1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 31 الى 33

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (۳۱) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (۳۲) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (۳۳)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى ما يتعلق بخلق الخليفة في الأرض شرع في هذه الآيات بيان فضله لأنه ملازم لخلقه و حياته و إنما ابتدأ بالتعليم له لتلازم الحياة مع العلم كما سيأتي في البحث الدلالي.

قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها. وردت هذه الهيئة من مادة العلم في موارد كثيرة من القرآن الكريم قال تعالى: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [سورة الكهف، الآية: ٦٥]، و قال جلّ شأنه: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [سورة النساء، الآية: 113]، و قال سبحانه و تعالى: وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۱]، و قال تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [سورة البقرة، الآية: 282].
و المستفاد من الجميع هو إلقاء المعلم حقيقة ما يريده من العلم إلى الطرف بنحو الإلهام أو الإشراق- كما يحكى عن الفلاسفة الإشراقيين- دفعة واحدة أو بالتدريج، بلا فرق في ذلك بين أن لا يكون سبب ظاهري، أو كان ذلك، كما في قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [سورة المائدة، الآية: 31].
و ظاهر الآية المباركة أن التعليم كان مباشريا من اللّه تعالى بلا واسطة ملك. و كيف لا يكون كذلك و قد اقتضت العناية الإلهية الاهتمام بأول خليقته و المصنوع بيمينه- و كلتا يديه يمين كما في الأحاديث- و النفخ فيه من روحه كل ذلك ينبئ عن السر العظيم و الحكمة التامة في هذا الإنسان فميزه عن سائر خلقه بهذا المقام الخطير بأن علمه ما لم يعلم، و جعل في نسله هذه القوة العلمية فكان في ذريته الأولياء الذين أشرقوا العالم بأنوار المعارف الإلهية و تفرع عن هذا الأصل جميع العلماء و العقلاء الذين سخروا العالم بعلمهم و دبروا البلاد بعقلهم.
و لم يكن هذا العلم مقتصرا على ألفاظ و مسميات خاصة و هو في هذا المقام العظيم و المنصب الرفيع فقد تعلم كل المعارف الإلهية و ماله دخل في استكمال الإنسان في النشأتين، كما أن التعليم شمل أسرار القضاء و القدر و خواص الأشياء و منها خواص النبات و عرف موجبات الفرح و السرور و أسباب الحزن و الكدر فإن آدم و سائر حجج اللّه سفراؤه في الأرض و لا بد و ان يكون السفير مطلعا على دار سفارته، و لعل منها ما حكاه اللّه تبارك و تعالى في قوله: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [سورة طه، الآية: ۱۱٥] فأخبره تعالى بوقوع هذه الحادثة العجيبة منه لكثرة أهميتها في النشأة الدنيوية و سيأتي في البحث الروائي و غيره مزيد بيان.
و لفظ «آدم» سواء كان لفظا عربيا- من الأدمة بمعنى السمرة أو من أديم الأرض و هي ظاهرها- أو غير عربي، سهل في النطق و ذلك يكشف عن وجود الأنس بين ذريته و لعله لذلك سمي إنسانا لأن الانس من طبعه و في جبلته أو لكونه وسطا بين الإفراط و التفريط كما أن السمرة وسط بين السواد المحض و البياض كذلك، و الظاهر أن اطلاق هذا الاسم عليه كان من اللّه تعالى من حين الخلقة لا حين نزوله الى الأرض فهو باسمه و جسمه و روحه مضاف إلى اللّه تعالى إضافة خاصة.
قوله تعالى: الْأَسْماءَ كُلَّها. الأسماء جمع اسم و له معان:
الأول: اللفظ الخاص المعروف في مقابل الفعل و الحرف مثل سماء، و أرض، و بحر، و نهر الى غير ذلك مما هو في ازدياد على مر العصور، فيكون التعليم من مجرد اللفظ فقط بلا توجه من المتعلم الى المعنى أبدا، لا فعلا و لا بعد ذلك، و هذا يعد من اللغو في المحاورات المتعارفة بين الناس، فيكون قبيحا بالنسبة إليه تعالى و هو محال، لاستحالة كل قبيح عليه عزّ و جل.
الثاني: الأسماء من حيث كونها آلة للتعرف على المسميات و المعاني فتتحقق الإفادة و الاستفادة، كما هو شأن تعلم اللغة التي بها امتاز الإنسان على سائر الخلق، قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [سورة الرحمن، الآية: 2].
الثالث: المراد من الأسماء ذوات المسميات، و حقائق الأشياء لوجود خاصية الاسم فيها، لأن الاسم ما أنبأ عن المسمى، و جميع تلك الحقائق تنبئ عن آيات اللّه و جلاله و جماله. أو للترابط الوثيق بين الدال و المدلول بحيث إذا أطلق أحدهما انتقل الذهن إلى الآخر، كما تقدم.
و الظاهر هو المعنى الأخير، و يتحقق المعنى الثاني لا محالة، فإنّ المناسب من تعليم اللّه تعالى آدم الأسماء من حيث كشفها عن حقائق المسميات و جواهرها، و أعراضها، و مجرداتها، و معرفة ذواتها و خواصها و صفاتها، فكما أن آدم أبا البشر في مقام الأبوة و البنوة الإضافية صار أصلا لهم‏
في ما يتعلق بشئونهم الفردية و الاجتماعية و من أهم ذلك معرفة الحقائق و أسمائها، و يشهد لذلك قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، فإنه لو كان المراد هو مجرد الألفاظ فقط لما كان لهذا القول معنى إلّا بالتكلف.
و لا فرق في ذلك بين أن يكون التعليم دفعيا و في آن واحد، أو كان بالتدريج على حسب مجرى الطبيعة التي هي مسخرة تحت إرادته تعالى. و لا بأس بالقول بكل منهما فيكون بالنسبة إلى البعض دفعيا و بالنسبة إلى البعض الآخر تدريجيا، و في جميع الحالات يكون التعليم منسوبا إليه عزّ و جل.
ثم إنه لا وجه لصرف الآية عن التعميم، و القول بأن التعليم يختص بتلك الأسماء التي كانت مورد حاجة آدم في حياته، و تعليم غيرها يكون من اللغو أو لزوم ما لا يلزم و اللّه تعالى منزه عن ذلك، إذ يرد على هذا القول بأن الآية ظاهرة في التعيمم، مع أن الإحاطة العلمية خصوصا بمثل هذه الإحاطة العلمية الغيبية كمال للنفس و أي كمال أفضل منه بل يعد هذا من معجزات آدم (عليه السلام).
و يحتمل أن يكون المراد بعالم الأسماء عالم المثال الذي أثبته بعض الفلاسفة، و يسمى بعالم الخيال المنفصل أيضا الذي فيه صور جميع الموجودات بأشكالها الخاصة و هيئاتها المختلفة المحدودة بحدودها المعينة كما في الصور الخيالية التي تكون بين التجرد المحض و المادية المحضة و استدلوا عليه بالأدلة العقلية، و بما ورد
عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) «أن في العرش صور جميع الموجودات»
، و قد ورد في شرح دعاء- يا من أظهر الجميل و ستر القبيح- «أن العبد إذا فعل فعلا قبيحا ستر اللّه تلك الصورة بستار لئلا يطلع عليها الملائكة»
و المراد بهؤلاء الملائكة بعض حملة العرش، و يأتي للمقام شواهد عقلية و نقلية.
و على هذا يكون إتيان لفظ من يعقل في قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ من باب ذكر الأهم لأنه المقصود الأصلي من خلق الجميع.
بل يمكن أن يقال: إنّ المقصود الأصلي من الأسماء إنما هو مقام‏ الخلافة الإلهية و أسماء الخلفاء ليكون آدم على بصيرة من أمره من أن الأرض أرضه، و البشر نسله، و الخلفاء من ذريته و لا سيما سيدهم (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا مما لا ريب فيه‏
فقد روى الفريقان عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين»
فهو (صلّى اللّه عليه و آله) مقدم على آدم علما و إن كان مؤخرا خارجا.
قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ. العرض هو الإظهار على الغير لغرض فيه قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة الأحزاب، الآية: 72]، و قال تعالى: وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّكَ صَفًّا [سورة الكهف، الآية: ٤۸]. فإذا عدي بالهمزة يكون بمعنى الإدبار و التولي، كقوله تعالى: وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [سورة الأعراف، الآية: 199] و قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [سورة السجدة، الآية: 30].
و المراد بالعرض على الملائكة توجيه نفوسهم، و الاطلاع على تلك الأشياء إما إلى أعيانها إن كانت موجودة أو أمثالها المحدثة بإرادة منه عزّ و جل إن لم توجد في الخارج.
و ذكر خصوص من يعقل من باب التغليب أو الأفضل كما تقدم، أو لأجل بيان أن المراد الأصلي إنما هو ذوو العقول و لا سيما الكاملين منهم، أو لأجل أن جميع موجودات هذا العالم من جماده و نباته و حيوانه له عقل و شعور في عالم الغيب، و إن خفي ذلك علينا، و يشير إليه قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [سورة الإسراء، الآية: ٤٤]، و هذا العالم يسمى بعالم الروحانيين، و عالم الأشباح و الأظلة و بالملكوت الأسفل، فيكون معنى عرضهم على الملائكة رفع بعض حجب الغيب عنهم، و في هذا العالم تكون خزائن اللّه التي يقول جلّ شأنه فيها: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [سورة الحجر، الآية: 21].
و بالجملة: حجب الغيب كثيرة، و تحت كل حجاب عالم من العوالم لا يعلمها إلّا اللّه عزّ و جل. و عن جمع من الفلاسفة «أن كلما هناك حي ناطق و لجمال اللّه دواما عاشق».
قوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. الأمر للتعجيز، و إظهار عجزهم على أنفسهم و على غيرهم، فلا وجه لإشكال جمع من المفسرين من أن أمر العاجز عن الشي‏ء قبيح فيكون محالا عليه تعالى، لأن ذلك في ما إذا كان الداعي من الأمر هو الإيجاب و أما إذا كان الداعي شيئا آخر من تعجيز و نحوه فلا محذور و هو في القرآن كثير، و تأتي الإشارة إليه.
و الإنباء هو الإخبار يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه تارة، و بواسطة الحرف أخرى، كما عن جمع من اللغويين.
و المراد بالأسماء هنا نفس الألفاظ فقط و هو تعجيز شديد، يعني أنكم إذا لم تقدروا على الإخبار عن مجرد اللفظ فأولى أن تكونوا عاجزين عن معرفة أسرار الأشياء و حقائقها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن ما خطر في نفوسكم أنكم أفضل من آدم و ما أظهرتموه من الدهشة في اختيار الخليفة من الإنسان. و ليس ذلك من الحسد المبغوض بل هو من حب الكمال الذي هو من الفطريات لكل ذي إدراك، و لم يسلم من ذلك حتّى أنبياء اللّه تعالى، كما تشهد به قصة موسى (عليه السلام) مع الخضر، و سيأتي تفصيلها في سورة الكهف.
و من ذلك يعلم أن الحكمة في التعليم و العرض هي إظهار فضل آدم (عليه السلام) على الملائكة، و أن الخلافة لا تكون إلّا لمن استجمعت فيه مراتب الاستعداد و لا يعلم بها أحد إلّا اللّه تعالى.
هذا كله إذا كان المراد بقول الملائكة الاستفهام الحقيقي، و كان الاستعمال بداعي ذلك أيضا. و أما إذا كان الاستعمال بداعي التنفر و الاشمئزاز من المفسدين و سفكة الدماء فهو صحيح، و يصح انتسابه إلى جميع الملائكة حتّى عظمائهم، و حملة العرش كما لا يخفى. فيكون قول اللّه تعالى ناظرا الى عدم إحاطتهم بمراتب الغيوب، و مقدمة لأمرهم بالسجود لآدم لما ظهر لهم من‏ فضله بما أفاض اللّه تعالى عليه علم الأسماء، و جعله خليفته في الأرض.
و أما ذكر «هؤلاء» بعنوان الإشارة إلى الحاضرين فيمكن أن يكون لبيان رفعة مقام المسميات بخصوص هذه الأسماء دون غيرها فكأنهم حاضرون في جميع العوالم، و قد عبّر عن خصوص هذه المسميات جمع من الفلاسفة بأرباب الأنواع، و جمع آخر بالمثل الأفلاطونية.
قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا. كلمة «سبحانك» تقال في مقام التوبة كما في قوله تعالى: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [سورة الأنبياء، الآية: 87]، و قوله تعالى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۳].
و أما قوله تعالى: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتراف منهم بالعجز و القصور، و ان علمهم لا يحيط بجميع المسميات و فيه ثناء على اللّه تعالى، لأنهم أثبتوا العلم له عزّ و جل و نفوه عن غيره و أنه المفيض عليهم بالعلم على قدر القابليات و الاستعدادات.
قوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. تأكيد منهم على حصر العلم بالنسبة إلى ذاته، و للحكمة بالنسبة إلى فضله و مادة (ح ك م) في أية هيئة استعملت تفيد الإتقان و الإحكام و الإتمام. و أصل الحكمة منه تعالى معرفة الأشياء، و إيجادها بالإحكام و الإتقان الواقعي، و هي منبعثة عن العلم بالحقائق. و إذا أطلقت بالنسبة إلى الإنسان ففي اصطلاح الفلاسفة: هي العلم بحقائق الأشياء على حسب الطاقة البشرية. و في اصطلاح المفسرين: معرفة الأشياء و فعل الخير و قالوا منه قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [سورة لقمان، الآية: 12]، و يأتي في قوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [سورة البقرة، الآية: ۲٦۹] بعض الكلام.
و إذا أضيفت الى القرآن كقوله تعالى: وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [سورة القمر، الآية: ٥] فانما يراد بها الاشتمال على الآيات و القوانين المحكمة. و يطلق الحكم على الحكمة أيضا، كما نسب إلى النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «الصمت حكم و قليل فاعله».
و من هذا الجواب يستفاد أنّ سؤالهم لم يكن من الخصومة و الجدال بل كان سؤال مستفسر مستوضح، و لذا رجعوا إلى ما كان قد غفلوا عنه، و فوّضوا الأمر إليه تعالى بعد ما تبين لهم الحال.
و في هذه الآية المباركة جملة من الآداب بين السائل و المجيب ففيها إيماء إلى أن الإنسان يجب أن لا يغفل عن كونه مخلوقا ناقصا مهما بلغ من الكمال، و أن لا يأنف من الاعتراف بالجهل إذا كان لا يعلم، و أن لا يكتم العلم إذا كان يعلم، و يجب عليه أن يحفظ مقام معلمه في تواضع و أدب.
قوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ. أي أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها، و إيكال تعليم الملائكة الى آدم (عليه السلام) يدل على أفضلية مرتبة الخلافة عنهم. و قد نادى اللّه سبحانه جملة من أنبيائه في القرآن العظيم بأسمائهم العلمي فقال تعالى: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [سورة هود، الآية: 48]، و قال تعالى: يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [سورة الصافات، الآية: ۱۰٥]، و قال تعالى: يا مُوسى‏ أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ [سورة القصص، الآية: 31]، و قال تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [سورة المائدة، الآية: ۱۱٦]. و أما سيد الأنبياء فلم يخاطبه عزّ و جل إلّا بأوصافه فقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [سورة الأنفال، الآية: ٦٤] أو يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [سورة المائدة، الآية: ٤۱] و طه و يس فيكون له سبحانه و تعالى معه (صلّى اللّه عليه و آله) أدب، و للرسول معه عزّ و جل حالات خاصة.
قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ. يدل على أن استكمال الملائكة بالعلم إنما يكون بواسطة أنبياء اللّه و حججه و لا محذور فيه بل الأدلة العقلية و النقلية تؤيد ذلك.
و لعل من اسرار نزول الملائكة في ليلة القدر- أو مشايعتهم لبعض السور حين نزولها على النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)- هو الاستفادة مما ينزل على النبي، أو ولي الأمر، و على هذا يكون بين الملائكة اختلاف في الفضل حسب كثرة حشرهم و مخالطتهم مع الأنبياء و الحجج و قلته، و للكلام‏ تتمة تأتي في المحل المناسب إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. أي قلت لكم إني أعلم ما غاب من أنظاركم و علومكم، فاحتج عليهم بإثبات علم الغيب له تعالى و نفيه عنهم فلن أخلق خلقا عبثا. و إنما ذكر تعالى غيب السموات و الأرض فقط و لم يذكر عالم الشهادة، لشمول الأول له بالأولى، مع أن جميع العوالم شهادة بالنسبة إليه تعالى، و التقدم و التأخر بالنسبة إلى الزمان و هو محيط بالزمان و الزمانيات.
ثم احتج عليهم بأنه عالم بما يبدون و ما يكتمون، لأنه- كما ذكرنا سابقا- أضمروا في نفوسهم أحقيتهم للخلافة، لكونهم يعبدون ربهم و يقدسونه فلم يخلق خلقا أكرم عليه منا.
و الظاهر- كما يدل عليه بعض الأخبار و يأتي في البحث الروائي نقلها- أنّ المراد هم جميع الملائكة، و يحتمل أن يكون المراد هو خصوص الشيطان من جهة كونه داخلا في عموم الخطاب، لأنه كان داخلا فيهم صورة فيكون من باب إطلاق الجمع و إرادة الفرد منه، و هو صحيح واقع في القرآن الكريم و المحاورات.

لا ريب في دلالة الآيات المباركة على فضل العلم، و أنه الغرض الأقصى من خلق الإنسان و جعل الخليفة، إذ لا معنى للخلافة الإلهية بل مطلقها إلّا علم الخليفة في ما يستخلف فيه و تدبيره الحاصل بالعلم أيضا، فيكون العلم هو العلة الغائية لخلق الموجودات كلها، كما أنه العلة لإيجادها، ففي مثله تجتمع العلة الغائية و الفاعلية.
كما يستفاد منها فضل الإنسان، لأنه لا فضل إلّا بالعلم، و لا علم يستعمل في دقائق الكون، و أسرار التكوين و رموزها إلّا في الإنسان و قد سخر الكون بعلمه و لم يخلق اللّه تعالى العالم إلّا له، كما يأتي ذلك في الآيات الكثيرة؛ فمبدأ الخلق إنما هو من العلم و غايته للعلم و تدبيره إنما هو بالعلم، فالجهل و الجهلاء بمعزل عن مبدإ الخلق و غايته و تدبيره و يكون كالجزء الفاسد من العالم، و يأتي شرح هذا العلم و تفصيله في الآيات المستقبلة إن شاء اللّه تعالى.
و من هذه الآيات المباركة يستفاد فضل آدم (عليه السّلام) على الملائكة، لأن اللّه تعالى جعله معلما للملائكة و فضل المعلم على المتعلم واضح.
و تعليم الأسماء لآدم (عليه السّلام) بمنزلة كتاب سماوي أنزله اللّه تعالى على آدم (عليه السّلام) و به تحدى الملائكة فأظهروا العجز و القصور، كما جعل الكلام العربي معجزة لنبيّنا الأعظم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و يأتي التفصيل في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
و يمكن أن يستفاد من الآيات الشريفة أن هذه المحاورة إنما كانت بين اللّه تعالى و بين ملائكة الأرض الذين وكّلوا في شؤونها، و كان قد خفي عليهم وجه الحكمة في خلق آدم (عليه السّلام) دون غيرهم من ملائكة السماء و عظمائها كالكروبيين و حملة العرش، و إن كان الإطلاق يقتضي ذلك إلّا أن الإعتبار يقتضي الأول، كما سيأتي في البحث الروائي فإن المراجعة إنما كانت في الأرض، لا في السماء و إنّ آدم (عليه السّلام) خليفة اللّه خلق من الأرض- لأنه من طين و من حمإ مسنون- و في الأرض لأنه خليفة اللّه في الأرض و للأرض كما هو شأن جميع الأنبياء و الرسل، فلا وجه لتوهم كون الخلق في السماء إلّا قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً و بعض الأخبار، و سيأتي ما يتعلق بذلك.

في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السّلام): «ما علم الملائكة بقولهم: أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء؟ لو لا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها و يسفك الدماء».
أقول: يستفاد من هذه الأخبار أن علم الملائكة ليس من علم الغيب، بل حاصل من المدارك الجزئية الخارجية، و أما أن مداركهم الجزئية كعين مداركنا الجسمانية ففيه تفصيل يأتي بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و في التفسير عن الصادق (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جل: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها. ما هي؟ قال (عليه السّلام) أسماء الأودية و النبات و الشجر و الجبال من الأرض».
و فيه عنه (عليه السّلام) أيضا في قول اللّه عزّ و جل: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها. ما ذا علمه؟ قال: الأرضين و الجبال، و الشعاب و الأودية، ثم نظر إلى بساط تحته. فقال: و هذا البساط مما علمه».
و في التفسير أيضا عن داود بن سرحان قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فدعا بالخوان فتغدينا، ثم دعا بالطشت و الدستشان (أي: محل غسل اليد) فقلت: جعلت فداك قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها الطست و الدستشان منه؟ فقال (عليه السّلام) الفجاج و الأودية و أهوى بيده كذا و كذا».
و في تفسير العسكري عن السجاد (عليه السّلام): «علمه أسماء كل شي‏ء».
أقول: الأمثلة التي ذكرها (عليه السّلام) من باب المثال لما كان موجودا في زمان آدم (عليه السّلام)، لا الحصر.
و في المعاني عن الصادق (عليه السّلام): «ان اللّه عزّ و جل علّم آدم (عليه السّلام) أسماء حججه (عليهم السّلام) كلها، ثم عرضهم و هم أرواح على الملائكة».
أقول: يظهر من هذا الحديث كجملة من الأحاديث المستفيضة أن الأرواح سابقة على الأجسام؛ و في الحديث المعروف بين الفريقين عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام».
و من ذهب الى أرباب الأنواع، أو المثل الأفلاطونية فإن أراد بقوله مثل‏ ما ذكره (عليه السّلام) في هذا الحديث فلا بأس به، و ان أراد به غير ذلك فلا بد في إثباته من الرجوع إلى أدلتهم المذكورة في الفلسفة الإلهية و التأمل فيها.
و في تفسير العياشي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لما أن خلق اللّه آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له، فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنّا نظن أن اللّه خلق خلقا أكرم عليه منا فنحن جيرانه و نحن أقرب الخلق اليه. فقال اللّه: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات و الأرض و اعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون، فيما أبدوا من أمر الجان، و كتموا ما في أنفسهم فلاذت الملائكة الذين قالوا ما قالوا بالعرش».
و مثله عن علي بن الحسين و زاد فيه «فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش، و أنها كانت من عصابة من الملائكة- و هم الذين كانوا حول العرش لم يكن جميع الملائكة- الى أن قال (عليه السّلام): فهم يلوذون حول العرش الى يوم القيامة».
أقول: تقدم في البحث الدلالي ما يدل على ذلك.
و في العلل عن الصادق (عليه السّلام): «أنّه سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرني عن آدم لم سمي آدم؟ قال: لأنه خلق من طين الأرض و أديمها».
أقول: تقدم ما يدل على ذلك.
ثم إنّ في المقام بحثين آخرين- أحدهما: بحث خلقة آدم (عليه السّلام) و قد بينه تعالى في جميع الكتب السماوية خصوصا القرآن بيانا وافيا لهذا الخلق العجيب، ثم شرحته السنّة المقدسة شرحا وافيا و طريق العلم به منحصر بهما، لقصور ما سواهما مطلقا عن درك ذلك لأنه من الغيب المختص علمه به تعالى و إظهاره يكون بإخباره عزّ و جل.
ثانيهما: بحث الطينة و الميثاق، و تعرض له المفسرون و المحدثون من العامة و الخاصة عند قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ‏ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [سورة الأعراف، الآية: 172] و الأخبار في ذلك كثيرة من الفريقين، و هو أيضا من الغيب المختص به عزّ و جل، و لا بد أن يكون العلم به من ناحيته تعالى بلا واسطة، أو بواسطة أنبيائه و أوليائه تعالى، و قد وردت الأخبار في ذلك عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة الهداة (عليهم السّلام).
و الطينة الواردة في السنّة الشريفة على قسمين:
الأول: ما كانت علة تامة منحصرة لكون مآلها إلى الجنّة بلا دخل للتكليف و الإختيار فيها أصلا، أو كون مآلها الى النار كذلك.
الثاني: ما كانت مقتضية لذلك مع دخل شرائط أخرى في كل منهما حتّى تصير إلى الجنّة أو النار. و لا بد من حمل جميع ما وردت في الطينة من الأخبار على القسم الثاني، دون الأول، لظواهر الكتاب- على ما يأتي- و السنّة، و أدلة عقلية نشير إليها في محالها إن شاء اللّه تعالى.

من أعظم ما أنعم اللّه تعالى على الإنسان نعمة البيان و النطق فقال عزّ و جل في مقام الامتنان عليه: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [سورة الرحمن، الآية: 2] فلو لا اللغة و البيان لم يتحقق للإنسان اجتماع و لاختل أساس التشريع، و بالأخرة لم يقم له نظام الدنيا و الآخرة؛ فلا يمكن تحديد هذه النعمة بحد، و يكفي في ذلك قوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ [سورة الروم، الآية: 22] حيث جعل تعالى اختلاف الألسنة من الآيات.
و الكلام في اللغة يكون من جهات متعددة ففيها التاريخية، و الأدبية و العلمية، و الاجتماعية و غير ذلك، و قد وضع العلماء لكل واحدة من تلك الجهات كتبا كثيرة.
و الذي يهمنا في المقام هو ما يستفاد من قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ‏ الْأَسْماءَ كُلَّها في نشأة اللغة عند الإنسان بعد معلومية انتهائها إلى اللّه عزّ و جل، فإنه المفيض عليهم هذه النعمة- كما في سائر نعمه عزّ و جل- بإلهام منه تعالى مباشرة، أو بالتعليم.
و الوجوه المحتملة كثيرة و قال بكل منها جمع و هي:
الأول: أنّها كانت من مجرد أصوات ذات دلالات وضعية فقط فتعدت عن تلك المرتبة بالتكرار حتّى وصلت إلى مرتبة الدلالة الاستعمالية فصارت ألفاظا خاصة كاشفة عن معان مخصوصة.
الثاني: أنّها كانت من ألفاظ ذات دلالات وضعية منشؤها الفطرة الإنسانية، كالألفاظ التي يستعملها الصبي غير المميز، أو تستعمل له فتعدت بكثرة الاستعمال عن تلك المرتبة إلى المرتبة الكاملة، كما هو مقتضى السير التكاملي في كل شي‏ء. و لا يخفى بعد هذين الوجهين عن الآية الكريمة، مضافا إلى ما فيهما من التعسف.
الثالث: أنّها مركبة من الوجهين في بدو الأمر؛ فحصل التكامل بما يحصل التكامل في سائر الأشياء. و يرد عليه ما أورد على الوجهين السابقين.
الرابع: أنّها حصلت أصولها بتعليم اللّه تعالى، و البقية بنحو ما مر.
الخامس: أنّها حصلت جميعها بتعليم اللّه عزّ و جل لآدم فانتشرت في ذريته بحسب مقتضيات الأزمنة و الأمكنة.
و الوجه الأخير و إن كان يلائم المستفاد من الآية الكريمة، و بعض الأخبار التي تقدم ذكرها في البحث الروائي. فإن الجمع المحلى باللام المفيد للعموم في «الأسماء» و تأكيده بلفظ «كل» الواقعين في الآية الكريمة يشملان جميع الأسماء الواقعة في سلسلة الزمان إلى انقراض العالم، و في جميع اللغات و اللهجات، و قد أحاط بها آدم (عليه السّلام) إحاطة فعلية.
و هو و إن لم يكن من قدرة اللّه تعالى ببعيد، و لكنه مشكل جدا و بعيد من الأذهان، و لو كان الأمر كذلك لكانت معجزة آدم (عليه السّلام) أجلى و أرفع من معجزات جميع الأنبياء.
فالحق أن يقال: إنّ المراد من الجمع و التأكيد الإضافي منهما أي ما كان في عصر خلق آدم (عليه السّلام)، و ما كان مورد احتياجه في مدة حياته ثم بعد ذلك استحدثت لغات و لهجات و ألفاظ بالجعل و الوضع تخصيصا أو تخصصا، و هذا هو الذي يمكن استفادته من مجموع الروايات بعد رد بعضها إلى بعض، و هو قريب من الأذهان، و به يمكن الجمع بين بعض الوجوه المتقدمة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"