1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 174 الى 176

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (۱۷٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (۱۷٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (۱۷٦)


هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة التي وردت في ذم قوم تركوا سبيل الحق و اتبعوا خطوات الشيطان لأن تبديل الحق بالباطل من أعظم خطواته و لذا كان التوعيد عليه عظيما، كما أنه بين سبحانه و تعالى فيها أنّ الاختلاف في الحق هو الشقاق البعيد.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ. الكتم و الكتمان هو ستر الشي‏ء و إخفاؤه، و المراد بالكتاب مطلق معارفه الشريفة و أحكامه المقدسة المنزلة على رسله.
و المعنى: إنّ الذين يخفون ما أنزل اللّه من الكتاب على رسله.
و الكتمان كما يحصل بالإخفاء و الحذف يحصل أيضا بالتأويل و التحريف و الوضع في غير مواضعه و قد تقدم في آية 159 من هذه السورة فراجع.
قوله تعالى: وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا. المراد من الاشتراء هنا مطلق التبديل، و الثمن القليل هو الدنيا و حطامها فانها قليلة بالنسبة إلى الحق و كتمانهم لما أنزل اللّه تعالى و ما فات عنهم من السعادة الدائمة فانها لا تعادل ما يأخذونه عوضا يكون التمتع به قليلا لانقطاع مدته.
قوله تعالى: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. أي: أنّ أولئك الذين يكتمون ما أنزل اللّه- المشترين به- لا يفعلون ذلك إلّا بما يؤول بهم إلى النّار بسبب أكلهم للثمن الخسيس، فهو تمثيل لمآلهم و يمكن أن يكون بيانا لحالهم بأنّ يكون المأكول نارا فعلا في عالم الدنيا في بطن الآكل و ان ظن انه طعام، لأنّ تبدل حقائق عالم بصورة حقائق عالم آخر كثير في صنع اللّه تعالى، و إن عميت الأبصار من الرؤية و البصائر عن الإدراك لكن الحق ظاهر بالبرهان. و الآية تدل على تجسم الأعمال.
و إنما قيد سبحانه الأكل بالبطن مع انه لا يكون إلّا فيه إما للإشارة إلى الاستمرار و الاستقرار و عدم الزوال، أو للإشارة إلى الامتلاء أي: امتلاء بطونهم نارا.
قوله تعالى: وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. كناية عن عدم اعتناء اللّه تعالى بهم بالإعراض عنهم و الغضب عليهم في يوم يكون الاحتياج إليه تعالى شديدا.
قوله تعالى: وَ لا يُزَكِّيهِمْ. أي: لا يقبل منهم أعمالهم مع ما هم عليه من الكفر و الفعل الشنيع و لا يطهرهم من دنس الخطايا أو يزكيهم بالثناء عليهم كما يفعل بالنسبة إلى أهل الجنّة.
قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أي: عذاب شديد الألم.
و حكم هذه الآية عام يشمل كل من عرف الحق و كتمه قولا أو عملا فلا اختصاص له بأهل الكتاب، بل يصدق على المسلمين الذي عرفوا الحق فكتموه مع القدرة على الإظهار، أو لم يعملوا به خارجا.
ثم إنّه لا يخفى أنّ المعارف الإلهية و الأحكام المقدسة لها وجود واقعي حقيقي يتم بالجعل الإلهي و إتمام الحجة و وجود ظاهري إثباتي لا يتم إلّا بالإظهار و إعلام النّاس. و الأول في مرحلة الحدوث و الثاني في البقاء، و المهم هو الأخير إذ لا أثر في حدوث ما لا بقاء له في ما يطلب منه البقاء و الاستمرار. و جاعل القانون مطلقا- إلهيا كان أو وضعيا- انما يهتم بإبقائه أكثر من اهتمامه بأصل الإيجاد و الحدوث. و الكتمان إنما يتحقق بالنسبة إلى الثاني، و به تبطل حكمة تشريع الأول، و لذلك كان وزر الكتمان عظيما يعرف من عظم ما أوعد عليه اللّه تعالى بتعدد نقمه عليهم من وعيده بالنار و عدم التكلم معهم و عدم التزكية، و العذاب الأليم.
و نظير هذه الآية قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة آل عمران، الآية: 77] و لعل وجه التأكيد في الآية الأولى تعدد موجب العقاب فيها من الكتمان و الاشتراء بخلاف الآية الثانية.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏. هذا كالنتيجة للآيات السابقة: أي أولئك الذين اشتروا بالكتمان ثمنا قليلا انهم في عملهم هذا اشتروا الضلالة بالهدى.
قوله تعالى: وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ. أي اشتروا العذاب بالمغفرة لمكان‏ اشترائهم الضلالة بالهدى، فيكون ترتب هذا على سابقه من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة.
قوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. (ما) للتعجب و المراد أنّهم فعلوا فعلا يتعجب كل عاقل منهم و انهم كيف يدعون العقل مع أن فعلهم يدل على سفاهتهم و غفلتهم، و انه لو وقع من أحد مثل هذا الاشتراء في أمور الدنيا لكان دليلا على السفاهة، فهم أدخلوا أنفسهم في النّار باختيارهم و سلطوا عليهم غضب الجبار فكان صبرهم على العذاب شديدا.
و يصح أن تكون للتعجب من إحاطة النّار بهم كمية و كيفية و سائر الجهات أي: ان فعلهم الذي أوجب دخولهم في النار و أنّ صبرهم على العذاب ما يثير العجب.
و يجوز التعجب على اللّه تعالى إذا كان بداعي عظمة العقاب و شدته و إلّا فأنّ التعجب الحقيقي لا يجوز بالنسبة إليه عزّ و جل لأنّه يستلزم الجهل و هو محال عليه تعالى، و مثل هذا الأسلوب كثير في المحاورات.
كما يصح أن تكون (ما) للاستفهام بداعي شدة العقاب، أو التوبيخ، أي أي شي‏ء أصبرهم؟!.
و يحتمل أن يكون المراد من النّار نار جهلهم المركب التي تجعلهم عرضة للفساد و الشقاء، و يؤول أمرهم إلى النار في الآخرة.
و الآية تدل على بطلان كل عمل منهم و غضب اللّه تعالى و سخطه عليهم مع أن لهم اعمالا حسنة لها آثار عظيمة ينتفع منها الناس و ليس من سنته عزّ و جل اضاعة الأعمال الحسنة قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [سورة الكهف، الآية: 30].
و لكن يمكن أن يقال: إنّهم من حيث كفرهم و كتمانهم للحق يدخلون النار لكنهم ينتفعون بأعمالهم الحسنة سواء في الدنيا أو في البرزخ أو في الحشر و النشر أو في تخفيف العذاب بمقتضى قانون ترتب الجزاء على العمل الذي أسسه القرآن الكريم و المؤيد بحكم العقل و تدل عليه أخبار كثيرة، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام فيه.
قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. مادة (نزل) تدل على الهبوط من العلو إلى السفل، و لها استعمالات كثيرة بهيئات مختلفة تقرب من ثلثمائة مورد و تشمل التشريعيات و التكوينيات قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ [سورة المائدة، الآية: ٤٤] و قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [سورة النساء، الآية: ۱۷٤] و قال تعالى: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [سورة الحديد، الآية: ۲٥] و قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [سورة الفرقان، الآية: ٤۸] و قال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى‏ [سورة الأعراف، الآية: ۲٦] و تستعمل في الخير و الشر، و الأول كثير، و من الثاني قوله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً [سورة البقرة، الآية: ٥۹] و قال تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [سورة العنكبوت، الآية: ۳٤] فيصح استعمال الإنزال بالنسبة إلى جميع ما يصدر منه عزّ و جل بلا فرق بين الجواهر و الأعراض و الشرعيات و غيرها، لأن الكل صدر عن مبدإ لا نهاية لعلوه و لرفعته سواء كان بالتسبيب أو بدونه فان أزمة الأمور بيده و ما سواه يستمد من مدده.
و الفرق بين الإنزال و التنزيل أنّ الثاني لوحظ فيه التفرق في الجملة بخلاف الأول قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [سورة الإنسان، الآية: 23] و قال تعالى: وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [سورة الفرقان، الآية: ۲٥] و قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 10] فجميع ما سواه إنزال منه عزّ و جل كما أن الجميع تنزيل منه و أكمله القرآن العظيم.
و الكتاب من كتب مادته تأتي بمعنى الجمع و الضم، سواء كان في الحروف و ضمها في الخط، أو اللفظ، أو الذهن، و المتعارف في الاستعمال هو الأول، و من لوازم الضم الثبوت كما ان من لوازمه الحكم، و تستعمل هذه المادة فيهما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة البقرة، الآية: 183] و قال تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ‏ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [سورة الأنفال، الآية: ۷٥] أي في حكم اللّه، و الأصل في ذلك ان ما يراد تثبيته يجمع في الذهن ابتداء ثم في الإرادة ثانيا ثم يحكم به ثالثا و يكتب رابعا.
و لهذه المادة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة أكثر من مأتين و خمسين موردا.
و المراد من الكتاب في المقام مطلق ما كتبه اللّه تعالى على عباده، و القرآن مهيمن على ذلك كله، فلا فرق بين أن يكون المراد من الكتاب هو القرآن أو جميع الكتب السماوية غير المنسوخة إذا الجميع واحد في الحقيقة و ان اختلف في الصور.
و تقدم معنى الحق في آيتي ۱٤٤و ۱٤۷من هذه السورة.
و قد أسس الفلاسفة قاعدة كلية أحكموها ببراهين عقلية و فرعوا عليها أمورا، و هي: «ان من كان حقا بذاته و من ذاته يكون حقا من جميع جهاته، في صفاته و أفعاله، و جميع شؤونه» فإذا كان المبدأ القيوم حقا في الأزل الذي لا يتصور له أول كذلك يكون في ما لم يزل الذي ليس له آخر شأنا و صفة و فعلا، و في كل ما يتعلق به تعالى من الجهات التكوينية و التشريعية.
و من فروع هذه القاعدة التلازم بين المبدأ و المعاد في كل ما يتعلق بشؤون العباد سيأتي في الموضع المناسب شرحها مفصلا.
و للمفسرين في اعراب محل (ذلك) في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ أقوال:
منها: الرفع على أنّه مبتدأ خبره محذوف، أي ذلك الشأن.
و منها: أنّه خبر لمبتدأ محذوف أي الشأن ذلك.
و منها: النصب بفعل مقدر رأي: جعلنا ذلك، و كل واحد منها صحيح بعد عدم ثبوت الترجيح في البين.
و المعنى: إنّ ذلك الذي تقرر في شأنهم إنّما هو بسبب أنّ الكتاب نزل بالحق و أنّهم على الباطل، و لا يمكن للباطل مغالبة الحق الذي هو بيّن دلائله و واضح معالمه.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.
الاختلاف ضد الاتفاق الذي لا ينفك عنه كل مجتمع المنتهي إلى الاختلاف في الأفكار، و هو ينتهي إلى الاختلاف في الفهم و الاستعدادات، و هو طبيعي بالنسبة إلى الإنسان، و لذلك وجب الرجوع إلى الكامل في تدبير شؤون المجتمع و ادارته، و إلّا انتهى الأمر إلى التنابذ و الاختلاف و اختلال النظام، و قد جعلوا ذلك من الأدلة العقلية على وجوب وجود النبي و الإمام بين النّاس.
و الشقاق عبارة أخرى عن الاختلاف كأن كل واحد من المختلفين يصير في شق، و في الدعاء المأثور: «اللهم إنّي أعوذ بك من الشقاق و النفاق» و المراد به هنا الاختلاف البعيد أي: آخر مراتب الشقاق الذي لا يمكن فيه الايتلاف بوجه من الوجوه.
و من ذلك يعلم أن الاختلاف في الكتاب و أمور الدين موجب للابتعاد عن الصراط المستقيم الذي يدعوا اليه الكتاب، و السلك في سبل متعددة، و الابتعاد عن الحق قال تعالى: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام، الآية: ۱٥۳].

تدل الآيات الكريمة على أمور:
الأول: أنّ قوله تعالى: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ يدل على تجسم الأعمال، و سنخية العقاب مع العمل، فان كتمانهم للحق كان لأجل كسب المال و الجاه و الاستفادة منه في إشباع بطونهم و كان جزاء هذا العمل الشنيع ان أبدل اللّه تعالى تلك الأثمان إلى النار التي تستعر في بطونهم، نظير ذلك قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ‏ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [سورة التوبة، الآية: ۳٥] و آية الربا و سيأتي البحث في تجسم الأعمال.
الثاني: يستفاد من قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ان اللّه تعالى إنما أنزل الكتاب و المعارف الحقة و الأحكام التشريعية للألفة و الاتحاد و نبذ الاختلاف، و ما كان خلاف ذلك فهو الباطل الذي لا يجلب منه إلّا الفساد و التنازع، كما يدل عليه ذيل الآية الشريفة و آيات أخرى.
الثالث: يصح أن يستدل بالآية الشريفة على أنّ القرآن الكريم ناسخ لجميع الكتب السماوية إلّا إذا قرر القرآن العظيم شيئا منها. و النسخ بهذا المعنى موافق لقانون العقل القاضي بالسير التكاملي في الإنسان، و هذا أمر طبيعي حتى بالنسبة إلى القوانين الوضعية.
الرابع: يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: فِي بُطُونِهِمْ ناراً اضطراب قلوبهم في الدنيا بما ارتكبوه من كتمان الحق بعد ما عرفوه فكانوا مخلدين في عذاب الضمير في هذه الدنيا و في البرزخ.
الخامس: لا منافاة بين هذه الآية المباركة أي: وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و الآية التي تدل على سؤال الناس أجمعين يوم القيامة قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [سورة الحجر، الآية: 92] لإمكان اختلاف الجهة إما ان يراد بالمنفي كلام التلطف و العناية و بالمثبت السؤال عن جرائم ما فعلوه، أو للتوبيخ و الإهانة، أو يراد اختلاف المواقف و المقامات، لأن ليوم القيامة مواقف كثيرة.

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جل: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال (عليه السلام): «ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيّرهم إلى النار» و رواه العياشي في التفسير.
و في تفسير القمي في تفسير الآية المباركة فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: «يعني ما أجرأهم على النار».
و روي عن الصادق (عليه السلام): «ما أعملهم بأعمال أهل النار».
أقول: هذه الروايات قريبة المعاني و من باب ذكر السبب و ارادة المسبب، و الاجتراء على السبب الذي يوجب الدخول في النار اجتراء على النار لا محالة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"