1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 35 الى 39

وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (۳٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ (۳٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (۳۷) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (۳۸) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (۳۹)


بعد أن فرغ اللّه تبارك و تعالى عن بيان بعض الجهات النوعية لخلق الإنسان حيث جعل الخلافة الإلهية فيهم، و علّم الخليفة الأسماء كلها و جعله معلما لملائكته شرع عزّ و جل في بيان بعض الجهات الشخصية لآدم (عليه السّلام) فأسكنه الجنّة إجلالا له و راحة و امتحنه ببعض التكاليف.

قوله تعالى: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
السكون: مقابل الحركة. و هو من الأمور الإضافية، فتارة: سكون عن مطلق الحركة و لو في محل نفس الشي‏ء، فيقال: سكن الماء عن الجريان، و سكنت النفس عن الحركة، قال تعالى: وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [سورة الأنعام، الآية: ۹٦]. و أخرى: في مقابل الحركة عن محل إلى آخر، و منه المسكن فإن الساكن له الحركة في مسكنه و التردد في حوائجه، فيطلق على محله المسكن و الإسكان، و ثالثة: يراد ترك حركات خاصة، من التكبر، و التجبر، و الترف و نحوها، و منه قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين»
فذات المعنى في الجميع واحدة، و الاختلاف يحصل من أطوار الاستعمالات، و قد استعملت في القرآن و يأتي نقلها إن شاء اللّه تعالى.
و المستفاد من هذه الآية و سائر الآيات المتضمنة لهذه القصة أن خلق زوجة آدم (عليه السّلام) كان قبل دخول الجنّة فدخلاها معا إتماما للنعمة التي منها الأنس و الاستيناس لا سيما في الجنّة التي أعدت للترفه بكل لذة.
ثم إنّ في المقام بحثين:
الأول قد فصل خلق آدم (عليه السّلام) في الكتاب و السنة بما لا مزيد عليه و أوضح في الجملة أيضا بما لا يبقى معه محل للارتياب و لكن لم يرد في الكتاب العزيز ما يستفاد منه كيفية خلق زوجته حواء إلّا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها [سورة النساء، الآية: 1]؛ و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [سورة الأعراف، الآية: 189]. و لعل السر في ذلك أن من أدب القرآن الستر في النساء، مع أنه يكفي بيان خلق آدم عن ذلك.
و كيف كان فالآيات المتقدمة: مجملة لا يعلم المراد منها. نعم ورد في بعض الأخبار أنها خلقت من ضلع آدم (عليه السّلام)، و قد ورد في الحديث: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ خلقن من ضلع أعوج»، و سيأتي نقل الأخبار في البحث الروائي.
و الوجوه المتصورة في هذه الأخبار ثلاثة: الأول: قطع عضو من آدم (عليه السّلام) و هو الضلع الأيسر بعد إتمام خلقته، و نفخ الروح فيه، و خلق زوجته من هذا العضو المقتطع.
الثاني: نفس الوجه السابق قبل نفخ الروح فيه، فإنه بعد تمامية الهيئة و المادة قطع العضو و خلق منه زوجته. و هذان الوجهان بعيدان جدا، و فيهما من القبح ما لا يخفى.
الثالث: أنه بعد خلق آدم (عليه السّلام) من الطينة فضل منها شي‏ء بحيث لو استعملت في آدم (عليه السّلام) لكان استعمالها في ضلعه الأيسر، فكان خلق زوجته من هذه الفضالة فالطينة واحدة فيهما و التبعية متحققة.
و الوجه الأخير هو المتحصل مما وصل إلينا من الأخبار في تفسير الآيات الشريفة، و هو الموافق للذوق السليم، و العقل المستقيم. و يمكن أن يراد من قوله تعالى: وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها [سورة الأعراف، الآية: 189] ذلك و لا ينافي ما اخترناه في الآيتين المتقدمتين، لأن المستفاد مطلق المشابهة الجنسية بعد ملاحظة جميع الآيات، فإن قوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها [سورة الروم، الآية: 21] قرينة لما ذكرناه و سيأتي في البحث الروائي ما ينفع في المقام.
البحث الثاني: في جنة آدم (عليه السّلام) و قد اختلفت آراء العلماء و المفسرين فيها، و عمدة الأقوال ثلاثة:
القول الأول: إنّها جنّة الخلد التي أعدها اللّه للمؤمنين في الآخرة و استدلوا بأنها ذكرت في الآيات السابقة، و ظواهر بعض الأخبار.
و هذا القول ممتنع، لأنه من قبيل تقديم المعلول على العلة، لأن نعيم الجنة، و عذاب الجحيم إنما يحصلان بالعمل كما هو ظاهر الآيات و الأحاديث، بل إن الجنّة و النار قيعان محض و إنما تعمران بالأعمال كما في الحديث، و لم يصدر من آدم (عليه السّلام) و حواء عمل بعد حتّى تكون لهما جنة الآخرة. مع أن مجرد الإطلاق لا يكفي في الانطباق على جنة الخلد ما لم تكن قرينة على الخلاف إلّا إذا أرادوا من جنّة الخلد ما يأتي بيانه.
القول الثاني: إنّها من جنان البرزخ و ادعي الكشف لإثباته بل عن‏ بعض من يدعيه أنه دخلها و لم يزل يدخلها.
و هذا باطل لما ثبت في محله من أن دعوى الكشف لا تستقيم إلّا بأمرين: الأول: كون من يدعيه كاملا من حيث العلم بالفلسفة الإلهية، و العمل بالأحكام الشرعية. و الثاني: ورود تقرير من الشرع لما كشف. و كل ذلك ممنوع في من يدعي الكشف في المقام. نعم لا ريب في وجود أصل عالم البرزخ بنصوص متواترة يأتي نقلها في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
القول الثالث: إنّها جنة من جنان الدنيا خلقها اللّه تعالى لإسكان آدم (عليه السّلام) و حواء. و هذا هو المتعين بل منصوص عليه في الجملة كما يأتي في البحث الروائي.
و قد أيد هذا القول بأمور:
أحدها- أنها لو كانت جنة الخلد لما وقع فيها تكليف، لأنها دار النعيم و الراحة لا دار التكليف.
الثاني: أنّها لو كانت جنة الخلد لما خرج منها آدم (عليه السّلام) و حواء لفرض أنها دار الخلد.
الثالث: أنّ الجنّة الموعود بها لا يدخلها إلّا المؤمنون المتقون فكيف يدخلها إبليس.
الرابع: أنّها لو كانت جنّة الخلد كيف يقول الشيطان لآدم (عليه السّلام): «هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏» [سورة طه، الآية: 120]، فإنّه ليس له أن يقول ذلك.
و لكن يمكن المناقشة في هذه الأمور بأن ذلك كله صحيح إذا كان المراد من جنّة الخلد هي التي أعدت للمتقين بعد الحشر و النشر و الفراغ من الحساب. و أما قبل وقوع ذلك و كون المورد من مادة الجنّة فقط فلا دليل على امتناع ما ذكروه من عقل أو نقل، فيكون نظير ما رواه الفريقان عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة» و قوله‏ (صلّى اللّه عليه و آله): «منبري على ترعة من ترع الجنّة»، مع أنه يحضر في تلك الروضة المقدسة البر و الفاجر.
و كيف كان فالجنّة هي من جنان الدنيا أعدها اللّه تعالى لآدم (عليه السّلام) و حواء إجلالا لهما و لاحتياجهما إلى الغذاء و الراحة، و يرشد الى ذلك ما ذكرناه سابقا من أن آدم (عليه السّلام) خلق من الأرض و في الأرض و للأرض، و قد سخر اللّه تعالى له الأرض و السماء بعد تعليمه الأسماء كلها و جعله خليفة فيها. نعم وقع الكلام في محل هذه الجنّة، و يأتي بعد ذلك بيانه إن شاء اللّه تعالى.
و يمكن أن يكون المراد من جنة الخلد ما ذكرناه، و من جنة البرزخ ما ذكره الفلاسفة: من أن لجميع الموجودات نحو وجود برزخي في مقابل سائر أنحاء وجوده قد يظهر ذلك لأهله، كما يظهر جملة من الموجودات في عالم النوم للنائم.
قوله تعالى: وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما. الأكل معروف، و يعبر عنه بمطلق الصرف و الإنفاق أيضا كقوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [سورة النساء، الآية: 29] و يمكن تأييد هذا ببعض الأخبار الواردة في المقام. و الرغد: الطيب الواسع الهني‏ء، و يمكن أن يكون قوله تعالى: حَيْثُ شِئْتُما تأكيدا لمعنى الرغد إذا لوحظ الرغد بالمعنى الأعم من السعة في المكان و الزمان، و سائر الخصوصيات و الجهات، فتدل على الإباحة المطلقة إلّا الشجرة الخاصة؛ و أن ذلك هو معنى رغد العيش لغة، فيستفاد منه التوسعة في جميع وسائل النعمة و الراحة لهما.
قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. القرب المنهي عنه في المقام كناية عن كثرة الاهتمام بترك المنهي عنه، فكأنه تعالى نهى عن الاقتراب منه فضلا عن ارتكابه و هو كثير في القرآن الكريم و المحاورات الصحيحة قال تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ [سورة الأنعام، الآية: ۱٥۱]، و قال تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ [سورة الإسراء، الآية: 32]، و قال تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [سورة الإسراء، الآية: ۳٤] فيكون محصل المعنى التأكيد
و المبالغة في ترك الأكل من الشجرة، و يشهد لذلك قوله تعالى: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ [سورة الأعراف، الآية: 22].
و يمكن أن يكون النهي عن نفس القرب موضوعية خاصة، لأن من يقترب إلى المبغوض يوشك أن يقع فيه‏ كما قال علي (عليه السّلام) «المعاصي حمى اللّه و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيها».
و لم يبين سبحانه الشجرة التي نهى آدم (عليه السّلام) عنها، و قد اختلفت الروايات في تعيينها، و تفاوتت أقوال المفسرين فيها بين الإفراط و التفريط، فعن بعض أنها شجرة الكافور، و عن آخر أنها السنبلة، و عن ثالث أن البحث عنها لغو لا فائدة فيه. فإن كان مستند هذه الأقوال الروايات الواردة في المقام فهي قاصرة سندا، و لم يحرز كونها لبيان الواقع، و إن كان غيرها فلم يعلم حجيته.
نعم، في بعض الأخبار أنّها من شجرة الخلد، و هو مخالف لما في أخبار أخرى تدل على أنّ الجنّة من جنات الدنيا تطلع فيها الشمس و القمر- كما سيأتي- و تقدم شرح ذلك.
و يمكن أن يقال: إنّها كانت مثالا لحقيقة الدنيا، فإنّها تظهر لأنبياء اللّه تعالى و أوليائه بأشكال مختلفة، فتارة: في صورة الامرأة كما ظهرت لنبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في ليلة المعراج و ظهرت لعلي (عليه السّلام)، و أخرى: ظهرت لآدم (عليه السّلام) و حواء في صورة الشجرة و قد نهى اللّه عن قربها، و يشهد لذلك قوله تعالى: فَتَشْقى‏ [سورة طه، الآية: 117] أي تقع في تعب الدنيا، كما أن التأمل في مجموع الآيات و الروايات الواصلة إلينا في قصة آدم (عليه السّلام) تدل على أن النهي عن الدنو إلى الدنيا و الاقتراب منها لذلك لا سيما لمن اتصف بالخلافة الإلهية، و سيأتي في البحث الروائي تتمة الكلام.
و كيف كان فإن النهي كان لمصالح كثيرة منها: الإشارة إلى أن الإنسان لم يخلق للبقاء في تلك الجنة، بل خلق للأرض، و في الأرض و منها، كما عرفت، فلا بد و أن تقع هذه المخالفة و كم كانت لها فوائد و آثار لآدم‏ (عليه السّلام) و ذريته فلولاها لما حظي بمقام الاصطفاء و لما ظهرت آثار حكمته البالغة في خلق الإنسان و غير ذلك من الحكم و المصالح.
قوله تعالى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. الظلم هو عدم النور و للظلمة مراتب كثيرة فهي تتحقق بإتيان الكبيرة، أو الصغيرة، أو ترك الأولى و ربما تتحقق في الغفلة عن اللّه تعالى. و المراد به في المقام الظلم على النفس، لأن ارتكاب ما لا يرتضيه المعبود و لو على نحو التنزه بالنسبة إلى بعض لا يناسب العبودية المحضة، فيستفاد من ذلك أن النهي كان من مجرد الإرشاد إلى ما يترتب على ارتكابه من آثار، كما هي مذكورة في قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏ وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى‏ [سورة طه، 118].
فيكون المعنى إنك إن خرجت منها تمنع نفسك من الكرامة و النعيم، و تلقى هذه المصاعب و هي عبارة أخرى عن الشقاء و التعب الملازم لدار الدنيا، كما قاله تعالى في آية أخرى، فلا يكون الارتكاب موجبا لترتب العقاب الأخروي.
قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها. مادة (ز ل ل) تدل على الاسترسال في الشي‏ء بلا تعمد و قصد و لو كان بسبب الترغيب من الغير مكرا و خديعة، كما في المقام، فإن الشيطان حملهما على الأكل من الشجرة بما وسوس لهما في قوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ [سورة طه، الآية: 120]، و قوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [سورة الأعراف، الآية: 20] و قسمه لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [سورة الأعراف، الآية: 21].
ثم إن الآيات الواردة في المقام ثلاث:
الأولى: هذه الآية و هي لا تدل على وقوع مكروه منهما عن عمد و اختيار حتّى يبحث عن أنه كبيرة أو صغيرة، أو من مجرد ترك الأولى. فهي إرشاد محض إلى ترتب أثر الارتكاب عليه ترتب اللازم على الملزوم. و أما أن هذا اللازم مكروه له تعالى أو غيره فلا يستفاد ذلك منها.
الثانية: قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [سورة طه، الآية: ۱۱٥] و هي أصرح في عدم صحة نسبة العمد اليه، فيكون نظير قصة ذي الشمالين مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي رواها الفريقان الدالة على نسيان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الصلاة المحمول على الإنساء، لمصالح كثيرة.
الثالثة: قوله تعالى: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ [سورة طه، الآية: 121].
و الحق إن لنفس استعمال هذه العناوين موضوعية خاصة في آدم لمصالح كثيرة، منها أن لا يخطر في قلب آدم الكبر، لأنه خليفة اللّه تعالى، و أنه خلقه بيده و نفخ فيه من روحه و علمه الأسماء، و أسجد الملائكة له، فيكون استعمال العناوين المتقدمة في الآيات المباركة من اللّه تعالى في آدم (عليه السلام) نحو إصلاح تربوي و معنوي له، لا أن يكون المراد الواقعي منها بقرينة سائر الآيات و الروايات.
قوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ. أي من النّعم التي شرحها اللّه عزّ و جل في قوله تعالى: وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما، و تدل الآية المباركة على أنه لم يخرج عما أعده اللّه تعالى له من مقام خلافته، و تعليم الأسماء، و هذه قرينة أخرى على أن الصادر منهما لم يكن معصية. ثم إن الآية المباركة مترتبة على سابقتها ترتب المسبب على السبب.
قوله تعالى: وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. الهبوط: النزول من العلو إلى ما دونه، و المراد به هنا النزول من المحل الذي لا عناء فيه إلى دار التعب و الفناء، و الكدورة و الشقاء، و لا اختصاص لذلك بآدم (عليه السلام) و حواء، بل هو جار في مطلق الإنسان، و قد أثبت ذلك علماء الأخلاق و الفلسفة و العرفان.
و ربما يتوهم: أنّ الآية تدل على أنّ الخلق كان في السماء فنزل آدم (عليه السلام) منها إلى الأرض. و لكنه مردود بأنّ الهبوط أعم من ذلك فإن معناه النزول من محل مرتفع مطلقا كما في قوله تعالى: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ [سورة هود، الآية: ٤۸]، و قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً [سورة البقرة، الآية: ٦۱]. و أما الأخبار فيأتي ما يتعلق بها عند نقلها.
و الأمر بالهبوط هنا تكويني، كما في قوله تعالى: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ [سورة الأنبياء، الآية: ٦۹]، و قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي [سورة هود، الآية: ٤٤]، و قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة النحل، الآية: ٤۰] إلى غير ذلك من الآيات المباركة.
و يصح أن يكون تشريعيا لوجوب الهجرة عقلا و شرعا لإعلاء كلمة اللّه تعالى كما كان شأن جميع الأنبياء و الرسل و الأولياء، فكما أنّ للهبوط دخلا في نظام التكوين تكون للهجرة دخل في نظام التشريع فهذا الأمر تكويني من جهة و تشريعي من جهة أخرى.
و مورد الخطاب إما آدم (عليه السلام) و إبليس، و إتيان الإثنين بلفظ الجمع شائع، و يشهد له قوله تعالى: قالَ اهْبِطا مِنْها [سورة طه، الآية: 123]، أو هما مع حواء، أو الذرية، و قد وردت بالنسبة إلى بعضها روايات، و لا فائدة في البحث عن ذلك بعد تحقق المقصود و هو الهبوط بالنسبة إلى الجميع و المعاداة بينهم.
و هذه العداوة تكوينية اقتضائية حاصلة من التنافي و التباين بين الأنواع المختلفة، و الصفات المتغائرة، و ما الدنيا إلّا جمع المتخالفات و تفريق المجتمعات، و هي دار الكون و الفساد.
قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ. هذا بيان حكمة ارشاد آدم (عليه السلام) الى ترك الأكل، و هناك حكم أخرى تأتي في الآيات المناسبة لها.
و المستفاد من هذه الآية المباركة أن الأرض هي الغاية من حياة الإنسان فقط فقد خلق آدم (عليه السلام) للأرض للتمتع بخيراتها و البقاء فيها إلى وقت محدود. و أنها دار الأضداد و العداوة و الشقاء تكوينا، لكونها دار الكون و الفساد، و هداية خلفاء اللّه تعالى و إغواء الشياطين.
كما أنّ هذه الآيات و غيرها مما ورد في قصة آدم (عليه السلام) تدل على أن هؤلاء الثلاثة كان يرى أحدهم الآخر قبل الهبوط قال تعالى: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ [سورة طه، الآية: 117]، و قال تعالى: وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [سورة الأعراف، الآية: 21]، و قال تعالى: قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ [سورة طه، الآية: 120] و غير ذلك من الآيات و الروايات، و أما بعد الهبوط فلا يراه إلّا بعض أنبياء اللّه تعالى و أوليائه.
قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. التلقّي: القبول و الأخذ بعد البيان و الذكر. و المراد بالكلمات هنا كل ما يكون له أثر في رفع الحزازة الحاصلة من المخالفة، فهي راجعة إلى إظهار توبته، و ندامته، و استغفاره، و يمكن تطبيقها على الدعوات التي ألهمها اللّه تعالى لآدم (عليه السلام)، كقوله عزّ و جل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة الأعراف، الآية: 23] و غير ذلك مما يأتي في الروايات، فإنه يكون من باب التطبيق أيضا.
قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
التوب: هو الرجوع. فإذا وصف به اللّه تعالى يكون إما بمعنى إلهام التوبة إلى العبد و توفيقه لها، أو بمعنى رجوع اللّه و إقباله على العبد بعد مخالفته و عصيانه. و إذا وصف به العبد يكون بمعنى الندم عما فعل، و عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «كفى بالندم توبة» و لا يلزم أن تكون التوبة من الذنب، بل تصح عن التوجه إلى غير اللّه تعالى و لو كان مباحا فإن «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
و كل توبة من العبد تلازم أمورا ثلاثة: الأول- توفيق اللّه عبده للتوبة برجوعه تعالى عليه بعد العصيان، قال تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة التوبة، الآية: 118].
الثاني: توبة العبد و ندمه عن المعصية.
الثالث: قبوله تعالى توبة العبد، و يأتي تفصيل ذلك في الآيات المباركة المناسبة لها.
و التواب إما بمعنى قبول التوبة عن عباده كثيرا بحسب كثرة التائبين أو أنه عزّ و جل يقبل توبة العبد الواحد و إن صدر الذنب عنه متعددا، أو يكون بمعنى كل منهما، و جميع ذلك صحيح.
و الجمع بين وصفي التواب و الرحيم فيه إيماء إلى أنه تعالى يتفضل على التائب، مضافا إلى العفو و المغفرة بالإحسان إليه.
و في مثل هذه الآية المباركة دلالة واضحة على أن اللّه تعالى هو الذي يلهم عباده التوبة و يقبلها، و أن بابها مفتوح من حين هبوط آدم (عليه السلام) إلى انقراض العالم، بل التوبة من أهم ما انتفع به الإنسان من الهبوط إلى الأرض، فإنه تعالى جعل من حكمته التوبة و العصيان قريني الإنسان كفرسي الرهان، فهذه الآية المباركة في مقام بيان بعض حكم الهبوط و في الآية التالية البعض الآخر.
قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً. قد ذكر سبحانه و تعالى الهبوط مرتين:
الأولى- لبيان أصل الهبوط من الجنّة إلى دار الشقاء و العناء و العداء، كما عرفت.
و الثانية: لبيان الغاية من هذا الهبوط و هي ظهور سعادة السعداء، و شقاوة الأشقياء فالآية تبين الغرض من الخلق، و أنّه كان في الأرض، و الخطاب هنا ظاهر في الجميع أي: آدم (عليه السلام) و ذريته.
و يمكن أن يقال: إنّ الهبوط الأول من حيث الجهات المادية الجسمانية أي الدنيوية. و الهبوط الثاني من حيث الاستكمالات المعنوية في سلسلة الصعود إلى المقامات العالية الإنسانية، و لذا ذكره تعالى بعد التوبة و الرجوع إلى اللّه عزّ و جل، و أنه الغاية القصوى من الهبوط، و ذكر قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. بعنوان مستقل لئلا يتوهم أحد أنه غاية الهبوط أيضا، بل هو أمر اختياري حاصل لمن اختار ذلك بعمده و اختياره.
قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.
جملة خبرية في مقام الإنشاء، يعني أنّ من اتبع هدى اللّه تعالى ينبغي أن لا يخاف من غيره، و لا يحزن لما فات عنه، لأنّ متابعة العبد لهداية اللّه تعالى توجب انقطاعه اليه و هو يستلزم نفي الحزن و الخوف عنه في الدارين، و يشهد لذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة البقرة، الآية: 277]، و كذا قوله تعالى: فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة الأنعام، الآية: ٤۸] إلى غير ذلك من الآيات المباركة، هذا من جهة المتابعة. و أما من جهة العبودية فيعرضه الحزن، لأنه ما بين الخوف و الرجاء، كما في كثير من الروايات.
و المراد بالهداية في هذه الآية المباركة جميع الشرائع السماوية كل بحسب زمانه و عصره. و المراد من المتابعة هنا الالتزام بها عملا و اعتقادا.
قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. مادة كفر في مطلق استعمالاتها تدل على الستر- كما تقدم- سواء أ كان متعلقه أصل الإيمان أم الطاعة فيساوق الفسق من هذه الناحية، أم عن الشكر فيساوق الكفران. و التكذيب خلاف التصديق، و كل منهما أعم من القول و الفعل. و آيات اللّه علاماته كتوحيده و عبادته و معاده من حيث الثواب و العقاب فيثبت بتكذيب كل واحد منها كفر الجحود. و إنما ذكر تعالى الكفر الخاص أي التكذيب بعد العام أي مطلق الكفر، لينبه على الجحود الذي هو موجب للخلود في النار.
ثم إنه يستفاد من مجموع الآيات الواردة في خلق آدم (عليه السلام) هنا، و في سورة الأعراف، و سورة طه أن له مراحل عشرة و لا تخلو ذريته عنها أيضا.
الأولى: مرحلة ما قبل نفخ الروح و هي بمنزلة الجنين في سائر أفراد الإنسان.
الثانية: مرحلة نفخ الروح و هي بمنزلة تكريم المولود و هي حالة اعتناء اللّه تعالى بآدم (عليه السلام) و تعظيمه و أمره بسجود الملائكة له.
الثالثة: مرحلة التربية، و هي تعليم اللّه تعالى الأسماء كلها لآدم (عليه السلام)، و هي بمنزلة تعليم الوالدين و تربيتهما للولد.
الرابعة: مرحلة بيان الفضل و هي مرحلة السجود لآدم (عليه السلام) و إظهار فضل المسجود له على الساجد، و هذه المرحلة توجد في ذريته، و هي حياة التفاضل و التفاخر.
الخامسة: مرحلة التمتع و اللعب و هي مرحلة إسكان آدم (عليه السلام) الجنة.
السادسة: مرحلة تزاحم الأهواء، و الأفكار، و الآمال و هي مرحلة ارشاد آدم (عليه السلام) إلى ترك الأكل من الشجرة التي قلنا إنها بمنزلة الوجود المثالي للدنيا لئلا يقع في متاعبها و مشاقها، و هي مرحلة التميز في أفراد الإنسان.
السابعة: مرحلة التمايل الجنسي و توليد المثل، و هي مرحلة ظهور السوأة فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [سورة طه، الآية: 121]، و هي ظاهرة في أفراد الإنسان.
الثامنة: مرحلة العيش و البقاء الدائمي المستفاد من تعليق قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏ [سورة طه، الآية: 118] على ترك الأكل من الشجرة، و العيش و البقاء غير الدائمي المستفاد من قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ [سورة البقرة، الآية: ۳٦].
التاسعة: مرحلة التكليف و العمل إما في طريق الهداية و الإيمان أو الكفر و الخسران.
العاشرة: مرحلة النتائج إما الثواب، أو العقاب.
هذه هي المراحل التي يمر بها الإنسان كما مرت على آدم (عليه السلام) أول خليقته، و يمكن إرجاعها إلى ثلاث مراحل: مرحلة الأجنة، مرحلة الطفولة، مرحلة الرشد و الكمال، و تنطوي في كل مرحلة سائر الحالات المتقدمة و تجري هذه المراحل في النوع البشري و أصول المجتمعات أيضا.

في الكافي و العلل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن جنة آدم؟ فقال: من جنات الدنيا تطلع فيها الشمس و القمر، و لو كانت من جنات الآخرة ما خرج منها أبدا».
أقول: لا يستفاد من هذه الرواية مكانها و إنما يستفاد انها كانت من جنات الدنيا، و لا بد من التأمل في ذيل هذه الرواية: «و لو كانت من جنات الآخرة ما خرج منها أبدا» لأن جنات الآخرة لا يخرج أهلها منها بعد عملهم و عمرانهم لها، و أما أن الحكم كذلك قبل العمل و قبل كل شي‏ء ففيه بحث و تفصيل.
في تفسير القمي: «سئل الصادق (عليه السلام) عن جنّة آدم من جنات الدنيا أم من جنات الآخرة؟ فقال: كانت من جنات الدنيا تطلع فيها الشمس و القمر، و لو كانت من جنات الآخرة ما أخرج منها أبدا».
أقول: تقدم ما يتعلق بها في سابقها.
العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام): «وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني: لا تأكلا منها».
أقول: قد مر أنه يمكن إرادة نفس القرب أيضا اهتماما بالنهي فيكون ذكر الأكل من باب ذكر النتيجة.
تفسير العسكري في قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. شجرة العلم شجرة علم محمد و آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) الذين آثرهم اللّه عزّ و جل به دون سائر خلقه، فقال تعالى: لا تقربا هذه الشجرة؛ شجرة العلم، فإنها لمحمد و آله خاصة، دون غيرهم و لا يتناول منها بأمر اللّه إلّا هم- ثم قال (عليه السلام)- و كانت هذه الشجرة و جنسها تحمل البر، و العنب، و التين، و العناب و سائر أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة. فلذلك اختلف الحاكمون لذكر الشجرة، فقال بعضهم: هي برة، و قال آخرون: هي عنبة، و قال آخرون: هي تينة، و قال آخرون: هي عنابة».
أقول: أما ذيل الحديث فيؤيد ما قلناه: من أن الشجرة كانت مثالا للدنيا و ما فيها بحسب الوجود المثالي. و أما صدره فيمكن حمله على أن لبعض تلك الأشجار نحو أثر خاص لم يظهر ذلك إلّا لبعض أولياء اللّه تعالى، كما يدل عليه ما ورد في بعض أخبار الطينات.
في العيون عن عبد السلام بن صالح الهروي: «قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم و حواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي أنها الحنطة، و منهم من يروي أنها العنب و منهم من يروي أنها شجرة الحسد؟ فقال (عليه السلام): كل ذلك حق. قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال يا ابن الصلت: إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعا، و كانت شجرة الحنطة و فيها عنب و ليست كشجرة الدنيا».
أقول: لا ريب في أن تلك الجنّة و لو كانت من الدنيا لها خصوصية ليست تلك الخصوصية في جميع جنات الدنيا، و من جهة قلة التزاحم و التنافي في تلك الجنّة أو عدمهما، فيصح أن تحمل شجرة منها أنواعا من الثمار، فلا تنافي بين هذه الرواية و بين ما قلناه سابقا، و قد دلت روايات أخرى متعددة على أنها شجرة الحنطة، و لا تنافي ما تقدم.
في الكافي عن أبي الحسن (عليه السلام): «إن للّه إرادتين و مشيتين: إرادة حتم و إرادة عزم، ينهى و هو يشاء، و يأمر و هو لا يشاء. أو ما رأيت أنه نهى آدم و زوجته أن يأكلا من الشجرة و شاء ذلك، و لو لم يشأ أن يأكلا لما غلب مشيتهما مشية اللّه؟!! و أمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل و لم يشأ أن يذبحه و لو شاء لما غلبت مشية إبراهيم مشية اللّه».
و فيه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أمر اللّه و لم يشأ و شاء و لم‏ يأمر. أمر إبليس أن يسجد لآدم و شاء أن لا يسجد؛ و نهى آدم عن أكل الشجرة و شاء أن يأكل منها و لو لم يشأ لم يأكل».
أقول: بيان مثل هذه الأخبار يحتاج إلى شي‏ء من الشرح و التفصيل موكول إلى محله. المعروف بين العلماء أن الإرادة إنما هي الشوق المؤكد الحاصل بعد التصور و التصديق، و هذا في إرادة المخلوق واضح لا ريب فيه؛ و حيث إن هذا المعنى في الذات الأقدس الربوبي يستلزم كون الذات محل الحوادث و هو ممتنع، و لذا جعل الأئمة الهداة (عليهم السلام) الإرادة بجميع مقدماتها من صفات الفعل لا الذات و صرحوا بأن المشية و الإرادة محدثة، و بذلك تنحل جميع الإشكالات الواردة على إرادته تعالى التي وقع الفلاسفة في اضطراب عظيم في الجواب عنها، لأنهم ذهبوا إلى أن الإرادة في مرتبة ذاته الأقدس و الاختلاف بين الصفات إنما يكون في المفهوم دون المصداق. و لعلنا نتعرض لمذهبهم و الجواب عنه في الموضع المناسب.
و عن جمع من أكابر المحققين إرجاع الإرادة فيه عزّ و جل إلى الرضاء، و ابتهاج الذات بالذات، و فصل القول في ذلك، و هذا القول و إن كان حسنا ثبوتا، و لكن لا ربط له بالإرادة، و يحتاج إلى تكلف و عناية.
ثم إنّ الإرادة إما تكوينية أو تشريعية، فإن تعلقت بفعل ذات المريد فهي تكوينية، و إن تعلقت بفعل الغير و كانت كإيجاد الداعي لأن يفعل الغير ذلك الفعل بحيث لو لا هذا الداعي لا يفعله تكون تشريعية. فتكون إرادته تعالى بالنسبة إلى النظام الأتم الأكمل من الأولى، و بالنسبة إلى إنزال الكتب و إرسال الرسل من الثانية، هذا بحسب الظاهر، و أما بحسب الواقع و الحقيقة فالثانية ترجع إلى الأولى، فإن من أحسن النظام و أتمه و أكمله في عالم التكوين إنزال الكتب و إرسال الرسل.
و أما قوله (عليه السلام): «أمر اللّه و لم يشأ» فالمراد بالأمر الأمر التشريعي الظاهري، و المراد بمشية العدم المشية التكوينية الاقتضائية كما أن المراد بنهي آدم (عليه السلام) النهي الإرشادي الظاهري و المراد بمشية الأكل المشية التكوينية الاقتضائية، و في كل ذلك مصالح لا تعد و لا تحصى.
و عليه يحمل ما في الرواية الأخرى: «إن للّه إرادتين و مشيئتين».
و هذه الروايات صريحة في أن ما صدر من آدم (عليه السلام) لم تكن من المعصية، كما عرفت. و المراد من‏قوله «و نهى آدم عن أكل الشجرة» أي القرب منها، كما تقدم، و سيأتي في بعض الروايات التصريح بذلك.
و في العلل عن الباقر (عليه السلام): «و اللّه لقد خلق اللّه آدم للدنيا، و أسكنه الجنّة ليعصيه فيرده إلى ما خلقه».
أقول: و هذه الرواية نحو شرح و بيان لجميع الأخبار الواردة في المقام و هي دليل على ما قلناه مرارا: من أن آدم (عليه السلام) من الأرض و للأرض.
في إكمال الدين عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن اللّه عزّ و جل عهد إلى آدم أن لا يقرب الشجرة فلما بلغ الوقت الذي كان في علم اللّه أن يأكل منها نسي فأكل منها، و هو قول اللّه عزّ و جل: و لقد عهدنا إلى آدم فنسي و لم نجد له عزما».
أقول: يصح أن يراد بالنسيان الإنساء يعني: أنساه اللّه تعالى لتجري مقاديره الأزلية، كما مر في حديث ذي الشمالين في صلاة نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).
العياشي في تفسيره عن أحدهما (عليهما السلام) «و قد سئل كيف أخذ اللّه آدم بالنسيان»؟ فقال: «إنه لم ينس و كيف ينسى و هو يذكره و يقول له إبليس: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين».
أقول: هذا الحديث قرينة واضحة- لما تقدم من الأخبار- على أن المراد بالنسيان الإنساء.
في العيون عن علي بن محمد بن الجهم قال: «حضرت مجلس المأمون و عنده علي بن موسى (عليه السلام) فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟
فقال: بلى. قال: فما معنى قول اللّه تعالى: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏؟
قال: إن اللّه تعالى قال لآدم: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. و أشار لهما إلى شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين، و لم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة، و لا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة، و لم يأكلا منها، و إنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما، و قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة. و إنما نهاكما أن تقربا غيرها، و لم ينهكما أن تأكلا منها إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين، و لم يكن آدم و حواء شاهدين قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا، فدلاهما بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه باللّه، و كان ذلك من آدم قبل النبوة، و لم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، و إنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم، فلما اجتباه اللّه و جعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة، قال اللّه عزّ و جل: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏، و قال عزّ و جل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.
أقول: مثل هذه الروايات الواردة عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) خصوصا مولانا الرضا (عليه السلام) في الجواب عن الإشكالات التي أوردت على عصمة الأنبياء (صلوات اللّه عليهم) لا يختص بأن يجيب بها الإمام (عليه السلام)، بل يمكن أن يجاب بكل وجه صحيح يجمع به بين الأدلة الدالة على العصمة، و مثل هذه الآيات الموهمة للتنافي بينها و بين العصمة، و لنا أن نجيب عن الإشكال في هذا المجال بكل ما يقبله الطبع السليم و الذهن المستقيم. و لكن في رواية ابن الجهم جهات من البحث:
(الأولى): في سند الحديث علي بن محمد بن الجهم و قد ضعفه كل من تعرض له فلا اعتبار بمثل هذا الحديث، و سياق المتن يدل على أنه ليس من الإمام (عليه السلام)، خصوصا من مثل مولانا الرضا (عليه السلام)، بل هو من المفتعلات عليه.
(الثانية): قوله: «و إنما أكلا من غيرها» مخالف لصريح الآية المباركة الدالة على أن الأكل كان من نفس الشجرة المنهي عنها، كما تقدم.
(الثالثة):قوله: «و كان ذلك قبل النبوة» مخالف لإجماع أهل البيت و الإمامية من عصمة الأنبياء مطلقا، كما سيأتي في البحث الكلامي فلا بد من طرح الحديث.
و عن أبي الصلت الهروي في الأمالي قال: «لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) أهل المقالات من أهل الإسلام و الديانات من اليهود، و النصارى، و المجوس، و الصابئين و سائر أهل المقالات، فلم يقم أحد حتّى ألزم حجته كأنه ألقم حجرا، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى. قال: فما تعمل بقول اللّه عزّ و جل: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏- إلى أن قال- فقال مولانا الرضا (عليه السلام): ويحك يا علي اتق اللّه، و لا تنسب إلى أنبياء اللّه الفواحش، و لا تتأول كتاب اللّه عزّ و جل برأيك، فإن اللّه عزّ و جل يقول: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. أما قوله عزّ و جل في آدم: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ فإن اللّه عزّ و جل خلق آدم حجة في أرضه، و خليفته في بلاده لم يخلقه للجنة، و كانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض لتتم مقادير أمر اللّه عزّ و جل، فلما أهبط إلى الأرض و جعل حجة و خليفة عصم بقوله عزّ و جل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.
أقول: و هذا الحديث شاهد لما قلنا في الحديث السابق و قوله: «فإن اللّه عزّ و جل خلق آدم حجة في أرضه و خليفته في بلاده» ظاهر بل ناص في عدم صدور المعصية منه من حين نفخ الروح فيه كما تدل عليه نصوص مستفيضة أن أول ما خلقه اللّه عزّ و جل هو الحجة، و آخر من يذهب من الدنيا هو الحجة.
و أما قوله: «و كانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض» تقدم ما يتعلق به من أنه ليس من النهي الموجب للمعصية الاصطلاحية و إنما هو ارشاد إلى عدم وقوعه في متاعب الدنيا و مشاقها، كما مر.
علي بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أن موسى سأل ربه أن يجمع بينه و بين آدم (عليه السلام) فجمع، فقال له موسى (عليه السلام): يا أبت ألم يخلقك اللّه بيده، و نفخ فيك من روحه، و أسجد لك الملائكة، و أمرك ان لا تأكل من الشجرة، فلم عصيته؟ فقال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي؟ قال: بثلاثين ألف سنة. فقال: هو ذاك. قال الصادق (عليه السلام): فحج آدم موسى».
أقول: رواه الفريقان، كما في كنز العمال عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و معنى الرواية احتج آدم على موسى و غلب عليه، و المراد بوجدان خطيئة آدم قبل خلقه التقدير الاقتضائي للّه تبارك و تعالى باختيار آدم (عليه السلام).
و في تفسير العياشي عن عبد اللّه بن سنان قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر: كم لبث آدم و زوجته في الجنّة حتّى أخرجهما منها خطيئتهما؟ فقال: إن اللّه تبارك و تعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة، ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه ثم أسجد له ملائكته و أسكنه جنته من يومه ذلك، فو اللّه ما استقر فيها إلّا ست ساعات من يومه ذلك حتّى عصى اللّه تعالى، فأخرجهما اللّه منها بعد غروب الشمس و صيرا بفناء الجنّة حتّى أصبحا فبدت لهما سوآتهما و ناداهما ربهما: أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ. فاستحى آدم فخضع و قال: ربنا ظلمنا أنفسنا و اعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا، قال اللّه لهما: اهبطا من سماواتي الى الأرض فإنه لا يجاورني في جنتي عاص و لا في سماواتي».
أقول: تقدم كيفية خلق حواء من ضلع آدم (عليه السلام)، و قوله: «و صيرا بفناء الجنة» يستفاد من هذه الجملة أمران: الأول: تكرر الهبوط- كما في غيرها من الروايات- الأول إلى فناء الجنّة، و الثاني منها إلى الأرض.
الثاني: يمكن أن يستفاد منه أن الشيطان لم يدخل الجنّة بعد ترك السجود، بل كان في فناء الجنّة فحصلت مكالمة بينه و بين آدم في هذا المكان.
روى الصدوق عن أبي جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إنما كان لبث آدم و حواء في الجنّة حتّى أخرجا منها سبع ساعات من أيام الدنيا حتّى أهبطهما اللّه من يومهما».
أقول: تقدم في الحديث السابق أن زمان الاستقرار في الجنّة كان ست ساعات، و لا تنافي بينهما إذ الحصر ليس حقيقيا حتّى يحصل التنافي، بل هو إضافي و تقريبي.
في تفسير العسكري: «كان إبليس بين لحيي الحية أدخلته الجنّة و كان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه و لم يعلم أن إبليس قد اختفى بين لحييها، فرد آدم على الحية أيتها الحية هذا من غرور إبليس- الحديث-».
أقول: و في رواية أخرى الطاووس، و كيف كان فقد ذكر الثعبان من حيوانات جنّة آدم في التوراة في قضية الهبوط، و لعل هذا الحديث و أمثاله مع هذا التعبير مأخوذ منها. و قد ذكرنا سابقا أن إبليس كان يرى آدم و يتكلمان مشافهة فلا معنى للاختفاء و الاستتار.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: «اهبطوا بعضكم لبعض عدو فهبط آدم على الصفا، و إنما سميت الصفا، لأن صفوة اللّه نزل عليها و نزلت حواء على المروة، و إنما سميت المروة لأن المرأة نزلت عليها».
أقول: الروايات مختلفة في محل هبوط آدم و حواء و لا ريب و لا إشكال في أن بعد الهبوط الأول كانت منازل متعددة، فيمكن الجمع بين تلك الروايات بجعل كل منزل مهبطا له فيكون الهبوط طوليا لا عرضيا.
و في الإحتجاج: «في احتجاج علي (عليه السلام) مع الشامي حين سأله: عن أكرم واد على وجه الأرض؟ فقال: واد يقال له سرنديب سقط فيه آدم (عليه السلام) من السماء».
أقول: ظهر وجهه مما تقدم في الحديث السابق.
في الكافي عن أحدهما (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جل «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قال: لا إله إلّا أنت سبحانك اللهم و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و أنت خير الغافرين. لا إله إلّا أنت سبحانك اللهم و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و ارحمني و أنت خير الراحمين. لا إله إلّا أنت سبحانك اللهم و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و تب عليّ إنك أنت التواب الرحيم».
أقول: و في مثل هذا المعنى روايات أخرى مستفيضة عن الخاصة و العامة، و جميع ذلك من باب التطبيق للآية المباركة، و لقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.
و روى الصدوق في قول اللّه عزّ و جل: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. قال: «سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين».
أقول: و نحو ذلك أخبار أخرى كثيرة، و تقدم أنه من باب التطبيق على كل ما يمكن أن يتقرب به إلى اللّه تعالى.
و عن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: «سألت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه. قال: سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلّا تبت عليّ فتاب عليه».
و في الدر المنثور عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه الى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلّا غفرت لي، فأوحى اللّه اليه و من محمد؟ قال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، فعلمت أنه ليس أحد عندك أعظم قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك. فأوحى اللّه اليه: يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك و لولاه ما خلقتك».
أقول: ذيل الحديث منقول من الفريقين، و مر في روايات كثيرة كما تقدم بعضها.

أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء و الرسل (عليهم السلام) من الكفر مطلقا، و لكنهم اختلفوا في بعض الصغريات. و عمدة الأقوال ثلاثة:
الأول: القول بالعصمة مطلقا من جميع الذنوب، و في جميع الحالات و هذا هو مذهب الإمامية.
الثاني: القول بالعصمة من الكبائر مطلقا، و أما الصغائر فإنها جائزة عليهم سهوا. و هذا هو مذهب المعتزلة.
الثالث: القول بالعصمة عن الكبائر عمدا، و لكنها جائزة عليهم سهوا، و هذا هو مذهب الأشاعرة. و هناك أقوال أخرى نادرة أجمع المسلمون على بطلانها.
و لم يستدل أصحاب هذين القولين بدليل يصح الاعتماد عليه إلّا ما ورد في القرآن الكريم مما يوهم ظاهره نسبة الظلم و المعصية إلى بعض الأنبياء (عليهم السلام)، و سيأتي أنه ليس على ظاهره و لا بد من تأويله.
و الرأي المناسب لمقام النبوة و الرسالة هو القول بعصمتهم مطلقا- كما ذهب اليه الإمامية- من جميع الذنوب كبائرها و صغائرها، عمدا و سهوا قبل البعثة و بعدها. و قبل أن نذكر الأدلة لا بد من بيان معنى العصمة على سبيل الإيجاز، و التفصيل موكول الى محله.
العصمة: بمعنى المنع و الإمساك يقال: عصم عن الشي‏ء أي منعه و أمسكه. و منه قوله تعالى حكاية عن ابن نوح: سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [سورة هود، الآية: ٤۳] أي: يمنعني منه. و المعصوم هو الممنوع عن فعل المعصية بلا إلجاء و اضطرار حتّى ينافي الإختيار، و إلّا كان العادل أحسن من المعصوم و بعبارة أخرى: إنها عناية خاصة، و توفيق من اللّه تعالى لبعض عباده، لعلمه الأزلي بصفاء طينتهم و جوهرهم من دون أن يكون ذلك من العلة التامة كسائر عناياته و توفيقاته عزّ و جل بالنسبة إلى عباده، فقد يوفق عبدا لصلاة الليل مثلا، أو فعل‏ الخيرات، و قضاء الحاجات أو الاتصاف بالأخلاق الفاضلة و نحو ذلك، لا على وجه القهر و الإلجاء و الضرورة، بل على نحو إيجاد الداعي إليها.
ثم إنهم استدلوا بأدلة كثيرة على عصمتهم مطلقا لا يخلو بعضها عن المناقشة، أو رجوع بعضها إلى الآخر. و أحسن تلك الأدلة أمران:
(الأول): أن حجية القول و الفعل و التقرير- كما هو المفروض- تنافي ارتكاب المنهي عنه عند اللّه تعالى و عند العباد فيكون ذلك خلقا باطلا بالضرورة.
بيان ذلك: إن العبد إذا كان يرى نفسه حاضرا بين يدي المولى و يحس بشهوده ظاهرا و باطنا كيف تصدر عنه المعصية و هو في هذه الحالة في غيبة منه؟! و رسل اللّه تعالى يدركون بصفاء طينتهم أنّهم دائما في حضرة القدس يرون مظاهر جماله و جلاله و آثار حكمته و رحمته فلا يخطر في بالهم حالة أنهم في غيبة عن اللّه تعالى فيها. و هذا معنى‏ ما ورد في أحاديثنا: «إن المعصوم مع القرآن و القرآن معه» فإن المراد بالمعية هي المعية الحضورية الالتفاتية العملية. كما أن المراد بالقرآن جميع الشرائع الإلهية بالنسبة إلى الأنبياء السابقين.
هذا مضافا إلى أن صدور المعصية يوجب تنفر الطباع منهم، و يصغر شأنهم في أعين الناس، و يسهل اعتراضهم عليهم مما ينافي حكمة بعث الأنبياء و الرسل (عليهم السلام)، بلا فرق بين صدور المعصية قبل البعثة أو بعدها، كما هو المشاهد في من وصل إلى مرتبة من العدالة.
(الثاني): الآيات القرآنية الدالة على طهرهم و قداستهم و تأييدهم بروح القدس، و اتصافهم بجميع الأخلاق الفاضلة مما يجعلهم القدوة الحسنة و المثل الأعلى لجميع الناس، قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [سورة الأنعام، الآية: 90]، و قال تعالى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ [سورة الأنبياء، الآية: 72]، و قال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً [سورة الأنبياء، الآية: 90] إلى غير ذلك من‏ الآيات المباركة.
و بناء على ما تقدم لا بد من تأويل ما ورد في القرآن الكريم و السنة الشريفة مما يوهم ظاهره خلاف العصمة، و سيأتي ذلك في مواضعه.
فقد ذكرنا أن ما ورد في آدم (عليه السلام) كقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ لا يدل على صدور المعصية منه، كما أن قوله تعالى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ظاهره الظلم على نفسه بوقوعه في مشقة الدنيا لا الدخول في النار.
و أما قوله تعالى: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ [سورة طه، الآية: 121] فإنه ليس المراد منه صدور العصيان و الغواية منه (عليه السلام)، بل إن لنفس استعمال هذه الألفاظ موضوعية خاصة، فإن مقام آدم (عليه السلام) الذي خلقه اللّه بيده و نفخ فيه من روحه و علّمه الأسماء و أسجد له الملائكة و أسكنه الجنّة ربما يوجب في نفسه بعض الخطرات المنافية لمقامه (عليه السلام) فعصمه اللّه تعالى بذلك، و قد يوجب ذلك كله غلو ذريته فيه فيعبدونه فأذهب اللّه تعالى عنهم ذلك الغلو بما تقدم من الألفاظ.
و كذا قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [سورة طه، الآية: ۱۱٥]، فإن عهود اللّه تعالى و مواثيقه على الأنبياء و المرسلين على قسمين: عهد عام بالنسبة إلى جميع الأنبياء و المرسلين، قال تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ [سورة آل عمران، الآية: 81]، و كذا قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [سورة الأحزاب، الآية: 7]. و عهد خاص بكل نبي حسب الظروف و الخصوصيات الزمانية و المكانية التي تحيط بذلك النبي، و المائز بين القسمين هو القرائن و ما يستفاد من السنّة المعتبرة الواردة في حالات الأنبياء (عليهم السلام).
و الظاهر في المقام هو الثاني، لأنّ ترك العزم بالنسبة إلى الميثاق العام لا يعقل، فإنه خلف مع فرض النبوة. نعم هو معقول بالنسبة إلى العهود الخاصة الظاهرة في الإرشاد، كما في المقام.

صريح الكتب السماوية و في مقدمتها القرآن العظيم و جميع الفلاسفة الإلهيين من المسلمين و غيرهم على بديع صنع اللّه في الإنسان و أنه مخلوق حادث خلقه اللّه تعالى من الطين بهذه الهيئة المتميزة عن سائر المخلوقات استقلالا من دون أن يكون مرتقيا من مخلوق آخر- نباتا أو حيوانا- و تقتضي ذلك قاعدة «إمكان الأشرف» التي أسسها الفلاسفة في سلسلة الخليقة، فإن أقرب الموجودات إليه تعالى و أشرفها لديه لا بد و أن يقع في سلسلة الفيوضات الإلهية الأول فالأول عند نزول الفيض منه عزّ و جل حتّى يصل المستفيض إلى أدنى مرتبة الحضيض، إذ لا ريب في أنه تعالى كامل بذاته و صفاته و فعله فلا يتصور نقص في جهة من جهاته عزّ و جل.
و ما يتوهم من النقص في الأفعال يرجع إلى أمرين:
أحدهما- عام للجميع، و هو الإمكان، و الاحتياج، فإنّ ما سواه ممكن محتاج إليه عزّ و جل.
و الثاني: من خصوصيات أفراد الممكنات، و مقتضى تمامية فعله تعالى أن يكون أول مخلوقاته أشرفها ثم بعد ذلك الأشرف فالأشرف في سلسلة الأنواع الكلية التي يكون نوعها منحصرا في الفرد حتّى يصل الخلق إلى الماديات التي هي منشأ التكثر و الانتشار.
إن قلت: نعم قاعدة «إمكان الأشرف» متفق عليها بين الفلاسفة- المسلمين منهم و اليونانيين- و تقتضيها جملة من الأدلة النقلية أيضا و لكنها مخالفة لظاهر الآية المباركة وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [سورة البقرة، الآية: 31]، و ظاهر جميع الكتب السماوية من خلق الدنيا- و المسميات- في الجملة قبل خلق آدم (عليه السلام) كما عرفت في البحث الروائي السابق.
قلت: مورد القاعدة إنما هو فيما إذا كانت السلسلة واحدة ففي سلسلة المجردات و الروحانيين أول ما خلق اللّه العقل، ثم الأشرف فالأشرف حتّى يصل إلى آدم (عليه السلام)، و في سلسلة الماديات و الأعراض يكون الأشرف فالأشرف أشياء أخرى تقدم بعضها في تفسير سورة الحمد في قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ. و يمكن أن تكون السلسلة الأخيرة متقدمة من بعض الجهات على بعض أفراد السلسلة الأولى، إذ لا تنافي في ذلك.
و توهم: أن أصل القاعدة إنما يتم بناء على لزوم السنخية بينه جل شأنه و بين خلقه، و قد أبطلتها الشرائع المقدسة فلا موضوع لقاعدة «إمكان الأشرف» أصلا.
غير صحيح، لأنه لا ربط للسنخية بهذه القاعدة أبدا لما أثبتناه في الفلسفة الإلهية من أنّ السنخية على فرض اعتبارها إنما هي في الفاعل الموجب لا في الفاعل المختار، و الأئمة الهداة (عليهم السلام) جعلوا إرادته تعالى عين فعله حتّى لا يلزم توهم هذه المحاذير.
فاحتمال تطور الإنسان عن ذي حياة آخر فاسد كما عرفت، هذا كله في فعل اللّه عزّ و جل.
و أما فعل المخلوق أي سلسلة استكمال المفاض عليه، يكون الأمر بالعكس فيتعلق الخلق بالداني أولا ثم يترقى إلى مرتبة الكمال لفرض أنه مستكمل بغيره مطلقا، قال تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، الآية: ۱٤] و للبحث تتميم يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.
و لكن ذكر بعض الفلاسفة الطبيعيين استنادا الى قانون العلية في الأمور الطبيعية، و أنّ كل حادث طبيعي لا بد أن يستند إلى سبب طبيعي كذلك، و قد تفرع عن هذا القانون الأصل المنسوب إلى داروين القائل بالنشوء و الارتقاء و التكامل و بقاء الأصلح، فقد ذكر أن الإنسان لم يصل إلى هذه المرحلة الفعلية من الكمال إلّا بانتقاله من المراتب الدانية، و أنّ في مسيره هذا قد رأى من التحولات و التبدلات الكثيرة التي نتج منها القضاء على الفرد الضعيف، و بقاء الفرد المستعد للكمال.
و المسلمون بل جميع المليين في غنى عن هذا القول بعد تصريح كتبهم المقدسة باستقلالية خلق الإنسان، بل إنّ الطبيعة من جميع جهاتها مقهورة تحت إرادته و هو بديع السموات و الأرض.
مع أن هؤلاء الفلاسفة أثبتوا للطبيعة اتفاقيات و نوادر فليكن هذا الخلق منها، و لا محذور فيه كما في سائر الاتفاقيات.
كما أنّ داروين و أنصاره لم يبينوا لنا متى حصل هذا التحول في الإنسان، و ما هي الحلقة التي انتقل منها إلى الفرد الكامل.
مع أنّ لنا أن نتسائل منهم هل أن ذلك كان بحسب نظام الطبيعة فقط مع قطع النظر عن المدبر الحكيم و الخالق العليم؟ و هذا محال، لأن انقلاب نوع بعد تعينه النوعي- روحا و جسما- إلى نوع آخر مستحيل إلّا بالاستحالة، و لا يقولون بها. أو بالتناسخ الذي أثبت الكل بطلانه.
إن قيل: إنّ مسألة النشوء و الارتقاء لا تخرج عن مسألة الحركة الجوهرية التي أثبتها بعض أكابر محققي الفلاسفة.
يقال: بين المسألتين فرق كبير لا ربط لإحديهما بالأخرى، كما يظهر بالتأمل و سيأتي شرح الأخيرة في مستقبل الكلام إن شاء اللّه تعالى.
إن قلت: إنّهم يدعون العثور على جماجم و عظام مضى عليها أكثر من مائة الف سنة الدالة على التطور في بعضها، و هذا لا يناسب ما ضبطه أهل التواريخ و السير من جميع الفرق من المدة القليلة الماضية على هبوط آدم (عليه السلام) إلى الأرض.
أقول: إنه لا بد و أن يتأمل في أصل الدعوى؛ و على فرض الصحة يمكن أن يكون ما عثروا عليه من تلك الجماجم و العظام من الآدميين ما قبل خلق آدم (عليه السلام) فإنه آخر الآدميين في العوالم الدنيوية و قبله آدم الى سبعين آدم كما في الحديث، و لا يعلم مقدار تلك الأزمنة و لا مقدار الفاصل بين الآدميين، و لا كيفيتهم إلّا اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"