1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 216 الى 218

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (۲۱٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)


بعد أن ذكر سبحانه في الآية المتقدمة بذل المال في سبيل اللّه فكان توطئة لهذه الآيات الواردة في الجهاد في سبيل نصرة الدّين، و بذل النفس لإعلاء الحق، و قد ذكر عزّ و جل بعض الاعتراضات على هذا التكليف الجديد، و بيّن أنّ الفتنة في الدّين أكبر من القتل، و به أجاب عن اعتراض المعترضين، ثم ذكر أنّ صراع الحق مع الباطل قائم لا بد من إزالته، و أنّ الارتداد عن الدّين يوجب الحبط و الخلود في النار، كما أنّ الاستقامة في الدّين و الجهاد في سبيله يكون موجبا للدخول في رحمة اللّه و غفرانه.

۲۱٦- قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ.
الكتابة هنا: تأتي بمعنى المفرض و الوجوب، و الضمير يرجع إلى المسلمين سوى من خرج بالدّليل، كما يأتي.
و المراد بالقتال: الجهاد مع الكفار و قتالهم و محاربتهم.
و الكره: عدم الرغبة إلى الشي‏ء في مقابل الرغبة إليه، و يصح اجتماعهما في شي‏ء واحد باعتبارين فيقال: إنّي أرغب إلى هذا الشي‏ء و أكرهه من حيث إنّ الشرع أو العقل ذمه. أو يقال: إنّي أكرهه و لا أرغب فيه من حيث الطبع، و أرغب إليه من حيث إنّ العقل أو الشرع مدحه، و المقام من قبيل ذلك فإنّه مكروه من حيث الطبع و مرغوب من حيث الشرع، و ذيل الآية الشريفة يبيّن ما قلناه.
و قيل: إنّ الكره- بالضم- ما كان فيه مشقة ذاتا،- و بالفتح- تحميل المشقة على الإنسان من الغير فالحقيقة واحدة و الفرق بالاعتبار قال تعالى:
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء- 18]، و قال تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصّلت- 11]، و لا بأس بذلك، و هو من محسنات الكلام.
و قيل: إنّ الكره- بالضم و بالفتح- واحد حقيقة، كالضّعف و الضّعف.
ابن جحش أصحابه أن ينزلوا و يحلقوا رؤوسهم، فنزلوا فحلقوا رؤوسهم فقال ابن الحضرمي: هؤلاء قوم عبّاد ليس علينا منهم بأس فلما اطمأنوا و وضعوا السّلاح حمل عليهم عبد اللّه بن جحش، فقتل ابن الحضرمي و أفلت أصحابه و أخذوا العير بما فيها و ساقوها إلى المدينة و كان ذلك في أول يوم من رجب من أشهر الحرم، فعزلوا العير، و ما كان عليها فلم ينالوا منها شيئا، فكتبت قريش إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّك استحللت الشهر الحرام، و سفكت فيه الدم، و أخذت المال و أكثروا القول في هذه، و جاء أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: يا رسول اللّه أ يحلّ القتل في الشهر الحرام؟ فأنزل اللّه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ- الآية. قال: القتال في الشهر الحرام عظيم و لكن الذي فعلت قريش بك يا محمد من الصدّ عن المسجد الحرام، و الكفر باللّه، و إخراجك منها هو أكبر عند اللّه، و الفتنة يعني الكفر باللّه أكبر من القتل».
أقول: روي في المجمع قريب منه، و الروايات في ذلك كثيرة.
و في الدر المنثور: أخرج ابن إسحاق. و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و البيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عبد اللّه بن جحش إلى نخلة، فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش و لم يأمره بقتال و ذلك في الشهر الحرام، و كتب له كتابا قبل أن يعمله أنّه يسير، فقال: أخرج أنت و أصحابك حتّى إذا سرت يومين فافتح كتابك و انظر فيه، فما أمرتك به فامض له، و لا تستكرهنّ أحدا من أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم.
فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمع و طاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإنّي ماض لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و من كره ذلك منكم فليرجع، فإنّ رسول اللّه قد نهاني أن أستكره منكم أحدا، فمضى معه القوم حتّى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص، و عتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلّفا عليه يطلبانه، و مضى القوم حتى نزلوا نخلة، فمرّ بهم عمرو بن الحضرمي و الحكم بن كيسان، و عثمان و المغيرة بن عبد اللّه معهم تجارة قد مرّوا بها من الطائف أدم و زيت، فلما رآهم القوم أشرف عليهم واقد بن عبد اللّه، و كان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقا، قال عمار: ليس عليكم منه بأس، و ائتمر القوم بهم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو آخر يوم من جمادى، فقالوا: لئن قتلتموهم إنّكم لتقتلونهم في الشهر الحرام و لئن تركتموهم ليدخلنّ في هذه الليلة مكة الحرام فليمتنعنّ منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، و استأسر عثمان بن عبد اللّه، و الحكم بن كيسان و هرب المغيرة فأعجزهم، و استاقوا العير فقدموا بها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لهم: و اللّه ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول اللّه الأسيرين و العير فلم يأخذ منها شيئا، فلما قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما قال سقط في أيديهم، و ظنوا أن قد هلكوا و عنّفهم إخوانهم من المسلمين، و قالت قريش- حين بلغهم أمر هؤلاء-: قد سفك محمد الدم الحرام و أخذ المال، و أسر الرجال، و استحل الشهر الحرام، فأنزل اللّه في ذلك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ- الآية فلما نزل ذلك أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) العير، و فدى الأسيرين.
فقال المسلمون: يا رسول اللّه أ تطمع أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل اللّه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ. و كانوا ثمانية، و أميرهم التاسع عبد اللّه بن جحش.
أقول: الروايات في عدد السرية مختلفة ففي بعضها سبعة و أميرهم عبد اللّه بن جحش. كما أنّها مختلفة في السائلين، و قد ذكرنا أنّه يمكن أن يكون السؤال من المشركين و المسلمين، و يؤيده رواية تفسير القمي.
و قد ذكر في كون القتال كرها وجوه:
منها: أنّ القتل و القتال متضمن لفناء النفوس و التعرض للآلام، و ذهاب الأموال، و مفارقة الأهل و الأحبة، و ارتفاع الأمن و الرفاهية، و غير ذلك مما أوجب كراهية النفوس له و مشقته على الناس طبعا، و إن كان المؤمنون لا يرفضون ذلك من حيث إنّ اللّه تعالى أراد منهم ذلك و يشبه ذلك الدواء الذي يتناوله المريض فإنّه يرفضه بطبعه، و لكن من حيث إنّه يريد الصحة و الشفاء فإنّه يرغب إليه.
و منها: أنّ ذلك بالنسبة إلى بعض المؤمنين دون جميعهم، فإنّ اللّه تعالى مدح طائفة بالطاعة و الصدق و الاستقامة في الدّين، و عاتب طائفة أخرى بالتهاون و الزيغ و النفاق فنسب الكراهة إلى جميعهم باعتبار أنّ بعضهم كاره له، و هذا جار في معاتبة الأقوام و الأمم، كما هو ظاهر من الآيات القرآنية.
و منها: أنّ المؤمنين كانوا يكرهون القتال لأنّهم كانوا يخافون الغلبة للعدوّ الذي له من القوة و العدّة ما لم تكن للمسلمين، فلا يتم لصلاح الإسلام و المسلمين، فهم في الواقع يكرهون الاستعجال فيرون الأصلح فيه التأخير حتّى يتم لهم الاستعداد.
و منها: أنّ المؤمنين تربّوا بتربية القرآن و تخلّقوا بالأخلاق الفاضلة فامتازوا بالشفقة و الرحمة، فهم يكرهون القتال لكونه خلاف ذلك و الحق ما ذكرناه من أنّ القتال مع أعداء الدّين و المشركين من حيث كونه إزهاقا للروح و موجبا لتوارد الآلام و البعد عن الأوطان، و إفناء للأموال فهو مكروه للنفوس، و من حيث كونه مأمورا به و موجبا لإعلاء كلمة الحق و كون مآله الراحة الأبدية و إن اقترن بالهموم و الغموم الدنيوية، فهو محبوب للمؤمنين المخلصين في إيمانهم الراغبين في نصرة الإسلام و دين الحق. فحكم هذه الآية من الأحكام العقلية الواقعية.
قوله تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ.
عسى في مثل هذه الآيات إنّما أتي بها بلحاظ حال المخاطب، فيصح الكلام حينئذ من دون عناية، كما يقول الأب الحكيم لولده: شاور في أمورك أهل النصيحة و الإخلاص عسى أن يكمل عقلك. و إن استعملت بلحاظ حال المتكلّم فلا بد أن تصرف عن معناها الحقيقي لاستحالة التمنّي و الترجي و الطمع بالنسبة إليه جلّت عظمته، و قد تقدّم ما يتعلّق بذلك فيما مرّ من الآيات.
و هذه الآية الكريمة و ما في سياقها تدل على أنّ ما وراء هذا العالم المادي الذي يدور مدار الأوهام و الخيال عالم آخر لا يكون فيه إلا الحقائق المتأصلة و الإدراك الصحيح المطابق للواقع، فربما يكون ما نزعمه خيرا في هذا العالم شرّا في ذلك العالم، و ربما يكون شرّا في هذا خيرا في ذاك، و قد ثبت ذلك بالأدلة العقلية أيضا، و أيدت بالتجارب الشخصية و النوعية، و لا معنى للاستكمال إلا ذلك.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
تأكيد لما تقدّم، و بيان لخطأ معتقدهم، فإنّه بعد أن ذكر ما تزلزل به جهلهم المركب و حصل لهم الشك في اعتقادهم و تصورهم أعقب سبحانه ذلك بأنّه عالم بحقائق الأمور و أثبت العلم المطلق و نفاه عنهم و أنّهم لا يعلمون إلا ما علّمهم اللّه تعالى، فلا بد من تسليم الأمر إليه.
و الآية تثبت العلم المطلق للّه عزّ و جل، و قد دلّت الأدلة العقلية و الشرعية عليه، فإنّ العلم الحقيقي إنّما هو فيما إذا كان علما بمبدإ الشي‏ء، و غايته، و مادته، و صورته، و جميع عوارضه الشخصية. و تمام جهات استكماله و زمانه، و مكانه، و بقائه، و فنائه و ما يتعلق به، و ما يتفرّع عنه كلّ ذلك على نحو العلم الحضوري الفعلي الإحاطي و مثل ذلك محال بالنسبة إلى غيره جلّت عظمته، لأنّ الأشياء من أول حدوثها إلى آخر ما يتوارد عليها من الصور و الاستكمالات حاضرة لديه فعلا بلا تدرج وجودي، أو تخلل زمان في البين، فهي في هذا العالم كنقطة واحدة حاضرة لديه بلا تقدم و تأخر في البين.
و هذا هو الذي حيّر جميع الأفهام و زلت فيه الأقدام، مع كون العلم عين ذاته الأقدس فكيف يمكن أن يوجد مثل هذا العلم في غيره. مضافا إلى أنّ العلم الحضوري الحقيقي مختص به و علم ما سواه حصولي على مراتبه الكثيرة، مع أنّ غالب علوم ما سواه اعتقادي و هو أعم من الإحاطة الواقعية بحقيقة الشي‏ء، و لذلك كلّه كان علمه عزّ و جل على الإطلاق، كما هو قوله عزّ و جلّ: «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»، و في بعض الدّعوات المأثورة: «سبحانك تعلم وزن الظلمة و النور، سبحانك تعلم وزن الفي‏ء و الهواء، سبحانك تعلم وزن الرّيح كم هي من مثقال ذرة، سبحانك تعلم عجيج الوحوش في الفلوات و معاصي العباد في الخلوات و أنين الحيتان في البحار الغامرات، سبحانك تعلم لمحات العيون و خطرات القلوب و خائنة الأعين و ما تخفي الصدور».
و مبحث علمه عزّ و جل من المباحث الجليلة المهمة في علمي الفلسفة و الكلام، و سيأتي في الموضوع المناسب شرح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
217- قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ.
جملة قتال فيه بدل اشتمال عن الشهر الحرام، لأنّ الزمان يشتمل على ما يقع فيه، و نظيره في المكان قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ [البروج- ٤].
و المعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام.
و إنّما وقع السؤال عن الشهر تعجبا من هتك حرمته، و إلا فإنّه كان لأجل القتال فيه.
و من مجموع السؤال و الجواب يستفاد أنّ حادثة وقعت في الشهر الحرام اقتضت هذا السؤال، و قد ورد في الروايات ما يبيّن تلك الحادثة، و يأتي في البحث الروائي ذكرها.
و السؤال يمكن أن يكون من المسلمين على سبيل الاستفهام، أو من المشركين على سبيل الإنكار.
قوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ.
أي: قل في جوابهم إنّ القتال في الشهر الحرام كبير إثمه إن لم يعارضه ما هو أكبر منه، فإنّ ترك القتال في الشهر الحرام إنّما هو لأجل حرمة الشهر الحرام و احترام الناس له فإذا عارض ذلك ما هو أعظم و أكبر، كالفتنة من المشركين و الصد عن سبيل اللّه أو إذا ابتدأ المشركون بالقتال في الشهر الحرام فلا ريب في جواز قتالهم حينئذ. و كيف كان فالآية تدل على حرمة القتال في الشهر الحرام.
قوله تعالى: وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
هذه الآية وردت في ذم المشركين، و ذكر مطاعنهم و ما اقترفوه من الكبائر التي أوجب قتالهم، فذكر سبحانه أمورا أربعة:
الأول: الصدّ عن سبيل اللّه. و الصدّ يأتي بمعنى الصّرف و المنع، قال تعالى: وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل- ۲٤]، و ربما يأتي بمعنى الانصراف أيضا، قال تعالى: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [النساء- ٦۱].
و غالب استعمال هذه الكلمة إنّما هو في الصّرف و المنع عن الحق و هي كثيرة الاستعمال في القرآن الكريم بهيئات مختلفة.
و المراد من سبيل اللّه: عبادته و الدخول في دينه، و منه منع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و من معه من المؤمنين عن دخول مكة المكرمة.
الثاني: الكفر باللّه جلّت عظمته.
الثالث: الصّد عن المسجد الحرام إذا كان عطف وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ على سبيل اللّه، فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تأكيدا و تعظيما، و يصح العطف على الضمير في بِهِ، أي كفر بالمسجد الحرام، لأنّ إلقاء احترام المسجد الحرام المجعول له كفر به شرعا.
الرابع: إخراج أهل المسجد منه، و هم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنون. و هذه كلّها جرائم ارتكبها المشركون بحق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين و الإسلام، و قد وصفها سبحانه بأنّها أكبر عند اللّه، يعني أنّه لو فرض أنّ قتال بعض أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) للمشركين في الشهر الحرام وقع عن علم أو غير علم، فإنّ ما يصدر من المشركين من الجرائم و الجنايات أكبر عند اللّه تعالى.
و قوله عزّ و جل: أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ خبر للمبتدءات الثلاثة في الجملة السابقة المعطوف بعضها على بعض.
قوله تعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ.
جملة مستأنفة تبيّن العلّة التي من أجلها شرع القتال مع المشركين.
يعني: إنّ ما أنتم عليه من الشرك الاعتقادي الموجب لكلّ فتنة و افتتان بين المسلمين أكبر و أعظم من القتل فلا يحق للمشركين الطعن في المؤمنين.
و لقد جاهد المشركون في افتتان المؤمنين عن دينهم بشتّى الأساليب من إلقاء الشبهات، و الدّعوة إلى الكفر، و التعذيب و غير ذلك.
قوله تعالى: وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا.
بيان لحكم من أحكام الصراع بين الحق و الباطل الذي يظهر في كل عصر في مظاهر، و يتطوّر في كلّ دهر بأطوار، و هو من شعب معاداة الشيطان للرّحمن و الإنسان.
و فيه التفات إلى خطاب المسلمين لتحذيرهم و إرشادهم إلى عداوة المشركين لهم ما داموا على الإيمان. أي أنّ المشركين لا همّ لهم إلا أن يقاتلوكم ليردوكم عن دينكم، و هم يجهدون في ذلك غاية جهدهم و استطاعتهم.
و قوله عز و جل: إِنِ اسْتَطاعُوا استبعاد لما يريدونه، و إيعاز إلى عدم‏ الوصول إلى غرضهم. و فيه إيماء إلى غاية جهدهم في ذلك. كما أنّ فيه البشرى بأنّهم لا يستطيعون مهما جهدوا في ذلك فإنّ الحق لا يزول فقد نزل من السّماء و له دولة، و إن كان للباطل جولة.
قوله تعالى: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.
الارتداد و الردة: الرجوع إلى الطريق الذي جاء منه، و الرّدّة في الدّين: الرّجوع من الإيمان إلى الكفر.
و مادة (حبط) تأتي بمعنى الفساد و الهلاك و البطلان، و غالب استعمالاتها في القرآن إنّما هو بالنسبة إلى الآثار المترتبة على الأعمال في نظر الشرع، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر- ٦٥]، و قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ [آل عمران- 22].
و في الآية تهديد للمرتد، و من يرجع عن دينه إلى الكفر ببطلان أعماله في الدنيا من حيث الأحكام الظاهرية المترتبة على الإيمان، كحقن دمه و موالاة المؤمنين له، و غير ذلك. و في الآخرة باعتبار الجزاء و الثواب الأخروي لأنّه مشروط بالموافاة على الإيمان.
قوله تعالى: وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
تهديد آخر للمرتد بالخلود في النار لفرض تحقق الكفر، و الارتداد منه.
218- قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا.
مادة (أمن) تأتي بمعنى الطمأنينة و زوال الخوف، و كذا الأمان و الأمانة، و قد تستعمل اسما، و الفارق القرائن. و هذه المادة في هذه الهيئة (آمنوا) استعملت في القرآن الكريم فيما يقرب من مأتين و ستين موردا غالبها مقرون بالمدح و الثناء لكثرة عناية اللّه تعالى بالمؤمنين.
و الهجرة تعني: مفارقة الإنسان غيره بالبدن أو اللسان، أو القلب و المهاجرة: متاركة الإنسان غيره، و لها درجات أعظمها المهاجرة من الباطل‏ إلى الحق، و من الشهوات إلى العقل، و من حضيض الحيوانية إلى الروح الإنسانية، و هي مورد دعوة الأنبياء، و ترغيب كتب السّماء،
و في الحديث «المهاجر من هجر المحرّمات» و يتصف بها حينئذ جميع الأنبياء و المرسلين و عباد اللّه الصالحين فإنّهم يهاجرون إلى ربّهم في جميع حالاتهم و شؤونهم.
و يكون مقصدهم من ذلك السّفر من الخلق إلى الحق، و غاية هذا السّفر هو التحلّي بأنوار الحق و التجلّي بنور العظمة على قلوبهم. و يدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن نبيّه لوط (عليه السلام): إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت- ۲٦]، و هي من الهجرة إلى الجمال القدسي المطلق، و سرّ الكلّ مما تحقق و لم يتحقق.
و المراد به في المقام: الذين آمنوا و هاجروا من بلادهم لأجل إعلاء كلمة الحق، و القيام بنصرة الدّين.
و إنّما كرّر الَّذِينَ للعناية بالهجرة و الجهاد، و الاهتمام بهما.
قوله تعالى: وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الجهاد و المجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، و هو على أقسام: مجاهدة العدو الظاهر، و مجاهدة الشيطان، و مجاهدة النفس الأمارة، و قد يعبّر عن الأخيرة بالجهاد الأكبر، كما ورد في الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) قال بعد الفراغ من بعض الغزوات: «فرغنا عن الجهاد الأصغر و عليكم بالجهاد الأكبر».
و يتحقق باليد و اللسان، فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) «جاهدوا بألسنتكم كما تجاهدون بأيديكم».
و سبيل اللّه: كلّ ما أذن اللّه تعالى فيه، و يرجى ثوابه، و يبتغى رضوانه.
و الجهاد بمعناه العام- أي استفراغ الوسع في دفع الموانع عن الوصول إلى المقصود و المراد- من أعظم ما بني عليه نظام التكوين و من أهم أركان النظام الأحسن، فلو فرض عدم الجهاد و المجاهدة و المصابرة في سبيل المرام لاختل النظام و بطل الاستكمال بين الأنام مطلقا و لا يختص ذلك بالإنسان بل يعم الحيوان أيضا. فالوصول إلى المقامات العالية دنيوية كانت أو أخروية لا يكون إلا بالمجاهدة، و قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ [النجم- ٤۰]، و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت- ٦۹]، شرح لحقيقة ما عليه نظام العالم و بيان لواقع مصير بني آدم في النشأتين، و مرآة لما هو عليه في الحالتين، هذا في سلسلة الاستكمالات الاختيارية، و هكذا بالنسبة إلى سلسلة الاستكمالات التكوينية غير الاختيارية التي لا تتم إلا بالجهد الأكيد الشديد و لذا سمي هذا العالم بعالم التغيّر و الكون و الفساد، فالجهاد و المجاهدة داخلان في السلسلتين، و مصيرهما إلى اللّه تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ و مبدؤهما هو اللّه عز و جل أيضا.
قوله تعالى: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ.
أولئك خبر للذين. أي إنّهم يطلبون رحمة اللّه تعالى في الدنيا و الآخرة و هي محيطة بهم بسبب أعمالهم الصالحة، فيكون طلبهم طلبا عمليّا لا مجرّد اعتقاد الرّجاء و الرّغبة إليه.
و يستفاد من هذه الآية أنّ رحمة اللّه لا تنال إلا بالعمل الصالح و المجاهدة في مرضاته.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
تثبيت لرجائهم، و وعد منه عزّ و جل بتحقق رجائهم. أي: و اللّه يغفر لهم سيئاتهم السابقة، و رحيم بهم من حيث أعمالهم الصالحة.

تدل الآيات الشريفة على أمور:
الأول: لم يذكر الفاعل في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ لأنّ خفاءه أنسب صونا له من الهتك و الاستخفاف إذا نسب المكتوب الذي هو مورد الكراهة إليه.
الثاني: إنّما كرر عَسى‏ في قوله تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ لأجل أنّ القتال مورد كراهة المؤمنين، و السّلم مورد محبتهم. فأعلمهم سبحانه بأنّهم مخطئون في الموردين، و لو ذكره سبحانه مرّة واحدة لما أفاد ذلك.
الثالث: تدل هذه الآيات و ما في سياقها على أنّ معاشرة الكفار مع المسلمين قد توجب زوال أصل الدّين، فضلا عن المسامحة و التساهل في الالتزام بأحكام الإسلام.
الرابع: يدل قوله تعالى: فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ على أنّ الحبط مشروط بالموت على الكفر، فتكون الأقسام أربعة:
1- إمّا أن يكون مؤمنا و يموت على إيمانه و لم يلبس إيمانه بظلم، فهو من أهل الجنة و يستحق الثواب الدائم.
2- و إمّا أن يكون كافرا و يموت على الكفر فهو من أهل النار.
3- و إمّا أن يكون قد خلط عملا صالحا و آخر سيئا، فإن وفّق للتوبة يكون من أهل الجنة.
٤- و إن لم يوفق للتوبة فإمّا أن يستحق ثواب إيمانه أولا، و الثاني باطل بالأدلة الشرعية و العقلية، فيتعيّن الأول، و حينئذ فإمّا أن يثاب ثم يعاقب، و هو باطل إجماعا، أو يعاقب ثم يثاب بالجنة، و هو صحيح، للنصوص الدالة عليه.
فلا موضوع للإحباط و الموازنة الكليتين. نعم لا بأس بهما في الجملة.
هذا إجمال الكلام، و يأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام فيهما.
الخامس: يدل قوله تعالى: فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ أنّ الحبط إنّما يكون بالنسبة إلى الأعمال و آثارها، ففي الدنيا يحكم على المرتد بكفره و موته، و تبين منه زوجته، و تعتدّ عدة الوفاة، و تقسّم أمواله بين ورثته، و لا توبة له بالنسبة إلى هذه الأربعة، و أما بالنسبة إلى غيرها فالمحققون من الفقهاء على قبول توبته، و أما بالنسبة إلى الآخرة فلا ثواب له و مأواه النار، هذا حال المرتد الفطري. و أما الملّي فله أحكام خاصة مذكورة في كتب الفقه.
السادس: يستفاد من قوله تعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أنّ سبب القتال مع المشركين إنّما هو الفتنة و الافتتان في الدّين، و يرجع ذلك إلى تعاند الحق و الباطل الذي هو من الأمور العقلية، بل الفطرية و الشرعية. و المراد بالحق كلّ ما حققه اللّه جلّت عظمته، كما أنّ المراد بالباطل كلّ ما أبطله اللّه و هو تعالى عالم بهما و لا يخفى عليه شي‏ء مما خلق. فلا بد من إحقاق الحق و إبطال الباطل، اللذين هما أساس النظام الأحسن، و يجب عقلا مراعاته، و يقبح إهماله، و هو محال بالنسبة إلى الحكيم جلّ جلاله لا سيّما إذا كان إحقاق الحق و إبطال الباطل بالنسبة إلى الحياة الأبدية للإنسان الذي هو أشرف‏ مخلوقاته عزّ و جل، و من أبرز مظاهر ذلك إزالة الشرك و الكفر و الجحود، التي هي من موجبات الفتنة في الدّين، و من أهم الموانع في إحقاق الحق، فيكون قتال المشركين من الواجبات العقلية النظامية.
السابع: يستفاد من قوله تعالى: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أنّ موضوع الرّجاء هو العمل الصالح، و إلا فلا أثر له بل يكون غرورا.

في الدّر المنثور عن ابن جرير عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا ابن عباس ارض عن اللّه بما قدّر، و إن كان خلاف هواك، فإنّه متبت في كتاب اللّه، قلت: يا رسول اللّه فأين و قد قرأت القرآن؟! قال (صلّى اللّه عليه و آله): وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
أقول: الحديث مطابق لعموم الآية الشريفة و إطلاقها الشاملين للأمور الوضعية و التشريعية، و كلّ ما هو مقدّر. كما أنّ الحديث إرشاد إلى اختيار رضاء اللّه تعالى على رضى النّفس، فلا يستفاد منه أنّ عسى دالّة على الوجوب و الإلزام.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ- الآية-. «أنّه كان سبب نزولها أنّه لما هاجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرّض لعير قريش، حتى بعث عبد اللّه بن جحش في نفر من أصحابه إلى نخلة، و هي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش حين أقبلت من الطائف عليها الزبيب و الأدم و الطعام، فوافوها و قد نزلت العير و فيهم عمرو بن عبد اللّه الحضرمي، و كان حليفا لعتبة بن ربيعة، فلما نظر الحضرمي إلى عبد اللّه بن جحش و أصحابه فزعوا و تهيّئوا للحرب، و قالوا: هؤلاء أصحاب محمد، فأمر عبد اللّه‏.

ذكرنا أنّ الآية الشريفة تدل على حرمة قتال المشركين في الشهر الحرام، و هو المشهور بين الإمامية، و يدل عليه مضافا إلى ما تقدم قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة- ٥]، و بعض الروايات.
هذا هو الحكم الأولي، و لكن قد يعرض على ذلك ما يوجب رفع هذا الحكم و تبديله، لقاعدة تقديم الأهم على المهم، التي هي من القواعد العقلية المهمة، و يرشد إلى ذلك قوله تعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، و لأجل ذلك قاتل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المشركين في ذي القعدة، لأنّ الذين قاتلهم الرسول ممن هتكوا حرمة الشهر و بدأوا بالقتال.
ثم إنّ الهجرة من الأمور الإضافية، و لها مراتب كثيرة كمية و كيفية، شدة و ضعفا، و قد ذكرنا أنواعها، و هي في اصطلاح الفقهاء الهجرة من بلاد الكفر، و قد بحثوا في وجوبها. و لكن ذكرنا في الفقه أنّ الهجرة عن المعصية أو للقيام بنصرة الدّين واجبة مطلقا.
و ما ورد من أنّه «لا هجرة بعد الفتح» إنّما هو بالنسبة إلى بعض أقسام الهجرة لا مطلقا.
كما أنّ الجهاد أيضا له مراتب كثيرة، فكلّ من ترك المعاصي و المشتبهات فهو مجاهد، و إلى ذلك يشير ما ورد من أنّ «المؤمن مجاهد».

تقدم أنّ قوله تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ يشير إلى وجود عالم الحقائق التي لا تغيير فيها و لا تبديل، و هو بمعزل عن الأوهام و الخيالات النفسانية التي تتعلّق بما هو المحسوس و المأنوس من المادة و الماديات مع الغفلة عمّا وراء ذلك. فإذا تعلّق الحب و الكراهة بما هو قابل للتغيير و التبديل كانا متغيّرين فربّ شي‏ء يكون خيرا في عالم المادة هو شرّ في عالم الواقع، و هكذا بالعكس. و على هذا يمكن تقسيم الحبّ و الكراهة في النفوس إلى أنواع:
الأول: ما إذا حصلا عن مباد وهمية خيالية، و في مثل ذلك لا يكونان إلا خيالا في خيال. و موطن هذا النوع إنّما هو الدّنيا بما هي دنيا، فتحصل المحبة و الكراهة في نفوس أهل الدّنيا بالوهم و الخيال من دون أن يكون لهما حقيقة و واقع، قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد- 20].
كلّ ما في الكون و هم أو خيال أو عكوس في المرايا أو ظلال‏ و لو تأملت أحوال أهل الدنيا لا تجدها إلا كما ذكرناه.
الثاني: ما إذا حصلا من مباد عقلية اعتقادية لكنّها غير مبنية على كراهة اللّه عزّ و جل و رضائه، و يتحقق ذلك غالبا في العلوم النظرية، فإنّ المتأمل فيها يرى أنّ أحدهم يستدل على شي‏ء بدليل عقلي، و يستدل الآخر بدليل عقلي آخر على نقيض الأول مع أنّ الواقع لا خلاف فيه و لا اختلاف، و أهل الشهود و العرفان يبطلون جميع ذلك و يجعلونه حجابا عن الوصول إلى الواقعيات.
إن قيل: على هذا لا وجه لاختلاف الفقهاء مع أنّ علمهم في الواقع و عن الواقع.
يقال: الاختلاف إنّما هو في كيفيات الاستظهار عن الواقع.
الثالث: ما إذا حصلا عن مباد عقلية مقررة بالشريعة الإلهية المحيطة بالجميع إحاطة واقعية، و هذا هو المناط فيما ينفع للآخرة بل الدنيا أيضا نفعا واقعيا لا وهميّا، و هذا النوع مبرّأ عن الاختلاف و التغيير.
و يمكن أن تكون الأمور تختلف باختلاف الأفراد بحسب ما ذكرنا، فإنّ بعضهم يعد القتال في سبيل اللّه تعالى سعادة ليست فوقها سعادة، و إنّ بعضهم يكرهونه لأجل أنّه فناء للنفوس و الأموال، كما ذكرنا.

الرجاء: فضيلة عالية، و له منزلة كريمة سامية، و من الأخلاق الفاضلة أمرنا بالتخلّق بها، و هو يورث المجاهدة بالأعمال و المواظبة على الطّاعات، و هو من دعائم الإيمان و ركائز الأعمال لا يليق إلا بمن كان مؤمنا مجاهدا، و قد اعتبره علماء الأخلاق و السلوك من جملة مقامات السّالكين و أحوال الطالبين.
بل هو من ملازمات الحياة التي لا ينفك عنها الإنسان، و بدونه لا يمكن الفوز بنعم الحياة، و لا الظفر بالعيش الهني‏ء. فهو و الرّغبة و الأمل من الأمور الدخيلة في نظام هذا العالم، فإنّ بالآمال يتقبل الإنسان المشكلات و يقتحم الصّعاب. و بالرغبات تقوم الأسواق و تتحقق أنواع التجارات، و بالأماني تقضى الحاجات و تقبل الطلبات، و بالرجاء يعمل الإنسان و يكافح في سبيل العيش و البقاء. و لنعم ما قيل: أعلّل النّفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل‏ و بالجملة إنّ للرجاء أثرا كبيرا في حياة الإنسان الفردية و الاجتماعية و له الأهمية الكبرى في الجانب التربوي و الدّيني له، مضافا إلى كونه من أركان الإيمان إذا كان متعلّقا باللّه تعالى. فإنّه يكشف عن عبودية صاحبه له عزّ و جل، و قوة معرفته به و خوفه منه، لأنّه يرجع إلى حسن الظن باللّه تعالى الذي هو مجمع جملة من الأخلاق الفاضلة، و لذا ورد الأمر به في كثير من الروايات.
فالرجاء يضاعف العزيمة، و يجعل صاحبه مثابرا على العمل بالصبر و الثبات، و هو عامل من عوامل النصر و الغلبة، قال تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء- ۱۰٤].
و لقد ورد ذكر الرّجاء في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، و اعتبره من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي للمؤمن أن يتحلّى بها، بل اعتبره من أجزاء الإيمان، قال تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف- 110]، و قد أدرجه الأنبياء و المرسلون (عليهم السلام) في جملة ما يدعون إليه، قال تعالى: وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [العنكبوت- ۳٦]، و قد نوّه الجليل عزّ و جل بعظيم فضله حيث وعد المؤمنين الصالحين تحقيق رجائهم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر- 29]، و يعرف كمال أهميته أنّ الحرمان منه يعد عند اللّه تعالى استكبارا، قال تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى‏ رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الفرقان- 21]، و قد أوعد من لا يرجو لقاء اللّه بعظيم العذاب، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يونس- 7]، كما أهمله عزّ و جل، قال تعالى: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [يونس- 11]، و لذلك كان اليأس- الذي هو ضد الرجاء- من المعاصي الكبيرة التي توجب البعد عن اللّه سبحانه، و الانحراف عن الصراط، قال تعالى: قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ* قالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر- ٥٥- ٥٦]، و قد ورد في السنة الشريفة أخبار كثيرة تبيّن فضله، يأتي ذكر بعضها في ضمن هذا البحث.
و لا تختص هذه الفضيلة بالإسلام بل يعتبر الرجاء ثانية الفضائل الثلاث عند المسيحيين، و هي الأمانة، و الرجاء، و المحبّة، و هو عندهم فضيلة عظمى‏ ينتظر بها أنواع النّعم في الدنيا، و السعادة في الآخرة.
ثم إنّ الرّجاء، و التمنّي، و الأمل و إن كانت مفاهيم مختلفة إلا أنّها في أصل الحقيقة واحدة، و الفرق بينها اعتباري فقط، فإنّ الأمل يطلق على رغبة ما هو مرضيّ و محمود، و التمنّي يطلق في المجهول المطلق و ما لم يعلم بحصول المتوقّع بل حتى مع استحالته أيضا بخلاف الرّجاء فإنّه يطلق في الأعم مما هو مرضيّ و محمود كما أنّه لا يطلق الا على انتظار المتوقع إذا حصل أكثر أسبابه، و لأجل ذلك كان الرّجاء ممدوحا و التمنّي مكروها،
ففي الحديث: «الأماني بضائع النّوكى» أي الحمقى.
فالرّجاء هو تعلّق النفس بما هو المحبوب عند تحقق أكثر أسبابه و لذا يرتاح القلب من انتظاره، لأنّ الإنسان يشتاق إلى حصول نتيجة عمله و ثمرة جهده.
قال الشاعر: أمانيّ إن تحصل تكن غاية المنى و إلا فقد عشنا بها زمنا رغدا و قد اعتبر علماء الأخلاق الرجاء من العوامل الدّاعية إلى العمل، و يجعل صاحبه صبورا يتحمّل في سبيل تحقيق غرضه أنواع المشاق ذا عزيمة قوية، و الوجه في ذلك معلوم لأنّ العلم بالمراد تصوّرا و تصديقا من مقدّمات الإرادة، و بدونه لا يتحقق لها موضوع، كما ثبت في علم النفس، و لذا كان طلب المجهول المطلق محالا، و إذا حللنا ذلك بالدقة العقلية نرى أنّه ينحل إلى العلم بالمراد إجمالا، و التصديق بفائدته كذلك، و الرجاء بترتبها عليه و الخوف عما يوجب البعد عنه فيرغب إلى ارتفاعه و يرجو زواله، فيكون الرجاء و الخوف مأخوذين إجمالا في تحقيق الإرادة، بلا فرق في ذلك بين الأمور التشريعية و غيرها.
فيكون للرجاء و الخوف دخل في أصل الأعمال، و هما متلازمان و يتقابلان في الوجود و العدم، فإنّ الخوف عن عدمه يلزمه الرجاء و جودا، و اعتبرهما علماء الأخلاق جناحين يطير بهما المؤمنون إلى كلّ مقام محمود، و مطيتين يقطع بهما العامل كلّ طريق مخوف حتى يصل إلى المطلوب. فهما جزءا إرادته، يكشفان عن شدة تعلّق صاحبهما بمتعلّقهما و محبته لهما، فكلّ حبّ مصحوب بالخوف و الرجاء، و على قدر تمكنه من قلب المحب يشتد خوفه و رجاؤه، فإنّ التطلع إلى رؤية المحبوب و رجاء ملاقاته يصحبهما توقع حدوث المكروه و لا أقلّ من احتمال صرفه عن رؤية المحبوب فيظلّ الإنسان دائما بين الخوف و الرّجاء، و هو يعيش بينهما امنا مطمئنّ النّفس إذا كانا متعلّقين باللّه تعالى، قال عزّ و جل: يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ [الإسراء- ٥۷]، و في الحديث «ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن- أي عند النزع- إلا أعطاه اللّه ما رجا و آمنه مما يخاف».
و مما ذكرنا يظهر أنّ حقيقة الرّجاء تتقوّم بأمور:
الأول: إنّه جزء من الإرادة في الإنسان التي بموجبها صارت أفعاله ذات قيمة أخلاقية.
الثاني: إنّه يتعلّق بما هو متوقع الحصول بعد ما مهد جميع أسبابه الاختيارية و لم يبق إلا الأسباب الخارجة عن الاختيار فيرجو تمهيدها و رفع الموانع عن تحقيق المرجو، و لأجل ذلك لا ينفك الرجاء عن العمل، و هذا مما أكد عليه القرآن الكريم في مواضع متعددة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة- 218]، أي إنّ الرجاء لا يليق إلا بهؤلاء فلا يستحقه غيرهم. و قال تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف- 110]، و لقد ذم الإسلام من يرجو الغفران بدون العمل و الإيمان، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى‏ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [الأعراف- ۱٦۹]، و قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) «الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الجنة».
و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قيل له: إنّ قوما من مواليك يلمّون بالمعاصي، و يقولون: نرجو، فقال (عليه السلام): «كذبوا ليسوا لنا بموال‏ أولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجا شيئا عمل له، و من خاف شيئا هرب منه»، و عنه (عليه السلام) أيضا «لا يكون مؤمن مؤمنا حتّى يكون خائفا راجيا و لا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف و يرجو».
فالرجاء لا بد أن يكون مقرونا بالعمل و مع فقده يكون غرورا، مثل من يلقي البذر في الأرض السبخة، و قد عزم على عدم تعهد الزرع بالسقي، و تنقية الأرض و هو يرجو جني الثمار من بذره، و هذا لا يكون إلا غرورا. بخلاف من ألقى البذر في أرض طيبة، و قد بنى على التعهد و التنقية و سوق الماء، و تحقيق كلّ ما هو داخل تحت اختياره في سبيل الحصول على الثمار من زرعه، ثم يرجو اللّه تعالى أن يدفع عن زرعه الحوادث و الصوارف فيكون رجاؤه محمودا، و كذا من يرجو اللّه تعالى و الدخول في رضوانه و رحمته لا بد له من الإيمان به، و متابعة أنبيائه، و تطهير القلب من الأخلاق الرذيلة و التحلّي بالأخلاق الفاضلة ثم التعهد بإتيان الطّاعات و ترك المعاصي و السيئات، فيرجو حسن الخاتمة و الثبات على الإيمان و المغفرة، و مثل هذا الرجاء يكون محمودا في نفسه و باعثا على القيام بما يقتضيه الإيمان و يوجب العزيمة في المؤمن و يجعله مثابرا على العمل.
الثالث: إنّ المرجو منه لا بد أن يكون أهلا لما يرجى منه و قادرا على الإجابة، و هو منحصر به عزّ و جل لأنّ غيره في معرض الزوال، و لأنّ عروض الحوادث و أسبابها الخفية غير معلومة لأحد إلا للّه تعالى.
نعم، حيث إنّ الدنيا دار الأسباب و لا تجري الأمور فيها إلا بأسبابها لا بد من تهيئة الأسباب الظاهرية و الجدّ و الاجتهاد فيها، و يرجى من اللّه رفع الموانع التي هي غير معلومة لنا، فانحصر الرجاء المطلق بالحيّ القيوم، لأنّ غيره يفنى و لا يدوم.
ثم إنّ للرجاء مراتب و درجات أعلاها ما إذا كان متعلّقا باللّه تعالى و بأسمائه الحسنى و صفاته العليا، و هذا هو الرجاء المحمود الذي مدحه القرآن الكريم و اعتبره أساس العمل الصالح و الإيمان الصحيح و موجبا للغفران و الارتقاء إلى الدّرجات العليا، بل ذكرنا أنّ الرجاء الحقيقي لا يكون إلا هذا و يكون‏ العمل مع هذا الرجاء أعلى من العمل مع الخوف، فإنّ مثل هذا الرجاء ينبئ عن عبودية صاحبه له عزّ و جل، و قوّة معرفته به، و خوفه منه، و يكشف عن محبة صاحبه للّه تعالى و على قدر قوّة المعرفة و شدّة الحب و الإخلاص تكون درجات الرّجاء و على ذلك يحمل ما ورد في القرآن الكريم من الاختلاف في ذكر المرجو، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب- 21]، و قال تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف- 110]، و قال تعالى: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة- 218]، و قال تعالى: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ [العنكبوت- ۳٦]، و قال تعالى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر- 29].
ثم إنّ الرجاء- كسائر الفضائل- لا بد أن لا يخرج عما هو المطلوب و إلا كان مذموما، و هو الحد الوسط بين اليأس و القنوط و بين الرجاء بلا عمل.
و للرجاء فوائد و حكم ظاهرة في الدنيا و الآخرة، نذكر المهم منها:
منها: تمامية الإيمان و الخلوص و الإخلاص فيه و الحب للّه تعالى.
و منها: ظهور العبودية المحضة للّه تعالى على القلب و الجوارح، و إحساس الافتقار إليه عزّ و جل.
و منها: جعل صاحبه مثابرا على الجد و الاجتهاد.
و منها: حصول الاطمينان و السعادة، فإنّ الرجاء بالمبدأ القيوم الحيّ يؤثر في النفس و يبعد عنها القلق و الاضطراب، لأنّه يرى نفسه متعلّقة بالمبدأ القيوم الذي لا حدّ لقدرته و فضله، و لذا نرى أنّ المؤمنين الراجين أسعد الناس بالا و أبعدهم عن القلق و الاضطراب.
و منها: حصول المراقبة التي هي من أفضل مقامات الأولياء.
و منها: أنّه ارتباط معنوي و ذكر حالي للّه جلّت عظمته، في جميع الأحوال.
و منها: أنّه يرغب صاحبه على العمل و يحرّضه على الجهد و الاجتهاد و يبعده عن التكاسل و التهاون.
و منها: أنّ العمل معه أقرب إلى القبول لأنّ اللّه يحب من عباده أن يرجوه و يسألوه من فضله، كما في الحديث.
و منها: محبوبية الرّاجين للّه تعالى عند الناس و توجه القلوب إليهم كما كان كذلك سيرة الأنبياء و الأولياء، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب- 21].

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"