1. صفحة الرئیسه
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 285 الى 286

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (۲۸٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (۲۸٦)


الآيتان الشريفتان من جلائل آيات القرآن الكريم تشتملان على مضامين عالية جمعت فيهما مجامع الكمال و السعادة، و فيهما أدب العبودية و نهاية الخضوع و التذلل للّه تعالى في أسلوب بليغ جذاب، و فيهما خلاصة ما تضمنته هذه السورة الشريفة التي كان الغرض المتحصل منها: الإيمان باللّه تعالى، و العبودية له عزّ و جل، و الإيمان برسله و ما أنزل عليهم، و الطاعة له عزّ و جل بالايتمار بأوامره، و الانتهاء عن نواهيه، و الاتقاء عما يوجب سخطه و عذابه و الإقرار بالبعث و النشور، و فيها قصص أهل الكتاب للعبرة منها و اللجوء إليه سبحانه و تعالى عما أصابهم بسبب تمردهم و طغيانهم.
و من بديع أسلوب هذه السورة أنّها بدأت بالهداية للمتقين و ختمت باللجوء إلى اللّه تعالى لطلب الهداية و الغفران و الإذعان بالطاعة الذي هو أمل‏ المتقين، فيكون أول السورة كالعلة الفاعلية و آخرها كالعلة الصورية أو المادية للأول و هما كالعلة الغائية لنظام التشريعات السماوية نزلتا على من هو علة غائية لنظام الخليقة و التكوين، و قد ختمتا بطلب النصرة على القوم الكافرين و هي غاية دعوة الأنبياء و المرسلين و المؤمنين باللّه تعالى و مضمونهما من القضايا العقلية التي تحكم بها الفطرة.
و في الآيتين فضائل و آثار مهمة نبهت إليها السنة الشريفة و لعظم منزلتهما عند اللّه تعالى كانتا في كنز تحت العرش.

285- قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ.
إخبار عن تصديق الرسول و المؤمنين بما أنزل إليهم من ربّهم. و إنّما أفرد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للإرشاد إلى أهمية الإيمان باللّه تعالى و أنّ الرسالة طريق إليه و لبيان أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أول المؤمنين كما في الآية الشريفة التي حكى اللّه عنه: إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام- 163]، و كذا قوله تعالى: وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر- 12]، و الاعتناء بإيمانه و تشريفا له (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو دأب القرآن الكريم في تشريفه فيذكره و يذكر معه المؤمنين و هو كثير في القرآن قال تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الفتح- 26]. و المؤمنون إما عطف على الرسول و ما بعده جملة مستأنفة، أو أنّ آمَنَ الرَّسُولُ جملة و المؤمنون جملة أخرى مستأنفة.
و الخطاب إنّما هو بين أعظم الموجودات كلّها و بين أشرف مخاطب في الممكنات في محل هو أعلى مقامات القرب إليه تعالى الذي لا يصل إليه ملك مقرّب و لا نبي مرسل، و الحالة هي حالة الجذبة الأحدية المطلقة لمقام الأحمدية المنقطعة إليها فاستشرقت من الشوارق المعنوية من المبدإ الحنان‏ بما لا يمكن تحديده بقلم و لا بيان.
و المراد بما أنزل إليه: جميع ما أوحي إليه من المعارف و الأحكام و السنن، و جوامع كلماته المباركة.
قوله تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ.
حكاية عن حال كلّ من الرسول و المؤمنين على وجه الانفراد لأنّ الإيمان مطلوب من كلّ فرد فرد فهو قائم بالفرد حقيقة بخلاف غيره فإنّه يشمل الجميع أيضا و لذا حكى عنهم على سبيل الجمع كما في قوله تعالى: فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
و تفصيل بعد إجمال اهتماما بالإيمان و تعظيما لشأنه فإنّ الإيمان بالقرآن الذي أنزل على الرسول يدعوان إلى التصديق باللّه تعالى و بالكتب و الرسل و الملائكة و القرآن حاو على جميع ذلك إجمالا و تفصيلا. و لا بد من الإيمان به على ما يليق و بالكيفية التي قرّرها.
و التصديق بالملائكة باعتبارهم سفراء اللّه تعالى إلى الأنبياء و الرسل و حملة الوحي و أنّهم عباد مكرمون لا يعصون اللّه في ما أمرهم به و يفعلون ما يؤمرون.
و الإيمان بالكتب الإلهية التي أنزلها اللّه تعالى لهداية البشر و سعادتهم و ما تضمنته من المعارف و الأحكام.
و الترتيب طبيعي في سلسلة النزول و لكن في سلسلة الصعود يكون الإيمان بالأنبياء و الرسل أولا ثم بالكتب ثم بالملائكة. و أما الإيمان باللّه تعالى فهو محيط بجميع ذلك صعودا و نزولا.
قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
حكاية عن مقولهم من دون ذكر القول كما في قوله تعالى: قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا لأنّ الإيمان استولى على قلوبهم و ملئت بحبّ اللّه تعالى‏ و رسله بلا تمييز بينهم، فهذا حال المؤمنين في إيمانهم سواء أظهروا ذلك في القول أم لا.
و في الآية الشريفة رد على أهل الكتاب و غيرهم الذين يفرقون في الإيمان برسل اللّه تعالى تعصبا أو لأجل أغراض فاسدة، كما حكى عنهم اللّه تعالى في آيات متعددة من القرآن الكريم.
و الآية المباركة ترشدنا إلى قضية عقلية و هي أنّ التفرقة بين الرسل غير معقولة لأنّ الرسالة إنّما تكون عن واحد و في واحد، و التبدل الزماني و تفاوت الاستعدادات خارجان عمّا تتقوم به الرسالة و قد ذكرنا في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ [البقرة- 253]، ما يرتبط بالمقام.
قوله تعالى: وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا.
حكاية عن قولهم مع ذكر القول من دون ذكره في الحكاية السابقة مع أنّهما في كلام واحد. و هو من بديع الأسلوب و فيه إظهار لخضوع القائلين و خشوعهم.
و هو إخبار عن الطاعة و الانقياد فإنّ السمع يكنّى به عن القبول و الإذعان، و الإطاعة عن الانقياد، و هذا هو حقيقة الإيمان سواء كان هذا القول شرحا للإيمان باللّه تعالى، يعني: سمعنا قول اللّه و أطعنا تكاليفه، أو يكون شرحا للإيمان بالرسل، يعني: سمعنا قول الرسول و أطعنا أوامره و نواهيه، و يكون متعلقا بغفرانك. يعني: سمعنا و أطعنا موجبات غفرانك و هي الايتمار بالأوامر و الانتهاء عن النواهي فإنّ جميع ذلك صحيح و يرجع إلى شي‏ء واحد و هو بيان حقيقة الإيمان و هما يستعملان فيما هو المقدور و ما يقبل الفهم، و غيرهما ليس بداخل تحت التكليف فيكون الكلام تمهيدا لما سيأتي من نفي التكليف بما لا يطاق.
و السمع و الطاعة من مقوّمات العبودية للّه تعالى بحيث تبعث السمع على العمل و الطاعة على المحاسبة و هما من حقوق اللّه تعالى على العبد و الالتزام بهما من العبد يكون قضاء لحقه عزّ و جل عليه و وفاء لعهده مع الرب تعالى.
قوله تعالى: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
الغفران مصدر كالكفران، و هو بمعنى الستر منصوب بفعل مقدر من لفظه أو غيره أي: اغفر غفرانك أو نسأل غفرانك.
و من المقابلة بين السمع و الطاعة و بين الغفران يستفاد أنّ الأولين حقا للّه تعالى على العبد، و الثاني حق العبد على اللّه تعالى.
و إنّما حذف المتعلّق ليشمل جميع مراتب إحسانه تعالى، و تفاؤلا من المؤمنين بأنّ الخير المحض لا يصدر منه الا الخير المحض، و أنّ أصل الإيمان الذي هو أرفع المقامات و أفضل الحسنات يذهب السيئات فالمؤمن في الدنيا رهين نعمته و في الآخرة غريق رحمته.
و قد ذكروا الرب لما فيه التلطف و بيان الاحتجاج على رحمته تعالى أي: إنّنا مربوبون لا نملك من أمرنا شيئا و أنت الربّ الذي يرجع إليه العبد فاغفر لنا.
و ختموا الدعاء بالمصير إليه اعترافا منهم بالفقر و النقصان و هو المرجع في الدنيا و الآخرة و قد طلبوا منه الغفران و الستر عما يقع منهم في طريق الاستكمال و المصير إليه عزّ و جل.
286- قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ.
الوسع: الطاقة، و وسع الإنسان أي ما تسعه قدرته و ما تتحمله طاقته و هو يشمل جميع مراتب التكاليف و أبدالها فهو ذو مراتب بحسب متعلقه.
و الكلام يحتمل أن يكون من اللّه تعالى إرشادا إلى تقديسه في كماله و لطفه بعباده، و تعاليا عن القبح في التكليف بغير المقدور و امتنانا على العباد.
كما يحتمل أن يكون من الرسول و المؤمنين إظهارا لعدله و رأفته بهم.
و الجملة كالنتيجة لما تقدم في الآية السابقة كما عرفت آنفا، و توطئة لما ذكر في الجملة الآتية.
و المعنى: إنّ اللّه لا يكلف عباده بما لا يطيقون و لا يحملهم على ما لا يقدرون فللإنسان جزاء ما يكسبه من الخير حسب وسعه و طاقته و عليها وزر ما اكتسبت نفسه من الشر يوفي جزاء كلّ منهما و لا يظلمهم فيه.
و إنّما نسب الاكتساب إلى النفس توبيخا و احتجاجا عليه فإنّه قد تحمّل في الشر من المشقة و التكلف و هو يدل على أنّ في النفس عند الشر صراع بين العقل و الشرع من ناحية و النفس الأمارة من جهة أخرى فقد تحمل المشقة و إن كانت النفس إليه أحب و أعمل لأنّه من مشتهياتها بخلاف الخير فإنّها مجبولة عليه و لا يحتاج إلى المشقة و الاعتدال.
و الآية الشريفة تدل على اختيار الإنسان في أفعاله و الرد على من يقول بالجبر، و ما ورد فيها من القضايا العقلية التي تحكم بها الفطرة السليمة قرّرها الرب الرؤوف على لسان نبيه العظيم بدلا عن لسان الأمة فسأل ربه فأرشدهم اللّه تعالى إلى ما يحفظهم و يقيهم و ما هو الأصلح لهم.
قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.
مادة (نسي) تأتي بمعنى الترك و التأخير و الإهمال، و هي كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم و السنة الشريفة، و لعل أعظمها على القلوب قوله تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر- 19]، و قوله تعالى: وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية- 34].
و النسيان في أمثال هذه الموارد بمعنى الترك.
و في الحديث: «صلة الرحم مثراة للمال و منسأة للأجل» و هي بمعنى التأخير.
و السهو و النسيان و الخطأ و الغفلة لها جامع قريب و هو سقوط الالتفات و التوجه التفصيلي في النفس عن المعنى فعلا. و الاختلاف إنّما هو بلحاظ أصل المعنى في الذاكرة أو الحافظة أو أصل المخ على تفصيل مذكور في محله.
و طلب نفي المؤاخذة على النسيان و الخطأ باعتبار ما جبل الإنسان عليه من الضعف و الفتور و هما قد يقعان بسبب التساهل و التقصير في التحفظ على‏ مقدمات التكليف فطلبوا من الرب الرحيم أن لا يؤاخذهم على ذلك كما كان على العكس بالنسبة إلى الذين من قبلهم و طلبوا منه الهداية و التوفيق و الرشاد لئلا يقعوا فيما يوجب النسيان و الخطأ لما عرفوا من أنفسهم الضعف.
و إنّما قدم النسيان لكثرة ابتلاء الإنسان به حتّى قيل: إنّ اشتقاق اسمه منه.
و إنّما أدخل الرسول نفسه في زمرة المؤمنين و طلب نفي المؤاخذة على النسيان و الخطأ باعتبار أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حيث ذاته معرّض لذلك و إن كان باعتبار حضوره لدى اللّه تعالى و اعتصامه به في جميع حالاته معصوما منزها عن ذلك كلّه.
قوله تعالى: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.
الإصر: الضيق و الحبس، و المشقة، و لم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم الا في ثلاثة مواضع، أحدها المقام. و الثاني قوله تعالى: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف- 157]، و الثالث قوله تعالى: وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران- 81]، أي العهد الضيق الشديد. و المراد به التكاليف الشاقة، كما أنّ المراد من الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أهل الكتاب.
و الإصر الذي حمل على غيرنا لم يكن بجعل أولي، بل كان بسبب تمردهم و لجاجهم و أعمالهم الفاسدة، قال تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام- 146]. و قد حكى اللّه عزّ و جل في كتابه الكريم كثيرا منها، و تقدمت قصة ذبح البقرة في هذه السورة، و يستفاد ذلك أيضا من قوله تعالى: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف- 157]، حيث نسب الإصر إلى أنفسهم لأنّهم السبب في تحمّله، و في هذه الآية نسب التحمل إلى اللّه‏ تعالى باعتبار مجرد المنشئية، و ليس هو من التكليف المنفي عنه عزّ و جل عقلا، لأنّه مما اختاره الإنسان بسوء اختياره، و يدل على ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج- 78]، فإنّه يدل على نفي الحرج في كلّ دين سماوي سواء كان ملة إبراهيم (عليه السلام) أو شريعة موسى، و عيسى، و محمد (عليهم السلام) التي هي تابعة لملة إبراهيم (عليه السلام).
إن قيل: إنّ التكليف يلازم المشقة و الثقل، لأنّه من الكلفة و هي المشقة.
يقال: إنّ كون التكليف ملازم للمشقة أعم من كونه فوق الطاقة و ما لا تسعه قدرة الإنسان أو ضيّقا حرجيا بحيث يحتمل المشقة الشديدة مع أنّ التكليف بالأحكام أمر يجوّزه العقل و لا مانع فيه فإنّ إهمال الإنسان من كلّ جهة قبيح و هو ممتنع على اللّه تعالى، بل إنّ إهماله إهمال للنظام الكياني كلّه.
و بملاحظة قبح التكليف بما لا يطاق يكون التكليف الممدوح هو الذي لا يكون فيه العسر و الحرج، و هو من الواجبات المستقلة العقلية النظامية.
و إطلاق الآية الشريفة يشمل جميع التكاليف الشاقة حتّى التكاليف الامتحانية التي ابتليت بها الأمم السابقة، و التكاليف التي يضعها الإنسان على نفسه على سبيل التخيل و الوسواس التي هي خلاف الأدلة الشرعية الواصلة إلينا ففي الحديث «الدّين يسر و لا تعسّروا» و قد اعتبرها الإمام الصادق (عليه السلام) من إطاعة الشيطان حيث‏ قال: «و أي عقل له و هو يطيع الشيطان» أعاذ اللّه تعالى عباده منه فيكون معنى الآية الشريفة: ربنا ألهمنا الرشاد و التوفيق لترك ما يوجب جميع ذلك.
و في الآية كمال الامتنان على أمة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و البشارة لهم.
قوله تعالى: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
الكلام في هذه الآية الشريفة كالكلام في سابقتها، فإنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلا و هو محال على اللّه تعالى، بل المراد نفي و إبعاد ما يوجب الوقوع في المشقة و التعب الشديد، كالابتلاء و الامتحان و جزاء الأعمال السيئة في الدنيا و الآخرة. أي: لا توقعنا فيما يوجب هذه الأمور بسوء اختيارنا.
و في تكرار لفظ الرب في هذه الموارد رجاء بعث صفة الرحمة من الرب، و إظهار العبودية في المربوب، و قد ذكرنا في سورة الفاتحة أنّ في هذا الاسم الشريف خصوصية لم تكن في غيره عند الدعاء، و لذا كان الأنبياء و الصالحون يذكرونه في حالاتهم الانقطاعية مع اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا.
العفو: إذهاب أثر الشي‏ء، و المراد به محو آثار المعاصي و الذنوب.
و المغفرة: الستر، أي الصفح عن الذنوب و إسقاط حق العقوبة و العذاب. و الرحمة تشمل الجميع.
و يستفاد من هذه الآية الشريفة أدب الدعاء، فإنّ الذنوب و الآثام تجلب آثارا خاصة، و توجب العقوبة و العذاب، فطلبوا محو الآثار أولا و إسقاط حق العقوبة ثانيا، و الرحمة في جميع الأحوال من التوفيق و السداد.
و يختلف طلب المغفرة في هذه الآية عنه في صدرها، فإنّ في هذه إنّما يكون عن الذنوب و النقص الحاصل من جهة الخطاء و النسيان و ارتكاب ما يوجب الوقوع في المشقة و الإصر. و أما الغفران في قوله تعالى: غُفْرانَكَ رَبَّنا إنّما هو مطلق يشمل جميع الحالات و الأمور.
و يحتمل أن تكون هذه الجملات الثلاث مقابلة لتلك الدعوات، فالعفو يكون عما يصدر من الإنسان نسيانا أو خطأ، لكثرة وقوع المكلّف في المخالفة بسبب التقصير في التكليف و مقدماته. و الغفران للذنوب و الصفح عن العقوبة بالنسبة إلى ما يوجب الإصر، و الرحمة بالنسبة إلى ما لا طاقة لنا به.
قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلانا.
جملة مستأنفة، أي: أنت وليّ أمرنا و ملجؤنا في جميع أمورنا، و في ذكره بالخصوص لإظهار العجز و العبودية له تعالى، و جلب رأفته و عطفه على من لا ملجأ له الا إليه.
قوله تعالى: فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
دعاء لطلب النصرة على القوم الكافرين الذين يقفون في سبيل نشر الدعوة الإلهية و دين الحق.
و النصرة على الكافرين مطلقة تشمل النصرة المعنوية بحسب المعارف و الأحكام، و الآداب، و مكارم الأخلاق. و النصرة الظاهرية التي تتوقف على إقامة الدّين، و العمل بالشريعة، و نبذ الفرقة و الاختلاف. و هي غاية دعوة الأنبياء و المرسلين، فإنّ بها يتحقق ثبات الدّين و استمراره و إقامته.
و الآية المباركة بصدرها و ذيلها تتضمن الدعاء بالتوفيق و السداد لتحمل الدّين بعد حدوثه، و بقائه و إقامته، و لا أثر لأحدهما بدون الآخر، و لذا كان هذا الدعاء بعد السمع و الطاعة لأصل الدّين و تحمله بالوجه الصحيح، ثم نشره لإعلان الحق.
و إنّما كان هذا الدعاء على سبيل الجمع باعتبار أنّ الاتحاد هو الموجب للنصرة، و فيه من التحريض على الاتفاق و الاجتماع، و نبذ الفرقة و الاختلاف ما لا يخفى.

وردت روايات متعددة تدل على فضل الآيتين المتقدمتين و عظيم منزلتهما عند اللّه تعالى، و يشهد له مضمونهما الرفيع الذي اجتمع فيه مجامع الكمال و السعادة و يحكم بها العقل و الفطرة السليمة، و قد منّ اللّه تعالى فيهما على عباده برفع ما لا يطيقون و ما لا تسعه قدرتهم، و التكاليف الشاقة، و نحن نذكر جملة من الروايات الدالة على فضلهما و ما ورد في تفسيرهما.
في تفسير القمي عن هشام عن الصادق (عليه السلام): «إنّ هذه الآية مشافهة اللّه تعالى لنبيه ليلة أسري به إلى السّماء، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لما انتهيت إلى محل سدرة المنتهى، فإذا الورقة منها تظل أمة من الأمم، فكنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، كما حكى اللّه عزّ و جلّ، فناداني ربّي تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه. فقلت أنا مجيبا عنّي و عن أمتي: و المؤمنون كلّ آمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرّق بين أحد من رسله. و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير. فقال اللّه: لا يكلّف اللّه نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت. فقلت: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. و قال اللّه: لا أؤاخذك. فقلت: ربنا و لا تحمّل‏ علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. فقال اللّه لا أحملك. فقلت: ربنا و لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به و اعف عنّا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. فقال اللّه: قد أعطيتك ذلك لك و لأمتك. فقال الصادق (عليه السلام): ما وفد إلى اللّه تعالى أحد أكرم من رسول اللّه حيث سأل لامته هذه الخصال».
أقول: هذه الرواية تؤيد أنّ «المؤمنون» جملة مستأنفة، و هو أحد الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.
و في الدر المنثور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ اللّه سبحانه قال عند كلّ فصل من هذا الدعاء فعلت و استجبت» و فيه أيضا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».
و عن ابن المنكدر رفعه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «في آخر سورة البقرة آيات إنّهنّ قرآن، و إنّهنّ دعاء، و إنّهنّ يرضين الرحمن».
و في الدر المنثور و غيره أنّهما من كنز تحت العرش.
و في الكافي عن الصادق (عليه السلام قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): وضع عن امتي تسع خصال الخطأ، و النسيان و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد».
و في الكافي أيضا عن عمرو بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رفع عن امتي أربع خصال: خطأها، و نسيانها، و ما أكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ذلك قول اللّه عزّ و جل: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، و لا تحمّل علينا إصرا كما حمّلته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به. و قوله إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان».
أقول: المراد من الرفع هو رفع الآثار الشرعية كالعقاب.
و في تفسير العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) في آخر البقرة لما دعوا أجيبوا، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. قال (عليه السلام): ما افترض اللّه عليها. لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت- الحديث».
أقول: هذا الحديث يشهد لما قلناه من المراد من الرفع الدفع لا الرفع الحقيقي إذ لم يثبت شي‏ء حتّى يرفع، كما أنّ المراد به رفع حقيقة النسيان و نحوه فإنّه موجود حقيقة، و قد فصلنا القول في هذا الحديث في كتابنا (تهذيب الأصول).
و في التوحيد عن الصادق (عليه السلام): «ما أمر العباد إلا بدون سعتهم، فكلّ شي‏ء أمر الناس بأخذه فهم متسعون له، و ما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، و لكن الناس لا خير فيهم».

القوانين السماوية يشترط فيها أمور لا بد أن تجتمع فيها و الا كانت لغوا و اللّه تعالى منزه عن اللغوية بدليل العقل و النقل كما فصل في محله.
الأول: كمال المقنن بالعلم الأكمل و الحكمة البالغة و الإحاطة بالكليات و الجزئيات و قد أقام الفلاسفة الأدلة لإثبات كلّ واحد منها، و العلم الأكمل عين ذاته و الحكمة البالغة، و القيمومية المطلقة من أبرز مظاهر حياته التي هي عين ذاته، فيصير كلّ ذلك عين الذات المقدسة.
الثاني: علمه و إحاطته بجميع الموجودات جزئياتها و كلياتها.
الثالث: ملاحظة خصوصيات المجعول له من جميع الجهات و الإضافات. و مع الخلل يكون من التكليف بالمحال كالتكليف بما لا يطاق و ما فيه العسر و الحرج فإنّهما منافيان لحكمته و هو محال بالنسبة إلى الرؤوف الرحيم الحكيم العليم فما ورد في الآية المباركة و غيرها من الأدلة الشرعية إنّما هو التنبيه إلى الفطرة و إرشاد إليها.

الآيتان المباركتان تدلان على مخاطبة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مع الرب جلّت عظمته و حقيقة هذه المخاطبة من الأمور التي لا يمكن تعريفها و تحديدها فإنّه مهما أمكن تعريف شي‏ء من الأشياء أو الإشارة إليه بحدّ أو رسم لا يمكن ذلك فيما هو خارج عن المشاعر الإمكانية و إن شئت فعبّر عنه بعلم الحال أو علم الحضور أو نحو ذلك مما يصح أن يشار به إلى هذا النحو من الوجدان فلا بأس به.
و كيف يعرّف ما هو خارج عن الأين و الكيف و نحو ذلك من الألفاظ المعرّفة للأشياء؟!.
و كيف يعقل أن يعرّف حالة ملاقاة الحبيب غير المتناهي في أي جهة من الجهات لحبيبه المتفاني فيه من جميع جهاته حتّى وصل من الخلق إلى الحق بكلّ معنى الحقانية و أراد أن يرجع منه إلى الخلق لتكميل الحق و الحقيقة؟!.
و التعبير بالسفر و الملاقاة و الرجوع من باب قصور التعبير و الا فلا معنى للحبيب و حبيبه المتفاني فيه هذه التعبيرات مطلقا.
و كيف تحدّ حالة هي حالة مكالمة الحبيب لحبيبه مشافهة و كلمات هي عين ما وقع بها التخاطب في قمة ذروة الممكنات بأسرها؟! أم كيف يوصف فضاء تشرف بهذه الكلمات و الملاقاة؟!
و كيف توصف كلمات هي أساس النظم و الانتظام؟! فلو لم يكن لسيد الأنبياء إلا حدوث هذه الحالة لكفاه فخرا على جميع الأنبياء فإنّه إن أرى اللّه لخليله ملكوت السموات و الأرض فقد أرى لحبيبه هيمنة خلّاقية السموات و الأرض فحق أن تكون الآيتان المباركتان من كنوز تحت العرش كما في الحديث بل العرش ينطوي في هذه المكالمة و الحالة: هذه من علاه إحدى المعالي و على هذه فقس ما سواها كما أنّه يحق لنفس هذه الكلمات كلّ مرتبة عالية يقال لها فإنّه ليس شي‏ء في الممكنات أعلى و أغلى من الإيمان باللّه تبارك و تعالى و كذا بالنسبة الى التكليف فإنّه كمال إنسانية الإنسان الذي هو أفضل الموجودات و قد يصل إلى أعلى الدرجات.
و الحمد للّه ربّ العالمين‏

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"