1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 30

وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (۳۰)


شروع في بيان قصة خلق آدم، و الغاية من خلقه و عصيانه، و هبوطه إلى الأرض، و قد تكررت هذه القصة في مواضع متعددة من القرآن الكريم، بل وردت في جميع الكتب السماوية، فتظهر أهميتها لما فيها من الحكم و الأسرار، و اعتنائه تبارك و تعالى بالإنسان الذي يمتاز عن غيره من المخلوقات، لأنه المستعد لبلوغ أقصى درجات الكمال، و لذلك كان جديرا بالخلافة.

قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ. المراد بالقول هنا الإلقاء في النفس، سواء أ كان بسبب من الأسباب الظاهرية، أم الخفية. و ليس المراد من‏ القول المنسوب إليه تعالى في جميع القرآن هو المعنى المعروف أي: الحركات المعتمدة على مخارج الحروف، و سيأتي شرح ذلك في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
و الملائكة: قيل من أ لك و هي الرسالة إما لأنّ جميعهم رسل اللّه إلى ما يرسلهم إليه من تدبير الأمور، أو تغليبا لاسم عظمائهم و ساداتهم- و هم جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل- عليهم، و لا بأس به لفرض تسخير البقية تحت إرادة العظماء منهم بأمره تعالى.
و لا ريب في وجود الملائكة و قد تكرر ذكرهم في القرآن الكريم و سائر الكتب السماوية مع شي‏ء من بيان أعمالهم و في الروايات الواردة عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة الهداة (عليهم السّلام) شرح لبعض خصائصهم و أحوالهم.
و قد استدل الحكماء و الفلاسفة بأدلة عقلية على وجود الملائكة منها قاعدة «إمكان الأشرف» المذكورة في الكتب الفلسفية، و يغنينا عن ذلك ظهورهم لأنبياء اللّه (عليهم السلام) لا سيما أولي العزم منهم؛ و ظهور جبرائيل في صورة دحية الكلبي مروي في كتب الفريقين.
و أما الخلاف في أنهم ذوات مجردة تظهر بأشكال مختلفة كما عليه الفلاسفة، أو أجسام لطيفة كذلك كما عن غيرهم، فلا ثمرة في ذلك و النزاع بينهم لفظي.
و الملائكة مختلفون في الأشكال و الهيئات، و هم على طوائف متعددة مختلفة محدودة قال تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 20]، و قال تعالى: وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [سورة الصافات، الآية: ۱٦٥] و يدل على ذلك بعض الروايات الواردة عن المعصومين و هم يتكاثرون بواسطة بعض الأعمال الصالحة الصادرة من العباد، كما هو مذكور في كتب الأحاديث، و من قطرات النهر المكنون تحت العرش كما في بعض الروايات على ما يأتي.
ثم إنّه يستفاد من قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أمران:
الأول: إنما وجه الخطاب إلى النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) ليعلم الناس أنّ الغرض الأصلي من خلق آدم إنما هو سيد الأنبياء و الرسالة التي جاء بها، و ذلك لأن العلة الغائية مقدمة في العلم و إن كانت متأخرة في الخارج، كما ثبت بالأدلة العقلية، و يدل عليه بعض الأدلة النقلية، فأصل الدعوة هي دعوته (صلّى اللّه عليه و آله) و إن تعددت الدعاة إليها و تفرقوا في سلسلة الزمان، و يأتي شرح ذلك عند قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ [سورة المائدة، الآية: ٤۸]. و فيه تسلية له (صلّى اللّه عليه و آله) بما رأى من الحوادث الواردة على أبيه آدم، ليصبر على ما يراه من كيد المشركين.
الثاني: إنما قال سبحانه ذلك للملائكة ثم بينه للناس لجهات؛ منها:
إظهار فضل آدم للملائكة، و تعريفه لهم، و إعلامهم بمقامه بأن له الخلافة في الأرض.
و منها: إظهار ما هو المكنون في نفوس الملائكة على أنفسهم ليعترفوا بذلك بالعجز و القصور.
و منها: الإعلام بأن صنع هذا المخلوق الجديد كان بمباشرته عزّ و جل بلا مداخلة أحد غيره فيه.
و منها: بيان أن ليس للإنسان معرفة حقائق الأشياء، و أسرار الخليقة و حكمها، فإن الملائكة مع رفعة شأنهم قد عجزوا عن ذلك.
و منها: أن هذه المحاورة كانت تلطفا منه عزّ و جل و جبرا لما انكسر من نفوسهم حيث صنع اللّه الخليفة من الطين الذي هو دونهم بمراتب.
و منها: إرشاد النّاس إلى المشاورة بينهم في أمورهم، و أن المشاورة لا تنقص الفرد و إن عظم شأنه، كما قال تعالى مخاطبا لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله): وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [سورة آل عمران، الآية: ۱٥۹]. كما أنه أعلمنا بأنه قد رضي لخلقه أن يسألوه عما خفي عنهم.
قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. الجعل هو الفعل‏ و الإحداث. و الخلافة هي النيابة عن الغير إما لقصوره، أو زواله أو للتشريف و التشريع و الإبلاغ، و خلافة أنبياء اللّه تعالى و حججه من القسم الأخير، و للعلماء في جعل الخلافة في الأرض قولان:
الأول: إنّ اللّه تعالى جعل آدم خليفة عن نوع آخر كان في الأرض ذهب اللّه تعالى بهم بعد أن أفسدوا، و سفكوا الدماء، و استدلوا بقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [سورة يونس، الآية: ۱٤] و من سؤال الملائكة قياسا على ما مضى.
الثاني: إنّ اللّه جعل آدم خليفته في الأرض، كما يشهد له قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [سورة ص، الآية: ۲٦].
و الحق أن يقال: إن المستخلف عنه في المقام الأعم مما ذكروه، فإن الإنسان فيه جهتان: جهة البدن و الجسم، و جهة الروح، و هو مزيج منهما فقد تعلق جعله تعالى بآدم من جهتين الجسمانية حيث باشر تعالى بنفسه في خلقه، و نفخ فيه من روحه، فيكون من هذه الجهة خليفة عن غيره تكوينا، و أما الجهة المعنوية فقد تعلقت الإرادة الإلهية بجعله خليفة، كما تعلقت بجعل داود خليفة في الأرض، و يشهد لذلك ما استفاض‏ عن الأئمة الهداة (عليهم السلام): «إن أول مخلوق على وجه الأرض هو الحجة، و آخر من يموت هو الحجة» فتكون الخلافة لآدم (عليه السلام) من حيث نبوته، و كونه حجة اللّه خلافة شخصية، و من حيث كونه آدم أبا البشر نوعية، كما يدل عليه قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ إذ لكل طبقة لاحقة خلافة تكوينية بالنسبة إلى الطبقة السابقة في دار الكون و الفساد، فتكون الخلافتان متلازمتان.
قوله تعالى: قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ. المراد من الفساد المعنى الأعم الشامل للفساد الشخصي و النوعي، و من الأول ارتكاب المناهي الإلهية، و من الثاني النفاق.
و سفك الدماء: إراقتها بغير حق. و التسبيح التنزيه عن صفات الممكنات، و معنى نسبح بحمدك أي: ننزهك عن النقائص، مقرونا بالثناء عليك فاجتمع في هذا التعبير صفات الجلال و الجمال، و التقديس بمعنى التنزيه- كما عن جمع من اللغويين و المفسرين- و التطهير المعنوي عن النقائص، و قد استعمل في القرآن كل منهما بالنسبة إليه تعالى قال جلّ شأنه: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [سورة الحشر، الآية: ۲٤].
و يمكن التفريق بينهما بجعل الأول بالنسبة إلى الذات الأقدس، فهو تعالى منزه عن كل نقص، و الثاني بالنسبة إلى الفعل، ففعله منزه عن كل نقص، لكونه صادرا عن الحكمة البالغة. و يمكن أن يقال: إن معنى نقدس لك أي نطهر أرضك من الفساد و المعاصي.
و المعنى: أ تستخلف في الأرض من هو على هذه الصفات من الإفساد و سفك الدماء، و نحن المعصومون نسبح بحمدك و نقدس لك، فالغاية المتوخاة من جعل الخليفة موجودة فينا دون غيرنا فزعموا أن التسبيح و التقديس فقط هو المقصد الأصلي من الخلق و ليس فيهم سبب الفساد، لأنهم متحدوا القوى و ليست لهم قوى متخالفة.
ثم إنه يمكن أن يكون منشأ سؤال الملائكة هذا أحد أمور:
الأول: علمهم بأنّ الدار دار الكون و الفساد و الإنسان مركب من قوى متضادة متخالفة من الشهوة و الغضب، و القوة و الضعف، و نحو ذلك، و من كان هذا حاله و هو في دار الكون و الفساد، و المادة يلازمه سفك الدماء و الإفساد، فيكون قولهم من باب كشف الملزوم عن اللازم و هو صحيح.
الثاني: حصول ذلك من حمل المستقبل على الماضي الذين أفسدوا في الأرض و سفكوا الدماء، فحصل لهم العلم بذلك من التجربة.
الثالث: أنّ حب النفس فطري في كل ذي حياة فحبهم لنفسهم أوقعهم في هذا القول، و لكن هذا الوجه ينافي مقام عصمتهم.
الرابع: أنه بعد إخبارهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة عجبوا كيف يمكن أن يكون المصنوع من التراب خليفة رب الأرباب، مع أنّ اللّه تعالى أخبرهم أن في ذريته من يفسد و يسفك الدماء، كما في بعض الأخبار، و غفلوا عن الحكمة.
و من ذلك يظهر أن سؤال الملائكة ليس من الاعتراض عليه تعالى بل كان من مجرد الاستفهام لما خطر في نفوسهم و كان همهم معرفة الحكمة و السر في استخلاف هذا المخلوق، و لذا سكتوا حين أعلمهم بذلك فقال تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. فأعلمهم بأنه لا نسبة بين العلم الحاصل من الأسباب الظاهرية مع العلم بحقائق الأشياء و أسرارها، فإن في هذا المستخلف أسرارا لم تكن في غيره، و كأنهم غفلوا عن أن الخير الكثير لا يمنعه الشر القليل، فيكون قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي: أعلم أن الشر القليل- لو فرض- لا يمنع عن الخير الكثير. نظير من يريد أن يصنع سفينة تجري في البحار و تنفع الناس، فلا يهتم بالحوادث و الآفات التي تجري عليها في عالم الكون و الفساد.
و في تقديم آية خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً على قصة آدم تفضل منه تعالى حيث أعد لبني آدم جميع ما في الأرض، ثم خلقهم كما أعد الجنّة للمتقين قبل ورودهم لها.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"