1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 49 الى 50

وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤۹) وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥۰)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض نعمه العامة على بني إسرائيل مقرونا ببيان بعض إرشاداته لهم ذكر سبحانه في هذه الآيات المباركة جملة من نعمه‏ الخاصة- منا عليهم- و لا ريب في أن ذلك من موجبات الرغبة لو كان المنعم عليه من أهل الرغبة إلى نعم اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. مادة (ن ج و) تدل على الانفصال و الانقطاع عن الشي‏ء و الخلاص منه. و قد استعملت هذه المادة في القرآن العظيم بهيئات مختلفة جامعها يرجع إلى ما ذكرناه.
و الآل و الأهل بمعنى واحد إلّا أن الأول أخص من الثاني، لأنه لا يضاف إلّا لذوي القدر و الشرف، بخلاف الثاني فإنه يضاف إلى كل شي‏ء وضيعا كان أو شريفا، زمانا كان أو مكانا أو شيئا آخر. و الجامع القريب بينهما هو الرجوع، فآل الرجل من يرجع إليه في قرابة، أو رأي، أو نحو ذلك.
و فرعون لقب كان يطلق على كل من ملك مصر- كقيصر لملك الروم، و تبّع لملك اليمن، و خاقان لملك الترك، و كسرى لملك الفرس- و فرعون كلمة غير عربية مركبة من لفظين مصريين (ير) و (عون): أي البيت الأعظم، فصارت علما لملوك مصر قبل الميلاد بأكثر من ألف سنة، و هو مثل (الباب العالي) المستعمل في سلاطين آل عثمان، و قد ورد هذا اللفظ في الكتب المقدسة كثيرا، كما ورد في القرآن العظيم في ما يزيد على سبعين موضعا، و قد ضبط التاريخ أسماءهم و صفاتهم، و أعمالهم إلى أن ذهب اللّه تعالى بهم، كما قال عزّ و جل: وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ [سورة الأعراف، الآية: 137].
قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ. السوم هنا الكلفة و المشقة، فسامه أي: كلفه. و سوء العذاب؛ أي أشقه و أذله و المعنى: أنّهم كانوا يذيقونكم كل ما يتصورون من المشاق و المتاعب الشديدة.
و قد وصف سبحانه و تعالى هذا العذاب تارة: بالبلاء العظيم فقال جلّ شأنه: وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۱]. و أخرى: بالعذاب المهين، فقال تعالى: وَ لَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ [سورة الدخان، الآية: 30]، و شرحه علي (عليه السلام) في خطبته فقال: «فاعتبروا بحال ولد إسماعيل، و بني إسحاق، و بني إسرائيل (عليه السلام) فما أشد اعتدال الأحوال و أقرب اشتباه الأمثال تأملوا أمرهم في حال تشتتهم و تفرقهم ليالي كانت الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق، و بحر العراق، و خضرة الدنيا إلى منابت الشيح، و مهافي الريح، و نكد المعاش، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر و وبر أذل الأمم دارا، و أجدبهم قرارا لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، و لا ظل ألفة يعتمدون على غيرها، فالأحوال مضطربة، و الأيدي مختلفة، و الكثرة متفرقة، في بلاء أزل (أي شدة) و إطباق جهل».
ثم بين سبحانه بعض ذلك العذاب بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ.
الاستحياء الاستبقاء، فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في وقعة بدر «اقتلوا المشركين و استحيوا شراخهم» أو «شرخهم»، أي شبابهم الذين ينتفع بهم في الخدمة يعني: أنهم كانوا يقتلون الذكور، و يستبقون النساء، و كان قصدهم من ذلك إذلالهم و إبادتهم بقطع نسلهم، أو إبقاء النساء للانتفاع بهنّ بكل ما أمكن من أنحاء الاستمتاعات. و أدب القرآن اقتضى التعبير بلفظ جامع و إلّا لأحد لظلم هذا المتجبر المدعي للألوهية المتسلط على بني نوعه، و قد قال تعالى عن ظلم فرعون و جبروته في آية أخرى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [سورة القصص، الآية: ٤] و من ذلك يعلم أنه لا وجه لحصر بعض المفسرين ظلمه في شي‏ء محسوس.
و إنّما ذكر تعالى النساء بدل البنات في مقابل الأبناء للتغليب و مجاز المشارفة، و قد يقال: إن معنى استحياء النساء أي يطلبون فروجهنّ لأن الحياء الفرج. و فيه: أن الحياء بهذا الإطلاق يختص بالفرج من ذوات الخف‏ و الظلف- كما صرح به ابن الأثير- فلا يشمل الإنسان.
و لكن كل ما قيل من هذه الاحتمالات في قصة فرعون و بني إسرائيل يناسب ما نسب إليهم من السيئات.
قوله تعالى: وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. البلاء الإختيار و الامتحان، و يستعمل في الخير و الشر، قال سبحانه: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً [سورة الأنبياء، الآية: ۳٥]، و قال تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [سورة محمد، الآية: 31]، فهو إما إنعام أو انتقام، و ربما يكون إنعاما لقوم، و انتقاما من آخرين و هو كثير في سنة اللّه الجارية في هذا العالم، و لذا عبّر تبارك و تعالى بكلمة (ربكم) لأن الربوبية العظمى تقتضي ذلك.
قوله تعالى: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ. الفرق و الفلق هو الانفراج، و لكن الأول مع الفصل، و الثاني مع الإنشقاق. و فرق البحر انفصال بعضه عن بعض مع بقاء الجسم السيال على سيلانه، و هو من أعظم المعجزات لموسى (عليه السلام) كما شرحه اللّه تبارك و تعالى بقوله جلّ شأنه: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [سورة الشعراء، الآية: ٦۳] و الطود هو الجبل.
و البحر هو الاتساع و الانبساط، و منه سمي البحر بحرا، و هو من الموضوعات الإضافية التشكيكية، فالبحر المحيط بالدنيا بحر، و دجلة و الفرات أيضا بحر بالنسبة إلى السواقي، و المراد به هنا هو بحر القلزم [البحر الأحمر] على المعروف.
و الباء في قوله تعالى: بِكُمُ الْبَحْرَ للسببية، لأن عبورهم في البحر بإعجاز منه جل شأنه صار سببا لفرق البحر، فلا تنافي بين هذه الآية المباركة و قوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [سورة الشعراء، الآية: ٦۳] لأنه أيضا سبب منه تبارك و تعالى ظهر في عصا موسى، فهم كانوا السبب الغائي لفرق البحر، و العصا كانت بمنزلة السبب الفاعلي، و الكل منه تبارك و تعالى.
و أما احتمال أن فرق البحر و هذه الآيات الباهرة كانت من مجرد مجاري الطبيعة من المد و الجزر و نحوهما، كما عن بعض المفسرين المنكر للمعجزات و خوارق العادات. فهو ساقط مطلقا، لكونه مخالفا لنص الآيات القرآنية، و ما ذكر مفصلا في التوراة، كما لا يخفى على من راجعها.
قوله تعالى: فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. النجاة هي الانفصال و الخلاص، و استعمل هنا في مقابل الغرق. و أصل الغرق هو التجاوز عن الحد المعتبر في الشي‏ء و غالب استعمالاته في القرآن إنما هو بالنسبة إلى فرعون و آله، و قوم نوح؛ و الأول إضافي، و الثاني كلي عالمي؛ و النظر: هو الإقبال إلى الشي‏ء فإن كان بالقلب يسمى فكرا و اعتبارا، و ان كان بالعين يسمى نظرا و رؤية، و إن كان باليد سمي لمسا إلى غير ذلك من مصاديق معنى الإقبال و التوجه بالمعنى العام.
و إنما ذكر تعالى آل فرعون و لم يذكر غرق نفسه، لأن المراد من الآية هو استيصالهم رأسا فيشمل غرق نفسه أيضا، مع أن ذكره في آيات أخرى يغني عن ذكره هنا، قال تعالى: وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [سورة يونس، الآية: 90].
و إنما ذكر سبحانه و تعالى (النظر) لأنه بالنسبة إلى هلاك العدو و غرقه سرور عظيم لبني إسرائيل فتكون النعمة عليهم أتم و أعظم.
و في هذه الآيات المباركة اعتبار عجيب لمن اعتبر، فإن فرعون افتخر بملك مصر، و جريان الأنهار من تحته فأغرقه تعالى و أهلكه في ما افتخر به، و هذه هي سنة اللّه تعالى في كل من غفل عنه و جعل همه في غيره جل شأنه،
قال تعالى: «و عزتي و جلالي و علو شأني، و ارتفاع مكاني لأقطعن أمل كل مؤمل غيري، و لأكسونه ثوب المذلة و الأياس».

ثم إنّ هنا بحثا اجتماعيا، و حاصله أنه يمكن إرجاع كل اختلاف واقع بين أفراد الإنسان- و منه الاختلاف بين بني إسرائيل و قوم فرعون- إلى أحد أمور:
الأول: السبب الاجتماعي، كالاختلاف في العادات و التقاليد و الأخلاق و الحضارات.
الثاني: السبب الاقتصادي، فإن الاختلاف في مراتب الغنى و الفقر يوجب التعاند و التنازع بين أفرادها.
الثالث: السبب العقائدي، فإن لكل قوم دينا و معتقدا يغائر ما لقوم آخرين و كل يريد بسط عقيدته على الآخرين. و هناك بعض الأسباب الخفية- شخصية أو نوعية- لا يعلمها إلّا اللّه تعالى. و جميع هذه الأسباب من أطوار المجتمع البشري التي أشار إليها تعالى في قوله: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [سورة نوح، الآية: ۱٤] فجعل جل شأنه ذلك من أبرز علامات وجوده و أظهر آيات ثبوته. و هذه الأسباب جميعها اجتمعت بالنسبة إلى بني إسرائيل و الطواغيت الفرعونية، فإن بني إسرائيل كانوا مقهورين تحت ظلم الفراعنة و عبيدا لهم.

تعبر التوراة عن الإسرائيليين ب (العبريين) و ترجع كلمة (عبري) إلى عهد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فقد أطلق الكنعانيون هذه التسمية على إبراهيم، ثم اتسعت فشملت جميع أسرته فصاروا يعرفون بالعبريين.
و غير خفي أن هذه التسمية لم تكن تختص باليهود، بل كانت تطلق على القبائل التي عبرت الأنهار إلى أرض كنعان، فالعبريون هم الأقوام الدخيلة على الكنعانيين الذين كانوا في حرب معهم و لأجل ذلك لم يرد في القرآن الكريم اطلاق العبريين على اليهود.
و قد عاش هؤلاء مع الكنعانيين زمنا طويلا و أخذوا من الأخيرة عاداتهم و تقاليدهم حتّى كانوا لا يختلفون عنهم كثيرا إلّا في العقيدة فإنهم كانوا يعبدون الإله الواحد دون الأصنام، بخلاف الكنعانيين و لم يمض من الوقت كثير حتّى أصبح العبريون قبيلة كبيرة يمتهنون الرعي ينتقلون من مكان إلى‏ مكان يبحثون عن المراعي الخصبة حتّى حل الجدب و المجاعة في أرض كنعان و ما جاورها، فكان لا بد لهم من الهجرة إلى مصر التي عرفت بوفور نعمها و كثرة مياهها، و لم تكن مصر غريبة عنهم فقد دخلها أبوهم إبراهيم من قبل.
و أول من دخل مصر من بني إسرائيل هو يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) و انضم اليه إخوته و عشيرته كما بيّن سبحانه و تعالى قصتهم في سورة يوسف. و عاشوا فيها زمنا طويلا، فتكاثر نسلهم و ازداد عددهم عاما بعد عام. و المذكور في التوراة أنّ ذرية هذه الجماعة هي التي خرجت من مصر بعد مرور أكثر من أربعة قرون بسبب اضطهاد فرعون و قومه لهم.
و الإسرائيليون في مصر كانوا في عزلة تامة عن المصريين لا يختلطون معهم، و لذلك لم يتعرض لهم المصريون بسوء حتّى ازداد نسلهم و كثرت أموالهم فأصبحوا مصدر قلق لملوك مصر و اشتد هذا القلق في عهد رمسيس (1300- 1233 قبل الميلاد) الذي يعد من أعظم الفراعنة قدرة و منعة، فقد تغلب على أعداء مصر و جلب منهم عددا كبيرا إليها، و أسرف في البناء فكان من نتائجه أن نصف ما بقي من العمائر المصرية تعزى إلى أيام حكمه، و راجت التجارة في عهده و ازدادت ثروة المصريين، و قد أظهر العداء لبني إسرائيل و كان لذلك أسباب عديدة كان من أهمها أنهم عرفوا بخيانتهم للعهد و الإفساد لدى المصريين و كان ذلك نتيجة انعزالهم و ابتعادهم عنهم و امتناعهم عن قبول عقيدتهم.
و قد نقل التاريخ أنّ هذا الملك جمع قومه و سألهم عما يفعله ببني إسرائيل فنصحوه باستعبادهم حتّى يتغيروا عما هم عليه، فإن للعبودية أثرا كبيرا في إذلال النفس و تغييرها. و قد أخذ بنصيحتهم فاستعبدهم إلّا أنه لم يتحقق له ما يريده، و استبطأ أثر الاستدلال فعمل على انقراضهم حتّى نمى اليه أنهم يريدون التآمر عليه فازداد قسوة عليهم فأذلهم و سخرهم في الأعمال الشاقة كالبناء و حصرهم في ساحات العمل و وكل بهم من يتبعهم حتّى لا يجدوا فسحة للراحة، فقد عانوا من هذا الوضع أشد العذاب و انتشرت فيهم‏ الأوبئة و الأمراض، و لكنه لم يكتف بذلك لما رأى ازدياد نسلهم فسنّ قانونا يقضي بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل و استبقاء نسائهم، كما ورد في الحديث أيضا: «إنّ فرعون لما بلغه أنّ بني إسرائيل يقولون يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون و أصحابه على يده كان يقتل أولادهم الذكور، و يدع الإناث» و كان قصده من ذلك تزويج المصريين بهنّ و نقض كيانهم المستقل بانقراضهم، أو أن يفعل بهنّ ما يشاء لاذهاب حيائهنّ كما حكى عنه عزّ و جل في القرآن العظيم، و كان موسى (عليه السلام) من مواليد هذا العهد فبعثه اللّه تعالى نبيا إلى فرعون و قومه يدعوهم إلى الإيمان و إطلاق الإسرائيليين ليعبدوا إلههم فأبى و لم يستجب له كما قال تعالى: وَ قالَ مُوسى‏ يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* حَقِيقٌ عَلى‏ أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ [سورة الأعراف: الآية: ۱۰٤- ۱۰٥].
و لكن فرعون شدد عليهم الأمر فازداد ظلمه بهم، و يشير إلى ذلك ما ورد في سفر الخروج من التوراة: إن اللّه تعالى انبأ موسى بأنه سيجعل قلب فرعون قاسيا على بني إسرائيل، و يزيد النكال بهم، و قد تبرم بنو إسرائيل من هذا الوضع الجديد، كما قال تعالى: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا [سورة الأعراف، الآية: 129] فتهيأ موسى للخروج من مصر.
و قد قيل في سبب الخروج أمور كثيرة، فقيل: إن فرعون أذن لهم بالخروج بعد أن شكى قومه إليه من الوباء المتفشي بينهم، ثم ندم فرعون على ذلك فأتبعهم- و قيل إن موسى أمر نساء بني إسرائيل أن يأخذن حلي نساء القبط، كما ورد في التوراة فأمرهم بالخروج فأتبعهم فرعون.
و كيف كان فقد سار بهم موسى حين بلغ ساحل البحر الأحمر عند خليج السويس، و لكن فرعون اتبعهم حتّى طلع عليهم عند شروق الشمس فأيقن بنو إسرائيل بالهلاك، قال تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [سورة الشعراء، الآية: ٦۰] و قاد موسى جيشه و عبر بهم إلى الشاطئ الشرقي بعد أن ضرب بعصاه البحر فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [سورة الشعراء، الآية: ٦۳] و أبى فرعون إلّا متابعتهم فعند ما توسط البحر هو و جنوده انطبق عليهم البحر فغرقوا جميعا و خرجت جثة فرعون لتكون لمن بعده عبرة، كما حكى تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [سورة يونس، الآية: 92] و هي محفوظة إلى الآن في مقبرة الفراعنة (الأهرام) في المتحف المصري. و كان خروجهم من مصر حوالي سنة 1213 قبل الميلاد- بعد أن أقاموا فيها من عهد يوسف ٤۳۰- في شهر أبيب [الشهر الحادي عشر من السنة القبطية] كما هو المذكور في التوراة.
و كان بنو إسرائيل الذين انطلقوا مع موسى جيشا كبيرا، و قد ذكر في التوراة أن عددهم كان يقارب ۰۰۰/ ٦۰۰ نسمة- و إن كان في هذا العدد شي‏ء من المبالغة.
و قد اختلف المؤرخون في فرعون الذي خرج في عهده الإسرائيليون فقيل: إنه رمسيس الثاني، و قيل: إنه منفتاح. و الصحيح أنّ عهد الاضطهاد كان في ملك رمسيس الثاني، و عهد الخروج كان في ملك منفتاح، و سيأتي بقية قصصهم في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"