1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 256 الى 257

لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (۲٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (۲٥۷)


قرر سبحانه و تعالى في الآية السابقة كليات اصول الدّين و هي توحيد اللّه تعالى و تنزيهه عن الشرك و الأنداد و النقائص و الأوهام و أثبت تعالى لنفسه الأقدس أمهات الصفات العليا و الأسماء الحسنى. كما دلّت الآية على المعاد أيضا للتلازم بين المبدإ و المعاد.
يبيّن عزّ و جلّ في هاتين الآيتين أصلا آخر من أصول الدّين و هو النبوة بعد الإشارة إليها في الآية السابقة و قرّر تعالى أنّ الدّين الذي نزل به على خاتم الأنبياء قد حوى من المعارف الإلهية و التشريعات الربوبية التي هي من الوضوح بمكان مما لا يدع مجالا إلى الشك و الريبة و يهدي إلى الفطرة السليمة و العقل المستقيم فمن آمن بما أنزل اللّه تعالى فقد خرج من ظلمات المادة و المعاصي إلى النور الإلهي و دخل في ولاية اللّه تعالى و فاز بسعادة الدّارين و من أعرض و كفر به أطفأ نور الفطرة بالكفر و الطغيان و صار من أولياء الشيطان فنال الشقاوة و الخسران.
و ميّز سبحانه في هاتين الآيتين بين تشريع الدّين فاعتبر أنّ معالمه واضحة و أعلامه جلية عالية فلا إكراه عليه و لا إجبار على الدخول فيه و بين بقائه فاعتبر فيه الاستمساك بالعروة الوثقى التي تجعل الدّين غضا طريا يؤمن عليه من تلبيس المنافقين و زيغ المعاندين و دسائس الكافرين و لا يمكن الانفكاك بين الأمرين و الا استلزم الخلف فإنّ تشريع الدّين من دون الضمان على بقائه و استمراريته لا سيّما إذا كان خاتم الأديان الإلهية كان لغوا و لأجل ذلك كانت النبوة و الولاية متلازمتين. و من ذلك يعلم الوجه في بعض الأخبار التي تدل على جعل هاتين الآيتين من متممات الآية السابقة لأنّ بهما تتم أصول الدّين جميعها.

۲٥٦- قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
مادة (كره) تدل على زوال الرضا و طيب النفس أو الرغبة فيسقط الفعل لذلك عن الأثر المطلوب منه، و عن نبينا الأعظم فيما تواتر عنه: «رفع ما اكرهوا عليه» أي رفع الأثر عن الفعل المكره عليه و لها استعمالات كثيرة في القرآن، و مراتب متفاوتة في الوجدان و تختلف باختلاف الجهات قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة- ۲۱٦].
و الدّين هو الاعتقاد الصحيح المستتبع للعمل و الرابط بين العباد و خالقهم و بين بعضهم مع بعض. أي: لا إجبار في الدّين.
و الآية تنفي الدّين الذي فيه الإكراه- سواء كان حكما وضعيا تكوينيا أي لا دين فيه الإكراه و الإجبار على الدخول فيه أو حكما تشريعيا أي النّهي عن الدخول في الدّين كرها و هما متلازمان في المقام.
و الدليل على أنّه لا إكراه في الدّين أمور:
أحدها: أنّ الدّين مطابق للفطرة، و حكمة العقول، و هما من أهم أسباب الاستكمال في الإنسان و هو بفطرته يسبق إلى الكمال فلا يحتاج إلى الإكراه و الإلجاء، بل إنّ ما ينتفي عنه طيب النفس و الرضاء العام يصح سلب‏ الكمال عنه خصوصا في بعض مراتب الإكراه.
الثاني: أنّ الإكراه على الدّين ينافي الجزاء مطلقا فإنّ الأثر إنّما يترتب على الفعل الاختياري بلا فرق بين الوضعيات و التكليفيات.
الثالث: الإكراه إنّما يكون مورده الأفعال و الحركات الخارجية أما الأمور القلبية فلا مجرى للإكراه فيها و الدّين من الأمور القلبية فلا يجري فيه الإكراه و الإلجاء لأنّ الإكراه فيها لا يستتبع العلم و التصديق و هما من نتائج الحجة و البرهان دون الإكراه و الإلزام.
و الآية المباركة تبيّن حقيقة من الحقائق القرآنية التي تدل على نفي الإكراه في الدّين كلّه و بها تكون حجة على من زعم بأنّ الدّين لم يقم إلا بالسيف و القتال مع أعداء الدّين حتّى يدخلوا في الدّين فيرفع الفتنة من الأرض قال تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة- 193].
و مما ذكرنا يظهر بوضوح فساد زعمهم فإنّ القتال الذي أمر به الإسلام، و الجهاد الذي حث عليه القرآن ليس لأجل إكراه الناس على الدخول في الدّين و بسط النفوذ، و إنّما هو لأجل الدفاع عن النفس و إحياء الحق و إرجاع الناس إلى الفطرة بعد الجحود و إنكار الوجدان.
و بعبارة أخرى يكون القتال لدفع المزاحم و إزالة العقاب في سبيل نشر الدّين و ليس ذلك في أصل الجعل و التشريع، إذ ليس للإيمان الحاصل من الإكراه أيّ أثر كما عرفت.
مع أنّ الدّين مطابق للفطرة السليمة و لا مجرى للإكراه فيها فإنّ من قبله و دخل فيه كان مستقيما على الفطرة و من أنكره خرج عن فطرته قال تعالى: وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة- ٥۷]، و الدّين كسائر الأمور الفطرية التي من ينكرها كان جاحدا لهويته و إرادته، و السبب في الإنكار هو البعد عن منبع النور و انغماره في دار الغرور.
و إنّما الشواغل الحسية قد حجبت نفوسنا النورية و يدل على ذلك قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فالمرجع هو حكم العقل و الفطرة قبل إرسال الرسل و بعدهم و معهم. هذا أولا.
و ثانيا: إنّ الإكراه لو كان بحق فهو حسن بل واجب في النظام الأحسن و له نظائر كثيرة في تنظيم النظام مثل البيع في موارد الاحتكار و إجبار المحتكر على البيع بثمن المثل، و الإكراه في الدّين إكراه بحق مطلقا فإنّ تركه قبيح و أي قبح أشد من ترك الإنسان من أن يسعى في الشقاوة الأبدية، فيكون الإكراه لأجل إزالة الشقاوة في الطرف المكره كالإكراه للتصالح بين الأطراف المتنازعين.
و الآية تنفي الإكراه بغير الحق، كما كان معمولا بين الطواغيت و الجبابرة و ما كان معهودا في بعض الأديان.
و ثالثا: إنّ التاريخ يكذب هذا الافتراء، لأنّ الإسلام في ابتداء دعوته كان مستخفيا و المشركون قد أعلنوا العداء له و كانوا يفتنون المسلمين بأنواع الأذى و نهاية التعذيب حتّى اضطر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه إلى الهجرة عن مهبط الوحي.
و يمكن أن تكون الآية الشريفة إرشادا بتعليم المؤمنين إلى ما يقع عليهم من الإكراه على الكفر من الكافرين. يعني: إن اكرهتم على الكفر فأضمروا الحق في قلوبكم و اجهروا لهم بجوار حكم ما يريدون فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل- ۱۰٦].
قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.
الآية الشريفة في مقام التعليل لنفي الإكراه في الدّين. و الرشد- بضم الراء و الشين أو بضم الرّاء فقط- يأتي بمعنى الصّلاح و إصابة الصواب خلاف الغي، و يستعمل بمعنى الهداية أيضا. و هو من المفاهيم المشككة التي لها مراتب متفاوتة جدّا و قد استعمل في القرآن كثيرا قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ [الأنبياء- ٥۱]، أي: آتينا ما يوجب صلاحه و يهديه إلى الحق و الصواب و قال تعالى- حكاية عن أصحاب الكهف-: وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف- 10]، و قال تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء- ٦]، أي: صلاحهم في استعمال الأموال و قال تعالى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف- ٦٦]، فإنّ الرشد الذي آتاه خليله إبراهيم مرتبة منها و الرشد الذي يحصل لليتيم أيضا مرتبة أخرى. و بينهما بون عظيم.
و الغي: خلاف الرشد، و يستعمل في الضّلال أيضا، و له مراتب شدة و ضعفا.
و المعنى: لا إكراه في الدّين لأنّه قد تبيّن طرق الصّلاح، و وضح سبيل الحق، و تميّز بينه و بين سبيل الباطل.
و سياق الآية المباركة المشتملة على التعليل يدل على أنّها من المحكمات التي لم ينسخ شي‏ء منها، فلا وجه لما عن بعض المفسّرين من أنّ الآية المباركة منسوخة بقوله تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة- 193]، لما ذكرناه آنفا من أنّ القتال لأجل إزالة الباطل لا إثبات الحق و الطريق الواضح.
قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ.
الطاغوت: من الطغيان، و اللفظ من صيغ المبالغة يوصف به الواحد و الجمع و يستوي فيه التذكير و التأنيث، و مادة (طغى) تأتي بمعنى التجاوز عن الحد في الطغيان، و قد ذكر هذا اللفظ ثمان مرات في القرآن الكريم تارة واحدا قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء- ٦۰]، و أخرى: في مقام الجمع قال تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ و ثالثة: مؤنثا يعود إليه الضمير المؤنث الظاهر في الجماعة قال تعالى: وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [الزمر- 17]، و رابعة أشير إليه بهؤلاء قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‏ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء- ٥۱]، و هو في جميع استعمالاته مبغوض لدى الرحمن و ذوي الفطرة السليمة من أفراد الإنسان.
و يطلق على كلّ من كان سببا للطغيان و الضّلال مثل الأصنام، و الشيطان و رؤساء الشرك و العناد، و تعرف المصاديق من القرائن الحافة بموارد الاستعمال، ففي المقام يراد به كلّ ضلال و ما يكون سببا للخروج عن الحق و الصراط المستقيم سواء كان صنما أو إنسانا أو شيطانا أو العصبية و الأهواء الباطلة، فله وجود نوعي شامل لجميع الأفراد و المصاديق.
أي: فمن يكفر و يعرض عمّا كان سببا للطغيان، و يتبرّا من دعاة الشرك و الضّلال، و يؤمن باللّه وحده لا شريك له. و يأتي جواب الشرط.
قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏.
الاستمساك: شدة التمسك و إحكامه. و العروة: هي مقبض الإناء و نحوه. و يطلق على التعلّق بشي‏ء و لو بالحبل المتين.
و الوثقى: تأنيث الأوثق، أي: الثابت و المحكم المأمون قطعه، و جمع الوثقى الوثق كالفضلى و الفضل.
و في الآية الشريفة تشبيه بليغ و استعارة لطيفة و هو من تشبيه المعقول بالمحسوس تقريبا إلى الأذهان المستأنسة بالأجسام كما هو دأب القرآن، و لبيان أنّ الإيمان باللّه تعالى و الكفر بالطاغوت يوجبان السعادة الحقيقية و استقرار نفس المؤمن و عدم تأثير الأوهام و الشبهات فيها.
و المعنى عام يشمل جميع العرى الجسمانية و المعنوية و الروحانية الداعية إلى الحق و الرشاد، و لا عروة أوثق من هدي الرحمن و معارف القرآن، و لا كمال أكمل و أجل مما يفيضه اللّه تعالى على عباده.
و المراد بها في المقام: الإيمان باللّه الذي لا يعتريه ريب و تردد و لا يعقل أن تعتريه الشبهات و الوهن في الحجج، لاتصال هذه العروة بالملك القدّوس و مدبر الأرواح و النفوس العليم الحكيم المهيمن على الجميع، و خلوصها عن شوائب الماديات و ظلمات المادة.
فلنفس هذه العروة الوثقى حياة معنوية أجل و أشرف من الحياة الظاهرية، و لها مظاهر مختلفة في جميع العوالم و هي الصّراط المستقيم و سواء السبيل، و الحياة الأبدية في عالم الآخرة.
و إن شئت قلت: إنّها حياة عالم الغيب ظهرت في عالم الشهادة ليتمسك بها عباد الرحمن و يفوزوا بمراتب الجنان، و هي الحبل الإلهي النوراني المتين ممدود من عالم النور إلى الظلمات ليستنقذ الناس من الهلكات و يلجم به الشيطان قبل أن يلجم الشيطان عباد الرحمن، و جميع ذلك يشير إلى الحقيقة التي لا يمكن أن تدرك إلا بالعمل بها و حينئذ يشعر المتمسك بها بالتجلّي الإلهي على قلبه، و يعترف بأن لا كمال فوق ذلك.
و القضية فطرية وجدانية فإنّ الإنسان لو خلّي و طبعه و زالت عن نفسه الحجب الظلمانية لاختار الكمال الحقيقي الدائمي الذي لا انفصام فيه على الكمال الزائل الفاني.
قوله تعالى: لَا انْفِصامَ لَها.
مادة (فصم) تدل على الانقطاع و الانقلاع‏ و في الحديث: «فينفصم عنه الوحي و إنّ جبينه ليتفصّد عرقا» أي: ينقطع عنه الوحي. و الجملة في موضع الحال التي تؤكد مضمون الآية المتقدمة.
أي: إنّ الاستمساك بالعروة الوثقى التي هي الإيمان باللّه و الكفر بالطاغوت من أقوى العرى التي يؤمن عليها من الانقطاع و تتبعد عن حيرة الشك و وهن الحجة و لا يمكن أن يتصوّر فيها ذلك لإضافتها إلى اللّه عزّ و جل الحيّ القيوم و هي النور الذي يتجلّى للأنام و يرتفع به الظلام، و ما فيه الظلام يقبل الانفصام.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
جملة تفيد الترغيب و الترهيب أي: و اللّه سميع للأقوال عليم بالنيات و الأعمال، و إنّما أتى عزّ و جل بهذين الاسمين، لكون الإيمان و الكفر مما يتعلق باللسان و الجنان.
۲٥۷- قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
خطاب فيه منتهى العطف و الحنان و فيه البشارة بأنّه تعالى وليّ أهل الإيمان و هذا من أجلّ المقامات و أشرفها لهم، و وعد منه عزّ و جل لهم بإخراجهم من الظّلمات إلى النور.
و هذه الولاية ولاية الرعاية و الصّلاح و العطف و الحنان أي: إنّ اللّه تعالى المدبر للمؤمنين يقوم بتدبيرهم بما هو الأصلح لهم، و هي غير الولاية التكوينية التي له تعالى على جميع ما سواه، و هي مضافا إلى كونها إراءة الطريق إيصال إلى المطلوب أيضا، و أيّ مطلوب أجلى و أعلى من الوصول إلى عالم النور الذي مبدؤه و منتهاه هو اللّه عزّ و جل.
و قد أضاف جلّت عظمته تلك الولاية إلى ذاته الأقدس و هذه الإضافة تشريفية من أكمل أنحاء الحقائق.
و إنّما أتى بالظلمات بلفظ الجمع لكثرة مناشئ الظلمة و الجهل و الغواية و تباينها بحيث لا يمكن جمعها تحت جامع واحد إلا جامع اعتباري لا حقيقة له.
و أما النور فإنّه حقيقة واحدة، و المراد به في المقام: نور الهداية و الطاعة و الإيمان و لا وجه للتعدد فيه، لأنّه من واحد و في واحد و لغرض واحد و التعدد لو كان فهو فرضي اعتباري لا أن يكون حقيقيا و موضوعه يدور على استكمال الأبدي المطلق. و هذا النور المعنوي يعم الدنيا و الآخرة.
و الكلام محمول على حقيقته دون المجاز و لكن لنفس الحقيقة مراتب كثيرة شدة و ضعفا و جوهرا و عرضا و كمالا و نقصا، فلا وجه لحمله على المجاز كما عن بعض المفسرين، كما لا وجه لحمله على الحقيقة التي هي محجوبة عن البصائر و الأبصار و هي عالم الغيب، لأنّ اللفظ ظاهر في الحقيقة غير المحدودة بعالم دون عالم آخر. نعم، لها مظاهر و مراتب كما مرّ، ففي الآية الشريفة يراد من النور: الإيمان و الهداية و من الظلمات: الضّلال و الغواية.
و إنّما خص المؤمنين بالذكر لأنّهم استحقوا بالإيمان هذه المنزلة العظيمة و المقام السامي، فهم لم يعاندوا الحق و لم يطفؤا نور الفطرة بالكفر ففازوا بعطف اللّه عزّ و جلّ عليهم و رأفته بهم و تولي أمرهم.
قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ.
المراد من النور: نور العقل و الفطرة، و من الظلمات: ظلمات الغواية و الضّلال.
و هذا النور هو منشأ السعادة على نحو الاقتضاء فهو نور إجماليّ يقبل الزيادة و النقصان تبعا للعقائد الحسنة و المعارف الحقة و الأعمال الصالحة، و العقل، و الفطرة و الشرع أمور متحدة في الواقع و الحقيقة و مختلفة بالاعتبار، و كلّ واحد منها يدعو إلى الآخر.
و الآية المباركة من قبيل القضايا الطبيعية التي لا تحتاج إلى إقامة الحجة و البرهان و يكفي فيها المشاهدة و الوجدان.
أي: إنّ الذين كفروا باللّه العظيم و اتبعوا الطاغوت فإنّهم خرجوا من ولايته تبارك و تعالى عليهم و لا مدبر لأمرهم و لا مسيطر على نفوسهم إلا الطاغوت الذي يكون شأنه إخراج الإنسان من النور الفطري إلى ظلمات الجهل و الغواية و سوقهم إلى الشقاوة و الحرمان و حيرة الضلالة، فهم قد حرموا أنفسهم باتباعهم الطاغوت.
قوله تعالى: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
الجملة من قبيل القضايا الطبيعية التي يؤتى بها لبيان ترتيب الأثر على المؤثر كقول‏ نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «حفت النار بالشهوات» و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من حفر لأخيه بئرا وقع فيه» أو كقول: «من شرب سمّا هلك».
أي: إنّ الآخرة ليس فيها إلا جزاء الأعمال الصادرة في الدنيا و أولئك‏ الكافرون الذين اختاروا الكفر حرموا أنفسهم السعادة و أطفؤوا النور الإلهيّ في نفوسهم فهم أصحاب النار هم فيها خالدون لخلود نياتهم على ذلك كما يأتي مفصلا.

يستفاد من الآية الشريفة أمور:
الأول: يمكن الاستدلال بقوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ على رد من يقول بالجبر لأنّه إذا لم يكن إكراه في الدّين فلا يكون فيه الجبر بالأولى، لأنّ الإكراه هو حمل الغير على اختيار فعل مع عدم الرضا و طيب النفس، و الجبر هو عدم أصل الاختيار كحركة يد المرتعش، و نحو ذلك من الأمثلة التي يذكرونها و منها ما ذكره أهل الجبر: «قال الحائط للوتد لم تشقني؟ قال: سل عمّن يدقني» و قد تعرّضنا له في أحد مباحثنا السابقة فراجع.
الثاني: يمكن أن يكون قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ من نفي الحكم بعنوان نفي الموضوع تأكيدا و تثبيتا، و له نظائر كثيرة في السنة الشريفة مثل‏ قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يتم بعد احتلام و لا رضاع بعد فطام» و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» فتكون جميع الموضوعات التي يتحقق فيها الإكراه عقدا كان أو إيقاعا أو غيرهما لا يترتب عليها الأثر المطلوب شرعا لأجل الإكراه.
و ربما يحتمل أن يكون‏ قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع‏ عن امتي الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و اضطروا إليه» مقتبسا من هذه الآية الشريفة و أمثالها من الآيات الواردة في الخطإ و النسيان و كيف كان فهي تبيّن حقيقة من الحقائق القرآنية التي ابتنى عليها الإسلام كما تقدم.
الثالث: يستفاد من قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أنّ كلّ ما ورد في الشرع المبين إنّما هو إرشاد إلى حكم الفطرة و العقل كحسن الإحسان و قبح الظلم اللذين هما من المستقلات العقلية التي يحكم به كلّ ذي فطرة سليمة فما ورد في الشرع في سياق ذلك يكون إرشادا إليه و تصحيحا للثواب و العقاب، و تنطوي في ذاك جملة كثيرة من الأحكام، فهذه القاعدة كقاعدة شكر المنعم من أمهات القواعد العقلية المقرّرة في جميع الشرائع الإلهية تبتني عليها جملة من أبواب العلوم الإسلامية و تدل القاعدة المزبورة على أنّ جعل القانون بالجبر و الإكراه ظلم و هو قبيح بالنسبة إليه جلّت عظمته و لكن لا بد من بيان طرق الخير و طرق الشر أولا ثم جعل القانون للمكلّف المختار، و الأمر الأول يتكفّله العقل و الفطرة، و هما مع الإنسان حدوثا و بقاء و الأمر الثاني تتكفّله الشرايع الإلهية.
و لعلّ أحد أسرار ابتلاء آدم (عليه السلام) بالمعصية إثبات التمييز بين الطريقين إتماما للحجة على الناس و تحذيرا لهم عن المخالفة و متابعة الوسواس الخناس، و الا فأيّ مناسبة بين سجود الملائكة أجمعين و عصيان ربّ العالمين، فهو إعلان للعصيان لمصالح كثيرة لا أن يكون قد صدر من آدم (عليه السلام) معصية حتّى صغيرة فيكون من قبيل إنامة نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) عن صلاة الغداة لتوسيع الأمر على أمته رأفة منه عزّ و جلّ على عباده.
الرابع: ذكرنا أنّ المراد بالعروة الوثقى هي جميع كمالات الإنسان مطلقا و هي تارة تكون عرضا قائما بالغير كالاعتقادات الحقة الحاصلة لأهل الإيمان و القرآن الكريم بهذا الوجود الخارجي الواقع بين الدفتين.
و أخرى: يكون جوهرا قائما بالذات كسيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) و من يتبعه في العلم و العمل الدين وردوا بحر المادة و خرجوا منه و لم‏ تمسهم نداوة منه فضلا عن أن يذوقوه فرجعوا إلى اللّه تعالى كما بدؤا منه و لم يخطر في جوانحهم إلا اللّه عز و جل و لم يصدر من حركات جوارحهم شي‏ء إلا للّه جلت عظمته أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام- 90]، و هم العروة الوثقى الإلهية، و الحبل الممدود بين السّماء و الأرض و بهم يصرف العذاب عن أهل الأرض.
و ثالثة: لا تكون عرضا و لا جوهرا بل هي الصراط المستقيم الذي ينتهي إلى اللّه عزّ و جل فتكون من صفات فعله الأقدس إلا إذا رجعت إلى العلم و الحكمة فتكون حينئذ من صفات الذات، و يمكن أن تجعل من الصفات البرزخية بين الذات و الفعل.
و ليس للقسم الأخير وجود واحد فرديّ بل له في كلّ من عوالمه تجلّ خاص لأهله بمظاهر ذلك العالم و يشهد لذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر- ٤۱] إلا أنّ بعض الموجودات يتمسك بها بالطبع، و البعض الآخر بالتسخير، و ثالث بالاختيار، و إن جعلناها من صغريات النظام الأحسن كان الأمر أظهر و أبين.
الخامس: قوله تعالى: لَا انْفِصامَ لَها قيد توضيحي لا أن يكون احترازيا، ذكر لكثرة الاهتمام بالعروة الوثقى و للتأكيد على التمسك بها.
السادس: إنّما قدم الكفر على الإيمان في قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ لبيان أنّ التحلية بالفضائل لا بد أن تسبقها التخلية عن الرذائل فالاولى مترتبة على الثانية فلا يكون استمساك بالعروة الوثقى الا بترك ما سوى العروة و الأخذ بها فقط، فيكون الكفر هو الترك و الإيمان هو الأخذ.
السابع: إنّما ذكر سبحانه «السميع العليم» في آخر الآيات المباركة للإعلام بأنّ كلّ ما يقال في شأن العروة الوثقى الإلهية هو مسموع له تعالى، و كل ما يخطر بالبال بالنسبة إليها يكون معلوما لديه عزّ و جل فلا بد من التحفظ عن القول فيها الا بالحق، و تمسك القلوب في الخطرات و الجوارح عن‏ الحركات الا في الحق و بالحق، و هذه هي حقيقة العروة الوثقى العملية التي أمرنا باتباعها، فالآية الشريفة ترشد الناس إلى التمسك بالعروة الوثقى في أقوالهم و أفعالهم.
و الآية التالية تشرح بعض جهات العروة الوثقى كما هو واضح و هو الإخراج من الظلمات إلى النور.
الثامن: يستفاد من قوله تعالى: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أنّ النار هي الدار التي تليق بأهل الظلمات التي خلت نفوسهم عن النور الذي يسوقهم إلى الحق و الرضوان، فما ورد في هذه الآية يبين تناسب الجزاء مع العمل الذي هو من الحقائق القرآنية.
التاسع: إنّما أتى سبحانه و تعالى بلفظ المضارع في قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ للدلالة على الثبوت و الاستمرار حالا بعد حال فهدايته سبحانه مستمرة بالنسبة إلى المؤمنين.

في الكافي عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ قال (عليه السلام): «هي الإيمان باللّه وحده لا شريك له».
أقول: مثله ما رواه العياشي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام).
في المعاني عن عبد اللّه بن عباس قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ أن يتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسك بولاية أخي و وصيّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فإنّه لا يهلك من أحبّه و تولاه و لا ينجو من أبغضه و عاداه».
أقول: الروايات من الجمهور في ذلك كثيرة مذكورة في كتب الكلام و الحديث و التفسير و غيرها، و في بعضها عليّ و ذريته (عليهم السلام) و لا ريب في أنّ عليّا (عليه السلام) يدعو إلى كتاب اللّه عزّ و جل و العمل به و هو قرينه‏ كما في الحديث المتواتر بين المسلمين عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
و في الخصال عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «المؤمن يتقلّب في خمسة من النور، مدخله نور، و مخرجه نور، و علمه‏ نور، و كلامه نور، و منظره يوم القيامة إلى النور».
أقول: إذا كان المؤمن معتقدا بدين اللّه تعالى ملتزما في أعماله بأن يعمل على طبق ما شاء اللّه و أراد عزّ و جل يصير جميع ذلك من الأنوار المعنوية لفرض أنّ في قلبه إيمانا و هو نور معنويّ و حركات جوارحه مطابقة للإيمان و هي أيضا من الأنوار المعنوية فيكون مآله إلى النور و سيأتي شرح ذلك أيضا.
و في أسباب النزول للواحدي عن مجاهد قال: «كان ناس مسترضعين في اليهود- قريظة و النضير- فلما أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بإجلاء بني النضير قال أبناؤهم من الأوس الذين كانوا مسترضعين فيهم لنذهبنّ معهم و لنديننّ بدينهم فمنعهم أهلهم و أرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ».
و في الدر المنثور أخرج أبو داود و النسائي و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و النحاس في ناسخه و ابن مندة في غرائب شعبه و البيهقي في سننه و غيرهم عن ابن عباس قال: «كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل اللّه تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
أقول: وردت روايات اخرى في شأن نزول الآية الشريفة مذكورة في كتب القوم، و كلّ ذلك من باب التطبيق و لا بأس به.

قد أثبت العلماء أنّ نسبة المعارف المعنوية إلى الأرواح كنسبة الأغذية الجسمانية إلى البدن و الجسم، فإنّ الجسم يصلح بصلاح الغذاء و ينمو به و يفسد بفساده و تختلف درجات الغذاء فيهما، كما أنّ له مراتب كثيرة جدّا بحسب اختلاف الأجسام بل اختلاف الحالات في بدن واحد فضلا عن أبدان مختلفة، فكما أنّ من طبيعة الجسم التغذّي بما يصلحه و الا اضمحل و زال و كذلك الروح فإنّه لا بد له من الانتفاع بما يناسبه و الا لبطل استعداده و تعرض للهلاك.
و الإكراه في التغذّي الجسماني يستلزم خلاف المطلوب بل يوجب تنفر الطبع عن الغذاء و انزجار النفس عنه و يؤثر ذلك على الروح أيضا لأنّ بينهما جذبا و كذا لا وجه للإكراه بالنسبة إلى الروح و ما يرتبط به بل هو أشدّ تأثرا من الجسم لأنّه جوهر لطيف أكثر تحسّسا منه، و لكن كلّ ميسر لما خلق له.
و لكلام الحق تعالى جذبات و للقرآن كذلك، و للموعظة الصادرة عن أهلها جذبات بمراتبها المختلفة التي لا حدّ لها، و مع تحقق تلك الجذبة كيف يتصور الإكراه، و يعلم سرّ ذلك في قوله تعالى: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ابراهيم- ٤] و قوله تعالى: وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة- 213] فلو لم تكن في المعشوق جذبة فإنّه لا يكون لجهد العاشق أثر و إن بلغ ما بلغ في العناء و المشقة.
و الحاصل: إنّه لا إكراه في الاستكمالات المعنوية مطلقا و الآية الشريفة لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ تشير إلى أمر فطريّ عقلي و يرشد إليه قول عليّ (عليه السلام): «و أرسل الرسل ليذكّرهم منسيّ الفطرة و تثير لهم دفائن العقول» فيكون إرسال الرسل من النظام الأحسن كإخراج المعادن من الأرض.
و أما الإكراه على بعض العلوم و الحرف و الصنايع الدائرة في هذا العالم فإنّ ذلك لا يؤثر الأثر المطلوب فإنّ شوب تلك العلوم و المعارف بالماديات أخرجتها عن المعارف المعنوية، فأين المعارف الربوبية التي تبقى في النفس إلى الأبد و تنفعه في عالم البرزخ و الحشر و النشر و الجنة و أين الصنايع الظاهرية المادية في أدقّ معانيها التي لا تبقى بعد انفصال الروح عن الجسم، و لو عبّر عنها بأنّها جسمانية الحدوث و جسمانية البقاء لكان حسنا.
يضاف إلى ذلك أنّ الأسباب الظاهرية المجبر عليها شي‏ء و كمال النفس على فرض كونه كمالا شي‏ء آخر بينهما بون بعيد كما هو معلوم.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"