لا ريب في أنّ تشريع الأديان السماوية و إنزال الكتب الإلهية و تكميل النفوس الإنسانية بل و تنظيم العالمين- الدنيا و الآخرة- متقوّم بهدايته تبارك و تعالى و لكثرة أهمية ذلك صارت الهداية من شؤونه المختصة به، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ [سورة آل عمران، الآية: 73] و قال جل شأنه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة القصص، الآية: ٥٦] و كما تكون نفس الهداية من فعله تعالى كذلك تكون مراتبها و أقسامها لأنّه حكيم عليم بخصوصياتها و لكنّها في الإنسان بتوسط الإختيار دون غيره من سائر المخلوقات.
ثم إنّ هذه الهداية- بالمعنى الذي تقدم- واجبة في النظام عقلا لأنّ في تركها إهمالا للنفوس المستعدة و تضييعا لها و هما قبيحان عقلا و كل قبيح ممتنع بالنسبة إليه جل شأنه.
و سبل الهداية بالنسبة إلى اللّه تعالى كثيرة فكل ما يسوق العبد اليه عزّ و جل يكون من مظاهر هدايته و مصاديقها فالقرآن من هدايته تعالى لعباده قال تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة البقرة، الآية: 97]، و قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ [سورة البقرة، الآية: ۱۸٥]. و كذلك سائر الكتب السماوية، قال تعالى: وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [سورة المائدة، الآية: ٤٦]، و قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ [سورة المائدة، الآية: ٤٤]. و جعل الكعبة المشرفة أيضا من مظاهرها قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ [سورة آل عمران، الآية: ۹٦]. كما أن السنة الشريفة أيضا كذلك، لأنها أحسن سبيل لتكميل النفوس الإنسانية.
الثاني: إنّ هدايته جل شأنه لعباده على أنواع:
الأول: عام يشمل الجميع قال تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [سورة الدهر، الآية: 3]، و قال تعالى: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [سورة البلد، الآية: 10]. و لا ريب في شمولها لجميع أفراد الإنسان كما يستفاد من الآيات المباركة المتقدمة.
الثاني: الهداية الخاصة و هي تخص بجمع بذلوا وسعهم في العمل بالشريعة المقدسة فزادهم اللّه تعالى بذلك أنحاء الهداية لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [سورة العنكبوت، الآية: ٦۹]، و قال تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [سورة السجدة، الآية: ۲٤]، و قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [سورة الأنعام، الآية: 90] إلى غير ذلك من الآيات المباركة.
الثالث: ما هو أخص من الثاني كما ورد في شأن رسوله و حبيبه (صلى اللّه عليه و آله): لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [سورة الإسراء، الآية: 1]، و قال تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [سورة الأنعام، الآية: ۷٥]. و غير ذلك مما ورد في شأن أنبيائه الكرام و هذا مقام عظيم لا يليق لأحد إلّا لهؤلاء (صلوات اللّه عليهم أجمعين). و لكل من هذه الأنواع مراتب كثيرة أيضا.
(الثالث): حيث إنّ منشأ الصراط المستقيم- بكلا معنييه- من علمه تعالى و إبداع حكمته التامة و إحاطته به من جميع الجهات فهو الأصل في الكمالات و ينبعث منه سائر الكمالات في المخلوقات، فيكون مبدؤه علمه تعالى و بقاؤه بديع حكمته جل شأنه و منتهاه الخلود في جنته و في مثل هذا الأمر- الذي لا يدرك عظمته- لا يتصور فيه نقص و ينطوي فيه جميع المعارف الإلهية، و ما يتصور فيه من الاشتداد و الضعف إنما هو من ناحية المتعلق و يأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة لها إن شاء اللّه تعالى.
(الرابع): تقدم أن الصراط هو الطريق المؤدي إلى المطلوب و استعمل في القرآن الكريم موصوفا بالاستقامة و الإستواء غالبا، و قد أضيف اليه تعالى بأنحاء الإضافة كقوله تعالى: وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً [سورة الأنعام، الآية: ۱۲٦]، و قوله تعالى: صِراطِ اللَّهِ [سورة الشورى، الآية: ٥۳] و قال اللّه تعالى: إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سورة سبأ، الآية: ٦].
و لم يضف الصراط الى غيره تعالى إلّا نادرا بخلاف السبيل فإنه أضيف إلى غيره تعالى كثيرا، كما أنّه ذكر بلفظ المفرد و الجمع، قال تعالى: وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام، الآية: ۱٥۳]، و قال تعالى: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [سورة العنكبوت، الآية: ٦۹].
و السبيل هو الطريق الموصل إلى الصراط و اختلاف السبل لا يوجب الاختلاف في أصل الصراط، فمثل الصراط المستقيم و السبل المؤدية إليه مثل البحر و ما يتفرع عنه من الجداول فالبحر يفيض على الكل و الكل‏ مستفيض من البحر و كلها موصوفة بالاستقامة و الرشاد و بإزائها الاعوجاج و الانحراف و السبل المنحرفة المتفرقة هي سبل الشيطان كما تقدم.
(الخامس): للصراط المستقيم مراتب من الوجود. (الأولى): مرتبة البيان و إتمام الحجة و هي من اللّه تبارك و تعالى و أنبيائه العظام و أوصيائهم (عليهم السّلام) و يدخل في ذلك جميع الشرايع الإلهية و الرسالات السماوية. (الثانية): مرتبة الاعتقاد. (الثالثة): مرتبة العمل و هما من وظائف العبد إلّا أن الثاني أشقهما عليه (الرابعة): مرتبة ظهوره في النشأة الآخرة و من هذه المرتبة الصراط في يوم القيامة الذي لا بد من العبور عليه للوصول إلى محل الخلود.
فالعبور وضعي لا أن يكون تكليفيا، إذ لا تكليف في يوم القيامة و ان اختلف زمان العبور و كيفيته تبعا لاختلاف درجات العابرين و معنوياتهم.
قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ. بيان للآية السابقة اهتماما بصراط المنعم عليهم و اعتناء بشأنهم و أنه يباين طريق المغضوب عليهم و طريق الضالين فالجملة الأولى وقعت في مقام المدح لعباد الرحمن و الأخيرة كأنها وردت في مقام رجم الشيطان و من تبعه.
و الغضب: هو الشدة، و رجل غضوب أي: شديد الخلق. و غضب اللّه تعالى عقابه دنيويا كان أو أخرويا أو هما معا، كما أن رضاه ثوابه، و هما من صفات الفعل لا من صفات الذات و تقدم بيان الفرق بينهما.
الضلال بمعنى التحير و يستلزمه الهلاك و الغيبة عن المقصود الحقيقي و العقاب و الهلاك متلازمان، و إنما ذكرهما معا بيانا للمبدأ و الأثر، فالضلال مبدأ العقاب و منشأ استحقاقه و العقاب مترتب على الضلال ترتب المقتضى (بالفتح) على المقتضي (بالكسر) و إنما قدم الغضب و العقاب على الضلال إرشادا للإنسان بأن لا يرتكب ما يوجب غضب اللّه تعالى.
و الغضب استعمل في القرآن مع اللعن و مع الرجس و مع العذاب كما في قوله تعالى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ [سورة المائدة، الآية: ٦۰]، و قوله تعالى: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ [سورة الأعراف، الآية: 71]، و قال تعالى: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [سورة النحل، الآية: ۱۰٦]، و قال تعالى: وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ [سورة الفتح، الآية: ٦] بل ورد في مورد بعض المحرمات أيضا: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ [سورة النساء، الآية: 93].
و يستفاد من ذلك كله شموله لكل من انحرف عن الصراط المستقيم بالكفر سواء كان مشركا أو غيره من أي ملة كان.
و أما الضلال فهو بمعنى التحير كما عرفت فيشمل مطلق الكفر أيضا، قال تعالى: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [سورة النساء، الآية: ۱۳٦] فتفسير الأول باليهود و الثاني بالنصارى من باب التطبيق لا التخصيص حتّى أنه أطلق الضلال على مطلق العصيان أيضا قال تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [سورة الأحزاب، الآية: ۳٦].

وردت روايات كثيرة متفق عليها بين المسلمين في فضل فاتحة الكتاب- المسماة ب (السبع المثاني)، و (أم الكتاب) أيضا، كما في روايات كثيرة- و يكشف ذلك عن امتياز هذه السورة عن سائر السور فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «أن فاتحة الكتاب أفضل سورة أنزلها اللّه تعالى في كتابه و هي شفاء من كل داء إلّا الموت» و يحمل ذلك على الموت الحتمي الذي لا بداء فيه و إلّا فيمكن أن يكون شفاء عن الموت غير الحتمي أيضا لقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إنها من كنوز العرش و انها لو قرئت على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان عجبا».
أقول: لا يتصور محل أرقى من كنوز العرش الذي نزلت منه هذه السورة المباركة و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان العرش و ما يتعلق به في الآيات المناسبة له.
و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش»، و عن علي (عليه السّلام): «نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش».
و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «انه قال لجابر: ألا أعلّمك أفضل سورة أنزلها اللّه تعالى في كتابه؟ قال: بلى علمنيها فعلمه الحمد للّه أم الكتاب ثم قال هي شفاء من كل داء».
أقول: الأم هي الأصل في كل شي‏ء بحيث يتفرع منها الأشياء، فأم الكتاب أي: أصل الكتاب.
كما أن أم القرى أصلها أيضا بحيث تفرعت عنها سائر القرى، كما ورد في النصوص، و سيأتي بيانها عند قوله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها [سورة الشورى، الآية: 7]، تكون الفاتحة كذلك، لاشتمالها على كثير من معارف القرآن على نحو الإجمال، كما سيأتي في البحث الدلالي.
و عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال هي: أم القرآن تثنى في كل صلاة.
أقول: سميت الفاتحة أما لأصالتها و تفرع سائر القرآن منها، كما تقدم.
و أما تسميتها بالسبع المثاني فلما ورد عن الفريقين‏ أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أعطيت الطول مكان التوراة، و أعطيت المئين مكان الإنجيل، و أعطيت المثاني مكان الزبور، و فضلت بالمفصل سبع و ستين سورة».
أقول: المراد من الطول من سورة البقرة إلى سورة التوبة، و المئين هي السور التي تتضمن أكثر من مأة آية. و المثاني- التي هي جمع مثنى- مثل المعاني جمع معنى- أي: ما كرر فيه شي‏ء، و هي السور التي تقصر عن المئين، أي: ما كانت على نحو مأة آية أو أقل، و أما المفصل فهي السور التي‏ تفصل بينها البسملة كثيرا و تقصر آياتها.
و في ذلك أقوال أخر: (الأول) إنها سميت ب (المثاني) لتكررها في الصّلاة. (الثاني): إنما سميت بذلك لنزولها مرتين مرة بمكة، كما تقدم عن علي (عليه السّلام)، و أخرى بالمدينة، لعظمة شأنها، و نسب ذلك إلى مجاهد، و لكن المشهور على خلافه و يقتضيه الإعتبار أيضا. (الثالث): أنّ المثاني جميع القرآن و فاتحة الكتاب سبعة آيات من أعظم آيات القرآن؛ قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [سورة الحجر، الآية: 87]، و يشهد له ما تقدم في تفسير الآية المباركة عن ابن عباس.
و يصح أن يقال: إن المثاني من الأمور الإضافية، كما عرفت و إطلاقها على فاتحة الكتاب بكل معنى يتصور بالنسبة إلى عنوان المثاني صحيح؛ فهذه الأقوال من باب تطبيق الكلي على الفرد.
و قد روى الفريقان‏ عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): قال: «قال اللّه عزّ و جل: قسّمت فاتحة الكتاب بيني و بين عبدي، فنصفها لي و نصفها لعبدي، و لعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال اللّه جلّ جلاله: بدأ عبدي باسمي و حق عليّ ان أتمم له أموره و أبارك له في أحواله، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، قال اللّه جلّ جلاله: حمدني عبدي، و علم أن النعم التي له من عندي و أنّ البلايا التي دفعت عنه بتطولي، أشهدكم اني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة و أدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، و إذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال اللّه جلّ جلاله: شهد لي عبدي أنّي الرحمن الرحيم أشهدكم لأوفّرن من رحمتي حظه و لأجزلنّ من عطائي نصيبه، فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال اللّه تعالى: أشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين لاسهلنّ يوم الحساب حسابه و لأتقبلنّ حسناته و لأتجاوزنّ عن سيئاته فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، قال اللّه عزّ و جل صدق عبدي إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي فإذا قال: وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال اللّه تعالى: بي استعان عبدي‏ و إليّ التجأ أشهدكم لأعيننه على أمره و لأغيثنه في شدائده و لآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة قال اللّه عزّ و جل: هذا لعبدي و لعبدي ما سأل و قد استجبت لعبدي و أعطيته ما أمل و آمنته مما منه و جل». و قريب منه عن ابن عباس عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا.
أقول: هذه الرواية تكشف عن أهمية سورة الفاتحة بالنسبة إلى سائر آيات القرآن، فإنه (أولا): جعل عبده شريكا لنفسه في المخاطبة و المكالمة (و ثانيا): قسّم السورة بين نفسه جل شأنه و بين عبده نصفين. (و ثالثا): جعل على نفسه الوفاء بما جعله لعبده. (و رابعا): إنها أوثق رابطة بين العابد و المعبود و توجه كل منهما إلى الآخر. (و خامسا): حنان خاص من المعبود الحقيقي إلى عابديه.
فهذه السورة المباركة- التي جعلها اللّه تعالى في صلاة المسلمين- هي كمرآة لجميع معارف القرآن بأخصر البيان.
و عن علي (عليه السّلام) في تفسير الحمد للّه: «إنّ اللّه عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملا، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل، لأنّها أكثر من أن تحصى أو تعرف فقال لهم: قولوا: الحمد للّه على ما أنعم به علينا».
أقول: و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [سورة النحل، الآية: 18].
و عنه (عليه السّلام) في تفسير رب العالمين: «مالك الجماعات من كل مخلوق من الجمادات و الحيوانات و خالقهم و سائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون و من حيث لا يعلمون يقلّب الحيوانات بقدرته و يغذوها من رزقه و يحوطها بكنفه و يدير كلا منها بمصلحته، و يمسك الجمادات بقدرته و يمسك المتصل منها ان يتهافت و يمسك المتهافت منها أن يتلاصق و يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه و الأرض أن تنخسف إلّا بأمره.
أقول: الحديث ظاهر في عموم ربوبيته تعالى لجميع الموجودات بتمام شؤونها، و يدل على ذلك ما تقدم في معنى الرب.
و عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في بيان مالك يوم الدين: «إنّ أكيس الكيّسين من حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت و إنّ أحمق الحمقاء من أتبع نفسه هواها و تمنى على اللّه الأماني، و أحمق النّاس من باع آخرته بدنياه، و أحمق منه من باع آخرته بدنيا غيره».
و في معناه ورد كثير من الروايات، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا أو زنوها قبل أن توزنوا».
أقول: هذه الروايات المتواترة تدل على أهمية المعاد و وجوب كثرة الاهتمام به.
و عن علي (عليه السّلام) في بيان اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: «أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ما مضى من أيامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا».
أقول: و المراد من الإدامة تجدد مراتب الهداية بعد تحصيل كل سابق، كما تقدم.
و عن الصادق (عليه السّلام): يعني أرشدنا للزوم الطريق المؤدي الى محبتك و المبلغ الى جنتك و المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك».
و عنه (عليه السّلام) في الصراط: «هو الطريق الى معرفته عزّ و جل و هما صراطان: صراط في الدنيا و صراط في الآخرة. فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدى به مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، و من لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه على الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم».
و عن الصادق (عليه السّلام) في قول اللّه تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فقال: «فاتحة الكتاب من كنز العرش فيها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) الآية التي تقول: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً، (و الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) دعوى أهل الجنّة حين شكروا اللّه حسن الثواب. و (مالك يوم الدين). قال جبرائيل: ما قالها مسلم قط إلّا صدّقه اللّه و أهل سماواته (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إخلاص العبادة. (وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أفضل ما طلب به العباد حوائجهم (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) صراط الأنبياء و هم الذين أنعم اللّه عليهم (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) اليهود (وَ لَا الضَّالِّينَ) النصارى».
و عنه (عليه السّلام) أيضا في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. قال: «صراط محمد و أهل بيته».
و عن ابن عباس كذلك قال: «قولوا معاشر العباد أرشدنا إلى حب محمد و أهل بيته».
أقول: الأخبار في ذلك كثيرة عن الفريقين، و هو تعبير عن الكلي بالفرد و بيان أحد المصاديق و مثل ذلك كثير في القرآن العظيم و السنة الشريفة.

هذه السورة تتضمن أمورا:
الأول: إثبات وحدة ذاته تعالى لأنّ لفظ الجلالة (اللّه) كما تقدم بمعنى الذات المسلوب عنها جميع النواقص الواقعية و الإدراكية و الشريك في الذات نقص بل من أخس أنحائه.
الثاني: إثبات وحدة فعله تعالى بذكر «رب العالمين» لأنّ العالمين بمعنى ما سواه و هو فاعل الكل و مربيه.
الثالث: إثبات وحدة المعبود بذكر «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
الرابع: المعاد الذي هو من أهم المعارف الإلهية و الإعتقاد به بذكره تعالى «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ».
الخامس: الإشارة إلى النبوات السماوية و الشرايع الإلهية بذكر «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ».
فهذه السورة على اختصارها مشتملة على جميع المعارف الإلهية و المعتقدات الحقة المذكورة في الكتب السماوية، و يدل على فضل هذه السورة و كمالها مضافا إلى ذلك أمور أخرى:
منها: حسن نظمها و جمالها فإنها ابتدأت بالبسملة ثم الحمد و بعده ثناء اللّه عزّ و جل بأتم الصفات ثم إظهار العبودية للّه تعالى التي هي أعلى مقامات الإنسانية، فالاستعانة منه جل شأنه لدفع المهالك و جلب المنافع ثم طلب الهداية منه تعالى إلى طريق الصلاح، فقد تجلى اللّه سبحانه و تعالى في القرآن و تجلى القرآن في الفاتحة و لأجل ذلك استحقت السورة ان تسمى ب (أم الكتاب) لاحتوائها- على اختصارها- عامة ما يحويه القرآن من المعارف و هي من أهم جوامع الكلم التي فضل اللّه تعالى خاتم أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله) بها و ان شئت الظفر على بعض ما قلناه فانظر إلى ما يقرؤه أهل التوراة و الإنجيل و سائر الأديان في صلواتهم تجد الفرق بينهما كبيرا.
و منها: أنّها تبين أدب العبودية و تعلم العبد كيفية التكلم و المخاطبة معه جل شأنه، و التلقين منه تبارك و تعالى دليل على القبول و الاستجابة، و قد روى الفريقان‏. عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه يقول: «قال اللّه عزّ و جل قسمت فاتحة الكتاب بيني و بين عبدي»، و قد تقدم في البحث الروائي.
ثم إنّ ابتداء هذه السورة بالحمد يدل على محبوبيته له تعالى و حسنه على كل حال سواء كان لذاته أو لفعله أو لصفاته. و الظاهر من إضافة الحمد إلى اللّه تعالى أن الذات الأقدس ذات محمودة و الذات المحمودة بالذات تستلزم محمودية الصفات- التي هي عين الذات- فما تعارف بين العلماء من أن الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري- كما تقدم- إنما هو بحسب الغالب المتعارف بين المخلوق بحسب إدراكهم و الذات الأقدس خارج عن الاختيار، و الحمد على الذات الأقدس هو أعلى مراتب الحمد و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
نعم، لا بد و أن ينتهي الحمد إلى الذات الأقدس و الا لتسلسل، لأن إنشاء الحمد من الحامد نعمة منه تعالى فهو يحتاج الى حمد آخر و هكذا فيتسلسل، و قال (عليه السّلام) في الصحيفة السجادية: «و كيف لي بتحصيل الشكر و شكري إياك يحتاج إلى شكر فكل ما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول لك الحمد».
فمن لطائف القرآن ابتداؤه ب «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و آخر دعوى المخلدين في الجنّة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» قال تعالى: وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة يونس، الآية: 10]، فترجع النهاية إلى البداية، و عليه شواهد من الكتاب و السنة تأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه تعالى.

يظهر من الروايات المستفيضة بين الفريقين أنّ قوام الصّلاة بفاتحة الكتاب‏ فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» الى غير ذلك من الروايات الكثيرة.
و أما التأمين بعد الفاتحة فيبحث فيه تارة، بحسب الثبوت، و أخرى: بحسب الإثبات.
أما الأول: إنّ الهداية إما أن تلحظ من حيث إضافتها إلى اللّه تعالى فهو الهادي فحينئذ لا رجحان لذكر آمين بعدها، كما في جميع صفاته تعالى الفعلية، و إما أن تلحظ من حيث اضافتها إلى العبد أي: طلب الهداية منه تعالى فكذلك أيضا لفرض حصول جميع مناشئ الهداية و أسبابها و موجبات إتمام الحجة منه عزّ و جل فقد حصل المطلوب خارجا فلا يعقل معنى صحيح للتأمين على ما وقع و حصل.
و إن كان المراد بها بحسب البقاء لا أصل الحدوث فإن أضيف البقاء إليه عزّ و جل فهي باقية لأنّ حجته تامة و باقية ببقاء الإنسان و لا وجه للتأمين عليه أيضا و إن أضيف الى العبد فهو من فعله و لا معنى لتأمين الشخص على فعله.
و إن أريد به أن يوفق اللّه عبده لإدامة الهداية لنفسه في المستقبل كما و فقه في الماضي، فهو خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل.
و أما الثاني: فقد نسب إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) بأسناد غير نقية قول: «آمين» بعد تمام الحمد. فالمقام مقام الحمد للّه تعالى على هذه النعمة العظيمة من وقوف العبد بين يدي اللّه تعالى و مخاطبته معه جل شأنه، و يرشد الى ذلك قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [سورة الأعراف، الآية: ٤۳]،
و قد ورد عن الصادق (عليه السّلام): «إذا قال الامام و لا الضالين فقولوا الحمد للّه رب العالمين».
ثم إنّه يجوز قصد الإنشاء بجملة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» و نحوها من الآيات الكريمة مع قصد القرآنية أيضا لأنّ المتكلم في مقام إيجاد مفاهيم هذه الألفاظ لفظا و البناء على العمل طبقها خارجا.
و قد أشكل عليه جمع من المفسرين بأنّه من استعمال اللفظ في معنيين، و هو غير جائز. (و هو مردود): لأنّ الاستعمال الممتنع على فرض امتناعه إنما هو في ما إذا كان المعنيان فردين مستقلين في الإرادة الاستعمالية كل منهما في عرض الآخر لا في ما إذا كان أحدهما استقلاليا و الآخر تبعيا. و إلّا فهو واقع كثيرا في المحاورات الصحيحة، و المقام من هذا القبيل فيقصد القارئ القرآنية استقلالا و الإنشائية تبعا و المسألة أصولية تعرضنا لها في [تهذيب الأصول‏].

المعروف بين جمع من الفلاسفة لزوم السنخية بين العلة و المعلول، فالمباين من كل جهة لا يمكن أن يصير علة للمباين كذلك كما أنّ المباين من كل جهة لا يصدر من المباين كذلك و بنوا عليه مباحث فلسفية و عرفانية.
و لكن ظاهر قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ و غيره من الآيات المباركة – الكثيرة التي يأتي بيانها- ينفي ذلك فإنّ موجد العوالم و مربّيها لا سنخية بينه و بينها إذ لا سنخية بين الممكن بالذات و الفقير المحض و بين الواجب بالذات و الغني المطلق كذلك.
و دعوى: انّ السنخية في مفهوم الموجودية متحققة. (مردودة): بأنّه لا علية و لا معلولية في المفاهيم و إنّما هما من شؤون الحقائق فما هو مشترك لا يتصور العلية و المعلولية فيه و ما هو علة و معلول لا يتحقق الاشتراك فيه، و سيأتي تفصيل هذا البحث في الآيات المناسبة له إن شاء اللّه تعالى.
و لذا ذهب جمع من محققي فلاسفة المسلمين إلى أنّ السنخية إنما تصح في العلل الطبيعية، كتوليد النّار للحرارة. و أما الفاعل المختار القدير فلا وجه لذلك فيه، كما عرفت.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"