1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 83 الى 86

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (۸٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (۸٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (۸٦)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى أحوال بني إسرائيل و ما أنعم عليهم بأنواع النعم و ما ظهر فيهم من المعجزات الباهرات شرع في تعداد ما أخذ عليهم من العهود و المواثيق و هي أمور عقلية نظامية تنظم شؤونهم الفردية و الاجتماعية الدنيوية و الأخروية، و يترتب على مخالفتها و الاستخفاف بها الأحكام الوضعية و التكليفية. و إنما كرر جل شأنه ميثاق بني إسرائيل لأنهم أول من قامت فيهم الحركة الدينية و لعلهم يشكرون هذه النعمة، و يدينون بما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تعظيما لشأنه (صلّى اللّه عليه و آله) و اهتماما باتباعه و تسلية له‏ لئلا يتأثر من لجاجهم و انكارهم، فإنهم جبلوا على ذلك.

قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ. الأخذ: الاستيلاء و التحصيل و الحيازة، و قد استعملت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات كثيرة جدا بالنسبة إليه تعالى و إلى خلقه، و كذا في السنة المقدسة فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».
و تقدم معنى الميثاق و هو العهد المؤكد و العقد المستحكم. و الموثوق به في الآيات المباركة أمور كلها مما يستقل العقل بحسنها، و اجتمعت الشرايع السماوية عليها.
و المعنى: اذكر ايها الرسول ما أخذناه من المواثيق عليهم، و قد بيّن سبحانه و تعالى هذه المواثيق بما يأتي.
قوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ. جملة خبرية في مقام الإنشاء و هذا أبلغ في الطلب و آكد أي: اعبدوا اللّه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [سورة النساء، الآية: ۳٦] و هو غاية كمال العقل و أولى درجة الرقي إلى المقامات العالية التي لا حد لها و لا نهاية.
قوله تعالى: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. أي أمرناهم بالإحسان إلى الوالدين، و هو حكم حسن يحكم به ذوو العقول لو لم يحكم بحسنه كل ذي شعور؛ و قد قرن سبحانه و تعالى الوالدين بالتوحيد في هذه الآية المباركة، و في جملة من الآيات قال تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [سورة الأنعام، الآية: ۱٥۱]، و قال جلّ شأنه: وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [سورة الإسراء، الآية: 23]. و ذلك، لأن النشأة الأولى أو الخلق و إن كان من اللّه تعالى و لكن دوام بقاء عالم الإنسانية بالوالدين، كما أن منشأ التربية الحقيقية من اللّه تعالى، لأنه الرب على الإطلاق و جميع ما سواه مربوب له، ثم بعد ذلك في النظام الأحسن تكون التربية من جهة الوالدين، و لذا قرن الشكر لهما بشكره تعالى فقال جل شأنه أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [سورة لقمان، الآية: ۱٤].
و التربية تارة: تكون جسمانية و هي التي يقوم بها الوالدان، و يتم بقاء النوع الإنساني بها. و اخرى: تربية معنوية و هي التي بها تقوم الحياة الأبدية، و يقوم بها الأنبياء و الأولياء و العلماء، و لا ريب في أفضلية الثانية من الأولى و اهميتها.
و إنما اطلق تعالى الإحسان إلى الوالدين، لأنه مما يختلف باختلاف الاعصار و الأمصار و الحالات كما هو معلوم، و يتم الإحسان إليهما بمعاشرتهما بالمعروف، و رعايتهما، و امتثال أوامرهما و التواضع لهما.
و كيف كان فأفعال الإنسان بالنسبة إليهما على أقسام ثلاثة: الأول ما أدرك أنه حسن، و الثاني ما أدرك أنه سيئ، و الثالث ما تردد في انه من الحسن أو السيئ، و يصح الأول بالنسبة إلى الوالدين، و لا يجوز الثاني، و في الأخير تفصيل يطلب من الفقه.
قوله تعالى: وَ ذِي الْقُرْبى‏. القربى هي القرابة أي: امرناهم بالإحسان إلى القرابة و هو مما تحكم به الفطرة أيضا، لأن بحفظ القرابة يتحقق نظام الأسرة، و الاجتماع الذي هو من أهم مقاصد النوع الإنساني فالإحسان إليها يقوي أواصر تلك القرابة و يصلحها.
قوله تعالى: وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ. اليتم هو الانفراد و منه قولهم درة يتيمة، و قول الصادق (عليه السلام): «و اللّه نحن اليتامى» و اليتيم في الإنسان من فقد الأب، و في البهايم من فقد الأم، و في الطيور فيهما. و تقدم معنى المسكين و هو من أسكنته الحاجة، و أطلق سبحانه و تعالى الإحسان إليهم، لما مر آنفا في الإحسان الى الوالدين، و سيأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. التفات في الكلام و عدول في الخطاب لأهمية المورد بعد أن أمر سبحانه و تعالى بالإحسان الى أفراد مخصوصين- و هم الوالدان و الأقربون، و اليتامى و المساكين- أكد ذلك بحسن‏ المعاشرة و القول الجميل و كل ما هو حسن للناس و لا بد من تقييد ذلك بأدلة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هو اجمع كلمة لحفظ النظام، و احسن ما يجلب به قلوب الأنام، فعن أبي جعفر (عليه السلام): «قولوا للنّاس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم» و سيأتي في البحث الروائي ما يتعلق به أيضا.
و هذه المواثيق لم تكن تختص بطائفة خاصة بل هي أمور فطرية حكم بحسنها العقل و حث عليها الشرع، فلو عمل بها النّاس لعمت الإلفة و زالت البغضاء و التنافر بينهم، و انقاد الكل للكل، و اضمحل العدوان بين أفراد الإنسان، و بلغ المجتمع الإنساني إلى ذروة المجد و الشرف، و لكنهم عمدوا إلى الشقاق و النفاق فتولوا عن الحق إعراضا فصاروا لما لا يتوقعون أغراضا.
قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ. بيّن سبحانه و تعالى معنى العبادة التي تقدمت في صدر الآية المباركة ليبطل جل شأنه افتعال المفتعلين لأن العبادة لا بد أن تستند بجميع خصوصياتها إلى الشارع. و الإقامة- كما تقدم- المواظبة على إتيان الصّلاة تامة الأجزاء و جامعة للشرائط، و هي أقوى صلة بين اللّه تعالى و عباده، و من أهم السبل في إصلاح النفس، لما تشتمل على الإخلاص للّه تعالى، و الخشوع لعظمته. كما أن الزكاة أقوى صلة بين الأغنياء و الفقراء ثم بينهم و بين اللّه تعالى، ففيها إصلاح المجتمع. و الزكاة أيضا من الأمور العبادية فلا بد أن تستند خصوصياتها إلى الشرع، و إن كان مطلق الصدقة محبوب بالفطرة لدى الأمم.
قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ. بيان لما وقع منهم من عدم الوفاء بالميثاق و معارضتهم له بالنفاق. و التولي هو الإعراض و المعروف انه إذا عدّي بنفسه يكون بمعنى الولاية و المحبة و الإقبال و إذا عدّي بعن كان بمعنى الإعراض و الإدبار، و القرينة في المقام على الثاني: «وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ». و غالبا ما استعمل لفظ التولي في القرآن الكريم إلّا و عقّب بالإعراض مبالغة في الترك و التولي، و قد كان لتوليهم مظاهر مختلفة ذكر سبحانه و تعالى جملة منها في الآيات المتقدمة و سيأتي في الآيات اللاحقة بعضها الآخر.
و المراد بالمستثنى في قوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا بعض اليهود الذين أقاموا على دينهم، و هم الذين ذكرهم اللّه تعالى في حكايته عن الشيطان فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [سورة ص، الآية:83] و نسب إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «العالمون هالكون إلّا العاملين، و العاملون هالكون إلّا المخلصين، و المخلصون على خطر».
ثم إنّ التوجه إلى شي‏ء يلازم الإعراض عما يضاده و ينافيه، فهما من الصّفات ذات الإضافة بينهما التلازم شدة و ضعفا، أو كمالا و نقصا فمن توجه إلى شي‏ء من حيث هو مع قطع النظر عن أنه صنع اللّه تعالى و مظاهر آياته و مورد قضائه و رضائه، فقد أعرض عن اللّه تعالى بقدر ما توجه اليه، و أما إذا كان توجهه اليه من حيث انه مورد رضائه و طلبه لا يعد ذلك إعراضا عنه تعالى، بل توجها إليه تعالى، و هما يتحققان بالقلب، إذ لا يمكن أن يتحقق التوجه إليه تعالى بالجسم لما ثبت في الفلسفة من امتناع الجهة بالنسبة إليه عزّ و جل، قال تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: ۱۱٥]، و قال جلّ شأنه: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد، الآية: ٤]، و قال تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [سورة ق، الآية: ۱٦]. و الإعراض القلبي عنه عزّ و جل يكون إما بعدم الإعتقاد به، أو عدم سماع أحكامه، أو عدم العمل بها بعد الاستماع، أو الاستهزاء بآياته، أو التولي عن أنبيائه و رسله و القائمين مقامهم في التشريع.
و في الأخير يتحقق الإعراض القلبي و الجسماني معا، و يأتي التفصيل في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
و قد نسب إلى جمع من المفسرين أن هذه الآية المباركة منسوخة و اختلفوا في تعيين الناسخ، فقد ذهب جمع إلى أن قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً منسوخ بآية السيف، و هي قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [سورة التوبة، الآية: 29] و هو منسوب إلى ابن عباس و قيل غير ذلك.
و الحق أن الآية المباركة في مقام بيان أصل القانون و تشريع الحكم، و ذكرنا أن مضمونها أحكام فطرية حكم بحسنها العقل إلّا أن لها قيودا مذكورة في الكتاب، فليست الآية منسوخة و إلّا لعمّ النسخ كل تقييد لمطلق، أو خاص لعام، و الحديث الوارد في المقام عن الصادق (عليه السلام) كما سيأتي محمول على ما ذكرناه إن تم اعتباره.
قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ. ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآية المباركة جملة من المنهيات التي أخذ العهد من بني إسرائيل باجتنابها، كما ذكر في سابقها مما أمروا بها. و السفك و الصب و الإهراق بمعنى واحد. و النفس- بالسكون- بمعنى الروح، و هما شي‏ء واحد و إن اختلفا مفهوما، و هي اشرف ما في الإنسان و قد تحيرت العقول فيها و لم تزل مورد بحث العلماء و اجتهادهم، و غاية ما وصل العلم فيها مع بذل الجهود الجبارة أنها مبدأ الحياة و الحركة، و لكنهم لم يقدروا أن يتوصلوا إلى الحقيقة، بل كلما ازداد الجهد فيها في تعاقب القرون ازداد الإنسان بعدا عنها و ازدادت غموضا، و لذا قالوا: إنّ قوله (عليه السلام): «من عرف نفسه فقد عرف ربه» من التعليق على المحال إن لوحظ بالنسبة إلى الحقيقة، و أما إذا لوحظ باعتبار الآثار فهو متيسر بحسب مراتب الإدراكات و الاستعدادات و النفس- بالفتح- الهواء الداخل في البدن و الخارج منه و به قوام الحياة و تأتي بمعنى الفرج، و منه‏ ما نسب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إني أجد نفس الرحمن من اليمن».
و في قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ التفات إلى الحاضرين ترغيبا لهم إلى الإيمان بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي يبين ما أخذ عليهم من المواثيق.
و الديار جمع الدار، سميت به لدورها على ساكنها و هي من الأمور التشكيكية الإضافية، فالدنيا مع سعتها دار الفناء، و الآخرة مع عدم انتهائها دار البقاء، و دار المسكين التي لا تسع مدّ رجليه دار أيضا. و الدّيار- بالتشديد- من سكن الدار.
و المعنى: و إذ أخذنا منكم العهد أن لا يسفك بعضكم دم بعض و لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم بغير الحق مباشريا كان أو بالتسبيب و كل منهما من القبائح العقلية، و لذا اعترفوا و شهدوا بذلك.
و إنّما عبّر سبحانه بالنفس و جعل غير الشخص كأنه نفسه مبالغة في النهي، و تأكيدا في الترك و لأنهم أمّة واحدة بينهم روابط القرابة و المصلحة و الدين، فما يصيب واحدا منهم كأنما يصيب الأمة، و أراد سبحانه و تعالى بذلك تعليم حفظ الوحدة بين الأفراد مهما أمكنهم كقوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ [سورة النور، الآية: ٦۱].
قوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. الإقرار هو الإخبار الجازم بما هو لازم. و الشهادة من الشهود و هو الحضور الذي لا شك فيه. و المعنى انكم أقررتم بالميثاق و العهد؛ و تشهدون بما فعلتم به من الهتك و النقض.
قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ. إخبار عن نقضهم للعهد، و الخطاب إلى يهود عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بيان لما نقضوه من سفك الدم و إخراج صاحب الدار من داره، و فيه إشارة إلى ما كان بين اليهود في عصر النبي من التنافر و التعاند و القتل و الأسر و العدوان و سيأتي في البحث الروائي ما يدل على ذلك.
قوله تعالى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. التظاهر التعاون، و هو مشتق من الظهر بمعنى المعين، قال تعالى: وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء، الآية: 88]. و الإثم و الوزر و المعصية بمعنى واحد.
و العدوان التجاوز عن الحد، و في المقام هو الإفراط في الظلم. أي أنه كان منكم من يعاون الظالم على إخوانه من اليهود بالإثم و العدوان أي القتل و الأسر و الإخراج من الديار.
قوله تعالى: وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. أسارى جمع أسير، و هو كل مأخوذ قهرا. و قد يطلق الأسارى على من في الوثاق، و الأسرى على من في اليد بلا وثاق و تفادوهم من الفداء و هو طلب الفدية. و المعنى أنه يفدي كل فريق من اليهود أسرى أهل ملته و إن كان من أعدائه، ثم يعتذرون عن ذلك بأن دينهم أمرهم بفداء الأسرى من‏ بني إسرائيل. و ليس ذلك إلّا من الاستهزاء بأحكام اللّه تعالى، و الإيمان ببعض الكتاب و الكفر بالبعض الآخر، فانه لو كان كذلك فلم يقتل بعضكم بعضا و يخرج بعضكم الآخر من دياره و هو محرّم عليهم في دينهم، و قد نهاهم اللّه تعالى عن ذلك كما ذكره تعالى.
قوله تعالى: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. توبيخ و تأنيب أي: أنّكم إذا كنتم مؤمنين فما بالكم تؤمنون ببعض الكتاب و هو فداء الأسرى، و تكفرون ببعض و هو حرمة القتل، و إخراج اهل الديار من ديارهم.
و فداء الأسير حسن لا ريب في محبوبيته بشرط أن لا يكون الفادي هو السبب في أسره، و إلّا كان تبعيضا في الإيمان، و كفرا بأحكام اللّه، و لذا توعّد سبحانه على من كان كذلك بالخزي في الدنيا و العذاب الشديد في الآخرة. و التعبير بالكفر إشارة إلى استهزائهم بحكم اللّه و جحودهم له، و إلّا فإن مجرد ترك العمل ببعض الأحكام لا يوجب الكفر و إن أوجب الفسق.
قوله تعالى: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ. الخزي هو العذاب و الهوان. قال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [سورة آل عمران، الآية: 192] و التعبير بالرد إشارة إلى أن مسيرهم في المبدأ و المنتهى واحد، من العذاب إلى العذاب.
قوله تعالى: وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. لا تخفى عليه خافية فقد أعد لكل عمل جزاءه، و قد تقدم معنى ذلك، و فيه زجر شديد لهم، و في مثل هذه الآيات تسلية لنبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) عمّا كان يلقاه من اليهود، و ارشاد لأمته إلى نبذ ما فعله اليهود و إلّا أصابهم ما أصاب اليهود.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. بيان لقبح أفعالهم، و قبحهم في تبديل الحياة الأبدية الشريفة بالحياة الزائلة الخسيسة بتركهم أحكام اللّه تعالى، و استهزائهم بآياته و فسقهم، و مثل هذا التبديل مما حكم العقل بقبحه، و أجمعت الشرايع الإلهية على التنديد به، قال تعالى في شأن الآخرة: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٤]، و قال جل شأنه في الدنيا: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ [سورة الحديد، الآية: 20]، و قال تعالى: فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [سورة التوبة، الآية: 38] و قد وردت أخبار كثيرة عن المعصومين (عليهم السلام) في ذم الدنيا و طالبها و الترغيب إلى الآخرة، فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في ما اشتهر عنه: «الدنيا ميتة و طالبها كلاب» إلى غير ذلك من الأخبار التي يصعب ضبطها.
إن قيل: إنه كيف تكون الدنيا كذلك و أنها مزرعة الآخرة و لولاها لم تتحقق الجنان العالية و لا الوجوه الناضرة. (يقال): إذا لوحظت الدنيا من حيث نفسها فهي قبيحة مذمومة. و إذا لوحظت من حيث وقوعها في طريق الآخرة بما ارتضاه اللّه تعالى فهي ممدوحة بل هي من بعض مظاهر الآخرة ظهرت في هذا العالم لمصالح كثيرة على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ. الخفيف معروف، و هو من المعاني الإضافية فربما يكون شي‏ء واحد خفيفا من جهة و ثقيلا من جهة أخرى، قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «قول لا إله إلّا اللّه خفيف على اللسان ثقيل في الميزان».
و هو في المقام بمعنى التسهيل، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من استخف بصلاته فلا يرد عليّ الحوض» أي تساهل فيها. و يستعمل في القرآن غالبا مقرونا بالخلود، قال تعالى: خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ [سورة آل عمران، الآية: 88] و يمكن أن يستفاد الخلود في المقام من قوله تعالى: وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ لأنهم بأعمالهم قد سدوا على أنفسهم أبواب رحمته تعالى فلا ينصرهم ناصر، فيكون عدم النصر مساوقا للخلود في النار، و تقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع أيضا.
و ذكر كلمة الفاء في قوله تعالى فَلا يُخَفَّفُ قرينة على أن مدخولها مترتب على أفعالهم من باب ترتب المعلول على علته، كما في قول القائل تحركت اليد فتحرك المفتاح.

في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً قال: «أن تحسن صحبتهما، و أن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه و إن كانا مستغنيين».
و في الكافي أيضا عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: «قولوا للناس حسنا، و لا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو».
و عن العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) «قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن اللّه يبغض اللّعان السبّاب الطعّان على المؤمنين، المتفحش، السائل الملحف، و يحب الحليم الحيي العفيف المتعفف». و مثله ما رواه في الكافي‏ و المعاني:
و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: «نزلت هذه الآية في أهل الذمة، ثم نسخها قوله عزّ و جل: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية.
و عن العياشي عن الصادق (عليه السلام) أيضا: «إن اللّه بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف: فسيف على أهل الذمة، قال اللّه تعالى: قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً نزلت في أهل الذمة، ثم نسختها أخرى قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآية».
أقول: المراد من النسخ في المقام ليس المعنى المصطلح فيه كما يأتي في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [سورة البقرة، الآية: ۱۰٦] بل المراد التقييد و التخصيص، كما يقيد بقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ [سورة البقرة، الآية: ۱۹٤]، و قوله تعالى: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [سورة الشورى، الآية: ٤۰].
و في تفسير العسكري في قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ «أقيموا الصّلاة بتمام ركوعها و سجودها، و مواقيتها، و أداء حقوقها. و آتوا الزكاة من المال، و الجاه، و قوة البدن».
أقول: تقدم ما يدل على ذلك في أول سورة البقرة.
في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في وجوه الكفر في القرآن قال: «الرابع من الكفر: ترك ما أمر اللّه، و هو قول اللّه عزّ و جل: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ- الى قوله تعالى- أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فكفّرهم بترك ما أمر اللّه، و نسبهم إلى الإيمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده، فقال عزّ و جل: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ- الآية-».
أقول: ترك ما أمر اللّه تعالى له مراتب: مجرد الترك مع الإعتقاد به واقعا، و الترك مع عدم الإعتقاد، و الترك مع الاستهزاء، و الأخيران يوجبان الكفر، و الأول موجب للفسق كما فصلنا ذلك في الفقه فراجع كتابنا [مهذب الأحكام في بيان الحلال و الحرام‏].

هذه الآيات المباركة و غيرها من الآيات الواردة في القرآن الكريم في قصص بني إسرائيل و أحوالهم كلها تشير إلى وحدتهم و ترابطهم حتّى كأن الكلام عن الأبناء و الآباء واحد فيهم، و أن اللاحق نفس السابق في العمل، فاعتبر القرآن أنّ جزاء الجميع واحد و إن كان العمل صادرا عن بعضهم، و ليس ذلك إلّا لأجل وجود الترابط الوثيق بين أفراد اليهود فلهم وحدتهم في الدين و النسب و الاجتماع و غيرها حتّى ليعدّ الفرد اليهودي عنوانا مشيرا إلى أمته، و له من الأخلاق و العادات ما لغيره من اليهود، فقد اتفقت طباعهم و اتحدت نفوسهم و قلّما تكون هذه الظاهرة الاجتماعية في الأمم و الجماعات.
فكان خطاب القرآن مع اليهود في عصر التنزيل كالخطاب مع اليهود في غير عصرهم.
و لعل السر في إصرار القرآن على استعمال هذا الأسلوب من الخطاب‏ هو اعتبار هذه الأمة من أحوال الماضين، فإن اللّه تعالى لم يذكر لنا أحوالهم إلّا للاعتبار بها، أو لأجل بيان أن سنة اللّه تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون متكافلة متعاونة يسعى كل فرد في إسعاد أمته، و يعتبر سعادته بسعادتها، و في ذلك آيات و روايات كثيرة يأتي التعرض لها في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"