1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 44 الى 46

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)


ذكر سبحانه في هذه الآيات من أفعال اليهود و فسادها أنهم كانوا يدعون الى الإيمان و تلاوة الكتاب، و قد وصفوا أنفسهم بالعدل، و خالفوا إلى غيره، و وبّخهم على هذا الفعل توبيخا شديدا، و الخطاب و إن كان موجها إلى بني إسرائيل لكنه عام إلى جميع من يأمر بالحق و لا يعمل به، و هو من أعظم القبائح النظامية في الاجتماع، ثم أمرهم سبحانه بالرجوع إليه و الاستعانة بالصبر و الصّلاة و نبذ ذلك العمل الشنيع.

قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ. البر: هو سعة الخير، و يطلق على كل خير من الإحسان. و النسيان غيبة الشي‏ء عن النفس بعد حضوره فيها و منه قوله تعالى: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [سورة مريم، الآية: ٦٤]، إذ لا يعقل النسيان ممن كان ما سواه حاضرا لديه. و يستعمل بمعنى مطلق الترك أيضا، قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [سورة الحشر، الآية: 19]. و هو أخص من السهو و الغفلة.
قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ. التلاوة: القراءة لكن لوحظ في الأولى معنى المتابعة، لأن الحروف المقروءة تتتابع بعضا بعضا، و في الثانية لوحظ معنى الجمع، لأن القراءة تستلزم جمع الحروف.
و العقل من العقال، لأنه يربط صاحبه عن ارتكاب القبائح. و يحرّضه على إتيان المحاسن، و هو ضد الجهل، و له إطلاقات كثيرة في السنّة بل و اصطلاح الفلاسفة، و يأتي شرح ذلك في الآيات المناسبة.
و مفهوم العقل من أبده الأشياء و لكن كنهه في غاية الخفاء، فهل هو جوهر مجرد روحاني متعدد الأفراد حسب تعدد أفراد العقلاء يقبل الشدة و الضعف. أو أنه عرض قائم بالغير. أو أنه من مراتب وجود النفس الإنساني. أو أن له وجودا واحدا فرديا كالشمس إلّا أن له إشراقات على النفوس. أو أنه إشراق حاصل للنفس من عالم آخر غير عالم الجواهر و الأعراض. أو أن جميع ذلك صحيح بحسب اختلاف النفوس و مراتبها. أو أن الكل باطل و لا يحيط به الناس، بل العلم به منحصر باللّه تعالى؟
و غاية ما يدرك أنّه القوة المميزة بين الحسن و القبح و لم يزل الموضوع مورد البحث منذ وجود العاقل على وجه البسيطة و لا يزال كذلك و القدر المسلّم به أنه موجود و متعقل خارجي وقع مورد جعل اللّه تبارك و تعالى و إرادته و خطابه، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.
و الخطاب و إن كان موجها إلى بني إسرائيل لكنه عام يشمل الجميع و أشد معاتبة الآمرون بالمعروف التاركون له، و الناهون عن المنكر الفاعلون له حتّى نفى اللّه تعالى عنهم العقل بلسان التوبيخ و التأنيب، و هو كذلك لأن من أول مرتبة العقل و الكمال العقلي هو مطابقة القول للفعل، بل يعد ذلك من الأمور النظامية الاجتماعية فإن نظام المجتمع يقوم بالقانون و العمل به و بدونه يكون خرقا للنظام و إشاعة للفساد. كما أنّ الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر أحق باتباع ما يأمرونه، و الانتهاء عما ينهون عنه، لأن الحجة عليهم أتم، فإن من لم ينسلخ عن شهوة نفسه كيف يتمكن من إزالة الشهوة عن غيره، و لذا ورد التأكيد عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) بقولهم: «كونوا دعاة الى اللّه بغير ألسنتكم».
و قد ثبت في الفلسفة، و في الأحاديث الكثيرة على أن للحركات القلبية و الجذبات النفسية آثارا خاصة في النفوس، بل قد يكون الشخص في عين أنه ينهى بلسانه مثلا يكون تأثيراته النفسية أقوى من النهي اللساني على النفوس.
و هذه الآيات تتضمن قاعدة محاورية من صحة خطاب الأبناء بما يفعل الآباء، أو خطاب الآباء بما يفعل الأبناء، أو خطاب الجميع بما يفعل البعض.
قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى‏ الْخاشِعِينَ. بعد أن ذكر سبحانه من سوء أفعالهم و نفى العقل عنهم فلم تنفعهم تلاوة الكتاب أرشدهم إلى استكمال أنفسهم بالكمالات الظاهرية و الواقعية بالاستعانة بالصبر و الصّلاة و حيث إن بني إسرائيل كانوا مسبوقين بالصبر على المتاعب و الشدائد، و ظهر لهم أثر صبرهم في الاستيلاء على عدوهم (فرعون و قومه)، قال تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ [سورة الأعراف، الآية: 137]. و كذا في الصّلاة التي اعتادوا عليها فظهر لهم بعض آثارها، قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة يونس، الآية: 87] فحثهم اللّه تعالى على ما وجدوا أثره بأنفسهم من إدمان الاستعانة بالصبر و الصّلاة، و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۳].
و الاستعانة: طلب العون كما تقدم في سورة الحمد وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. و المراد هنا جعل الصبر و الصّلاة وسيلة لإفاضة اللّه تعالى عليهم ما يهمهم من المقاصد و تدل الآية المباركة على أن الاستعانة بهما توصل إلى كل خير نوعيا كان أو شخصيا كليا أو جزئيا.
و الصبر هو كف النفس عن الهوى مع مراعات تكليف المولى، و هو من أهم مكارم الأخلاق، بل لا فضيلة إلّا و للصبر فيها دخل.
ثم إنّ استعانة الإنسان إما أن تكون من نفسه بنفسه، أو من نفسه بغيره، و الأول هو الصبر، و من الثاني الصّلاة. و الاستعانة بالصبر هي فعل الطاعات و ترك المحرمات، و قد يراد منه الصوم لأنه الإمساك و كف النفس عن المفطرات فيكون من صغريات المعنى اللغوي‏ ففي الحديث: «إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا حزبه أمر استعان بالصوم و الصّلاة»، و عن الصادق (عليه السلام): «الصبر الصيام و إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم، فإن اللّه تعالى يقول: و استعينوا بالصبر و الصلاة».
و الاستعانة بالصّلاة استعانة باللّه تعالى، لأنها تنهى عن الفحشاء و المنكر، و أنها من أقوى الأسباب و أشدها تأثيرا في قضاء الحوائج و تيسير الأمور.
و إنما قدم تعالى الصبر على الصّلاة، لأنها لا تقبل إلّا بالتقوى، و هي لا تحصل إلّا بالصبر على ترك المحرمات، فيكون من تقديم المقتضي [بالكسر] على المقتضى [بالفتح‏].
و الآية على اختصارها تشتمل على جميع الكمالات الإنسانية الفردية و الاجتماعية، و العامل بها حائز لجميعها و لكثرة عظمة الأمر و احتوائه على المشاق قال تعالى: وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ و الضمير يرجع إلى الصّلاة فإنها شاقة و كبيرة عظيمة، لأن الوقوف بين يدي اللّه تعالى مع الالتفات إليه صعب جدا إلّا على الخاشعين المخبتين للّه الذين نبذوا جميع ما سواه وراء ظهورهم، و أنهم في مقام الأنس بربهم فلهم به أشواق، و منه تعالى لهم جذبات فهانت عليهم متاعب الدنيا و صعابها.
و الخشوع و الخضوع هما التواضع و التذلل و المسكنة في مقابل الاستكبار، و هما من الكمالات النفسانية منبعثان من القلب على الجوارح. و يفترق الأول عن الثاني في إطلاقه على الصوت و البصر، قال تعالى: وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [سورة طه، الآية: 108]، و قال تعالى: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [سورة القلم، الآية: ٤۳] و يحصلان على القلب إما من الإخبات إليه تعالى و الخشية منه، أو من تصور عظمة اللّه تعالى و المداومة عليه.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
وصف سبحانه الخاشعين بما يبين كثرة خوفهم و وجلهم منه عزّ و جل بحيث لا تستقر لهم حالة. و الملاقاة هي وصول أحد الطرفين إلى الآخر، و المراد بها هو لقاء أهوال يوم القيامة و شدائدها، أو لقاء جزاء أعمالهم يوم الحساب، أو الفوز بلقاء عظمة اللّه و جلاله الذي هو أجل المقامات التي هي دون حد الوجوب و فوق الممكنات و غير ذلك مما يمكن أن يقع مورد التلاقي المختلف باختلاف مراتب الكمالات المعنوية. و فيه تحبيب منه تعالى‏ بالنسبة إلى المؤمنين الخاشعين و إنذار للعاصين المذنبين.
و أنهم اليه راجعون لتوفية جزاء أعمالهم بما قدموه من صالح الأعمال. و التعبير بالرجوع من حيث كونه تعالى مبدأ الكل فيكون منتهاه أيضا.
و الظن: مرتبة من الإعتقاد، و هو مما يضعف و يشتد، و يعبر عن الثانية ب (اليقين) و المائز بينهما القرائن الخارجية أو الداخلية، قال تعالى: وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ [سورة الحشر، الآية: 2] أي حصل لهم اليقين بذلك و كذا في المقام فإن مقام الخشوع لا يناسب إلّا مع اليقين فلا تنافي بينه و بين قوله تعالى: وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [سورة البقرة، الآية: ٤].
و لعل في التعبير بالظن إشارة إلى أن الخاشعين اكتفوا بالظن فاشتد خوفهم منه و هانت عليهم مشاق الدنيا فكيف بمن تيقن بالملاقاة، و توبيخ منه بالنسبة إلى هؤلاء الآمرين بالبر الذين ينسون أنفسهم بأنهم لم يتمكنوا من تحصيل الظن من تلاوة الكتاب ليحملهم على العمل الصالح، أو لأن لشدة كونهم في مقام الخوف و الرجاء لا يعتمدون على يقينهم لما يرد عليهم، فعبر تعالى بالظن سوقا للكلام على مراد المخاطب، و يشهد لذلك‏ قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة و لا يتيقن الوصول إلى رضوان اللّه تعالى حتّى يكون وقت نزع روحه- الحديث-».
و يصح أن يراد بكلام واحد وجوه متعددة باعتبارات مختلفة.
إن قيل: اللقاء و الملاقاة من صفات الأجسام الخارجية و هو تعالى منزه عنها، فلا يناسب الإطلاق عليه عزّ و جل.
يقال: إن اختصاص اللقاء بالأجسام أول الكلام فقد ورد في قوله تعالى: حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [سورة الطور، الآية: ٤٥] مع أن اليوم ليس بجسم، و مع ورود التنصيص بذلك في الكتاب الكريم فلا وجه لهذا الإشكال، و إنما حصل الإشكال من كثرة الأنس بالماديات و إلّا فالتلاقي في عالم الرؤيا و عالم البرزخ واقع حقيقة، قال تعالى: وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۷] و قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ [سورة الأنعام، الآية 31] إلى غير ذلك من الآيات المباركة. و الأولى الحمل على العموم بحسب مراتب الإيمان و درجاته، فالتلاقي تلاصق اثنين سواء كانا من الجواهر أو الأعراض أو المجردات، مع سبق البعد ظاهريا أو معنويا أو منهما معا، و سواء كان البعد من جهة أو من جهات، و التلاصق كذلك.

القمي في الآية: «نزلت في القصّاص و الخطّاب، و هو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): و على كل منبر منهم خطيب مصقع يكذب على اللّه، و على رسوله، و على كتابه».
أقول: هذا من باب التطبيق على أحد الموارد لا التخصيص.
و في مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام): «من لم ينسلخ عن هواجسه و لم يتخلص من آفات نفسه و شهواتها، و لم يهزم الشيطان، و لم يدخل في كنف اللّه و أمان عصمته لا يصلح للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأنه إذا لم يكن بهذه الصّفة فكل ما أظهر يكون حجة عليه، و لا ينتفع الناس به، قال تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ. و يقال له: يا خائن أ تطالب خلقي بما خنت به نفسك و أرخيت عنه عنانك».
أقول: ما ذكره (عليه السلام) مطابق للوجدان، كما لا يخفى على أهله.
و في الكافي عن الصادق (عليه السلام): «كان علي (عليه السلام) إذا أهاله أمر فزع؛ قام إلى الصّلاة، ثم تلا هذه الآية و استعينوا بالصبر و الصّلاة».
و في الفقيه عنه (عليه السلام) أيضا في الآية: الصبر الصيام، و إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة، فليصم فإن اللّه تعالى يقول: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ، يعني الصيام».
و عن العياشي عن الصادق (عليه السلام): «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو اللّه‏ فيهما، أما سمعت اللّه يقول: و استعينوا بالصبر و الصّلاة».
أقول: أما الاستعانة بالصبر في الأمور الدنيوية و الأخروية فلها أثر في الأمور التكوينية، فضلا عن الاختيارية، و الصوم من أحد تلك المصاديق. و أما الاستعانة بالصّلاة فهي استعانة و توجه إلى مسبب الأسباب و مسهل الأمور الصعاب، و بذلك يحصل تكميل النفس فضلا عن حصول المراد.
و عن ابن بابويه عن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، يعني يوقنون أنهم يبعثون و يحشرون و يحاسبون و يجزون بالثواب و العقاب، و الظن هاهنا اليقين».
و عن العياشي عن الصادق (عليه السلام): «اللقاء البعث و الظن هاهنا اليقين».
أقول: لا ينافي تفسير الظن باليقين من جهة و بقائه على معناه الحقيقي من جهة أخرى، كما استظهرناه من الآية المباركة.
و في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): «يقدرون و يتوقعون أنهم يلقون ربهم اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده».
أقول: تقدم أن ملاقاة العبد لربه أرفع المقامات و أجلها، و هي من حدود وجوب الوجود.
و عن ابن عباس: «أنّ الآية نزلت في علي (عليه السلام) و عثمان بن مظعون، و عمار بن ياسر، و أصحاب لهم».
أقول: هم من صغريات موارد تطبيق الآية.

الصبر هو أم الفضائل، و أصل مكارم الأخلاق، و منه تتفرع كل موهبة و مكرمة؛ فكما أن الحي القيوم أم الأسماء الحسنى و منهما تتفرع سائرها، كذلك يكون الصبر، فهو حقيقة المقاومة مع المكاره و الشهوات و المشتهيات، و الاستقامة مع ما يرتضيه العقل و الشرع من محاسن‏ الأخلاق، و الوصول إلى المعارف و الكمالات، و المواظبة على الواجبات و ترك المحرمات.
و قد اعتنى اللّه تعالى به اعتناء بليغا، فقد وردت مادة (ص ب ر) في القرآن الكريم في ما يقرب من مائة موضع، و لم يرد فضيلة أكثر ذكرا منه فيه، و قد تكرر الأمر به، قال تعالى: وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [سورة هود، الآية: ۱۱٥]، و قال جل شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة آل عمران، الآية: 200]، و قال عزّ و جل: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [سورة غافر، الآية: ٥٥]. و ورد الأمر بالاستعانة به في قوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۳].
و الاستعانة بالصبر في الأمور التكوينية استعانة بأسبابها الظاهرية و المعنوية، و كلها ترجع إلى مراعاة حصول المسببات عند حصول أسبابها المقتضية لها، و استنتاج النتائج من المقدمات المعدة لها، و ترك المبادرة الى نقض هذا الأمر العقلي النظامي، فإنه يؤدي إلى خلاف المطلوب.
و في الأمور الاختيارية فهو إما على ما تكره النفس، أو على ما تحبه، و الأول عبارة عن مقاومة النفس للمكاره الواردة عليها و ثباتها في مقابلها، و عدم تأثرها، و عدم انفعالها، و قد يعبر عن ذلك بالشجاعة وسعة الصدر أيضا. و الثاني عبارة عن مقاومة النفس لمدافعة القوى الشهوانية و الغلبة عليها بالعقل و الفكر، و كل ذلك من الحكمة العملية التي اهتم الفلاسفة، و علماء الأخلاق بشرحها،فما ورد في السنة المقدسة من «أن الصبر مفتاح الفرج» مطابق للقاعدة العقلية، لأنه دخول في الشي‏ء من أحسن أبوابه.
و قد أشار نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) الى عظيم منزلته لما سئل عن الإيمان، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «هو الصبر»، كما جعله جزء الإيمان، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «الإيمان نصفان فنصف صبر، و نصف شكر»، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أعطي أحد عطاء خيرا له و أوسع من‏ الصبر».
و عن الأئمة الهداة (عليهم السلام): «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فمن لا صبر له لا إيمان له».
و الصبر من صفات الأنبياء و المرسلين الذين أمرنا بالاقتداء بفعلهم و الاهتداء بهديهم، قال تعالى مخاطبا للرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [سورة الأحقاف، الآية: ۳٥]، و قال جلّ شأنه: وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا [سورة الأنعام، الآية: ۳٤]، و قال تعالى: وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [سورة الأنبياء، الآية:۸٥]، و قال تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [سورة السجدة، الآية: ۲٤]، فكما أن الصبر من أهم مقومات حياتهم (عليهم السلام) فهو من أقوى محققات شؤونهم، فما بعث اللّه تعالى نبيا و لا أرسل رسولا، بل و لم يفض علما على عالم إلّا و كان الصبر أليفه حتّى صار النصر حليفه، و قد تحمل من المشاق حتّى صار شهير الآفاق، و ذلك من سنة اللّه: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [سورة الفتح، الآية: 23].
و قد عدّ الصبر في السنّة المقدسة من جنود العقل و ضده من جنود الجهل، فهو من حيث كونه من جنود العقل له دخل في نظام التكوين، و من حيث إنه الإيمان، أو جزء الإيمان له دخل في نظام التشريع فهو جامع للمنزلتين، و حائز للدرجتين، فله دخل في الأمور الطبيعية فإن مراتب استكمالها لا تتم إلّا بالتدرج و عدم العجلة- و إن لم يصح إطلاق الصبر بالمعنى المعهود عليها- و لذلك ترى أن بذور النباتات و الأشجار لا تصل إلى مرتبة الكمال إلّا بالتدرج، و قد ورد في الحديث: أن ذكر ستة أيام في خلق السموات و الأرض إنما كان لتعليم العباد التأني و الصبر، و إلّا فهو قادر على خلقهنّ في أقل من ذلك.
فهو من أهم موجبات تحقق المقاصد و الظفر بالمطلوب إن توفرت بقية الشرائط، قال علي (عليه السلام): «لا يعدم الصبور الظفر و إن طال به‏ الزمان» فليس للصابر إلّا أن يظفر بالمقصود، أو بما أعدّه اللّه تعالى له من الأجر المحمود.
و تقدم في تعريف الصبر أنه: حبس النفس عن الهوى مع مراعاة تكليف المولى، بل يمكن تعريفه بالمعنى العام ليشمل صبر الواجب و الممكن، و أنواعه و أقسامه، بأن يقال: «هو تقدير الشي‏ء بالنحو الأتم على ما يناسب النظام الأحسن نوعيا كان أو شخصيا» فيشمل صبر الواجب، حيث أطلق الصبور عليه تعالى في الأسماء الحسنى على ما روي عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما ورد في الحديث القدسي،
و في الحديث: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللّه عزّ و جل»، و في دعاء المجير و غيره «يا صابر»، فإنه يتفرع منه الحلم و العفو، و الرفق و المداراة كل ذلك متشعب عن الصبر المختلف باختلاف الخصوصيات و الجهات، فيختلف معناه كذلك فلا نحتاج إلى تفسير الصبر فيه تعالى بالمعنى العدمي، أي عدم التعجيل في عقوبة العصاة، كما عن جمع من المفسرين و اللغويين.
و الصبر في الإنسان قد يكون من طبيعته و جبلته فإننا نرى أن بعض الأفراد يصبر على ما يرد عليه من المكاره و يتحمل من المشاق ما لا يقدر غيره على تحملها. و قد يكون بالاكتساب و المصابرة، و هذا أفضل من القسم الأول، و هو موضوع منازل السائرين إلى اللّه تعالى في سيرهم و سلوكهم، و أهم عمادهم في التخلية عن الرذائل و التحلية بالفضائل و التجلية بالتخلق بأخلاق اللّه تعالى، و بقية الدرجات من الفناء و الطمس، و المحو، و المحق و غيرها مما شرحه أهل الفلسفة العملية و العرفاء.
كما أن الصبر عن الشي‏ء تارة يكون مع وجود المقتضي و فقد المانع خارجا، و أخرى مع الميل النفساني و عدم المقتضي، و ثالثة مع الميل و وجود المانع، و تختلف مراتب فضل الصبر باختلاف هذه المراتب.
و للصبر أنواع و أفراد كثيرة كلها من الفضائل، و لكل فرد اسم خاص به، و ضد مختص به، فيسمى الصبر في الحرب شجاعة و ضده الجبن. و في المصيبة الصبر- بقول مطلق- و ضده الجزع، و في الحوادث المضجرة رحابة الصدر و ضده الضجر، و في الكلام كتمانا و ضده الإذاعة و الإفشاء، و إن كان الصبر عن المفطرات سمي صوما و ضده الإفطار، و عن شهوة البطن و الفرج سمي عفة و ضده التهتك، و إن كان في كظم الغيظ و الغضب سمي حلما و يضاده التذمر، و إن كان عن حطام الدنيا سمي زهدا و ضده الحرص، و في المأكل و المشرب سمي قناعة و ضده الشره، و قد سمّى اللّه تعالى كل ذلك صبرا، و أشار إليه سبحانه في قوله: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة البقرة، الآية:177].
و الصبر لا يتحقق إلّا مع عقد القلب عليه و العزيمة على الاستمرار عليه، و إلّا فإن صرف وجود الشي‏ء لا أثر له، و إنما الأثر يترتب على البقاء و هو يحصل بالصبر و المصابرة و الاستقامة على تحمل المكاره و لذلك كان الصبر من عزائم الأمور فقال تعالى: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [سورة لقمان، الآية: 17] و عن علي (عليه السلام): «ألق عنك واردات الهموم بعزائم الصبر، عوّد نفسك الصبر فنعم الخلق الصبر».
ثم إنّ الصبر تارة: يكون بتوفيق من اللّه و للتقرب اليه، و في مرضاته كصبر الأنبياء و المرسلين و لا سيما سيدهم (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذه أعلى درجات الصبر، و يترتب عليه الثواب العظيم المعد للصابرين، و أخرى: يكون بتوفيقه تعالى، و ليس للّه تعالى. بل لأجل أغراض صحيحة أخرى، و ثالثة: لا يكون بتوفيقه أيضا و إن كان لأجل أغراض صحيحة أخرى و الغفلة عنه عزّ و جل، و الثواب يتحقق في الجميع لأن الصبر بنفسه محبوب له تعالى.
و ربما يكون اختلاف الثواب و الجزاء عليه في القرآن الكريم لأجل اختلاف درجات الصبر، فهو تعالى يخبر تارة: بأنه: يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [سورة آل عمران، الآية: ۱٤٦]، و محبته تعالى لشي‏ء من أعلى المقامات و أجلها، و أنه مع الصابرين، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة الأنفال، الآية: ٤٦]، و أنه بشر الصابرين، فقال تعالى: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ [سورة البقرة، الآية: ۱٥٥]. و أنه خير لهم، فقال تعالى: وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [سورة النحل، الآية: ۱۲٦].
و أخرى: يخبر بأن لهم الثواب الجزيل قال تعالى فيهم: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۷].
و يخبر ثالثة بمضاعفة الأجر لهم، قال تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [سورة القصص، الآية: ٥٤].
و رابعة: أنّ لهم الأجر بلا حساب، قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [سورة الزمر، الآية: 10]، و عن الصادق (عليه السلام) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إني لأصبر من غلامي هذا، و من أهلي على ما هو أمر من الحنظل، إنه من صبر نال بصبره درجة الصائم القائم و درجة الشهيد الذي قد ضرب بسيفه قدام محمد (صلّى اللّه عليه و آله)».
و الصبر من الصفات ذات الإضافة، فإذا لوحظ بالنسبة إليه تبارك و تعالى يكون محبوبه و مورد بشارته، و إذا لوحظ بالنسبة إلى الصابر يكون من جهات كماله و مكرمة له، و إذا لوحظ بالنسبة إلى الاجتماع يكون مورد التحبب و التودد و العناية. و هو في كل شي‏ء بحسبه بشرط أن لا يصل إلى مرتبة يقبح الصبر فيها شرعا أو عرفا و عقلا، و إلّا فلا يكون صبرا مرغوبا، كالصبر على هتك العرض، أو المال، أو النفس و هو قادر على دفع المظالم. و عليه ينقسم الصبر حسب الأحكام التكليفية الخمسة.
و قد ورد في الشرع موارد يستحب التعجيل فيها، فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «خير الخير ما كان عاجله» و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «عجلوا بموتاكم إلى مضاجعهم»، و في نصوص كثيرة التعجيل في تزويج الأبكار بالكفؤ؛ و التعجيل بإتيان الصّلاة في أول وقتها، إلى غير ذلك من الموارد التي تستحب العجلة فيها.
ثم إنّ في الصبر عن الشهوات النفسانية فضلا كبيرا،فعن الباقر (عليه السلام): «الصبر صبران، صبر على البلاء حسن جميل و أفضل الصبر الورع عن محارم اللّه» سواء أ كان الصبر فيها مع تهيئة أسبابها، أو مع إمكان التهيئة، أو مع عدمهما معا، و الصبر عنها يدور مدار زوال حب النفس و الهوى و ترك متابعة الدنيا، و الأولان يرجعان في الحقيقة إلى ترك حب الدنيا، بل يدور جميع مكارم الأخلاق مدار التجنب عنها، و مذام الأخلاق مدار التقرب منها،و قد تواتر عن نبينا الأعظم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» و علامة تقوية الصبر و تضعيف حب الدنيا هي كثرة التفكر في الدنيا و فنائها و انها أقوى الحجب عن الوصول إلى المعنويات، بل أصل الحجب الظلمانية عن المعارف الربوبية، و الأخلاق الإلهية.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"