1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 87 الى 91

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)


من أهم العهود و المواثيق الإنسانية مع اللّه تبارك و تعالى إرشاده إلى المعارف الإلهية التي فيها الكمال الإنساني و لم يتمكن البشر أن يبلغ ذلك إلّا بمرشدين من قبله تعالى و هم الرسل و الأنبياء بما أنزل عليهم من الكتب و الأحكام. و قد جرت سنته تبارك و تعالى أن يرسل الرسل بعضهم إثر بعض لئلا ينسى الإنسان ما عهد إليه ربه و لا يكون في حيرة و ضلالة. و مما أنعم تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم عددا من الرسل لينبئوهم بما عهد إليهم ربهم و يجددوا المواثيق عليهم، فلم يكن منهم إلّا الإصرار على الكفر و العصيان ذلك لأنهم اتبعوا الشهوات فقست قلوبهم، فاستحقوا اللعن و العذاب الأليم بما كانوا يفعلون.

قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ. المراد من الكتاب هو التوراة الكتاب المقدس أول الكتب السماوية. و التقفية هي الارداف و المتابعة كلفظ تترى، قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [سورة المؤمنون، الآية: ٤٤] أي متتابعا. و المعنى: لقد أرسلنا موسى و أعطيناه التوراة ثم أتبعنا بعد موته رسلا على شريعته يجددون العهد يأمرون و ينهون. و عن جمع إن عدد الرسل بين موسى و عيسى اربعة آلاف. و عن آخرين إنهم سبعين ألفا، منهم من ذكرت أسماؤهم في القرآن مثل داود و سليمان. و يونس و الياس و اليسع و ذي الكفل و يحيى. و زكريا (عليهم السلام). و منهم من لم تذكر أسماؤهم منهم يوشع صاحب دعاء السمات المعروف عندنا.
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا دعوتم اللّه بالأنبياء المستعلنين فادعوه بالأنبياء المستخفين».
قوله تعالى: وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ. البينات: الحجج القيّمة، و البراهين الواضحة، فتشمل الإنجيل و جميع معجزات عيسى (عليه السلام) و هي التي ذكرها اللّه تعالى في سورتي آل عمران و المائدة.
و عيسى بالسريانية أيشوع- بتقديم الهمزة ثم الياء و الشين المعجمة- و معناه السيد أو المبارك، و هو من الأنبياء اولي العزم و صاحب الكتاب المقدس، و شريعته ناسخة لكثير من شريعة موسى (عليه السلام) مصدق للتوراة، و مبشر برسالة احمد (صلّى اللّه عليه و آله) قال تعالى: وَ قَفَّيْنا عَلى‏ آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [سورة المائدة، الآية: ٤٦]، و قال تعالى: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف، الآية: ٦] و لهذا خصه اللّه تعالى بالذكر في المقام بعد موسى (عليه السلام).
قوله تعالى: وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. التأييد: التقوية و الإعانة.
و القدس- بضم الدال أو سكونه- الطهارة و التطهير عن كل ما يوجب النقص، و يأتي بمعنى الكمال الأتم، و بهذا المعنى يكون من أسمائه الحسنى. فيقال‏ «يا قدوس». و روح القدس هو جبرائيل الذي ينزل على الأنبياء (عليهم السلام) و منه يستمدون العلوم النازلة من اللّه تعالى على البشر، فتطهر النفوس المستعدة عن أدناس الرذائل و تبلغ إلى ما أعدت لهم من درجات الفضائل.
و تأييد عيسى (عليه السلام) بروح القدس كان من أول حمل امه به إلى أن رفع إلى السماء كما يأتي بعد ذلك. هذا و لكن يظهر من جملة من الأخبار أن روح القدس غير جبرائيل، و هو مع الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) يستمدون منه و أما بالنسبة إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) الذي هو بدء سلسلة النزول و ختم سلسلة الصعود، فمقتضى‏ المستفيضة عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «أول ما خلق اللّه روحي [أو نوري‏]»
أن يكون جبرئيل يخدمه لا أن يكون مؤيّدا بجبرئيل، و في المقام تفصيل نتعرض له في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى‏ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ.
الهوى: الميل إلى الشي‏ء، سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه الى النار إذ يستعمل غالبا في الشر و فيما ليس بحق. و المعنى: أنكم تتبعون أهواءكم حتّى في اتباع رسل اللّه، فمن كان منهم موافقا لهواكم تتبعونه، و تخالفون من لا يكون كذلك.
قوله تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ. أي أنكم كذبتم فريقا من الرسل، كعيسى (عليه السلام) و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و تقتلون فريقا آخر منهم كيحيى و زكريا (عليهما السلام) و غيرهما. و من إيراد الفعل بالمضارع يستفاد استمرارهم على هذا الفعل الشنيع فصار العناد و الجحود سجية لهم.
قوله تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ. الغلف- بسكون اللام- جمع الأغلف- و بضمه- جمع غلاف- كحمر و حمار- بمعنى الغطاء. و لم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم إلّا في موردين: أحدهما هنا، و الآخر في قوله تعالى: وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها [سورة النساء، الآية: ۱٥٥] و كلاهما ورد في شأن اليهود و في مقام ذمهم و الطعن فيهم و المراد به على التقديرين أنهم قالوا قلوبنا مملوءة من علم التوراة فلا نحتاج‏ إلى شريعة جديدة، أو أن قلوبنا في حجاب و غلاف لا نفهم ما جاء به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، كما قال تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [سورة فصلت، الآية: ٥] استخفافا بما أنزله اللّه تعالى و غرورا بما عندهم. و المعنيان متلازمان كما لا يخفى، و هذا القول- كسائر أقوالهم و أفعالهم القبيحة- من مظاهر استكبارهم. و لا يختص ذلك باليهود بل يصدر من كل من يزعم كمالا لنفسه- و هو فاقد له- فيغتر بما عنده، و قد ردّ اللّه عليهم، و أبطل مزاعمهم.
قوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ. اللعن: الطرد و المعنى إن سبب نفورهم عن الإيمان ليس ما قالوه بل هو كفرهم و عنادهم كما جبلت عليه نفوسهم مما أوجب طردهم و بعدهم عن كل خير، و منه الإسلام.
قوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ. قليلا صفة للمصدر أي: إيمانا قليلا، و التنوين فيه للتنكير، و «ما» نكرة تفيد تأكيد الإبهام أو زيادته أي: يؤمنون ايمانا قليلا يكون بحكم العدم من حيث الكمية و الكيفية. و يستفاد منه أنه لما كان سبب لعنهم و طردهم عن رحمته تعالى هو كفرهم و لجاجهم و عنادهم المنطبعة عليه نفوسهم فهم قوم قد كتب عليهم الشقاء فلا يرجى منهم خير، و لا يؤمل منهم ايمان إلّا إذا أدركته بركة التوفيق منه عزّ و جل فيفي‏ء الى فطرته، فيؤمن، و إن كان ذلك قليلا جدا.
قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ. بيّن سبحانه و تعالى ذميمة أخرى من ذمائم أخلاق بني إسرائيل، و هي من مظاهر استكبارهم و بغيهم، أي لما جاءهم القرآن بما فيه من الدلائل على أنه من عند اللّه تعالى مصدق لما معهم من التوراة المشتملة على التوحيد و المعارف الإلهية، المبشرة بالقرآن و رسالة محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
قوله تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. الاستفتاح الإستنصار، و منه الحديث كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يستفتح بصعاليك المهاجرين» أي يستنصر بهم‏ كما ورد في حديث آخر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «إنما نصر اللّه هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم و صلاتهم و إخلاصهم» و المعنى: يستنصرون بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) و شريعته على المشركين، و يأملون لأن يستظهروا به على من سواهم من المشركين.
قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. أي: فلما جاءهم ما كانوا قد عرفوه من أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و رسالته و قرآنه جحدوا به، حسدا منهم و استكبارا، فكان جزاؤهم أن كتب اللّه عليهم اللعن و الطرد من رحمته. و كفرهم هذا من كفر الجحود- ككفر إبليس- الذي هو من أشد أنواع الكفر. و لا يختص حكم هذه الآية المباركة باليهود بل يشمل كل من أنعم اللّه عليه ثم أنكرها و لو بعدم أداء شكرها، و يأتي في قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها [سورة النحل، الآية: 83] ما ينفع المقام. و في تكرار قوله تعالى: لَمَّا جاءَهُمْ تأكيد للذنب و تهويل له.
قوله تعالى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. بئس كلمة تستعمل في جميع أنحاء الذم، كما أن نعم كلمة تستعمل في جميع أنحاء المدح. و «ما» نكرة مبهمة بمعنى مطلق الشي‏ء أي بئس شي‏ء اشتروا، و يجوز أن تكون موصولة أي بئس الذي اشتروا به. و الشراء و الاشتراء بمعنى واحد، و يستعمل كل منهما في البيع و الشراء، و يأتي بمعنى مطلق المبادلة.
أي: بئس ما فعلوه من تبديل النفس التي من حقها أن تقابل بالإيمان، و المعارف الإلهية و الأخلاق الفاضلة، و الأعمال الصالحة لتكون لها السعادة في الدارين، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111] و لكنهم بدلوها باختيارهم بأخس الأمور و ذمائم الأخلاق و الكفر بما أنزل اللّه تعالى حسدا منهم و استكبارا، فجلبوا لأنفسهم شقاوة الدارين، و هذا حال من أعرض عن اللّه تعالى. و في الآية المباركة تسفيه لأحلامهم، و توبيخ لهم.
قوله تعالى: بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ. البغي هنا هو الفساد. و يتضمن معنى التجاوز عن الحد و الطلب، و يختلف باختلاف المتعلق. و يستعمل في الخير و الشر. و في مورد الإطلاق ينصرف إلى الشر، قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة البقرة، الآية: 198]، و قال جلّ شأنه: وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة الشورى، الآية: ٤۲] و من مفهومه يستفاد البغي بالحق، و في الحديث: «إن اللّه يحب بغاة العلم» أي طلاب العلم و رواده.
و في الحديث أيضا: «أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون و تنصرون بضعفائكم».
و جملة «أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» في موضع نصب بيان للبغي أي: أن سبب كفرهم إنما هو البغي الذي جبلت عليه نفوسهم، و كانت له أسباب متعددة منها كراهة أن ينزل اللّه تعالى من فضله على من يشاء من عباده، و قد حملهم الحسد على أن يحتفظوا لأنفسهم الحركة الدينية، و القول بأنهم شعب اللّه المختار بأن لا يعترفوا بنبي في غير ملتهم و حسدهم هذا و كفرهم نظير كفر إبليس باللّه تعالى، و حسده على آدم (عليه السلام) فهو الذي شيد أساس الكفر و الجحود، و تبعه اليهود فالحقيقة واحدة و المظاهر مختلفة.
قوله تعالى: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ غَضَبٍ. تقدم ما يتعلق به. و المراد انهم رجعوا إلى غضب على غضب بتكرار المعاصي منهم و ان كل سوء اعتقادي يصدر من الإنسان ثم يصدر منه سوء آخر كذلك فهو من الغضب على الغضب، فلا وجه لجعل الغضب الأول هو الذي استوجبوه بالكفر بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الغضب الثاني هو الذي لحقهم من عبادة العجل، أو غضب اللّه عليهم من أجل الكفر مع المعرفة و غضبه الآخر من أجل حسدهم و عنادهم للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو غير ذلك من الوجوه التي ذكرها المفسرون، بل يشمل جميع المخالفات الإلهية المتكررة التي توجب الغضب المستمر عليهم، و لذلك مصاديق مختلفة فإن كل من يختار دينا باطلا ثم يتركه و يدخل في دين باطل آخر، أو من يرتكب مخرما تكليفيا ثم يعقبه بمحرم تكليفي آخر يختلف مع الأول في النوع، أو يرتكب محرما تكليفيا آخر متفق مع الأول في النوع من الكبائر، أو كان من الصغائر من دون أن يتخلل بين ارتكاب المحرمات تكفير و توبة، فجميع هذه الصور تكون داخلة في هذه الآية المباركة، و إن الفاعل يستوجب غضبا على غضب على حسب مراتب الذنب كبيرة أو صغيرة.
قوله تعالى: وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ. الهوان بمعنى الذلة و هو إما ممدوح عند الخالق و المخلوق، و ذلك في ما إذا طرح الإنسان عن نفسه جميع أنحاء الأنانية و التكبر كما قال تعالى: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [سورة الفرقان، الآية: ٦۳] و هو من الخلق الكريم، و الروايات في مدحه متواترة، و يكفي في حسنه سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و خلفائه المعصومين (عليهم السلام) و قد روى الفريقان عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «المؤمن هيّن ليّن».
و إما مذموم و هو ما إذا حصل عن استخفاف الغير للإنسان و استذلاله له في غير ما اذن فيه الشرع، و لا ريب في أنه مرجوح بل حرام، و أما إذا كان بإذن منه ففيه تفصيلات مذكورة في الفقه.
و المراد به في المقام ذلك الذل و الإهانة الحاصلان للإنسان من ارتكابه المعاصي و المحرمات الإلهية، و الكفر الموجب لخلوده في النار. و في جعل الظاهر موضع المضمر- فلم يقل: و لهم عذاب مهين- إشارة إلى بيان التعليل في خلودهم في النار و هو الكفر.
قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا. ذكر سبحانه و تعالى مظهرا آخر من مظاهر استكبارهم و غرورهم، و قد سبق أن قالوا: قُلُوبُنا غُلْفٌ لم نفهم الإيمان، و لا نعقل ما يدعو إليه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و هنا ذكر تعالى اعتذارا آخر منهم و الرد عليهم.
أي: إذا قيل لليهود آمنوا بالقرآن الذي أنزله اللّه على رسوله الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) قالوا بغيا و استكبارا: نؤمن بالذي أنزل علينا من التوراة و لا نؤمن بغيرها، و في قوله تعالى: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إشارة إلى أن المناط هو الإيمان بالذي أنزله اللّه تعالى سواء كان على موسى (عليه السلام) أو محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّ الأنبياء إنما هم مبلغون عن اللّه تعالى. و فيه رد لمزاعم اليهود و غيرهم من أن الإيمان لا بد و أن يكون بالذي أنزل على نبي‏ معين، كما أن فيه إيماء إلى أن الإيمان بجميع الرسل و الأنبياء أخذ بنحو الوحدة فمن لم يؤمن بواحد منهم فكأنه لم يؤمن بالجميع، و يدل على ذلك قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [سورة البقرة، الآية: ۱۳٦].
قوله تعالى: وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ. مادة (وري) تأتي بمعنى الستر في الجملة سواء دلت عليه بالمطابقة كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [سورة ص، الآية: 32]، و قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [سورة الأعراف، الآية: ۲٦]، أو بالالتزام كما في المقام، و لها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم منها الخلف و الأمام و غيرهما. و الجامع القريب بين تلك الاستعمالات ما ذكرناه.
فما عن بعض اللغويين من أنها من الأضداد تستعمل في الخلف و الأمام خلط بين المفهوم و المصداق، و كم لهم من هذا النحو من الاخلاط في اللغة كما لا يخفى.
و المعنى: إنهم يكفرون بما عدا ما أنزل عليهم من القرآن و هو الحق الذي لا ريب فيه جاء مصدقا لما معهم. و فيه من الإشارة إلى سفاهتهم و خبطهم في دعواهم ما لا يخفى، فإنهم لو كانوا مؤمنين بما أنزل عليهم لاستلزم الإيمان بالقرآن، لأن التوراة تشتمل على البشارة بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ما أنزل عليه، و أن القرآن مصدق للتوراة في كثير من الأحكام، و أنّهم إذا كانوا مؤمنين كذلك فلما ذا يقتلون أنبياء اللّه تعالى؟! مع أن التوراة تعظّم شأنهم، و تنهى عن مطلق القتل فضلا عن قتل الأنبياء، فإيمانهم بما أنزل عليهم و الكفر بما سواه إن هو إلّا تناقض في القول و الاعتقاد و اتباع الشهوات.
قوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ‏ مُؤْمِنِينَ. إلزام لهم بالحجة أي: انكم تتبعون الشهوات و الأهواء، لأنه إذا كنتم صادقين في إيمانكم بما أنزل على الأنبياء فلما ذا تقتلونهم، فإنهم لم يدعوكم إلّا إلى الإيمان و العمل الصالح، و نهوكم عن القتل مطلقا.
و في إسناد القتل الى اليهود في عصر التنزيل، مع أنه وقع من أسلافهم ما تقدم كرارا من أنّهم أمة واحدة، و أنهم في الطباع و العادات و الأخلاق كنفس واحدة فاقتضى صحة خطاب الأبناء بما فعل الآباء.

في «الكافي» عن الصادي (عليه السلام) في قول اللّه تعالى:
وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ قال: «كان قوم في ما بين محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و عيسى (عليه السلام)، و كانوا يتوعدون أهل الأصنام، بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يقولون: ليخرجنّ نبيّ و ليكسرنّ أصنامكم ليفعلنّ بكم ما يفعلنّ، فلما خرج رسول اللّه كفروا به».
أقول: يمكن أن يجمع بين هذه الرواية و الروايات الآتية الظاهرة في اليهود إما بتقييد هذه الرواية بها، أو أنهم قوم آخرون غير اليهود.
و عن القمي: «كانت اليهود يقولون للعرب قبل مجي‏ء النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أيها العرب هذا أوان نبي يخرج من مكة و كانت مهاجرته بالمدينة، و هو آخر الأنبياء و أفضلهم، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النبوة، يلبس الشملة و يجتزي بالكسرة و التميرات، و يركب الحمار العريّ، و هو الضحوك، القتّال يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر، لنقتلنكم به يا معشر العرب قتل عاد. فلما بعث اللّه نبيه بهذه الصّفة حسدوه و كفروا به، كما قال اللّه تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا … الآية».
أقول: يمكن أن اليهود قد استظهروا صفاته (صلّى اللّه عليه و آله) و حالاته من التوراة. و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ … الآية قال (عليه السلام): «كانت اليهود تجد في كتبهم أن مهاجر محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما بين عير و أحد فخرجوا يطلبون الموضع؛ فمرّوا بجبل يقال له: حداد، فقالوا: حداد و أحد سواء، فتفرقوا عنده فنزل بعضهم بتيماء، و بعضهم بفدك، و بعضهم بخيبر. فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم، فمرّ بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه و قال لهم: أمر بكم ما بين عير و أحد، فقالوا له: إذا مررت بهما فآذنّا لهما، فلما توسط بهم أرض المدينة، قال: ذلك عير و هذا أحد فنزلوا عن ظهر إبله و قالوا له: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت.
و كتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك و خيبر: انا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا، فكتبوا إليهم: إنا قد استقرت بنا الدار، و اتخذنا بها الأموال و ما أقربنا منكم فإذا كان ذلك أسرعنا إليكم، و اتخذوا بأرض المدينة أموالا فلما كثرت أموالهم بلغ تبّع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم ثم آمنهم فنزلوا عليه، فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم و لا أراني إلّا مقيما فيكم؛ فقالوا: ليس ذلك لك إنها مهاجر نبي، و ليس ذلك لأحد حتّى يكون ذلك، فقال لهم: فإنّي مخلّف فيكم من أسرتي من إذا كان ذلك ساعده. فخلف حيين تراهم: الأوس و الخزرج فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لنخرجنّكم من ديارنا و أموالنا، فلما بعث اللّه محمدا آمنت به الأنصار و كفرت به اليهود و هو قوله تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا و قريب منه ما في الدر المنثور عن ابن عباس.
أقول: «عير و أحد»: جبلان بالمدينة كما ورد في أخبار التقصير في الصّلاة أيضا، و في الحديث عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «حرّم ما بين عير و احد».
و نقل الواحدي عن ابن عباس: «كان يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعادت اليهود بهذا الدعاء، و قالت: اللهم إنّا نسألك‏ بحق النبي الأمي الذي وعدتنا ان تخرجه لنا في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كفروا به فأنزل اللّه تعالى: وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي بك يا محمد- الى قوله تعالى- فلعنة اللّه على الكافرين».
و في الدر المنثور عن ابن عباس أنه قال: «كانت يهود بني قريظة و النضير من قبل أن يبعث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) يستفتحون اللّه يدعون اللّه على الذين كفروا، و يقولون: اللهم إنّا نستنصرك بحق النبي إلّا نصرتنا عليهم، فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا: يريد محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يشكوا فيه كفروا به» و قريب من ذلك روايات أخرى.
أقول: عن بعض المفسرين الإشكال في هذه الروايات الأخيرة أولا: بقصور السند. و ثانيا: بوهن الدلالة، لأنه لا وجه لإقسام اللّه تعالى مع أنه لا حق في البين حتّى يقسم به، لأنّ الكل مخلوقه و مملوكه تعالى.
و لكنه غير صحيح أما الأخبار فلأنها مستفيضة بين الفريقين، بل متواترة معنى كما لا يخفى على الفاحص المتتبع، فلا موضوع لتضعيف السند. و أما إقسام اللّه تعالى فإقسام العظيم بما هو شريف و محترم لديه تعالى، و القسم بالعزيز من العرف المحاوري بين جميع أفراد الإنسان و عليه جرت محاورة الكتاب و السنة، قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة الحجر، الآية: 72]، و قال تعالى عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [سورة ص، الآية: 82]، و في الحديث إن اللّه تعالى قال: (و عزتي و جلالي لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيري).
و أما أنه لا حق في البين حتّى يقسم اللّه تعالى به فلا وجه له، لأن الحق هو الثابت الواقع المتحقق فاللّه عزّ و جل هو الحق المحض و جميع ما سواه حق له، لأنه مالك كل شي‏ء و خالقه و اليه مرجع الجميع، و أي معنى للحقّية يتصور أشد و أعلى من ذلك؟! و هو تعالى جعل لبعض عباده حقا على نفسه الأقدس تشريفا و تعظيما لهم، قال تعالى: وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ [سورة الروم، الآية: ٤۷]، و في الحديث: «حقّ على اللّه تعالى أن لا يعصى في مكان إلّا و أظهرها للشمس ليطّهرها» و الأحاديث في موضوع جعل اللّه تعالى حقا لخلقه على نفسه خصوصا عباده المخلصين كثيرة جدا، و خاتم النبيين من أفضلهم، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام.
العياشي عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال: و إنما نزل هذا في قوم اليهود، و كانوا على عهد محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقتلوا أنبياء اللّه بأيديهم، و لا كانوا في زمانهم، و إنما قتل أولياؤهم الذين كانوا من قبلهم، فنزّلوا بهم أولئك القتلة فجعلهم اللّه منهم و أضاف إليهم فعل أوائلهم بما تبعوهم و تولوهم».
أقول: تقدم وجه ذلك في البحوث السابقة فلا وجه للتكرار.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"