1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 97 الى 101

قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)


تبين هذه الآيات المباركة جملة أخرى من المساوئ الاعتقادية و الأخلاقية لهم كعداوتهم للملائكة و الرسل بلا سبب معقول لذلك بل بمجرد الأوهام الفاسدة ثم بيان عنايته تبارك و تعالى للنّاس، و أنه لا يكون عدوا إلّا للكافرين الذين يستحقون تلك العداوة باختيارهم.

قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. العدو ضد الصديق.
و جبرئيل اسم أعجمي ليس من الألفاظ العربية، و لذا كثرت فيه اللغات- كما في غيره من الألفاظ غير العربية التي تكثر فيها اللهجات- حتّى أنهاها بعضهم إلى ثلاث عشرة لغة.
بيّن سبحانه و تعالى ذميمة أخرى من ذمائم أخلاقهم فقد افتروا على‏ أمين وحي اللّه عزّ و جل بأنه ملك ينزل الحرب و الدمار، و الشدة و الفناء، و أنه أنذر بخراب بيت المقدس، و أنه يفعل من عند نفسه بخلاف غيره من الملائكة. فرد سبحانه و تعالى عليهم بأنّ هذا الملك و غيره من الملائكة مسخرون تحت إرادة اللّه تعالى المهيمن على الجميع الفعّال لما يشاء فلا يفعلون إلّا ما ارتضاه اللّه تعالى، و لا يقضون إلّا ما أحبه عزّ و جل، قال تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [سورة التحريم، الآية: ٦]. و إذا كانت أفعال جبريل مستندة إليه عزّ و جل فيلزم أن تكون عداوتهم له عداوة اللّه تعالى و يرشد إلى ذلك ذيل الآية المباركة «بإذن اللّه» أي إنّ كل ما ينزله جبريل على رسول اللّه و سائر الأنبياء إنما يكون بإذن من اللّه تعالى لا من عند نفسه.
قوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ. التفات من الغيبة إلى الخطاب، و هو من أحسن بدايع الفصاحة. و الضمير في «نزله» يرجع إلى القرآن المستفاد من قرائن الحال و ذلك يدل على رفيع شأنه فكأنه لشهرته لم يذكره في المقال و فيه من الإيماء إلى شرف جبريل (عليه السلام) و ذم أعدائه. و المراد من «إذن اللّه» علمه و إرادته، و إنما ذكر سبحانه القلب لأنه موضع تلقي العلم و المعارف و الكمالات. و خص قلب نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) لأنه خاتم الأنبياء و أشرفهم، بل غاية أصل الخليقة و سيدها و الإشارة إلى أن ما نزل على الأنبياء السابقين كموسى و عيسى (عليهما السلام) من أشعة ما نزل على قلبه و لمعات من هذا النور العظيم، فكما أن ذاته الأقدس غاية الخلق يكون كتابه المقدس غاية الكتب المقدسة السماوية. و الغاية مقدمة في العلم و إن تأخرت في الوجود كما ثبت في الفلسفة.
قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ. أي: إن القرآن الذي أنزله جبريل على محمد (صلّى اللّه عليه و آله) مصدق لما تقدم من الكتب الإلهية و هدى و بشرى للمؤمنين، و تقدم شرح ذلك في أول هذه السورة.
و نزيد هنا أن الهداية و البشارة متلازمتان في جميع أطوار وجودهما و مراتب ظهورهما في الدنيا و الآخرة و العمل. و سياق الآية المباركة يدل على أن لها شأنا و سببا لنزولها، و سيأتي في البحث الروائي الكلام عنه.
قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ. مادة (ع د و) تأتي بمعنى التجاوز عن الحد المعين في الشي‏ء، و للتجاوز موارد كثيرة، فإذا كان التجاوز في الميل القلبي يطلق عليه العداوة و المعاداة، و في الاقتصار في المشي يطلق عليه العدو، و في المرض يطلق عليه العدوى و في المعاملات و المجاملات يطلق عليه العدوان و التعدي و الاعتداء، إلى غير ذلك من موارد استعمالاته في المحاورات. و قد ذكرت هذه المادة في القرآن الكريم بجملة كثيرة من متفرعاتها، و هي بالمعنى الحقيقي ممتنعة بالنسبة إليه عزّ و جل، إذ لا يعقل التجاوز بالنسبة إلى من هو غير متناه من حيث القدرة و الغلبة و القهارية. نعم يصح بالمعنى الاعتقادي، و هو يرجع إلى مخالفته في الإعتقاد و العمل. هذا و إن أرجعنا عداوته إلى عداوة أنبيائه و أوليائه يصح بالمعنى الحقيقي أيضا، و كذلك إن أرجعناها إلى عقابه.
و إنّما أضاف سبحانه و تعالى العداوة إلى نفسه تشريفا لملائكته و رسله و أوليائه،
و في الحديث: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» و قد وردت آيات و روايات دالة على حسن مخالطته تعالى مع عباده على ما يأتي تفصيلها إن شاء اللّه تعالى، و ليس المراد بالمخالطة ما هو المنساق من ظاهر اللفظ، بل‏ ما قاله علي (عليه السلام): «داخل لا بالمجانسة، و خارج لا بالمباينة، فبينونته تعالى بينونة صفة لا بينونة عزلة».
كما أنّ في ذكر نفسه أولا ثم الملائكة و الرسل إشعارا بعدم الفرق في هذه العداوة بينه تعالى و بينهم، لأنهم مظاهر آياته و أولياء خلقه و وسائط فيضه.
قوله تعالى: وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ. تقدم وجه اشتقاقهما. و اتفق جميع الفلاسفة على أنّ الملائكة ذوات مجردة ليست من الماديات إلّا أنّ فلاسفة المسلمين ذكروا أنّها جواهر مجردة، و المتكلمون منهم يقولون: إنّها أجسام لطيفة لعدم ثبوت الجواهر المجردة عندهم. و شبهوا الأجسام‏ اللطيفة بالأجسام التي نشاهدها في عالم النوم، و ما يوجد في الذهن. و حيث إن وجود الملائكة لا يتوقف على المادة و تهيئة الأسباب فيكفي في إيجادها مجرد الأمر الإلهي، و هي بجميع أقسامها من عالم الأمر (أي: ما يوجد بمجرد أمره تعالى من غير توقف على المادة و الزمان و نحوهما) فمنها مالها مراتب و منازل كالمدبرات أمرا، و النازعات، و الفارقات و نحو ذلك، و منها ما ليس كذلك و قد اصطلح على تسمية الكل بالملائكة، و على تسمية من له شأن من الشأن بالملك، فكل ملك ملائكة و ليس كل ملائكة ملك فنسبة الملك (بفتح الميم و اللام) إلى البقية كنسبة الملك (بكسر اللام) إلى الرعية، و يأتي تفصيل أحوال الملائكة و شؤونها و أفعالها في المحل المناسب إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ. إنّما خصهما تعالى بالذكر إعلانا بعلوّ شأنهما و تشريفا لهما، أو لأنّ اليهود إنما خصوصهما بالذكر فقالوا: إنّ جبريل ملك الإنذار و العذاب، و ميكال ملك الرحمة فنزلت الآية ردا عليهم بأن معاداة أحدهما هي معاداة الآخر و محبتهما كذلك. و إلّا فهما من سادات الملائكة، و هم أربعة: جبريل الذي هو موكل بإفادة العلوم للذوات المستعدة لكل علم و فن و صنعة. و ميكائيل موكل بالأرزاق. و إسرافيل موكل بإفاضة الأرواح لكل ذي روح. و عزرائيل موكل بقبض الأرواح، و لكل من هؤلاء الأربعة أعوان و جنود لا يعلمها إلّا اللّه تعالى و هو المهيمن على الجميع.
قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ. أي: أنّ من كان كذلك لا يكون إلّا كافرا به تعالى و اللّه عدو للكافرين، و عداوته لهم عبارة عن سخطه تعالى عليهم و عقابه لهم، و هم الظالمون لأنفسهم و كفى بذلك خزيا.
و في الآية إشارة إلى أن عداوة اللّه لا تتحقق إلّا بسبق عداوة العبد له تعالى، فهو كالموضوع لعداوته عزّ و جل، و الموضوع متقدم على ما يلحقه؛ فبينهما ملازمة الجزاء و الشرط. كما أن في الآية المباركة من الوعيد الشديد و الذم لمعادي الملائكة لا سيما جبرئيل فإن اليهود و إن كانوا لا يدعون معاداة جميع الملائكة و لكنه في الواقع كذلك فإن عداوة أحدهم تكون عداوة للكل. و في وضع الظاهر موضع الضمير في قوله تعالى:
لِلْكافِرِينَ إشارة إلى أن العلة في العداوة هي الكفر.
قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ. الآيات البيّنات أي الأدلة الواضحة التي لا ريب فيها على صدق نبوته من القرآن و سائر المعاجز.
قوله تعالى: وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ. الفسق الخروج يقال: فسق الرطب أي خرج عن قشره، و كل من خرج عن طاعة اللّه تعالى فهو فاسق، و له مراتب كثيرة تتفاوت بين الشدة و الضعف ففسق الكفر مرتبة منه، و فسق الكذب و الغيبة المتداولين بين النّاس فسق أيضا. و هو الجامع بين المعاصي الكبيرة و الصغيرة الواردة في الكتاب و السنة المشروح في علمي الفقه و الأخلاق. بل يمكن القول بأن الفسق حجاب للقلب عن استشراقاته المعنوية من المبدأ القيوم، فإما أن يعم الحجاب جميع القلب أو يكون حجابا عن بعضه فيكون كنقطة سوداء في القلب تتغير زيادة و نقيصة، فإذا صدرت من الكافر معصية. كالكذب مثلا اجتمع فيه قبحان و خطيئتان: قبح الكفر و خطيئته و قبح الكذب و خطيئته، و يأتي التفصيل في المحل المناسب.
و المعنى: إنّ معك أيّها النبي العظيم آيات بينات تدل على صدق دعواك و كل من أنكرها يكون خارجا عن الحق و قد استحب الكفر عنادا، و على هذا يصح أن يراد بالكفر و الفسق العقليان منهما أيضا لا خصوص الشرعي، لأن رد تلك الآيات البينات خروج عن طريقة العقل و العقلاء و نور الفطرة في رد الآيات البينات من غير دليل و حجة بل بمجرد العناد و الجحود و التقليد الأعمى.
قوله تعالى: أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. الواو في «أو» حرف عطف تصدر بأداة الاستفهام الدالة على التوبيخ و التقريع لعادتهم في نقض العهود. و العهد ما يلزم مراعاته و حفظه و القيام به و المراد به عهودهم مع الأنبياء و الرسل. و النبذ هو طرح الشي‏ء لقلة الاهتمام و الاعتناء به.
قوله تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فيه إيماء إلى ما قد يتبادر من لفظ الفريق القلة منهم، فذكر سبحانه أن أكثرهم لا يؤمنون، و هو في مقام التعليل لما يصدر عنهم من الأفعال القبيحة و نقض العهود، يعني أنهم ينقضون العهد، لأن أكثرهم لا يؤمنون. و يستفاد من هذه الآية المباركة عدم الوثوق بهم لاعتيادهم على نقض العهود، و عدم رجاء الإيمان من أكثرهم.
كما يستفاد منها ذم الكثير و الأكثر، كما ورد في ما يقرب من مأة آية قال تعالى: وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ [سورة الحج، الآية: 18]، و قال تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ [سورة المائدة، الآية: ٤۹] إلى غير ذلك من الآيات المباركة بخلاف القليل و الأقل، فقد ذكروا بالمدح قال تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: 13]، و قال تعالى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة النساء، الآية: ٤٦] و لو تأمل شخص في أحوال عامة النّاس رأى أن ذلك حق مطابق للواقع، و تدل على ذلك أقوال الأئمة (عليهم السلام) ففي الحديث: «المؤمنة أعز من المؤمن، و المؤمن أعز من الكبريت الأحمر؛ و من رأى من أحدكم الكبريت الأحمر؟!».
و في الآية المباركة تسلية لنبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و إخبار له بإدبار الأكثر عنه.
قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ. تقدم معناه في الآية 89 أي: لما جاءهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) الرسول من عند اللّه تعالى المصدّق لجميع ما أنزله اللّه تعالى من التوراة و الإنجيل المشتملين على التوحيد و سائر المعارف الإلهية، و الأحكام التشريعية، و صفات الرسول الذي وعدوا و بشّروا به و أنه من آل إسماعيل، فإن أصول الأحكام واحدة و إن ظهرت تارة في صحف إبراهيم، و توراة موسى أخرى، و إنجيل عيسى (عليهم السلام) ثالثة، و قرآن‏ نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) رابعة فمن نبذ واحدا منها فقد نبذ الجميع، فالكل مصدّق للكل، و الجميع شريعة واحدة.
قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ. نبذ الشي‏ء وراء الظهر كناية عن ترك العمل به و كفرهم به. و المراد بكتاب اللّه مطلقه الأعم من التوراة و الإنجيل و القرآن.
قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. تنزيل لعلمهم منزلة الجاهل المقصّر في العصيان و استحقاق العقاب، و فيه من المبالغة في الترك و الإهمال، ما لا يخفى. يعني أنكم مع علمكم بأنه الحق فقد نبذتموه وراء ظهوركم فلم تحرّموا حرامه و لم تحللوا حلاله، فصار الجحود أشد، و العقاب أكثر.

القمي في قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ: «إنما نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ لنا في الملائكة أصدقاء و أعداء فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من صديقكم، و من عدوكم؟ فقالوا: جبرئيل عدونا، لأنه يأتي بالعذاب و لو كان الذي ينزل عليك القرآن ميكائيل لآمنّا بك، فإن ميكائيل صديقنا، و جبريل ملك الفضاضة و العذاب، و ميكائيل ملك الرحمة».
أقول: رواه الفريقان، و في الدر المنثور قريب من ذلك.
و في المجمع في الآية أيضا قال ابن عباس: «كان سبب نزول الآية ما روي أن ابن صوريا و جماعة من يهود أهل فدك لما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): تنام عيناي و قلبي يقظان، قالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أما العظام و العصب و العروق فمن الرجل، و أما اللحم و الدم و الظفر و الشعر فمن المرأة. قالوا: صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه و ليس فيه من شبه أخواله شي‏ء؟ أو يشبه أخواله و ليس فيه من شبه أعمامه شي‏ء؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله) أيهما علا ماؤه كان الشّبه له. قالوا: صدقت يا محمد. فأخبرنا عن ربك فما هو؟ فأنزل اللّه سبحانه و تعالى: قل هو اللّه أحد- إلى آخر السورة- فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك و اتبعتك؛ أيّ ملك يأتيك بما ينزل اللّه عليك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): جبرئيل. قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال و الشدة و الحرب، و ميكائيل ينزل باليسر و الرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك».
رواه الطبرسي في الإحتجاج عن جابر بن عبد اللّه. و رواه أيضا في الدر المنثور.
أقول: أما قوله (صلّى اللّه عليه و آله): تنام عيني و قلبي يقظان، فقد نقل مستفيضا عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو كذلك بحسب ما أثبتوه من حضوره (صلّى اللّه عليه و آله) عند ربه دائما، كما يدل عليه‏ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) على ما رواه الفريقان: «إني لست كأحدكم أبيت عند ربي فيطعمني ربي و يسقيني ربي» و المراد منهما الإفاضات المعنوية و الجذبات الواقعية الرحمانية، فلا يعقل حجاب لقلبه بمثل النوم و الغفلة و نحوهما، و يشهد له ما هو من خصائصه من أنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه و أنه لا ظل له، و تأتي تتمة الكلام في المواضع المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
و أما قوله: (صلّى اللّه عليه و آله): «أما العظام و العصب و العروق فمن الرجل» فقد أثبت العلم الحديث ذلك أيضا كما يأتي مفصلا.
و في الدر المنثور: «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ» قال ابن عباس: «هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا محمد ما جئتنا بشي‏ء نعرفه، و ما أنزل عليك من آية بينه فنتبعك بها فأنزل اللّه تعالى الآية».

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"