1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآيات 11 الى 16

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (۱۱) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ (۱۲) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ (۱۳) وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (۱٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (۱٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (۱٦)


من صفات المنافقين التي ذكرها اللّه تعالى في هذه الآيات الفساد في الأرض و الاستهزاء بالمؤمنين و توصيفهم بالسفاهة و عدم شعورهم بجهالتهم و تلك الصفات كلها من أخس الصفات و أرذلها التي كانت فيهم.

قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ. الفساد خروج الشي‏ء عن الاعتدال و تغيره عن سلامة الحال و ضده الصلاح. و مادة الفساد في أي هيئة استعملت تدل على المبغوضية و الاشمئزاز، قال تعالى: وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [سورة البقرة، الآية: ۲۰٥] و لا سيما هيئة الإفساد و متفرعاتها فإنّ المتلبس بها مذموم عند الجميع و يقابل ذلك مادة الصلاح، فإنها في أي هيئة استعملت تدل على المحبوبية و الرغبة و ميل النفس خصوصا هيئة الإصلاح و ما يتفرع منها فإنّها ممدوحة عند الجميع قال تعالى: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ [سورة النساء، الآية: 128].
و إنما ذكر تعالى القول بلفظ المجهول ليشمل كل ناه عن المنكر رسولا كان أو وليا أو كان من عرض النّاس، كما أنه سبحانه ذكر الأرض وحدها لأنها محل إفساد المفسدين قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [سورة الروم، الآية: ٤۱].
ثم إنّ الخروج عن الاعتدال و الاستقامة الذي هو معنى الفساد تارة يكون بالنسبة إلى الشخص نفسه في ما بينه و بين اللّه تعالى كالرياء و أخرى بالنسبة إلى شخص آخر مثله كالغش مثلا و ثالثة بالنسبة إلى المجتمع كالخيانة بالنسبة إليهم و لهذه الحالات مراتب متفاوتة. و في الجميع إما أن يكون الشخص متوجها الى ما يفعل أو لا يكون كذلك بل يرى فساده صلاحا و إصلاحا و الآية المباركة تبين هذا القسم.
و معنى الفساد في الآية الشريفة ارتكاب المعاصي سواء كانت صغيرة أو كبيرة، و يدخل فيها مذام الأخلاق، و ذلك لأنّ أفعال الإنسان إما أن تكون موافقة للشرع، أو تكون موافقة لموازين الاجتماع و إن كانت مخالفة للشرع، و ثالثة: أن تكون موافقة لمعتقدات الشخص و إن كانت مخالفة للأولين، و النفاق أو الفساد في الآية المباركة من أحد الأخيرين و قد أكد تعالى بطلان معتقداتهم في قوله: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ بأن لا صلاح في معتقداتهم إذ ليس كل صلاح اعتقادي صلاحا واقعيا.
قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ. لظهور آثار الفساد في أفعالهم كتفريق المسلمين و إلقاء النفاق بينهم و افشاء أسرارهم.
قوله تعالى: وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ. لأنّ كثرة انهماكهم في الغي و الضلالة أوجبت أنهم يرون باطلهم حقا فنفى اللّه تبارك و تعالى نسبة الشعور عنهم بكلمة (لا) الظاهرة في نفي نسبة المدخول في مثل المقام و الدال على الاستمرار فالآية الشريفة في مقام توبيخ المنافقين و التشنيع عليهم حيث وصفهم بعدم الشعور و الإدراك.
و لعل نفي الشعور عنهم مرتين تارة: بقوله تعالى: وَ ما يَشْعُرُونَ و أخرى: بقوله تعالى: لا يَشْعُرُونَ للإشارة إلى نفي أصل الشعور عنهم أولا و نفي أنهم لا يشعرون بذلك فيكون من إثبات الجهل لعدم الشعور لهم.
قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ. ذكر تعالى صفة أخرى من صفات المنافقين و هي السفاهة و هذه الصفة تلازمهم و لا بد و ان يكونوا كذلك لأن من ليس أهلا للحق و لا يقبله من‏ أهله كان ذلك من الجهل المركب عنده و يرى سوء عمله حسنا كما يرى من سواه فاسدا هالكا. و قد أعيت هذه الفرقة جميع أنبياء اللّه عزّ و جل و أوليائه في كل عصر لو لا أن تداركهم العنايات الخاصة الإلهية جل شأنه، و يشهد لما ذكرنا قوله تعالى: أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [سورة الشعراء، الآية: 111]، و قال تعالى: ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [سورة هود، الآية: 27].
و إنما أتى سبحانه و تعالى القول بصيغة المجهول تنبيها إلى عدم اختصاص القائل بشخص مخصوص بل يشمل كل من أظهر الحق كما تقدم في الآية السابقة.
قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ. الناس و الإنسان و البشر ألفاظ مترادفة معنى لهذا الحيوان الناطق المستوي القامة الذي يتفاوت أفراده بين أوج الكمال و أدنى مرتبة الحضيض فالمراد بهم في المقام من دخل في الإسلام، و تقدم معنى الإيمان.
قوله تعالى: أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ. السفه: هو الخفة و قلة التمييز بين الخير و الشر و النفع و الضرر سواء كان في الأمور الدنيوية أو الأخروية، فمن لا يعرف نفعه من ضره و خيره من شره بالنسبة إلى الجهات الأخروية يعد سفيها بالنسبة إليها و لو كان رشيدا و ملتفتا إلى الأمور الدنيوية التفاتا دقيقا، كما أن كلّ من كان متوجها و ملتفتا إلى أموره الأخروية و غير دقيق في أموره الدنيوية يعد عند الناس سفيها، و هذا نزاع قديم بين الفريقين فأهل الدنيا يعدون أهل الآخرة سفهاء و أهل الآخرة يعدون أهل الدنيا من السفهاء.
و لا نزاع في الحقيقة لأن المراد من السفيه السفه من جهة لا من كل جهة فمن أراد الآخرة و سعى لها سعيها لا يعد سفيها بالنسبة إلى الآخرة و ان عده بعض أهل الدنيا سفيها بالنسبة إلى بعض جهات الدنيا و من أراد الدنيا و سعى لها سعيها معرضا عن الآخرة يعد سفيها بالنسبة إلى الآخرة كما في المقام لأنه ترك الحياة الدائمة الباقية لأجل الحياة الزائلة و يأتي التفصيل في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ. و لا ريب في مطابقة ذلك للواقع لأن كل من ترك الحياة الدائمة و أخذ بغيرها سفيه بلا شك. و إنما عبّر بقوله تعالى هنا لا يَعْلَمُونَ و في الآيات السابقة عبّر تعالى ب لا يَشْعُرُونَ تنبيها على أنهم متوغلون في الجهالة و أنّها من سنخ الجهل المركب و تأكيدا لنفي الإدراك عنهم بجميع أنحائه: من نفي الشعور، و نفي العلم، و نفي الفقه و العقل كما في قوله تعالى: بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [سورة الحشر، الآية: ۱٤]، و قوله تعالى: فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [سورة المنافقون، الآية: 3].
قوله تعالى: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. هذه الآية المباركة تبين صفة أخرى للمنافقين و هي المداهنة بإظهار شي‏ء و إضمار خلافه و لا تكون هذه إلّا فيمن بلغ في فساد الأخلاق حدا بعيدا فيظهر بوجهين و يتكلم بلسانين يلقى كلا بحسب ما تقتضيه المصلحة و هم يرون ذلك من مصالحهم الفردية و الاجتماعية، و هذه الفئة من المنافقين لم تكن تختص بعصر التنزيل بل توجد في كل عصر و زمان و لا ينافي ذلك الحكاية عنها بصيغة الماضي و تقدم الكلام في ذلك.
و قد بين تعالى أنّ المنافقين يداهنون في دينهم فإذا رأوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون كذبا و زورا و إذا اجتمعوا بشياطينهم قالوا إنا معكم في العقيدة و العمل و إنما نحن نستهزئ بالمسلمين و دينهم و قد فضحهم اللّه تعالى و أعدّ لهم شديد العقاب.
و المراد بالشياطين هم المتمردون، من الشطن و هو البعد و التمرد فكلما بعد الإنسان عن الخير و الصّلاح و قرب إلى الباطل و الفساد يقرب من الشيطان. و المقصود بهم رؤوسهم، و من يدبرهم في مذام الأخلاق و شعب النفاق سواء أ كانوا من الإنس أم الجن، كما في قوله تعالى: جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [سورة الأنعام، الآية: 112].
و يستفاد من الآية الشريفة أنّ كونهم مع أهل الإيمان إنما هو بمجرد المرور و الملاقاة فقط، و أما معيتهم مع الشياطين فكانت بعنوان التفهيم و الاستفادة من نواياهم الفاسدة.
ثم إن الخلوة مع الشياطين تارة تكون على نحو الاستفادة و أخذ الآراء الفاسدة و العقائد السيئة و أخرى: تكون لارتكاب الفحشاء و المنكرات و ثالثة: تكون على نحو التفكر في ما لا ينفع للدين و الدنيا فإن الأوهام و الخيالات الفاسدة و الأماني الباطلة من أقوى سبل الشياطين المستولية على الإنسان الموجبة لحرمان عقله عن قرب الرحمن‏ و عن علي (عليه السّلام): «الأماني بضائع النوكى» أي: الحمقى و أما الخلوة معهم لأجل هدايتهم إلى الحق فهي ممدوحة بل قد تجب.
قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
الاستهزاء هو الاستخفاف و السخرية. و المد: هو الزيادة. و الطغيان: التجاوز عن الحد. و العمه: التحير.
و المعنى: إن اللّه سبحانه و تعالى يجازيهم بالعقاب و يعاملهم معاملة المستهزئ بهم و يدعهم و يمهلهم في فعلهم و تسمية ذلك بالاستهزاء من باب التجانس اللفظي فقط كما في قوله تعالى: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [سورة الشورى، الآية: ٤۰]، و قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ [سورة البقرة، الآية: ۱۹٤] فإن جزاء الظلم ليس بظلم.
و استهزاء اللّه تعالى بهم لا يختص بعالم دون عالم و لا بأمر دون آخر فمن ذلك سلب توفيقاته و تأييداته، أو إجراؤه تعالى أحكام الإسلام عليهم في الدنيا و ليس لهم حظ منها في الآخرة و كونهم في الدرك الأسفل من النار و هذا من أشد أنحاء الاستهزاء بهم و يزيدهم في تحيرهم و عدم اهتدائهم للصواب و الحق جزاء بما كانوا يعملون و عقوبة لهم على استهزائهم.
و هذه الآية مثل سائر الآيات المباركة التي سبقت مساقها كقوله تعالى: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة يونس، الآية: 11]، و قوله تعالى: وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً [سورة المائدة، الآية: ٦٤] و غيرها من الآيات الشريفة الموافقة لقانون الطبيعة بالنسبة إلى النفوس الشريرة. و تقدم في خداعة اللّه تعالى لهم بعض الكلام فراجع.
و هذه الآية في مقام التسلية للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سائر أنبيائه قال تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [سورة يس، الآية: 30] و المؤمنين أيضا، و حيث أن الاستهزاء بأنبياء اللّه يرجع إلى الاستهزاء باللّه تعالى فنسب جزاء المستهزئين بهم إلى نفسه فقال تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و قال تعالى: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [سورة الشعراء، الآية: ٦]، و قال تعالى: وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [سورة الزمر، الآية: ٤۸] فإن إحاطة نفاقهم بهم من لوازم فعلهم و الكل يرجع إليه سبحانه و تعالى بنحو الاقتضاء، كما مر، فيصح أن يقال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ جزاء لأعمالهم أو حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ. يطلق الاشتراء على الاستبدال مع رجاء النفع أي: أنّ المنافقين استبدلوا الهداية بالضلالة و العمى لغرض من الأغراض الفاسدة الدنيوية فتركوا استعداد فطرتهم فلم تربح تجارتهم و كانوا من الخاسرين. و الخسران في هذه المعاملة من الواضحات لكل عاقل بعد التأمل و لو قليلا و قد بين تعالى ذلك في آية أخرى بما هو أظهر فقال سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [سورة البقرة، الآية: ۱۷٥] و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة آل عمران، الآية: 177]. و في جملة من الآيات المباركة التعبير بالثمن القليل قال تعالى: وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [سورة النحل، الآية: ۹٥] و قال تعالى: وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ [سورة آل عمران، الآية: 187].
و يمكن أن يفرق بين التعبيرين بأنّ استبدال الهداية و الإيمان بالضلال‏ و الكفر تارة: يكون لأجل الكفر و الجحود و الشقاوة المنبعثة عن اقتضاء الذات بمجرد الاقتضاء لا العلية، و هذا هو استبدال الهداية بالضلالة و الإيمان، بالكفر، و قد أشار الى ذلك سبحانه و تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [سورة فصلت، الآية: 17]. و أخرى: يكون الاستبدال لأجل الأغراض الفاسدة الخيالية الدنيوية، و هذا هو الاشتراء بالثمن القليل، فإن كل غرض إذا صدر من الإنسان مع قطع النظر عن إضافته إليه عزّ و جل فهو من المعاملة الخاسرة و إذا صدر منه من جهة إضافته إليه تعالى مع تأييد ذلك بالشرع فهو من المعاملة الرابحة. و المائز بين الغرضين هو الشرع أو العقل المقرر بالشرع، لما سيأتي في محله من أن نسبة الشرع الى العقل نسبة الصورة إلى المادة، فكما لا أثر للمادة بدون الصورة فكذا لا أثر للعقل بدون الشرع، فالعامل بالعقل التارك للشرع يضل في هديه، و العامل بالشرع التارك للعقل يبطل سعيه و مسعاه، و يأتي تفصيل هذا الإجمال إن شاء اللّه تعالى.
ثم إنه يصح أن يكون قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ من باب ذكر اللازم و إرادة نفي أصل الملزوم فيكون المعنى أنه لا تجارة لهم أصلا في الواقع و إن كانت بحسب الظاهر لأنّ التجارة ما كان فيها اقتضاء الاسترباح في الجملة لا ما بنيت على الخسران و الضلالة.
و في الآية المباركة نحو استعارة و مجاز لإسناد الربح الى التجارة و منه يعلم وجه قوله تعالى: وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ فتصح نسبته إلى تجارتهم الخاسرة او الى جميع شؤونهم التي منها تجارتهم.

عن الصادق (عليه السّلام) «سئل فيما النجاة غدا؟ فقال إنما النجاة في أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم فإنه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الإيمان و نفسه يخدع لو يشعر، فقيل له كيف يخادع اللّه؟ فقال (عليه السّلام) يعمل بما أمر اللّه عزّ و جل به ثم يريد به غيره فاتقوا اللّه و اجتنبوا الرياء فإنه شرك باللّه‏ عزّ و جل إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر، يا غادر، يا خاسر حبط عملك و بطل أجرك و لا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له».
أقول: و قريب من هذه الرواية روايات أخرى كثيرة الظاهرة في حصر النجاة في يوم القيامة في الخلوص و الإخلاص و ترك المخادعة و هو كذلك لأن المخادعة توجب سلب الأجرة على العمل لفرض أن المخادع يأتي بعمله لغيره تبارك و تعالى فلا أجر له منه.
و عن الرضا (عليه السّلام) في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فقال (عليه السّلام): «إن اللّه لا يستهزئ، و لكن يجازيهم جزاء الاستهزاء».
أقول: تقدم بيان ذلك.

للنفاق سببان الأول السبب الفاعلي الثاني السبب الغائي أما سببه الفاعلي فالعمدة فيه ترجع الى عدم العقيدة بالمبدأ و المعاد أصلا أو قلتها و ضعفها فلو اعتقد الإنسان بمبدإ قيوم مراقب له في جميع جهاته و أفعاله لا يحصل منه النفاق الذي هو أم مساوي الأخلاق و كلما اشتد الاعتقاد بالمبدأ و احاطته تعالى يضعف النفاق. و السبب القريب فيه يرجع إلى حب النفس و الجاه و قد بينهما النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «حب الدنيا رأس كل خطيئة».
و أما سببه الغائي فلا ريب في أنه ليس له غاية عقلية و إنما تكون له غايات جزئية وهمية خيالية ربما يستنكر نفس المنافق تلك الغاية لو فرض كمال عقله و إيمانه.
و أما شعبه و مراتبه فهي كثيرة منبثة على الجوانح و الجوارح فالمنافق يمكن أن ينافق بقلبه كالرياء كما تقدم في البحث الروائي أو بكل واحدة من جوارحه أو بجميعها و الوجوه المتصورة في هذه الصفة الشريرة على أقسام:
الأول: كونها من سنخ الطبايع غير القابلة للتغير و التبدل كسائر الطبايع‏ المودعة في الأشياء كلها من جواهرها و أعراضها التي يصح أن يعبر عنها بالصفة غير القابلة للتخلف و التغيير.
الثاني: كونها من مجرد الاقتضاء الذاتي القابلة للتغير و التبدل و الاشتداد و التضعيف.
الثالث: كونها من مجرد الاكتسابيات المحضة بلا علية و لا اقتضاء أبدا.
الرابع: كونها في مبدأ الأمر من مجرد الاقتضاء المحض و صيرورتها بالممارسة من سنخ الطبيعة و اللوازم غير المنفكة.
و قال بكل من ذلك قائل من الفلاسفة و المتكلمين، و يمكن أن يكون جميع ذلك صحيحا إن أراد القائل بالأول مرتبة خاصة من الاقتضاء لا العلية التامة المنحصرة كسائر الطبايع غير الإرادية الاختيارية فإنه لو قيل بها لزم محاذير كثيرة يشكل الجواب عنها كما يأتي التفصيل في محله.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"