1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 153 الى 157

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (۱٥۳) وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (۱٥٤) وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (۱٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (۱٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (۱٥۷)


الآيات متسقة منتظمة كلها وردت في سبيل استكمال الإنسان. و لذّة النداء و الخطاب في أولها نرفع عن العبد ثقل التكليف. و قد بيّن سبحانه و تعالى فيها أن الإنسان في طريق استكماله و إشاعة الحق و مقارعة الباطل‏ يقترن بأنحاء من البلاء و المحن في الأنفس و الأموال و لا يمكن التغلب عليها إلّا بالصبر و التوجه إليه تعالى في كل أمر. و قد لطف سبحانه و تعالى على عبيده بما يهون عليهم احتمال المكاره و يخفف عنهم عظم المصاب بما أعده سبحانه للصابرين من البشارة العظمى، و لمن قتل في سبيله الأجر الجزيل. و لا يسعنا في ذلك إلّا أن نقول بما قاله الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في صحيفته: «و لو دل مخلوق مخلوقا من نفسه على مثل الذي دللت عليه عبادك منك كان موصوفا بالإحسان و منعوتا بالامتنان و محمودا بكل لسان» فهذه الآيات تكفي في عظمة الموحي و الموحى إليه و الوحي لكل من كان له سمع أو ألقى السمع و هو شهيد.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. قد ورد هذا الخطاب في القرآن الكريم في ما يقرب من تسعين موردا و فيه من التحبب و الملاطفة مع عبيده ما لا يخفى، و المنساق من سياقه تلبس المخاطب بالإيمان في الجملة، و هو يقتضي أن يكون الخطاب مدنيّا لا مكّيا. و تقدم ما يتعلق به في الآية- ۱۰٤من هذه السورة فراجع.
قوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ. الصبر هنا مقاومة النفس مع ما يرد عليها من المكاره و الأذى. و حذف متعلقه يفيد العموم- كما هو المعروف في العلوم الأدبية- أي استعينوا بالصبر في جميع أموركم فإنه مفتاح النجاح، و هو في كل شي‏ء حسن، و لا يتعلق بشي‏ء إلّا و صار محبوبا، فهو أمّ الفضائل و الجامع لجميع جهات استكمال الإنسان إذا كان الصابر مراعيا لتكاليف المولى.
و الاستعانة بالصبر استعانة بأهم الأسباب المؤدية إلى المطلوب و أعظم السبل في نيل المقصود، و الحاجة إليه في تأييد الحق و مقارعة الباطل و احتمال المصائب معلوم لكل احد، و آثاره ظاهرة لكل فرد، و تقدم ما يتعلق به في الآية- ٤٥ من هذه السورة.
و أما الاستعانة بالصلاة فإنها استعانة بأبرز مظاهر العبودية لرب‏ العالمين، و أهم أبواب مناجاته تعالى، و الإستغاثة به عزّ و جلّ، لما تشتمل على عظيم الآثار، فإنها معراج المؤمن، و إنّها تنهى عن الفحشاء و المنكر، و بها يحصل للنفس سكونها و اطمينانها عن الحوادث الواردة عليها، لأن فيها ارتباط بعالم الغيب المحيط بهذا العالم- و الإنسان خلق من ذلك العالم فإذا طابقت سنخية الذات مع العمل يحصل الانقطاع عن العلائق و يشتد الارتباط مع رب الخلائق، فينتظم النظام على الوجه الأصلح.
و في الحديث: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا حزبه أمر- أي اشتد عليه- فزع إلى الصلاة» و تقدم نظير هذه الآية في هذه السورة آية- 45 إلّا أن في الأولى مدح سبحانه الصلاة و في هذه مدح الصبر و بشر الصابرين.
و الوجه في التكرار التأكيد على أهمية الصبر و الصّلاة في تنفيذ الأمور و تكميل النفوس و توطينها لاحتمال المكاره و تحصيل السعادة في الدارين.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. لفظ «مع» يأتي بمعنى الجمع و المصاحبة في الجملة، و يختلف اختلافا كبيرا بحسب الموارد و الخصوصيات، و يستعمل في الخالق و المخلوق، قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة، الآية: 123] و قال تعالى حكاية عن نوح: وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سورة الشعراء، الآية: 118].
و المعية نحو ارتباط حاصل تارة: بين الخالق و المخلوق حدوثا و بقاء، قال تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد، الآية: ٤] و يعبر عنها بالمعية القيّومية و تلازمها المعية الزمانية و المكانية و الجامع‏ ما ذكره علي (عليه السّلام): «مع كل شي‏ء لا بالمجانسة و غير كل شي‏ء لا بالمباينة».
و أما معية المخلوق مع خالقه فيعبر عنها بعبارات مختلفة، أولها العبودية و آخرها الفناء في اللّه تعالى و نتيجة الجميع البقاء باللّه تعالى.
و أخرى: تحصل من عونه و نصرته و توفيقه، و تسبيب أسباب الخير، و منها معيّته تعالى مع الصابرين و المتقين و الأنبياء و الصالحين، فتكون معيته تعالى لهم من جهتين جهة قيموميته تعالى، و جهة فعله و عنايته و نصرته لهم. و هناك معان أخرى للمعية تأتي في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. المراد من القول هو الأعم من الإعتقاد و التعبير بالألفاظ، فاستعمل في الجامع.
و القتل إزهاق الروح عن الجسد إذا لوحظ فيه الإضافة إلى الفاعل. و أما إذا لوحظ فيه الإضافة الى المقتول فيصح التعبير عنه بالموت أيضا. هذا بحسب الشايع المتعارف و إلّا فيصح إطلاق القتل بالنسبة إلى الجنين الذي لم تتعلق به الروح بعد كما ورد في بعض أحاديث دية الجنين.
كما لا يختص بإزهاق روح الإنسان بل يشمل الحيوان أيضا قال تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ [سورة المائدة، الآية: 2] و النصوص في هذا الإطلاق مستفيضة من الفريقين.
بل يطلق القتل على إزالة المعارف الحقة عن النفوس المستعدة أو دفعها عنها. فإنّ من تسبب في جهل الناس بالمعارف الإلهية فقد قتلهم شر قتلة لأنه أزال حياتهم الأبدية السرمدية كما يأتي التفصيل.
و قد ذكر القتل هنا بهيئة المضارع، و في قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا [سورة آل عمران، الآية: ۱٦۹] بهيئة الماضي، و لا فرق بينهما من هذه الجهة، لما ذكرناه من القاعدة الكلية المؤيدة بالدليل العقلي بانسلاخ الأفعال عن الزمان بحسب ذاتها و الخصوصيات الزمانية تستفاد من القرائن الخارجية.
و السبيل هو الطريق الذي فيه السهولة، و يستعمل في كل ما يتسبب به إلى المطلوب- خيرا كان أو شرا- قال تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [سورة الأعراف، الآية: ۱٦٤].
و قد ذكرت جملة «سبيل اللّه» في القرآن الكريم ما يزيد على ستين موردا و هو يدل على سعته و شموله و عظمته و أهميته، و تقدم الفرق بينه و بين الصراط في سورة الحمد عند قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ و قد ذكر في القرآن الكريم و السنة المقدسة بعض المصاديق: مثل بذل النفس في إحياء كلمة التوحيد و تأييد الحق و قمع الباطل، و بذل المال للضعفاء، و إفشاء الأخلاق الحسنة بين النّاس، و خدمة الوالد، و صلة الأرحام، و إغاثة اللهفان، و عون الضعيف و غير ذلك مما لا حد له و لا حصر، و تقدم قول: «إن الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق».
و المراد به في المقام الجهاد لإعلاء التوحيد و نصرة الحق و مقارعة الباطل و قمعه.
و ذكر القتل في سبيل اللّه بعد قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ من باب ذكر أهم الأفراد و أعظم الأمور الّتي لا بد من الاستعانة بالصبر فيها، يعني: إن اللّه تعالى مع كل صابر خصوصا هذا القسم من الصابرين فإنه آخر درجة التصبر و الاصطبار، فيمنحهم اللّه تعالى المعونة و الأجر الجزيل.
قوله تعالى: أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ. أي: لا تقولوا: في شأن من قتل في سبيل اللّه أنهم أموات مفقودون عن الحس ذهبوا الى دار الفناء بل هم أحياء حياة أبدية و لكن لا تشعرون بها، لأن حياتهم في غير هذا العالم المحسوس المدرك بالمشاعر.
و المراد بالحياة هنا الأعم من الحياة في عالم البرزخ و الحياة الحقيقية لأجل إحياء الدين، و الحياة في الذكر و اللسان،
نظير ما ورد عن علي (عليه السّلام): «هلك خزان المال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة»
و هو من باب ذكر بعض الأفراد الذي يبقى لا من باب الحصر.
و قد ذكر المفسرون في معنى الحياة هنا ما لا يرجع إلى محصّل كما يأتي تفصيل الكلام فيها.

و الحياة على أقسام:
الأول: الحياة الدنيوية الظاهرية المتقومة بتدبير النفس في البدن و إعمالها للقوى الظاهرية و الباطنية في الجسم الدنيوي فقط.
الثاني: الحياة الذكرى عند النّاس بعد ارتحال النفس عن البدن كما في العظماء و الأكابر الذين خلدت أسماؤهم في التاريخ تعظيما لجهودهم في‏ العلم و الأعمال الخيرية الصادرة منهم في حياتهم.
الثالث: الحياة الأبدية الخالدة التي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى.
و ظاهر الآية المباركة و النصوص الواردة في حياة المقتول في سبيل اللّه هو القسم الأخير، لفرض أنّه بذل نفسه و نفيسه في سبيل الحي القيوم الأزلي الأبدي طلبا لرضائه و امتثال أمره، و لا تحديد في هذه الحياة كما بالنسبة إلى القسمين المتقدمين. و تتبع هذه الحياة الحياة بالمعنى الثاني، فما عن بعض المفسرين من أنّ المراد خصوص القسم الثاني فقط تخصيص للعموم بدون وجه.
إن قيل: مثل هذه الحياة ثابتة لكل فرد من أفراد المؤمنين و معلومة لهم، فلا وجه لتخصيصها بالشهيد.
يقال: إنّ أصل الحياة بعد الموت و إن كانت ثابتة للمؤمنين و معلومة لهم، لكن المستفاد من مجموع الآيات الشريفة و النصوص الواردة في حياة الشهيد أن فيها مزايا خاصة فوق أصل الحياة بمراتب كثيرة كما يدل عليها قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران، الآية: ۱٦۹].
و الخطاب في الآية عام لا يختص بطائفة خاصة لا المشافهين و لا غيرهم لما ثبت في علم الأصول من أن الخطابات الواردة في الشريعة المقدسة- خصوصا ما ورد منها في القرآن الكريم- من قبيل القضايا الطبيعية الشاملة لجميع الأفراد.
فمن قال باختصاص الخطاب في المقام و في قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران، الآية: ۱٦۹] بطائفة خاصة.
لا وجه له إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لطريقة العرف و العقلاء في محاوراتهم و لا سيما هذا الخطاب الوارد في مقام الترحم على العباد و الترأف بهم.
و القتل في سبيل اللّه تعالى هو الشهادة في سبيله تعالى: و الشهيد مشتق‏ منها الا أنّ الأول باعتبار أصل الحدوث و الثاني باعتبار الثبوت و الشهيد من أسماء اللّه تعالى و هو بمعنى الحضور الفعلي بالنسبة إلى جميع ما سواه، و لعل اطلاق الشهيد على من قتل في سبيل اللّه تعالى إنما هو لأجل حضوره لديه عزّ و جل متلبسا بما عاناه من الصعاب و الاضطهاد، أو حضور الملائكة لديه مبشرين له بأعلى المقامات و ارفع الدرجات التي أعدت له، و يصح الحمل على المعنى العام أي حضوره لديه للانتصار و حضور الملائكة لديه لبشارته بالجزاء، و المراد من حضوره تعالى هو توجهه الخاص به.
فالشهادة هي السفر من الخلق إلى الحق و لا تختص بخصوص من بذل دمه في سبيل اللّه بل تشمل كل من تحمل الأذية مطلقا في سبيله عزّ و جلّ،
و في جملة من الأحاديث: «المؤمن شهيد و لو مات في فراشه» إلّا أن للشهيد الذي بذل دمه له أحكاما خاصة و يأتي تتمة الكلام في الآيات المناسبة.
و الآية تدل على تجرد النفس و هو حق لا ريب فيه كما ثبت بالأدلة الكثيرة و هو المستفاد من الكتب السماوية و القرآن المبين و النصوص المتواترة من السنّة الشريفة و يأتي في البحث الفلسفي تفصيل الكلام فيه.
قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ. مادة (بلا) تأتي بمعنى الامتحان و الاختبار و تقدم ما يتعلق بها في قوله تعالى: وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [سورة البقرة، الآية: ۱۲٤].
و الشي‏ء من الألفاظ العامة الشاملة للقليل و الكثير، و الجواهر و الأعراض.
و الخوف توقع المكروه- مظنونا كان او معلوما- بعكس الرجاء فإنه توقع المحبوب كذلك.
و المعنى: لنمتحنكم بشي‏ء من الخوف من العدو أو بشي‏ء من الجوع.
و لم يذكر سبحانه و تعالى متعلق الامتحان و لا مورد الخوف و الجوع تعميما للاختبار و الامتحان في كل زمان و مكان و بالنسبة الى كل شخص. و لهما مراتب كثيرة يحتمل أن يكون الامتحان بالنسبة الى كل مرتبة بما تقتضيه المصلحة الإلهية.
قوله تعالى: وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ. النقص يأتي بمعنى الخسران و هو في مقابل التمام. و المراد من الأموال الأعم من الأعيان و المنافع و ما يهتم الإنسان بحفظه فيشمل الحيوان و العبيد و كل ما يبذل بإزائه المال.
كما أنّ المراد بالأنفس كل ما يتأثر الإنسان بفقده و ورود النقص عليه- سواء كان من النقص في قوى النفس أو عروض الموت عليها- فيشمل النفس و الأقارب و الأصدقاء.
و الثمرات جمع ثمرة و هي و إن كانت داخلة في الأموال غالبا لكن أفردها سبحانه و تعالى لتشمل ما ينبت في الأرض بالطبيعة مما لا مالك لها فعلا و ينتفع بها الإنسان كالمرعى و جملة كثيرة من النباتات التي لها منافع هامة للإنسان و تكون غذاء للحيوان.
و يصح أن يراد بالثمرات مضافا إلى ما ذكرناه ثمرات القلوب أيضا و هي الأولاد كما يعبر عنهم بها كثيرا و في الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا مات ولد العبد قال اللّه تعالى للملائكة: أ قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أ قبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول اللّه تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك و استرجع، فيقول اللّه تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة، و سموه بيت الحمد».
و الآية تشير الى ملازمة ما تقدم من الأمور لدار الدنيا المعبّر عنها في الفلسفة ب (دار الكون و الفساد). كما أنها تفيد بأن الإيمان باللّه تعالى لا يقتضي سعة الرزق و دفع الآلام و رفع المخاوف بل إن ذلك يجري حسب قانون السببية و ما سنّه اللّه تعالى في عباده و إنما يجريها حسب المصالح و الحكم و لذا نرى أنّ المؤمن يرى من البلاء ما لا يراه غيره ليعلم مقدار صبره أو يكمل إيمانه بها و يتهذب بالأخلاق الفاضلة.
ثم إنّ اختبار النّاس من قبله تبارك و تعالى إنما يكون لأجل حكم و مصالح متعددة منها: توطين النفس على المصائب، و تهذيب الأنفس و تكميلها، و التأدب بمقاومة الحالات، و إتمام الحجة، و التمييز بين الصابر و غيره، و قوة البصيرة، و صفاء السريرة، و تعلّم اللاحقين من السابقين كيفية مجاهداتهم و استقامتهم في الدين و ما يترتب على ذلك من البشارة العظمى و الأجر الجزيل كما في ذيل الآية الشريفة.
و لا أثر لهذا الامتحان بالنسبة إلى علمه عزّ و جلّ فإن النّاس قبل الامتحان و بعده في علمه التام الأزلي على حد سواء.
و لأجل ذلك لا يختص الاختبار ببعض الأفراد دون بعض بل يشمل جميع أفراد الإنسان حتّى الأنبياء و الأولياء بل نقول إن ذلك من سنن الحياة الإنسانية.
نعم، تارة: يكون الامتحان لإتمام الحجة على نفس الممتحن (بالفتح) كما مر و هذا هو القسم الشايع و أخرى: يكون لأجل إتمام الحجة على النّاس بأن هذا الشخص خرج عن الامتحان و قابل للنبوة و الإمامة كما بالنسبة إلى إبراهيم (عليه السّلام)، و أما بالنسبة إلى سيد الأنبياء فإنه حاز مرتبة الجمع و يجل عن ذلك فانه (صلّى اللّه عليه و آله) أول الخلق كان كاملا و مكملا، و ان «آدم و من دونه تحت لوائه يوم القيامة»، و لو كان عيسى و موسى (عليهما السّلام) حين لم يسعهما إلّا إتباعه كما ورد في الحديث، و روى الفريقان إنه قال: «لي مع اللّه حالات لا يسعني فيها ملك مقرب و لا نبي مرسل» و على فرض وقوع الامتحان فإنما يكون لتثبيت علو مقامه عند النّاس كما عرفت آنفا.
قوله تعالى: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ. أي: و بشر الصابرين على تلك المصائب الذين رضوا بقضاء اللّه تعالى و قدره و سلموا أمورهم إليه و لم تصدهم المحن و المصائب عن شكر اللّه تعالى و لا عن عبادته و طاعته.
و إنما اطلق سبحانه و تعالى البشارة لعدم إمكان تحديد المبشر به بحد معين، فإنه يختلف باختلاف مراتب الصبر و الرضاء، و المناط هو أهلية الصابر لتحمل البلاء و المحن خصوصا إذا اقترن مع الرضا و التسليم فإنه يكون حينئذ من أعلى الفضائل و أسناها كما قال عزّ و جلّ.
قوله تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ‏ راجِعُونَ. مادة (ص و ب) تستعمل في كل ما يصيب الإنسان من الخير و الشر قال تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ [سورة التوبة، الآية: ٥۰] و قال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [سورة النساء، الآية: 79].
و استعملت المصيبة في كل ما يؤذي الإنسان في نفس، أو مال أو أهل.
و لكن اختصت عند العرف بالنائبة فقط. و في نصوص كثيرة أن كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة حتّى انقطاع شسع نعله، و الشوكة تدخل في بدنه، فتكون المصيبة في الشريعة بمعناها في اللغة من مطلق الإصابة.
و الرجوع و العود بمعنى مصير الشي‏ء إلى ما كان عليه أولا نظير قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [سورة الأعراف، الآية: 29].
أي: إنّ كل ما لنا من الحياة و النّعم هو من عند اللّه تعالى و ملك له، فهو اعتراف بالملكية له تعالى ذاتا و تدبيرا و تسليما و رضاء بقضائه و حكمته.
و قول إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار بالرجوع إليه تعالى و الجزاء على الأعمال. و فيه تسلية لكل مصاب و مظلوم و توعيد لكل جائر و ظالم.
و المعنى: و بشر الصابرين الذين يقولون: إنّا للّه و إنا اليه راجعون المعبرين بلسان مقالهم عن الإيمان بالقضاء و القدر و التسليم لأمره.
و قول إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار بالمبدأ و المعاد للّه تعالى بالمطابقة، و حيث إنّ مبدأ الكل و مرجعهم يستلزم وحدة الذات و الفعل و الا لزم الخلف، فهذه الآية تدل على توحيد الذات و توحيد الفعل بالملازمة، و لعظمة هذه الجملة قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «أعطيت هذه الأمة شيئا لم يعطه الأنبياء قبلهم و هو إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و الرجوع إلى اللّه تعالى إما غير اختياري أو اختياري، و الأول هو المعاد الذي دلت عليه جميع الكتب السماوية خصوصا القرآن الكريم الذي أكد في هذا الموضوع تأكيدا بليغا. و هو من الموضوعات التي ينبغي التأكيد عليها لأن به يثبت المبدأ و وحدانيته و إذا ثبت المبدأ ثبت المعاد لا محالة.
و أما الثاني أي الرجوع الاختياري اليه عزّ و جلّ فهو أن يهيئ الإنسان نفسه للحضور لدى الحي القيوم العالم بالسرائر و الضمائر حضور مجازاة لما فعل و عمل لا مطلق الحضور إذ الجميع حاضر لديه تعالى بهذا النحو من الحضور.
و بعبارة أخرى: إن هبوط الإنسان من المحل الأرفع الأعلى الى الحضيض الأسفل لا يوجب أن ينسى الإنسان ما نزل منه و أن يتدنس بما وقع فيه، و لا بد له من التفكر بالعروج و الصعود و هذا هو الاسترجاع العملي و لا ينفع مجرد الاسترجاع القولي. و للاسترجاع العملي مراتب كثيرة و مقامات شريفة فصّلها العرفاء في كتبهم العرفانية.
قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ. بيان لبعض مراتب البشارة بعد ذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة.
و الصلاة هي التحية، و التزكية، و البركة و الثناء الجميل. و الجمع باعتبار الكثرة و التعدد من نوع واحد أو أنواع متعددة حسب مراتب المصيبة و شدتها.
و أما الرحمة فهي مطلق النعمة عاجلها أو آجلها. و إنما أتى بالجنس تعميما لكل رحمة يكون المورد قابلا لها في العاجل و هي حسن العزاء و التوفيق.
للرضا و التسليم بالقضاء، و في الآجل من المغفرة و الأجر الجزيل، فهو تعالى رحيم بهم أي رحمة مما يجدون أثرها في هذه الدنيا و الآخرة.
قوله تعالى: وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. الاهتداء إصابة طريق الحق في الدنيا، و الجنّة في العقبى فهم المستعدون لنيل سعادة الدارين. و لا ريب في تحقق الاهتداء في الاسترجاع القلبي العملي.
و إتيان الجملة الاسمية المعرّفة الطرفين، و التأكيد بضمير المنفصل يؤكد أن هذه الأوصاف لا تكون إلّا في من صبر و سلّم الأمر إلى اللّه تعالى و اعترفوا بأنّهم للّه و أنهم اليه راجعون.

تدل الآيات المباركة على أمور:
الأول: إنّ الآيات المتقدمة و ما في سياقها تستنهض النّاس على المجاهدة في سبيل اللّه تعالى، بلا فرق بين ان تكون المجاهدة في قتل الكافرين و المعاندين للحق، أو المجاهدة في تهذيب النفس و تزكيتها بمكارم الأخلاق و ترويضها بصالح الأعمال؛ و يسمى هذا بالجهاد الأكبر كما ورد في الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله). أو المجاهدة في تحصيل المعارف الإلهية فإنها أعظم سبل اللّه تعالى و الجهاد فيه يربو على أجر الشهيد، ففي الحديث: «إذا كان يوم القيامة يوزن مداد العلماء على دماء الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» أو المجاهدة في السعي في قضاء حوائج المؤمنين و غير ذلك مما يسمى بالجهاد في الشريعة المقدسة، فإن سبيل اللّه له مراتب كثيرة و جوانب متعددة و المجاهدة فيه أيضا كذلك.
الثاني: إنّ الآيات تدل على وجود عالم البرزخ و قد اثبته الفلاسفة ببراهين عقلية و تدل عليه آيات و روايات كثيرة و هو عالم وسيع جدا يتحقق من بعد الموت إلى البعث قال تعالى: وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [سورة المؤمنون، الآية: 100] و لهذا العالم تفاصيل كثيرة لعلنا نتعرض للمهم منها في الموضع المناسب.
الثالث: استدلوا بهذه الآيات على تجرد النفس- كما سيأتي بيانه و التجرد و إن كان حقا في الجملة و العلم به حاليا أولى بأن يكون علما استدلاليا مقاليا.
إلّا أنّ هذه الآيات بمعزل عن الدلالة على تجرد الروح فإنها لا تنافي كونها جسما لطيفا الطف من الهواء، و مع الاختلاف العظيم الذي وقع من العلماء في شرح حقيقة الروح كيف يمكن الجزم بتجردها أو الجزم بشي‏ء آخر؟! و سيأتي الكلام في الروح إن شاء اللّه تعالى.
الرابع: المراد بحياة الشهداء في سبيل اللّه تعالى الحياة الكريمة الدائمية الأبدية التي هي في جوار اللّه تعالى من أول مفارقة أرواحهم لا خصوص الحياة البرزخية فانها تعم الجميع حتّى الكفار و المنافقين، و لا الحياة الذكرى فانها أيضا قد تكون لغير الشهيد و يصح إرادة الجميع كما تقدم ما يدل عليه.
الخامس: لم يذكر متعلق البشارة في قوله تعالى: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ ليفيد العموم- كما هو المشهور بين علماء الأدب- و تعظيما للمبشر به. فكل شي‏ء يذكر فيه يكون تحديدا بلا دليل و هي لا تختص بالمقامات الأخروية بل تعم الجميع و لا يصل إليها أحد إلّا بالصبر.
السادس: يستفاد من حرف القسم و التأكيد في قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ أنّ الإنسان لا ينفك عن المصائب و البلايا و هي إما نوعية أو شخصية و كل منهما إما جسمية أو روحية أو هما معا. و الدنيا لا تخلو عنها أبدا و هي من لوازم وجودها بل من لازم ذاتها و قد عرّفها علي (عليه السّلام) في خطبه المباركة بأحسن بيان. و يختلف أجر الصابر باختلاف المصائب و اختلاف المصابين فإما أن تكون المصائب لحبط السيئات أو لرفع الدرجات أو التفضل بهما معا و ينطبق على كل بحسبه.
السابع: إنّ ذكر البشارة و تعيين المبشر به بالإجمال يدل على رفعة مقام الشهداء و الصابرين و علوّ درجتهم و ان لا يدنسوا هذا المقام الرفيع بحطام الدنيا فإن أجرهم معلوم، و هذا من قبيل تقديم ذكر الأجر قبل العمل الذي حثّ عليه الشرع المبين.
الثامن: إنّما ذكر سبحانه الاستعانة بالصبر و الصّلاة لأنهما أقوى سبب في تكميل النفس ثم بين أنه تعالى مع الصابرين ترغيبا لهم و تخفيفا من معاناة الصبر لكثرة مرارته، ثم عقب سبحانه بعد ذلك الجهاد في سبيله لكونه من أجلّ المقامات و ارفعها ثم ذكر الابتلاء و الامتحان لأنهما مما يوجب الثبات و الاطمئنان في تحصيل الكمالات المعنوية، ثم ذكر بعض ما يفيضه على الممتحنين من أنحاء العطف و الرحمة كل ذلك مقدمة لما يأتي في الآيات‏ اللاحقة من تشريع الأحكام الإلهية التي يكون إتيانها و الخروج عن عهدتها من الجهاد الأكبر، فالآيات على اختصارها ترغّب النفوس إلى تحمل المتاعب سواء في مقارعة الباطل و إعلان الحق او في إتيان التكاليف الإلهية؛ و كل ذلك يدل على أن في تحصيل الكمال الأبدي لا بد من بذل الوسع و تحمل المشاق.

في تفسير العياشي عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «يا فضيل بلّغ من لقيت من موالينا عنّا السّلام، و قل لهم: إني لا أغني عنكم من اللّه شيئا إلّا بورع، فاحفظوا ألسنتكم، و كفوا أيديكم، و عليكم بالصبر و الصّلاة إن اللّه مع الصابرين».
أقول: في سياق ذلك روايات متواترة أخرى‏ فعن أبي جعفر (عليه السّلام) في الصحيح: «لا تتهاون بصلاتك فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته لا يرد عليّ الحوض لا و اللّه»، و عن الصادق (عليه السّلام) حين حضرته الوفاة: «إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصّلاة».
و قد قطع أبو جعفر (عليه السّلام) بقوله هذا أمل كل مؤمل فيهم، و انه لا يفيد الشخص إلّا الورع عن محارم اللّه تعالى، و ذكر (عليه السّلام) بعض أفراد العمل الصالح. و إنما خص (عليه السّلام) الصبر و الصّلاة لكون الأول من أهم موجبات الورع، و الثانية من أهم ما يوجب التوفيق للعمل الصالح و ترك المحارم.
في الكافي عن ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ قال: «الصبر الصيام، و قال إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم فإن اللّه عزّ و جلّ يقول و استعينوا بالصبر يعني الصيام».
أقول: إنّه من باب التطبيق لأنّ الصوم يوجب الصبر عن الشهوات النفسانية، فلا منافاة بين هذا الحديث و سائر ما ورد في معنى الصبر.
في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كان علي (عليه السلام) إذا أهاله شي‏ء قام إلى الصّلاة، ثم تلا هذه الآية: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ أقول: إنّه يستفاد منه أهمية الصّلاة لدفع المكاره و رفع الشدائد.
في الكافي و التهذيب عن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) «قال له: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟ قال: يقولون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش فقال (عليه السلام): سبحان اللّه المؤمن أكرم على اللّه من ان يجعل روحه في حوصلة طير- إلى أن قال (عليه السلام)- إذا قبضه اللّه تعالى صيّر تلك الرّوح في قالب كقالبه في الدنيا. فيأكلون و يشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا».
أقول: هذا الحديث ورد في بيان حياة البرزخ و سوف نفصل الكلام في الحياة البرزخية و لوازمها و ما يتعلق بها في محله إن شاء اللّه تعالى.
و الجزء الأول من الحديث قد نسب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قد نفاه الإمام (عليه السلام) و هو حق لأنه لو لم يكن من التناسخ الباطل لكان نظيره و اللّه تعالى أقدر من أن يجعل بدنا مثاليا لكل إنسان في عالم البرزخ من ان يجعل له بدنا من الحيوان.
و في التهذيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انه سئل عن أرواح المؤمنين؟ فقال: في الجنّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان».
أقول: لكل بدن نشئات هو في جميعها واحد منها نشأة الدنيا، و منها نشأة النوم في عالم الدنيا، فإذا رأينا زيدا في الخارج ثم رأيناه في عالم النوم فهما واحد بلا إشكال، و منها نشأة البرزخ؛ فيكون البدن المثالي في عالم البرزخ كالبدن المثالي في عالم النوم، و منها نشأة الحشر و البعث و هو عين البدن الدنيوي كما سنبينه في مباحث المعاد.
و لا اختصاص لوجود البدن في هذه النشآت بطائفة دون أخرى: نعم الشهداء متنعمون في أبدانهم البرزخية، و في عالم الحشر بنعمة فاقت على‏ نعم غيرهم حتّى ورد في نصوص كثيرة أنهم يحشرون على نحو ما استشهدوا أو قتلوا.
و عن ابن بابويه عن محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ قبل قيام القائم علامات تكون من اللّه للمؤمنين قلت و ما هي جعلني اللّه فداك؟ قال (عليه السلام): يقول اللّه عزّ و جل: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني المؤمنين قبل خروج القائم بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ قال نبلوهم بشي‏ء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، و الجوع بغلاء أسعارهم، و نقص من الأموال قال: كساد التجارات و قلة الفضل. و نقص من الأنفس قال: موت ذريع. و نقص من الثمرات، قال قلة ربح ما يزرع. و بشر الصابرين عند ذلك بتعجيل الفرج. ثم قال لي: يا محمد هذا تأويله إن اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
أقول: أما قيام القائم (عليه السلام) فأصله مسلّم بين جميع المسلمين بل بين المليين، و اتفاق الجميع على أنه لا بد و أن يظهر مصلح بين النّاس إنما الاختلاف في المصداق.
و قبل القائم أمر إضافي يشمل القريب بقيامه و البعيد عنه. كما أن ما ورد في علامات الظهور موكول إلى مشيئة اللّه تعالى و ليست كلها حتمية يمكن ان لا يظهر جملة كثيرة منها، و يمكن ان يظهر جملة منها و لم يأذن اللّه تبارك و تعالى بظهوره (عليه السلام) و هذا التفصيل موكول إلى الكتب المعدة لذلك و الروايات الواردة فيها.
و على أي تقدير ما ورد في الحديث من باب التطبيق و لذا عبر (عليه السلام) بقوله: «هذا تأويله».
عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جل: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ أي: بالجنّة و المغفرة.
أقول: هذا بيان لبعض مراتب المبشر به و درجات البشارة في الجملة لا بالنسبة إلى جميع مراتبها، فإن للصبر مراتب و متعلقه أيضا كذلك، و لا ريب‏ في أنّ بعض مراتبه أشد من مرتبته الأخرى، فلا يعقل تسوية المبشر به بالنسبة إلى الجميع و تقدم في تفسير الآية ما يتعلق بالمقام.
و عن الباقر (عليه السلام) قال: «أتى رجل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إنّي راغب نشيط في الجهاد قال: فجاهد في سبيل اللّه عزّ و جل فانك إن تقتل كنت حيا عند اللّه مرزوقا، و إن مت فقد وقع أجرك على اللّه».
أقول: لا فرق بين الشهادة و الموت إذا لوحظ بالنسبة إلى ذات انفصال الروح عن البدن، فإنه في كل منهما واحد و إنما الشهادة بالنسبة إلى القتل في سبيل اللّه و الموت بالنسبة إلى غيره، ممن يخرج في سبيل اللّه فان مات في الطريق فهو في حكم الشهيد، و ان قتل بيد العدو فهو شهيد حينئذ و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و ان مت فقد وقع أجرك على اللّه» تطبيق للآية الشريفة: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [سورة النساء، الآية: 100].
في المجمع عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته و أحسن عقباه، و جعل له خلفا صالحا يرضاه. و قال (صلّى اللّه عليه و آله): من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا و إن تقادم عهدها كتب اللّه له الأجر مثله يوم أصيب».
أقول: هذا الحديث يبين بعض ما قاله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ.
و في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام): «ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكره المصيبة و يصبر حين تفجعه إلّا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و كلما ذكر مصيبته فاسترجع عند ذكره المصيبة غفر اللّه له كل ذنب اكتسب فيما بينهما».
أقول: ترتب الثواب على الاسترجاع، لأنه اعتراف بالتوحيد الذاتي و التوحيد الفعلي، و اعتراف بالمبدأ و المعاد. فهذه الكلمة جامعة لجملة كثيرة من المعارف الإسلامية، و قد ورد في بعض الأحاديث أنها من خواص هذه الأمة كما تقدم.
في الخصال «أربعة من كنّ فيه كان في نور اللّه الأعظم: من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه، و من إذا أصابته مصيبة قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و من إذا أصاب خيرا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، و من إذا أصاب خطيئة قال: استغفر اللّه و أتوب إليه».
أقول: المراد بنور اللّه الأعظم رحمته الواسعة، و هدايته الكاملة إلى المعارف الإلهية، و ذلك لأن هذه الكلمات جامعة لجميع ذلك بنحو الإجمال.
و في الكافي عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال اللّه عزّ و جل إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا [فيضا] فمن أقرضني فيها قرضا أعطيته بكل واحدة [منهنّ‏] عشرا إلى سبعمائة ضعف، و ما شئت من ذلك و من لم يقرضني منها قرضا و أخذت منه شيئا قسرا أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهنّ ملائكتي لرضوا بها مني، قال: ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قول اللّه عزّ و جل: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ فهذه واحدة من ثلاث خصال و رحمة من اثنتين، و أولئك هم المهتدون ثلاث. ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هذا لمن أخذ اللّه منه شيئا قسرا».
أقول: يدل على الجزء الأول من الحديث قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سورة البقرة، الآية: ۲٤٥]؛ و قوله تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [سورة التغابن، الآية: 17].
و أما قوله (عليه السلام): «و أخذت منه شيئا قسرا» أي جبرا و كرها فهو بالنسبة إلى عامة النّاس، و أما بالنسبة إلى أولياء اللّه تعالى فلا يتصور القسر بالنسبة إليهم لأنّهم في مقام التسليم و الرضا بأمره تعالى.
و في نهج البلاغة قال علي (عليه السلام) و قد سمع رجلا يقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»: «يا هذا إن قولنا: إنّا للّه إقرار على أنفسنا بالملك. و قولنا: إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. اقرار على أنفسنا بالهلاك».
أقول: يستفاد منه ان هذه الجملة المباركة تشتمل على الاعتراف بالمبدأ و المعاد اللذين هما أساس دعوة الأنبياء و الكتب النازلة من السماء.
و أمثال هذه الروايات كثيرة جدا.
و في المعاني عن الصادق (عليه السلام): «الصّلاة من اللّه رحمة، و من الملائكة تزكية، و من النّاس دعاء».
أقول: قريب منه روايات أخرى، و يمكن إرجاع الجميع إلى شي‏ء واحد و هو الميل و العطف و لكنه يختلف باختلاف الموارد.

البحث عن النفس من المباحث المهمة لتعدد الجوانب فيها فقد بحث عنها في الفلسفة القديمة و الحديثة كما بحث عنها في علم الأخلاق و علمي الحديث و التفسير، و العرفان، كما بحث عنها في علم الأحياء و أخيرا أفرد لها علم مستقل يعرف باسمها يبحث فيه عن معرفة النفس الإنسانية و طبيعتها و عوارضها و عملها و أمراضها و وضعوا فيها نظريات و قوانين.
و لقد حاول العلماء التوصل إلى طبيعة هذا المخلوق العجيب و معرفة المسائل التي تتعلق بها لعلهم يجدوا حلا للشبهات التي قد تنشأ من التفكر فيها إلّا أنهم اعترفوا بعد طول الجهد بالعجز عن الكثير و إن أمكنهم الكشف عن بعض الجوانب و لكنه لا يغني عما يستجد من المشاكل فضلا عن ما ذكرناه فالحقيقة بعد تحت الحجاب، و في ذلك تنبيه الإنسان على أنه إذا عجز عن فهم حقيقة ما هو أقرب الأشياء اليه فكيف يطمع بالإحاطة بحقيقة ما اعترفت العقول بالعجز عنه و الخضوع امام عظمته.
و السبب في ذلك ان النفس- أو الروح- من عالم الغيب الذي لا يحيط به إلّا اللّه عزّ و جل، لتحقق الإضافة التشريفية فيها بما لا نهاية له بوجه من الوجوه قال تعالى: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [سورة الشمس، الآية: 8] و قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: ۸٥]، و قال جلّ شأنه: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [سورة الحجر، الآية: 29] و لأجل هذه الإضافة صارت من الغيب الذي لا يحيط به إلّا اللّه عزّ و جل أو من كشف عن بصيرته الستار فيرى أنوارا من المعارف لا يعلم مراتب رفعتها و أنواع أشعتها الا اللّه تعالى.
و نحن نذكر في المقام جانبا من تلك الجوانب و هو البحث عن تجرد النفس. و نتعرض للبقية في المواضع المناسبة إن شاء اللّه تعالى. و تمهيدا للبحث في الموضوع لا بأس بذكر ما يتعلق بالمراد من (النفس) و موقعها من الموجودات.

لو نظرنا إلى ذات الموجود من حيث هو فانه ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: أن لا يكون محتاجا إلى المادة مطلقا- لا في ذاته و لا في فعله- بل يكون منزها عنها مطلقا، و هذا القسم منحصر في اللّه تعالى الذي هو خالق الخلق جميعا من مجرداتها و مادياتها.
الثاني: أن يكون محتاجا إلى المادة في الذات و الفعل معا، و هو عالم الماديات المحضة التي تكون ذاتها من المادة و فعلها بها و فيها أيضا.
الثالث: أن لا يكون في ذاته محتاجا إلى المادة و لكن في فعله يحتاج إليها و هو النفوس مطلقا- نباتية كانت أو حيوانية أو إنسانية أو فلكية- المتعلقة بجسم الأفلاك، لا الساكنة فيها كالأملاك.
الرابع: أن يكون في ذاته محتاجا إلى المادة دون فعله و هذا باطل بالضرورة كما هو معلوم.
كما ينقسم الموجود باعتبار آخر إلى اربعة أقسام أخرى:
الأول: أن لا يكون له حدوث أبدا بل يمتنع عليه ذلك، فيكون أبديا سرمديا من ذاته بذاته، و هو منحصر في اللّه عزّ و جل.
الثاني: أن يكون جسمانيا في الحدوث روحانيا في البقاء، فيكون إبداعا إليها في الجسم بنحو ما جرت عليه إرادته البالغة التامة كالنفس، فهي‏ من جهة كثمرات الأشجار و أوراد النباتات و جمال كل جميل، و حسن كل حسن و غير ذلك مما هو من بدايع اللّه تعالى و ودائعه في الطبيعة، و الأعمال القريبة إلى الإنسان التي تفعلها النفس من هذا القسم أيضا فإنها جسمانية الحدوث روحانية البقاء، لبقائها ببقاء اللّه تعالى و عدم نفاذها و قد أشتهر بين الفلاسفة: «أن النفوس الناطقة جسمانية الحدوث روحانية البقاء».
الثالث: أن يكون روحاني الحدوث و روحاني البقاء كالروحانيين و الأملاك الذين هم سكنة الأفلاك المسيطرون على السفليات بإذن خالق البريات.
الرابع: أن يكون روحاني الحدوث جسماني البقاء كالملك إذا ظهر في صورة جسم، و قد مر في الحجر الأسود من أنه كان ملكا ثم صار حجرا فراجع الآية 137 من هذه السورة.
إذا عرفت ذلك يتبين موقع النفس من هذه الموجودات، فهي الموجود الذي يحتاج في فعله إلى المادة دون ذاته فلا يمكن استقلالها عن الجسد في العمل الذي يكون جسماني الحدوث، لأن حدوثها بحدوث الجسم و قبله لا يكون شيئا؛ و روحاني البقاء لبقائها بعد فناء الجسد. و قد عبر بعض الفلاسفة المحدثين (هيغل) عن النفس بأنّها أدنى تجل حسّي للروح في علاقتها بالمادة، أي: حساسة و فاعلة.

النفس في اللغة تأتي بمعنى الذات و الشخص، و هي مشتقة من (النّفس) الذي هو بمعنى نسيم الهواء؛ و به تتعلق حياة الإنسان فالنفس ما تقوم به الحياة، و لذا سمي الدم (نفسا) في اللغة و الشرع كما ورد في أحاديث حيوان ذي النفس السائلة، و لعل ذلك من باب إطلاق الحال على المحل، لأن حركة الدم في الجسم منشأ لحصول الروح البخاري، و هي مورد تعلق النفس الحيواني. فالنفس هي ما تتقوم به الحياة و بها يتميز الكائن الحي مما لا حياة فيه. و هي بهذا المعنى تكون مرادفة (للروح) فإن الروح إذا انقطعت عن الحيوان فارقته الحياة و كذلك النفس.
و كيف كان فهي ظاهرة عند كل فرد حي، و هي المعبر عنها ب (أنا) و قد عرّفها العلماء بتعاريف مختلفة يقصد منها تقريب المعنى إلى الذهن، فقد عرّفها بعض أكابر الفلاسفة في منظومته الفلسفية: و أنّها بحت وجود ظل حق عندي و ذا فوق التجرد انطلق‏ و عن العرفاء: أنها من مظاهر التجلي الإلهي، و هي جوهر مشرق للبدن.
و قال بعضهم: إنّها الجوهر البخاري اللطيف الذي هو منشأ الحياة و الحس و الحركة الإرادية. و يسميها أفلاطون بالفكرة الأبدية.
و أما عند الماديين فقد اتفقوا على أنها شي‏ء مادي يمكن أن تقع تحت تجربة؛ و لكنهم اختلفوا في طبيعتها فعن الماديين القدماء انها عمليات أولية فيزيقية كيماوية. و تعتبرها الشعوب البدائية ظل الشخص أو الدم، أو النّفس و نحو ذلك، و من هنا جاء المعنى اللغوي.
و هي عند الجدليين منهم ظواهر عقلية و تفاعلات مادية يمكن كشفها و فحصها بالتجربة و نحوها، و بعبارة أخرى هي صفة خاصة للمادة في تنظيمها الأعلى فلا يمكن لها التجرد عن الجسد أبدا، و هي بهذا المعنى تكون مرادفة للفكر و الإدراك و الذهن و العقل و نحو ذلك.
و لكن النفس عند المتدينين إنها قوة لا مادية خالدة غير متجسدة قادرة على أن توجد في انفصال و استقلال عن الجسد في عالم آخر.
هذه كلمات القوم في تعريف النفس مع غض النظر عن المناقشات التي يمكن ان ترد عليها فان لها موضعا آخر. و قد ألّف المحقق الثاني كتابا في النفس و الروح في القرن العاشر الهجري سماه (الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس و الروح) و جمع الأقوال فيها و أنهاها إلى ما يقرب من أربعين قولا؛ و ان أمكن إرجاع بعضها إلى بعض فتصير الأقوال أقل لا محالة.
و المستفاد من الكتب السماوية و القرآن الكريم أن النفس شي‏ء فيها اقتضاء كل كمال معنوي من اللّه تعالى و كمال ظاهري بلا تحديد فيه بذلك، و هي متحدة مع الجسد زمنا ما ثم تنفصل و تبقى إما سعيدة أو شقية حسب ما يختار صاحبها من الطريقين، فانها كصحيفة بيضاء لا أثر فيها الا بما ينتقش فيها إما للدنيا أو الآخرة أولهما معا، قال تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ [سورة النجم، الآية: 39]، فالآية تشمل كل واحدة من الدارين أو هما معا، قال تعالى: لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى‏ [سورة طه، الآية: ۱٥] فلا نجاة لها إلّا بالعمل الصالح الذي ورد من الشرع، و لا مقام و لا منزلة لها في الدنيا إلّا بالسعي، و هي متفاوتة في ذاتها و مختلفة في آثارها، و هذا قريب من الوجدان. و قد قسمها العلماء إلى أقسام ليس هنا موضع ذكرها و سيأتي تفصيل ذلك كله في آية 281 من هذه السورة إن شاء اللّه تعالى.

إذا رجع كل فرد إلى وجدانه يرى انه شيئان: النفس و الجسد و يذعن بأن للإنسان بدنا (جسدا) و قوى ظاهرية، و ما يدبرها و هو ليس إلّا النفس المعبر عنها ب (الروح)، و هما متحدان كاتحاد الماء مع الورد لا يمكن الفصل بينهما إلّا من ناحية الآثار و العوارض و الحوادث و الآفات. فإن للجسم خواصا و آثارا و امراضا معينة، كما أن للنفس آثارا و ظواهر و حوادث، و لعل هذا الأمر أصبح من الواضحات في هذه الأعصار بعد تقدم العلم و كشف الظواهر النفسية و ما يترتب عليها من الآثار و الأمراض المتعلقة بالنفس دون الجسد و قد وضعوا لها علما مستقلا يتكفل جميع ما يتعلق بالنفس.
و مع ذلك فقد اثبت الفلاسفة و العلماء القدماء منهم و المحدثون ثنائية النفس و الجسد بأدلة كثيرة قويمة لا تبقي مجالا للقول بواحدية الإنسان كما عن الماديين و انه ليس إلّا جسما فقط، فانه مخالف للوجدان و الدليل العقلي و جميع الأديان السماوية.
نعم يبقى شي‏ء و هو أنّ الإنسان و إن كان مركبا بالتحليل العقلي من النفس و الجسد إلّا أنه واحد شخصي يشار إليه باعتبار أنه شخص مادي ذو فكر، متعلم، يفعل كذا و كذا، و بمثل هذا الواحد الشخصي تعلق الخطاب في القرآن الكريم و الشريعة المطهرة و في المحاورات. و لعل من قال بواحدية الإنسان أراد منها هذه الوحدة، و لا بأس بها، و لكنه حمل ينافي صريح كلماتهم.

لم يرد هذا اللفظ بالنسبة إلى النفس في القرآن الكريم و لا في السنة الشريفة. و إنما استفيد ذلك من سياق الآيات و الأحاديث و الإشارات الواقعة فيها التي يستفاد منها التجرد كالآية التي تقدم تفسيرها و غيرها من الآيات التي نشير إليها.
و المراد من التجرد كفاية أمر اللّه تعالى و إنشائه في تحقق شي‏ء بلا حاجة إلى سبق مادة و تبدل صورة أو غير ذلك في التحقق و الثبوت، و تكون نسبته إلى المادة نسبة القوى المحركة للآلات التي تتحقق بها الحركة، سواء كانت الآلات طبيعية، و يسمى ب (التجرد التكويني). أم صناعية و يسمى ب (التجرد الصناعي).
و هناك معنى آخر للتجرد و هو ابتعاد النفس عما سوى اللّه تعالى بالإرادة و الإختيار بواسطة المجاهدات و الرياضات الشرعية بأن تكون جميع مشاعره الظاهرية و المعنوية- كما أنها من اللّه تعالى- تكون في اللّه و باللّه تعالى، فيصير الشخص من جميع جهاته مظهرا من مظاهر اللّه عزّ و جل، فيتجرد عن دار الظلمة و الغرور و يتصل بينبوع النور، و يسمى هذا ب (التجرد الاختياري).
و لا ريب في أن الأول يكون معدا للثاني، إذ لولاه لما تحقق للأخير موضوع أبدا، و مع ذلك فهو أفضل من الأول بمراتب. كما أنّ الموت تارة طبيعي و أخرى اختياري رغّب اليه‏ نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «موتوا قبل ان تموتوا» أي أميتوا النفس الأمارة بالسوء قبل أن تموتوا بالطبيعة. و قد وقع الخلط في جملة من الكلمات بين التجردين كما لا يخفى على من راجع عباراتهم.

استدل العلماء على تجرد النفس بالكتاب العظيم، و السنة الشريفة و دليل العقل.
أما الأول: فقد استدلوا بجملة من الآيات المباركة، منها تلك الآيات التي أضيفت الروح فيها إلى اللّه تعالى حدوثا؛ كقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: ۸٥]، و قوله تعالى: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [سورة الحجر، الآية: 29] أو أضيفت اليه تعالى بقاء، كقوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [سورة الأنعام، الآية: ٦۰] إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أن هذه الإضافة المطلقة- بلا ذكر سبب مادي أصلا لا مقارنا، و لا سابقا، و لا لاحقا- إلى اللّه تعالى المنزه عن توهم المادة تدل على التجرد بوضوح إذ لا بد أن يكون المنسوب اليه تعالى منزها عن المادة أيضا. و الإهمال فيه مع كثرة أهمية الموضوع، و قيام نظام الدنيا و الآخرة به يكون قبيحا عقلا، لأن الأمر دائر فيه بين النفي و الإثبات فإما أن يكون مجردا محضا؛ أو ماديا لا بد و أن يذكر فيه الجهة المادية و لو في آية أخرى.
و منها: الآيات الكثيرة الدالة على التعقل و التفكر و ذم التغافل عنها فإن ذلك لا يتحقق إلّا في ما هو مجرد عن المادة خصوصا على ما أثبته أكابر الفلاسفة و أعاظمهم من اتحاد العاقل و المعقول، و سنبين هذا البحث النفيس في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
و منها قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [سورة الفجر، الآية: 27] و غير ذلك من الآيات التي تدل بظاهرها على تجرد النفس و بقائها بعد الموت و انتقالها من البدن المادي إلى بدن آخر برزخية أخروية.
أما الثاني: أي الاستدلال بالسنّة الشريفة، و هي نصوص كثيرة وردت في أبواب متفرقة، و منها قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام»، و لا ريب في دلالته على سبق الحدوث و التجرد في الجملة، و هل المراد بألفي عام الأعوام الربوبية، أو الأعوام الزمانية في عالمنا هذا؟ لم يتضح ذلك إلى الآن حق الوضوح. ثم ما وجه التخصيص بألفين دون غيرهما.
و منها قول علي (عليه السلام): «إنّ هذه الأرواح تكلّ كما تكل الأبدان- الحديث-» و هو ظاهر في أنها من عالم آخر غير عالم المادة.
و بالجملة، النصوص من الأئمة الهداة أكثر من ان تحصى- و قد سبق في البحث الروائي بعضها- و مجموعها يدل على ان النفس و الروح من عالم آخر تعلقت بالبدن برهة من الزمن ثم تنفصل عنه ثم تعود متعلقة به و تبقى خالدة أبد الدهر.
يضاف إلى ذلك ما اثبته العلماء في العصر الحديث من أمور ترتبط بالنفس و قد وضعوا لها كتبا مستقلة، كما أثبت العلماء الأخلاق امراض النفس و آفاتها، و يشهد لذلك ما اثبت في هذه الأعصار من التفرقة الحسية بين الأرواح و الأجساد.
أما الثالث: أي الدليل العقلي فقد استدل في الفلسفة على تجرد النفس بأدلة كثيرة أنهاها بعضهم إلى عشرة لا يخلو بعضها عن المناقشة. و أهمها أمور:
الأول: حضور ذات النفس بذاته لكل أحد، و هذا بديهي، و هو يدل على التجرد، إذ لو كانت مادية لما أمكن ذلك إلّا بالانطباع في ما هو أصفى و الطف منها، كما في حضور جميع الصور المادية في المرآة أو الماء الصافي و نحو ذلك.
الثاني: صدور الدقائق العلمية و الفكرية منها مما لا يمكن صدورها عن غير المجرد.
الثالث: قدرتها على تصور غير المتناهي. إلى غير ذلك مما فصل في علم الفلسفة و الكلام.
و من ينكر أصل الروح و النفس أو يقول بماديتها و أنها نفس البدن فلا يسعه إلّا إنكار وجدانه.

نتيجة هذا البحث النفيس [تجرد النفس و عدمه‏] تظهر فى المعاد الروحاني فإن القول بتجرد النفس و عدم فنائها بفناء البدن يمهد الطريق للمعاد الروحاني و يسهل الالتزام به معه، كما عليه جمع كثير من الفلاسفة قديما و حديثا.
و بعكس ذلك، أي القول بعدم التجرد و كون النفس تابعة للبدن فإنه يدل على مسألة المعاد الجسماني. و قد صرح جمع من الفلاسفة بأن طريق إثباته منحصر بالدليل السمعي فقط.
و هذه الثمرة مبتنية على ان المجردات تبقى- و غيرها ينعدم و يفنى ثم يعاد. و لكن يظهر من الآيات المباركة أن ما سواء اللّه تعالى- من مجرداته و مادياته- ينعدم قبل قيام الساعة قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ [سورة الرحمن، الآية: ۲٦و ۲۷]، و كذا النصوص التي يأتي بيانها مفصلا في المورد المناسب إن شاء اللّه تعالى؛ قال علي (عليه السلام): «إن اللّه سبحانه يعود بعد فنائها الدنيا وحده لا شي‏ء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان، و لا حين، و لا زمان عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات و زالت السنون و الساعات فلا شي‏ء إلّا اللّه الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الأمور».
نعم يثبت المعاد مطلقا بالكتاب و السنة على ما يأتي بيانه مفصلا.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"