1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 244 الى 245

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (۲٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۲٤٥)


بعد ما بيّن سبحانه أنّ الإنسان لا يمكنه الفرار من القضاء الإلهي و أنّه تعالى هو الحافظ له في الأخطار و المصائب فكان ذلك توطئة لهاتين الآيتين و هو فرض القتال، و القرض الحسن، فإنّه مع العلم بأنّ الإنسان لا ينفعه الخوف و لا الاغترار بنفسه، و أنّ الأمر كلّه بيد اللّه تعالى و لا بد من متابعته في كلّ ما ينزله ليحوز السعادة و النجاح فأمر الناس بالجهاد و التضحية في سبيل اللّه لإعلاء كلمة الحق و حرضهم على الإنفاق بأسلوب رفيع خلّاب لأنّ الدفاع عن الحق يلازم الاستعداد له و تجهيز العدة و القوة من بذل المال و يبيّن سبحانه أنّه سميع لما يصدر من الإنسان في الاعتذار عن العمل و التثبيط عن الجهاد عليم بالنيات و أنّه القابض لما ينفقه المؤمنون و إليه مرجع الجميع.

۲٤٤- قوله تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الخطاب عام لجميع الناس و هو ظاهر في الفرض و الوجوب، و قد قيده سبحانه في المقام و غيره بكونه في سبيل اللّه، و المراد به كل ما يؤدي إليه جلّت عظمته و التقييد به ظاهر فإنّ القتال في سبيل اللّه إعلاء للحق و نشر لدين اللّه الذي فيه صلاح الإنسان، و لأنّ القتال في سبيله فيه الحياة السعيدة و الكمال الذي يطلبه الإنسان و لأنّه المحفّز على مقارعة السيوف و اقتحام الصفوف، و لئلا ينسبق إلى الذهن أنّ القتال إنّما هو لإيجاد الحكومة الدنيوية و التسلط على رقاب الناس و توسيع المملكة الظاهرية كما يدعيه خصوم الإسلام.
قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي: إنّ اللّه تعالى سميع لا تخفى عليه المسموعات سواء كانت منكم أو من غيركم عليم بالنيات و خطرات القلوب.
و فيه تحذير عن المخالفة و تحريض إلى مراقبة النفس فلا بد من الامتثال و نبذ ما يوجب الجبن و الفتور و التعلّل بما يوجب النفاق كما كان يفعله المنافقون و اليهود فإنّ من علم بأنّ اللّه سميع لما يتعلّل به و ما يقوله في الجهاد، عليم بالنيات راقب نفسه و استعد للقتال و مبارزة الأبطال و هان عليه‏ عمل الشدائد و الصعاب و تحمّل المشاق‏ ففي الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «صفرة في سبيل اللّه خير من حمر النّعم» أي: جوعة في سبيل اللّه.
245- قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.
خطاب في منتهى الفصاحة و أعلى مراتب البلاغة يتضمّن الحثّ على الإنفاق و التحريض على تقديم الخير بأسلوب رفيع يجد الفرد لذة النداء في البذل و العطاء و فيه غاية التأثير على النفوس الضعيفة يدعو الغنيّ و الفقير إلى البذل و تقديم الخير على السواء و يفتخر العاقل بالمبادرة إلى العمل بمفاده، و لذة المخاطبة تذهب كلّ مشقة و صعوبة كيف و إنّ الخطاب صادر من المالك الحقيقي و الغنيّ عن العالمين يستقرض عباده مما أنعم عليهم و يعدهم الدّفع بأضعاف مضاعفة و ما أبعد من حرم عن هذه المرابحة و ما أشد خسارة من بقي في الخسران و المخاطرة.
و من ذلك يعلم وجه تغيير الخطاب من الأمر في الآية السابقة إلى الاستفهام للتهييج و تنشيط الذهن بتغيير الخطاب و للإكبار و الاستعظام له كما هو مستعمل في كلّ أمر يراد إعظامه و يندر الإقدام عليه قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة- ۲٥٥].
و القرض: يأتي بمعنى القطع، لأنّ المقرض يقطع إضافة ما يقرضه عن نفسه و يربطها بالمقترض و هو على قسمين: قرض حاجة، و هو محال بالنسبة إليه عزّ و جل لاستغنائه عن الغير بالذات و احتياج الكل إليه كذلك.
و قرض رباح، لأن يرجع المال إلى المقرض مع الربح الحلال و هو جائز بالنسبة إليه تعالى، و عليه يدور النظام المصرفي فيصرف المال المقترض في المنافع العامة ثم يرجع إلى صاحبه مع النفع، و لكن لا بد من تقييده بما إذا كان مطابقا للموازين الشرعية.
و المراد به في المقام: كلّ ما يقدّمه الإنسان من الخير الذي يرجع نفعه‏ إلى النفس أو المجتمع، و إنّما عبّر سبحانه و تعالى به لبيان التنظير، و ليس المراد القرض الاصطلاحي الذي يؤخذ لرفع الحاجة و الضرورة و يشرح هذه الآية المباركة قوله تعالى: وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً [المزمل- 20].
و قد اعتبر سبحانه ما يقدمه الإنسان من الخير إلى النفس أو المجتمع و ما ينفقه في سبيله قرضا لنفسه للحث و الترغيب فإنّ رغبة الإنسان إلى البذل ضعيفة في نفوس الكثيرين فلا بد فيه من الحث الأكيد و المبالغة الشديدة لقرضه تعالى، و للإرشاد إلى أنّ القرض إنّما يكون قرضا له إذا كان في سبيله و لوجهه عزّ و جلّ.
و القرض الحسن: ما كان خالصا لوجهه الكريم خاليا عن شوائب الشرك و الرياء و فاقدا للمنّ و السمعة و ما كان فيه منفعة عامة ترجع إلى الصالح العام و أن يتضمن الخير و ما يقرّبه إلى الربّ الكريم.
قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.
جواب للطلب المؤكد في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ و يضاعفه منصوب جوابا للاستفهام و قرئ بالرفع أيضا.
و الأضعاف واحدها ضعف و هو: أداء المثل و زيادة، و منه الحديث: «تضعف صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسا و عشرين درجة».
و هذه الآية المباركة تؤكد ما ورد في صدرها فإنّه يدل على أنّ ما يقدمه له تعالى لا يضيع و لما كان ذلك غير كاف في الترغيب أكده بأنّ الجزاء إنّما يكون أضعافا مضاعفة كثيرة- في الدنيا و الآخرة- لا نهاية لها و لا حدّ و لا يحصي عددها إلا اللّه تعالى.
و قد ورد في آيات أخرى تحديد الجزاء تارة بالعشرة قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام- ۱٦۰]، و أخرى بالسبعمائة مثل قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ‏ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة- ۲٦۱]، و ثالثة بقوله تعالى: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ- 39]، و يحمل الاختلاف على مراتب الخلوص عن الشرك و الرياء و الموانع، أو مراتب حسن النية و مراتب الانقطاع التام.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ.
حث منه تعالى على الإنفاق و إرشاد إلى أنّ أمر الرزق بيده عزّ و جل و القبض: القتر و الضيق. و يقابله البسط. و قرئ بالصاد تفخيما للسين لمجاورته للطاء.
أي: إنّ اللّه تعالى غنيّ عن العالمين لا يضرّه منع مانع فهو الباسط للرزق و القابض له يقترّ على وفق المصلحة و الحكمة المتعالية فإنّ الأمر كلّه بيده فلا ينبغي أن يخاف المنفق الفقر بإنفاقه لأنّ بيده تعالى بسط الرزق فلا بد من اغتنام الفرصة في البذل و الإنفاق من قبل أن يضيق الرزق و يذهب المال و تبقى الحسرة.
و يمكن أن يحمل هذان اللفظان على المعنى الأعم مما قلناه و من أنّه تعالى يقبض بيده المال المنفق في الخيرات و يبسط الجزاء بيده أيضا، و يشهد له قوله تعالى: أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [التوبة- ۱۰٤]، و ما ورد في السنة المقدسة من أنّ المال المنفق يصل إلى اللّه تعالى أولا ثم إلى المنفق عليه.
و إنّما ذكرهما في المقام لئلا يستبعد الجزاء العظيم الذي وعده اللّه تعالى على الإنفاق و القرض.
قوله تعالى: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وعد للذين آمنوا و أنفقوا فإنّهم إليه يرجعون فيوفّيهم جزاء ما أنفقوا و وعيد للذين تركوا نهج الهدى و اتبعوا النفس الأمارة فتشتد حسرات المقتر الشحيح على ما فرط.

تدل الآية المباركة على أمور:
الأول: أنّ تقييد القتال بكونه في سبيل اللّه في قوله تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ للإرشاد إلى أنّه لا بد من أن يكون الجهاد و القتال خالصا عن الأوهام المنحرفة و الأفكار السيئة و يكون لوجهه الكريم لتشييد الدّين و أركان الحق، و لبيان أنّ الجهاد في الإسلام إنّما يكون لتوسعة سلطان الحق و الدّين الذي فيه سعادة الدنيا و الآخرة، و ليس لأجل توسيع الرقعة و إيجاد السلطة الدنيوية.
الثاني: أنّ ذكر: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ في ذيل آية القتال للإعلام بشدة الاهتمام بالجهاد في الإسلام فإنّ في القتال هيجان النفس و اشتداد الغضب و ربما يقع المقاتل بسبب ذلك فيما لا يرضيه تعالى فأكد سبحانه بأنّ اللّه مراقب له في هذه الحال و حذّره عن المخالفة و النفاق.
الثالث: إنّما عبّر سبحانه بالقرض دون غيره لأنّ في القرض حفظ الرد و الجزاء و يشعر باحتياج المستقرض إلى المقرض فيكون أدعى لرفع اليد عن‏ كلّ ما يملكه و إنفاقه ابتغاء مرضاة اللّه تعالى، و إثارة العطف في قلب المؤمن على كلّ ذي حاجة وفاقة.
الرابع: إنّما عبّر سبحانه و تعالى ب: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً زيادة في التلطف و إثارة للحنان و أيّ لطف أشد منه؟! و هو مالك السّموات و الأرض غنيّ عن العالمين يستقرض منهم بالإنفاق.
الخامس: إطلاق القرض يشمل بذل النفس و المال و المنافع و الانتفاعات بل ما يعتقده الإنسان و مكارم الأخلاق فإنّ كلّ ذلك يعتبر قرض اللّه تعالى إذا كان حسنا خالصا عن شوب النفاق و الشرك و الرياء.
السادس: تدل الآية المباركة على التوحيد العملي و الحرية في الأعمال فإنّ اللّه يستقرض عباده فهم مخيّرون في الأداء و الوفاء و أحب أن يكون حسنا لوجهه الكريم فيتجلّى التوحيد العملي على الجوانح و الجوارح.
السابع: تشمل هذه الآية الشريفة و أمثالها ما إذا كان القرض مباشريّا أو تسبيبيا فإنّ فضله الكريم يعم الجميع، و تدل على ذلك أخبار كثيرة في السنة المقدسة.
الثامن: تشمل هذه الآية ما إذا كان الإقراض في زمان الحياة أو بعد الموت فتشمل جميع الوصايا التبرعية و غيرها من الخيرات.
التاسع: لا ريب في تفاوت مراتب الإقراض من حيث الفضل و الأفضلية كما شرح ذلك في السنة المقدّسة فعموم الآية المباركة تشمل جميعها كما أنّها تشمل ما إذا اشترط المقرض الزيادة على اللّه تعالى أو لم يشترط.
العاشر: أهم ما تشمل هذه الآية قرض الجاه بجميع مراتبه خصوصا لو كان لنجاة النفوس المحترمة و كان خالصا لوجهه الكريم.

في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لما نزلت هذه الآية: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ربّ زدني فأنزل اللّه تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ربّ زدني فأنزل اللّه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً و الكثير عند اللّه لا يحصى.
أقول: قريب منه ما رواه في المعاني أيضا و لا بد أن يكون كذلك لأنّ الإضافة إليه غير محدودة بحد أبدا و إنّما التحديد يتحقق باعتبار متعلّقه و موضوعه و هو يختلف باختلاف المقاصد و النيات.
في تفسير العياشي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قال: هي صلة الإمام (عليه السلام).
أقول: قريب منه غيره و إنّه من باب التطبيق و ذكر بعض المصاديق و قد تقدم في التفسير ما يتعلّق به أيضا.
القرطبي عن زيد بن أسلم قال: «لما نزل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال أبو الدّحداح: فداك أبي و أمي يا رسول اللّه إنّ اللّه يستقرضنا و هو غنيّ عن القرض؟! قال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم يريد أن يدخلكم‏ الجنة به، قال: فإنّي أقرضت ربّي قرضا يضمن لي به و لصبيتي الدحداحة معي الجنة. قال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم، قال: فناولني يدك فناوله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يده فقال: إنّ لي حديقتين إحداهما بالسافلة و الاخرى بالعالية، و اللّه لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا للّه تعالى. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اجعل إحديهما للّه و الأخرى دعها معيشة لك و لعيالك. قال: فأشهدك يا رسول اللّه أنّي قد جعلت خيرهما للّه تعالى و هو حائط فيه ستمائة نخلة قال (صلّى اللّه عليه و آله): إذا يجزيك اللّه به الجنة.
فانطلق أبو الدحداح حتّى جاء أم الدحداح و هي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل. فأنشأ يقول: هداك ربّي سبل الرشاد* إلى سبيل الخير و السداد يبني من الحائط بالوداد* فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته اللّه على اعتمادي* بالطوع لا منّا و لا ارتداد إلا رجاء الضّعف في المعاد* فارتحلي بالنفس و الأولاد و البر لا شك فخير زاد* قدّمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك اللّه لك في ما اشتريت ثم أجابته أم الدحداح و أنشأت تقول: بشّرك اللّه بخير و فرح* مثلك أدّى ما لديه و نصح قد متع اللّه عيالي و منح* بالعجوة السوداء و الزهو البلح و العبد يسعى و له ما قد كدح* طول الليالي و عليه ما اجترح ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم و تنفض ما في أكمامهم حتّى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كم من عذق رداح و دار فياح لأبي الدحداح».
أقول: روي ذلك بطرق متعددة و في بعضها قال (صلّى اللّه عليه و آله): «كم من عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة» و يدل عليه قوله تعالى: وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ و أما أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بإبقاء إحدى الحديقتين على ملك أبي الدحداح لأنّ البذل على العيال أيضا صدقة للّه لئلا يصير أبو الدّحداح عالة على الغير و ذلك مذموم في الشرع المقدس.

تقدم أنّ اللّه جلّ جلاله محيط بما سواه إحاطة واقعية قيوميّة بالقدرة التامة و الحكمة البالغة و العلم الأكمل الأتم لا يعزب عنه شي‏ء في السّموات و لا في الأرض، و من أهم جهات إحاطته السلطة على كلّ ما يضاف إليه عزّ و جل و لا يعقل بينونة عزلة له مع خلقه.
فسبيل اللّه تعالى لا بد أن يرجع إلى علمه و حكمته و هما عين ذاته الأقدس بالوجود العلمي الواقعي، و إن كان بالوجود الخارجي قتل العدو أو الظالم أو المنافق أو الكافر، و إماطة الأذى عن طريق العابر فإنّ كلّ ذلك من سبيله عزّ و جل بالوجود العلمي و إن كان فعلا خارجيا للعبد و الجزاء على ذلك كلّه من شؤون ذاته المقدّسة لأنّه يرجع إلى رحمته و هي من صفات الذات و كيف تعقل غفلته تعالى عن ذلك لا سيّما في مثل هذه الحياة التي لا يمكن درك حقيقتها، و استقراض هذا الحيّ القيوم و القبض و البسط بالنسبة إليه.
و كذا جميع ما يتعلق به من أهم جهات رحمته و حنانه و حكمته و كل ذلك من صفات الذات و جامعيته لتلك الكمالات غير المتناهية فلا بد أن يكون المتوجه إلى اللّه تعالى متوجها إلى هذه الجهات، فإنّه لا يفني نفسه بالقتال و لا ينعدم عنه المال بل يتحوّل في جميع ذلك إلى أحسن الأحوال و ينكشف عنه الغطاء و يرى ذلك في الحال و المال. و قد أخبر سبحانه و تعالى أنّ الكلّ يرجع إليه بجميع شؤونه و حيثياته لفرض كون مبدإ عملهم منه و هو تعالى هو المبدئ المعيد فلا بد في قوس الصعود من رجوع الشي‏ء إلى مبدئه.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"