1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 260

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (۲٦۰)


الآية الشريفة تؤكد ولاية اللّه تعالى على المؤمنين و رعايته لهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور و فيها إرشاد إلى أنّ إبراهيم و سائر الأنبياء العظام (صلوات اللّه عليهم) من العروة الوثقى التي لا بد من الاستمساك بها.
و تبيّن أنّ من الهداية ما تكون عن رؤية الحقيقة و شهود الواقعة و هي من أعلى مراتب الهداية.
و مضمونها يثبت البعث و النشور الذي يصعب على الأفهام فهمه، و من ثمّ كثر المنكرون له، و إثبات المعاد يلازم إثبات المبدإ، و لذلك ضرب اللّه تعالى في هذه الآيات مثالين له، و مثال لثبوت المبدإ و وجوده.

قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏.
عطف على الجملة المتقدمة باعتبار تضمنها معنى التذكير و الإنذار فيكون مفاد الجملتين واحدا من حيث إنّهما مشتملتان على آية لا بد من بيانها و تذكيرها للناس.
و كيف تستعمل في السؤال عن حالات الشي‏ء لغة و عرفا.
و تختلف هذه الجملة عن السابقة في أنّ السابقة كان السؤال فيها عن أصل المعاد، و قد بيّن سبحانه و تعالى ذلك بإراءة نموذج للنشر و البعث، و قد أهمل سبحانه اسم القرية و اسم النبي الذي مرّ عليها لاستيفاء الغرض بدونهما، و أما المقام فهو لإثبات كيفية المعاد بعد مسلمية أصله و قد بينها بشهود الحقيقة و إراءة خصوصياتها و قد ذكر اسم إبراهيم (عليه السلام) تشريفا فإنّ للّه تعالى معه عنايات و له مع اللّه تعالى حالات.
و قد تحمل الأواه الحليم و المؤمن الخليل من المصاعب و المتاعب في سبيل اللّه تعالى و إثبات وحدانيته و إبطال دعوى ربوبية أول من ادعى الربوبية ما لم يتحمله غيره من الأنبياء (عليهم السلام) حتّى كليم اللّه في إزالة ربوبية فرعون إلا نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه ما اوذي نبي بمثل ما أوذي به.
و بالمقارنة بين السؤالين في الجملتين يظهر الفرق بينهما فإنّ في سؤال إبراهيم (عليه السلام) من الأدب و الثناء و الإقرار بأصل المعاد و طلب الزيادة في العلم و المعرفة ما لا يخفى و لذا كان في هذا السؤال شؤون و مخاطبة بين الخليلين بخلاف السؤال السابق.
كما يستفاد الفرق بين النبيّ الذي مرّ على القرية و إبراهيم من ذيل الآية الشريفة، فإنّ في الأول قال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. و لكن في الثاني قال اللّه تعالى لإبراهيم: وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي يفعل الأتم الأصلح، فالأول اعتراف بأصل قدرة اللّه تعالى و في الثاني يعلمه اللّه عزّ و جل بأنّ الذات الأقدس قويّ و فاعل للأصلح فوق ما نتعقله من معنى القوة و الأصلحية، فالخليل يربي خليله بأمتن أسرار الخلّة و أدق لطائف الارتباط و الصّلة و هو تفاني جميع شؤونه في مرضاة العزيز الحكيم.
و الظاهر أنّ هذا السؤال كان قبل إراءة اللّه تعالى لخليله ملكوت السموات و الأرض فإنّها غاية الكمال الممكن، فتكون هذه القضية من مبادئ تلك الإراءة التفصيلية الإحاطية، فتكون إراءة إجمالية لتحقق الإراءة الكلية، فلا بد و أن يحمل قوله: وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على بعض المعاني كما سيأتي. مع أنّ إراءة الملكوت سفر من الحق إلى الحق بالحق، و أما القضية فهي تشرح السفر من الخلق إلى الحق و بينهما بون بعيد فيكون المراد بقوله: أَرِنِي الوصول إلى حق اليقين بعد طيّ مراحل أصل العلم و علم اليقين.
و كيف كان فهو سؤال استعطاف و فيه لطف و عناية و مثله بين الخليلين كثير لا يفهمه إلا من كان من أهله.
و بدأ السؤال بكلمة: رَبِّ لأنّ فيه اعترافا بالعبودية، و لبيان تمام العناية بعبده و تربيته العظمى له و فيه كمال الثناء عليه جلّ و علا، و لأنّ الدعاء المبدو بهذا الاسم الشريف أقرب إلى الاستجابة، و يستفاد منه أدب الدعاء أيضا، و لأجل ذلك و غيره غلب هذا الاسم الشريف في دعوات إبراهيم (عليه السلام) و قد ذكرنا في سورة الحمد ما يتعلّق بكلمة الرب فراجع.
قوله تعالى: قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ.
أي قال اللّه عزّ و جل أو لم تؤمن بي و بقدرتي على الإحياء؟ و الاستفهام تقريري لإظهار مقارنة السؤال مع عدم الإيمان و لم يكن استفهاما عن حكمة السؤال و وجهه حتّى يكون فيه الردع و العتاب، و الوجه في ذلك دخول همزة الاستفهام على الواو الدال على الجمع و لو قيل: ألم تؤمن لدل الكلام على أنّ السؤال نشأ عن عدم الإيمان و دل على الردع و العتاب.
و إنّما حذف متعلّق الإيمان للدلالة على أنّ الإيمان بالمبدإ يلازم الإيمان بالمعاد فلا يتحقق أحدهما بدون الآخر. و خصوص المورد- و هو الإحياء- لا يوجب تخصيص العموم أو تقييد الإطلاق كما هو معروف بين الأدباء.
قوله تعالى: قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
بلى كلمة تستعمل في مقام النفي، فينقلب بها النفي إلى الإثبات و الاطمينان و الطمأنينة سكون النفس بعد الانزعاج. و اطمأنّ و تطامن متقاربان لفظا و معنى.
أي: قال إبراهيم: بلى إنّي مؤمن بذلك و لكنّ المشاهدة و العيان يؤثران في استقرار النفس و رسوخ العلم في القلب و يزداد بهما اليقين و الوقوف على سرّ الإحياء و هذا ما لا يمكن دركه إلا بالمشاهدة و الرؤية.
و إنّما حذف المتعلّق أيضا لأنّ قلب الخليل مضطرب دائما خصوصا إذا كان أحد الخليلين متناهيا و الآخر غير متناه، و قد نسب إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «أللهم زدني فيك تحيّرا» و عن أكابر الفلاسفة: إنّ الاعتراف بالقصور عن درك الذات إدراك.
و أما ما نسب إلى عليّ (عليه السلام): «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» أي: ما ازددت يقينا أنّي على الحق و على الصراط المستقيم لا أن يكون مراده بالنسبة إلى درك الذات الأقدس الربوبي كما تشهد به جملة من كلماته الشريفة، مع أنّ مراتب الاطمينان باللّه تعالى و اليقين به عزّ و جل كثيرة غير محدودة.
قوله تعالى: قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.
صرهنّ- بضم الصاد و سكون الراء- و قرئ بكسر الصاد. و مادة (صرر) تأتي بمعنى الشد و الضم و القطع، و هذه الثلاثة متقاربة و متلازمة و يصح أن يجعل الجامع الضم، و قد يستلزم القطع الضم كما إذا قطعت أجزاء الحيوان فيضم بعضها إلى بعض و تجعل في موضع واحد، و سميت الصرّة صرّة لجمع الدراهم فيها.
و المعنى: خذ أربعة من الطير فضمّهنّ إليك بأن تجمعها في مكان للمؤانسة و المؤالفة، و أن يستشرقن بشوارق النفس القدسية و تستعد للموهبة الإلهية و هي الإيجاد بعد الإفناء و السعي في الإتيان بدعاء أبي الأنبياء.
و على هذا يكون الجار متعلقا بصرهنّ من دون محذور و لا نحتاج إلى تضمين الكلام. و قيل: إنّ الجار متعلّق ب (خذ) و لكنّه بعيد و مخالف لفصيح الكلام.
و من هذه الجملة يستفاد أنّ الغرض المقصود من السؤال هو مشاهدة كيفية إحياء الأموات المدلول عليها بقوله: تُحْيِ الْمَوْتى‏ فإنّ الكلمة الأولى تدل على كيفية إحياء اللّه الأموات و الثانية تدل على أنّ إحياء الجمع الكثير من الأموات بعد تلاشي أجزائها و استحالتها و تبدلها إلى صورة أخرى، فإنّ إحياء هذا الجمع أمر يستبعده الذهن بادئ الأمر، و لأجل ذلك كان الجواب مشتملا على قيود خاصة دخيلة في استيفاء الغرض المقصود، فلو كان السؤال عن مجرد إظهار القدرة الأزلية لكان الجواب يتم بإحياء ميت أو أموات كما في القصة الأولى و لا يحتاج إلى هذا التطويل في الجواب و تكثير القيود. و من وجوب المطابقة بين السؤال و الجواب يستفاد أنّ السؤال إنّما كان عن كيفية الإحياء و مشاهدته من حيث إنّه فعل اللّه تعالى لا مجرد ترتيب الأجزاء المادية و إحيائها لا سيّما في إحياء الأموات.
و القيود التي أخذها عزّ و جل في الجواب هي: أن تكون مورد الإحياء طيورا، و أن تكون أربعة، و أن تكون إحياء الأموات، و أن يجعلها مأنوسة به، و أن يقتلها و يقطّعها و يمزج أجزاءها، و أن يفرّق الأجزاء على الجبال المتباعدة، و أن يدعوهنّ باجتماعهنّ عنده. و أن يكون كلّ ذلك بيد إبراهيم (عليه السلام) و بمباشرة من نفس السائل، فهذه القيود كلّها دخيلة في الغرض و منها يستفاد عظم السؤال و السائل.
و من ذلك يعلم المناقشة في كثير مما ذكره المفسرون في المقام كما سيأتي في البحث الدّلالي ما يرتبط به.
و لعل ذكر الطيور بالخصوص و اختيارها لأنّ فيها دقائق من صنع اللّه جلّ جلاله لا تكون في سائر الحيوانات، فتكون الإعادة نظير قوله تعالى: بَلى‏ قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة- 4].
أو لكون الطير أقرب إلى الإنسان فيصح أن يكون مثالا للحشر الأكبر و نفخة الإحياء، و في الطير خصال حسنة حثنا الشرع الأقدس بتعلّمها منهنّ‏
فعن عليّ (عليه السلام): «لو توكلتم على اللّه تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و ترجع بطانا».
أو لأنّ الطير أخف و أسهل انتقالا و يكون قتله و تقطيعه و جعله أجزاء متفرقة في زمان أقل من غيره.
و لا ريب في أنّ الطيور الأربعة من أنواع مختلفة لأنّ ذلك أتم و أكمل في إظهار قدرة اللّه تعالى و أدل على صنعه عزّ و جل.
قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً.
أي: اذبحهنّ و صيرهنّ أجزاء و امزج تلك الأجزاء لئلا تتميز ثم فرق تلك الأجزاء و اجعل على كلّ جبل جزءا.
و هذه الآية تدل دلالة واضحة في المحاورات العرفية على سبق الذبح و التقطيع و الخلط، فلا وجه لما عن بعض المفسرين من إنكار الدلالة.
و الوجه في العطف ب (ثم) الدال على التعقيب مع التراخي لأنّ هذه العملية إنّما تكون بعد إمالة الطيور و تأنيسها و معرفة خصوصياتها و طباعها ثم‏ ذبحها و تقطيعها و خلطها كلّ ذلك يحتاج إلى مدة.
و إنّما أمر سبحانه بالجعل على الجبل دون سائر المواضع إما لكونه أبين في إظهار القدرة، أو لكونه أظهر في الفصل بين الأجزاء، أو لكونه مثالا لبعث الموتى من مشارق الأرض و مغاربها بإذن اللّه تعالى، أو لأنّ الطيور إنّما توكر في الأماكن المرتفعة دون غيرها.
و الآية الشريفة مطلقة لا يستفاد منها أنّ الجبال كانت في منطقة واحدة، بل يمكن أن تكون بينها مسافات بعيدة بأن كان بعضها في بابل و بعضها في الشام و بعضها في بيت المقدس و آخر في الحجاز لأنّ ذلك أبين في إظهار قدرة اللّه تعالى.
كما لا يستفاد من الآية الشريفة أنّ هذه القضية كانت في زمان واحد بل يمكن أن تكون في أزمنة متعدّدة.
قوله تعالى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً.
السعي في المقام: سرعة السير في الطيران. و نسب إلى الخليل أنّ المراد به سعي إبراهيم (عليه السلام) لا الطير و لا وجه له.
و المعنى: ثم نادهنّ بأسمائهنّ تأتيك الطيور بكامل هيئتها و خصوصياتها مسرعات، و يمكن أن يكون الدعاء بلسان الطير فإنّه (عليه السلام) ممن علم منطق الطير لأنّه تعالى أراه ملكوت السّماوات و الأرض.
و قد اكتفى سبحانه و تعالى بذكر الوعد عن الوقوع لأنّ اللّه لا يخلف الميعاد، و لما هو المعلوم من قدرة اللّه تبارك و تعالى.
و إنّما ذكر سبحانه ادْعُهُنَّ دون الصياح و النداء، لأنّ الدعاء هو التكلم مع الغير مع ذكر اسمه، و يستعمل في القريب أيضا و هو مع تقارب الجبال واضح، و أما التباعد فيمكن أن يكون قد نقل الهواء صوت الخليل (عليه السلام) كما ينقل الأصوات من مشارق الأرض إلى مغاربها عبر الأثير بواسطة المذياع و التلغراف و نحوهما.
و يمكن أن يكون الدعاء هو التسخيري التكويني منه كما في قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج- 27]، و قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت- 11].
و يحتمل أن يكون هذا الدعاء بمنزلة نفخة الإحياء بإذن اللّه تعالى كما في نفخة إسرافيل التي بها تحيا الأموات و يبعثون كأنّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر- 8]، فتكون هذه القضية الحشر الأصغر يستدل به على الحشر الأكبر.
و كيف كان فإنّ بدعوة إبراهيم (عليه السلام) تعلّق الروح بالجسد فأتت الطيور مسرعات و بذلك شاهد (عليه السلام) كيفية تعلق الروح بالجسد و البعث و النشور.
قوله تعالى: وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
أي: و ليتأكد علمك أنّ اللّه عزيز لا يغلبه شي‏ء و لا يعجزه أمر، حكيم في أفعاله لا يفعل إلا بمقتضى الحكمة.
و إنّما خص عزّ و جل هذين الاسمين بالذكر لبيان كمال قدرته و عدم عجزه حتّى إعادة الموتى و لو كانوا كثيرين لا يحصيهم الا اللّه تعالى، و أنّه يفعل ذلك وفق الحكمة المتعالية فمن الحكمة أنّه جعل لكلّ أمر طريقا لائقا به، و أنّه أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها.

تدل الآية الشريفة على أمور:
الأول. أنّها تدل على إعادة حياة الإنسان و الحيوان و غيرهما، و المعاد في الشرايع السّماوية و المعارف الربوبية عدل المبدإ و نظيره فلا أثر لمبدإ بلا معاد، و لا وجود لمعاد بلا مبدإ فهما متلازمان في قانون النظام الأحسن المبني عليه نظم العالم و خلق بني آدم، و هو من مظاهر قدرته عزّ و جلّ و قهاريته، و ليس هو من المحالات الذاتية في فطرة العقول حتّى لا تتعلّق قدرة اللّه تعالى به.
و إنّما استبعد ذلك، لحصول شبهات في الخواطر و هو أعم من الامتناع الواقعي، و قد اختلط في الأذهان بين الاستبعاد الاعتقادي و الامتناع الواقعي، و جعل الأول كالثاني مغالطة.
و بالجملة: إنّ مصير التكوين طبعا إلى المعاد كما يكون مصير الشجرة إلى الثمرة إلا أنّ بعضها حلوة و بعضها مرّة، فهو من طريق الوصول إلى الغاية لا بد أن يتحقق في النظام الأحسن، إذ لا يمكن تصوّر نظام بدون غاية كما لا يمكن تعقّل تكوين بلا مبدأ و هو مما لا بد منه في جملة الأصناف و الأنواع فضلا عن النوع الأتم الذي هو الإنسان.
و الموت إنّما هو قطع ارتباط بين الروح و الجسد فيقع كلّ واحد منهما في المسير الذي لا يعلم حدوده و خصوصياته و سائر جهاته إلا اللّه تعالى المهيمن على الجميع، و يستحيل أن يحيط المحدود بما هو غير محدود فردا و صنفا و نوعا و إن شرقت شارقة من عالم الغيب على قلب من يختاره اللّه تعالى لذلك، فهو محدود تكوينا بقدر استعداده و ليس الكتاب التكويني إلا مثل الكتاب التدويني الذي أنزله اللّه تعالى على قلب حبيبه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال عزّ و جل فيه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء- 88]، فكذلك الكتاب التكويني الذي أهم أوراقه بل جميعها المعاد و إنّما جعلت الدنيا مقدمة لشرح نظمه و صحائفه، فكلّ من العالمين متلازمان تلازم الحاكي و المحكي فهو أصل الحقيقة التي يتفرّع عنها المجاز الذي هو الدنيا- بكلّ معنى المجازية- فهي مجاز باعتبار كونها معبرا، و مجاز أي لا حقيقة لها.
و مجاز أي لا بد من إيجاد وجه تناسب بينها و بين الآخرة كما هو واضح لذوي الفطرة المستقيمة و الأذهان السليمة، و لو نزّل الناس الدنيا من الآخرة منزلة اللفظ من المعنى لنالوا الحظ الأوفى و الدرجة الأرقى، و من نزّلها منزلة القشر من اللب فقد حاز الدّرجات العليا.
و من ذلك كلّه يعلم أنّ إنكار المعاد ليس إلا كإنكار الشمس التي هي وراء السحاب. و سيأتي في مستقبل الكلام تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.
الثاني: يستفاد من ظاهر الآية الكريمة أنّ طلب إبراهيم (عليه السلام) كان لمشاهدة كيفية إحياء اللّه تعالى الموتى الذي هو من فعله عزّ و جل بجميع خصوصياته التي منها قبول الأجزاء المادية لإفاضة الحياة و يدل على ذلك أمور:
منها: السؤال عن الرؤية و المشاهدة و هي لا تتحقق بمجرد الاستدلال‏ و بيان الحجة فقط كما هو واضح فإنّ الظاهر من قوله أَرِنِي إرادة الوصول إلى حق اليقين بعد طيّ مراحل أصل العلم و علم اليقين.
و منها: إتيان الفعل المضارع تُحْيِ بضم التاء من الإحياء دون غيره الدال على كيفية تأثيره عزّ و جل و إظهار فعله تعالى.
و منها: ذيل الآية الكريمة وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الدال على وجدان الذات المقدسة بكلّ ما تتطلبه مخلوقاته و ما تستحقه الأشياء فلو كان السؤال لمجرد معرفة تأثر الأجزاء و حياتها لكان في إظهار القدرة و بيانها كفاية في المطلوب كما في الآية السابقة.
و منها: أنّه تعالى أراد بيان أنّ إبراهيم (عليه السلام) مظهر حقيقة المعاد كما أنّه مظهر مبادئ التشريع في القوانين السّماوية للعباد أيضا للتلازم بين مبدئية التشريع و بيان المعاد.
و منها: بيان قيود خاصة و شروط معينة في الجواب الدالة على كونها مرتبطة بالسؤال و دخيلة في المعنى المقصود كما ذكرنا في التفسير و الظاهر أيضا أنّ إبراهيم (عليه السلام) فعل ما أمره اللّه تعالى و كان ذلك مقدمة لإراءته ملكوت السّماوات و الأرض و وصل إبراهيم بذلك إلى مرتبة حق اليقين.
و لكن ذكر بعض المفسرين: أنّ المراد من الآية الشريفة مجرد التمثيل الظاهري و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة و لا دلالة في الكلام على أنّ إبراهيم (عليه السلام) فعل ما أمر به، و ليس كلّ أمر يقصد به الامتثال فإنّ من الخبر ما يأتي بصورة الأمر لا سيّما إذا أريد به مزيد بيان و ذكر وجوها لتأييد ما ذكره.
منها: أنّ معنى «صرهنّ» أملهنّ و هو المناسب لتعدي الفعل ب (إلى)، و لو كان المراد ب «صرهنّ» قطعهنّ لما كان وجه لقوله إِلَيْكَ كما أنّه المناسب للتراخي في قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ بخلاف ما ذكره المفسرون، و أما الذبح و التقطيع فليس في الآية المباركة ما يدل عليهما.
و منها: أنّ الضمائر في قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ و مِنْهُنَّ و ثُمَ‏ ادْعُهُنَّ راجعة إلى الطيور و ليست إلى الأجزاء فلو كان المراد تقطيعها و تفريق الأجزاء على الجبال يلزم منه التفرقة بين الضمائر فيعود بعضها و هو «صرهن» و «منهن» إلى الطيور و بعضها الآخر إلى الأجزاء و هو خلاف الظاهر.
و منها: أنّ إراءة كيفية الخلقة إما أن تكون بمعنى مشاهدة كيفية قبول الأجزاء للحياة و تغيّر صورها إلى الصورة الأولى الحيّة فهي لا تحصل بما ذكره مشهور المفسرين من الذبح و تقطيع الأجزاء و تفريقها على الجبال إذ كيف يتصور مشاهدة ما يعرض على الذات من الحركات و التغيّرات و الحال هذه.
و إما أن تكون بمعنى الإحاطة بكنه كلمة «كن» التي هي الإرادة الإلهية فظاهر القرآن و إجماع المسلمين على عدم الإحاطة بها و صفات اللّه تعالى منزّهة عن الكيفية.
و منها: أنّ المناسب كما ذكره المشهور أن يختم الكلام باسم القدير دون الاسمين الشريفين العزيز الحكيم.
و لكن فساد ما ذكره واضح بعد التأمل في الآية الشريفة و ما ذكرناه في تفسيرها فإنّ ذلك لا يناسب سياقها و لا المحاورات الصحيحة و قد ذكرنا في قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ ما بوضح المعنى و التعدي ب (إلى) لمكان التضمين و بيان شدة الإيناس و الاستيناس بالطيور.
و أما الضمائر فهي راجعة إلى الطيور و هذا العنوان موجود في جميع التقلبات و الاستحالات الواردة عليهنّ كما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى.
و أما معرفة فعل اللّه تعالى فلا مانع من ذلك عقلا و نقلا إذا أضيفت إلى الممكن و الكيفية المنفية إنّما هي المضافة إلى الذات الأقدس فإنّه تعالى لا كيف له و الأولى هي المراد بملكوت السموات و الأرض التي رآها ابراهيم (عليه السلام) بإرادة من اللّه تعالى.
و أما أنّ المناسب أن يختم الكلام باسم القدير فقد عرفت أنّ الأمر ليس كذلك بل الختم بالاسمين الشريفين فيه الدلالة على ما ذكرناه بخلاف الختم باسم القدير، مع انطواء الاسمين الشريفين على القدير و شي‏ء زائد عليه كما هو معلوم.
الثالث: يدل قوله تعالى: كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ على أنّ لكثرة الأموات دخلا في السؤال فإنّ إحياء الأجساد الميتة التي تغيّرت صورها و استحالت أجزاؤها و فني الارتباط بينها له الأهمية الكبرى و فيه تمام القدرة و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى حكاية عن فرعون: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى‏ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى‏ [طه- ٥۲]، حيث خص العلم بذلك في اللّه عزّ و جل فكان الجواب بما يفي المطلوب كما عرفت.
الرابع: يستفاد من قوله تعالى: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ كمال اللطف و العناية، و الخلة بين الخليلين، و هو يدل على عتاب الخليل لخليله أيضا في مقام الخلة، و لا يعقل لذة فوق ذلك، و لا يصل أحد إلى هذه المرتبة إلا بعد فناء الاثنينية و انتفاء المغايرة من البين غاية الانتفاء.
الخامس: إنّما حذف المتعلّق في قوله تعالى: وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ليشمل جميع ما يمكن تصوره في طمأنينة القلب التي منها الثبات عند الخطرات، و منها التحمل لنزول الإفاضات و البركات، و منها الاستقامة لدى التجليات، و منها الرجوع إلى الخلق لافاضة المعارف و الخيرات و غير ذلك مما لا يحيط به الا مثل الخليل، و لعل آخرها ما أشار إليه عزّ و جل بقوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر- 28].
و بالجملة: فكما أنّ القلب منشأ الحياة الحيوانية، كذلك يكون محور جميع الواردات الغيبية و المعارف الربوبية و له شأن عظيم.
السادس: يمكن أن تكون الأربعة في قوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فردية، و يحتمل أن تكون الأربعة نوعية أي: خذ من أربعة أنواع أصنافا و أفرادا و يحتمل أن تكون إشارة إلى الطبائع الأربعة و هي الشهوة، و الغضب، و الكبر، و الحرص و كلّ واحدة منها تشير إلى طبيعة خاصة.
السابع: يستفاد من قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً أنّ للأنس مع أولياء اللّه تعالى ثم دعاؤهم دخلا في حياة الموتى و هو يدل على أنّ القلوب الميتة إذا آنست مع الأنبياء العظام و من يتلو تلوهم من أولياء اللّه تعالى تحيا حياة حقيقية طيبة، و لعل ذلك أهم الأسرار في هذه الآية الشريفة فالمأنوسون مع خليل الرحمن مأنوسون مع الرحيم الحنان إذ لا واسطة في مقام الخلة.
الثامن: أنّ في قوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْياً إشارة إلى أنّ التسخير التكويني الذي يكون بين المخلوق و الخالق موجود بالنسبة إلى الخليل أيضا و هو إنّما يكون فوق الزمان، و الوارد في الآية الشريفة إنّما هو بلحاظ حال المخاطبين و حدود فهمهم و الا فمقام الخلّة أجلّ من أن يحيط به الزمان.
و يستفاد منه أيضا، أنّ الموجودات تسعى إلى امتثال أوامر وسائط الفيض الأقدس الإلهي، فإنّ الجميع تسبّح بحمد ربّها و مسخرة تحت أمره.
و من ذلك يظهر الفرق بين إحياء خليل الرّحمن (عليه السلام) و إحياء عيسى (عليه السلام) فإنّه لم يرد لفظ بِإِذْنِي في مخاطبة اللّه تعالى مع خليله تجليلا لمقام الخلّة و هو مقام صرف الفناء و الوحدة فلا وجه لحظور جهة الاثنينية و إن كان في الواقع هو بإذنه بخلاف مقام عيسى (عليه السلام) فإنّه ورد فيه لفظ بِإِذْنِي كثيرا و للكلام تتمة تأتي إن شاء اللّه تعالى.
التاسع: دعاء إبراهيم (عليه السلام) للطيور إلى البروز إلى عالم الحياة بعد الممات في الواقع إنّما هو دعاء الرّب الجليل صدر على لسان عبده الخليل كما في قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ [الأنفال- 17]، فيكون خليل اللّه تعالى و حبيبه محمد (صلّى اللّه عليه و آله) من مظاهر تجلّي اللّه جلّت عظمته قولا و عملا في النشأة الإنسانية، و أقوى الروابط بين العباد و ربّ البرية، و أهم الأسباب في عالم الكون و الفساد، و لكن هناك فرق بين التجليين يأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى ذكره.
العاشر: يدل قوله تعالى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً على تجرد النفس و بقائها بعد فناء الجسم و تلاشي أجزائه و تبدّد أوصاله و قد تقدم في أحد المباحث السابقة الاستدلال على تجرد النفس فراجع.
الحادي عشر: يدل قوله تعالى: وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ على أنّ إبراهيم (عليه السلام) إنّما كان سؤاله و طلبه لأجل معرفة حقيقة هذين الاسمين الشريفين و بالجواب ظهر تجلّيه تعالى له و جعله مظهرا من مظاهر العزة و الحكمة.

في المعاني عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال: «استجاب اللّه عزّ و جل دعوة إبراهيم (عليه السلام) حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ و هذه آية متشابهة و معناها أنّه سأل عن الكيفية، و الكيفية من فعل اللّه عزّ و جل متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيب و لا عرض في توحيده نقص فقال اللّه عزّ و جلّ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ هذا شرط عام من آمن به، متى سئل واحد منهم: «أو لم تؤمن» وجب أن يقول: «بلى» كما قال إبراهيم (عليه السلام) و لما قال اللّه عزّ و جل لجميع أرواح بني آدم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ كان أول من قال بلى محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فصار بسبقه إلى (بلى) سيد الأولين و الآخرين و أفضل النبيين و المرسلين، فمن لم يجب عن هذه المسألة بجواب إبراهيم فقد رغب عن ملّته قال اللّه عزّ و جل:
وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ثم اصطفاه اللّه عزّ و جل في الدنيا».
أقول: الكيفية لها قسمان قسم يضاف إلى اللّه تعالى من باب الوصف بحال ذاته المقدّسة، و هذا باطل بلا ريب و لا إشكال للأدلّة العقلية و للنصوص الكثيرة الدالة على نفي الكيفية عنه عزّ و جل‏ قال (عليه السلام) «هو الذي كيّف الكيف و لا كيف له».
و قسم يضاف إلى المخلوق و لا إشكال فيه لكونه معرضا لذلك، و ما أثبته (عليه السلام) إنّما هو من القسم الثاني دون الأول.
و لعلّ المراد من التشابه تشابه الآية المباركة من حيث احتمال ورود الشك على قلب إبراهيم (عليه السلام) و هو باطل. و بقية الحديث ظاهر بأدنى تأمل.
و في المحاسن عن صفوان بن يحيى عن الرضا (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أ كان في قلبه شك؟
قال (عليه السلام): «لا، كان على يقين و لكنّه أراد من اللّه الزيادة في يقينه».
أقول: روي قريب منه في الكافي و تفسير العياشي‏ و بناء على هذا الحديث يكون الاستفهام بالنسبة إلى عين اليقين لا بالنسبة إلى أصل العلم و حق اليقين.
في تفسير القمي عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): «أنّ إبراهيم نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها سباع البرّ و سباع البحر ثم يثب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا، فتعجب إبراهيم فقال: يا ربّ أرني كيف تحيي الموتى؟ فقال اللّه تعالى أو لم تؤمن؟ قال بلى و لكن ليطمئنّ قلبي قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهنّ جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا و اعلم أنّ اللّه عزيز حكيم. فأخذ إبراهيم (عليه السلام) الطاووس و الديك و الحمام و الغراب فقال اللّه عزّ و جلّ: فصرهنّ إليك أي قطعهنّ ثم اخلط لحمهنّ، و فرقهنّ على عشرة جبال، ثم خذ مناقيرهنّ و ادعهنّ يأتينك سعيا ففعل إبراهيم ذلك و فرقهنّ على عشرة جبال ثم دعاهنّ فقال: أجبنني بإذن اللّه فكانت تجتمع و تتألف لحم كلّ واحد و عظمه إلى رأسه، فطارت إلى إبراهيم (عليه السلام) فعند ذلك قال إبراهيم: إنّ اللّه عزيز حكيم».
أقول: صدر الحديث يبيّن الشبهة التي تعرض في جميع الأذهان و هي مشهورة ب (شبهة الآكل و المأكول) و لعلّ ألهم خليل الرحمن (عليه السلام) أن يستفهم جواب هذه الشبهة عن اللّه تعالى، و يرى الجواب عيانا ليبينه للناس و هذه عادة جميع الأنبياء في مقام الاحتجاج على الخلق.
و أما أفراد الطيور فقد اختلف في ذلك و سيأتي عن قريب.
و في العيون عن الرضا (عليه السلام): «أنّ اللّه تعالى أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) إنّي متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته فوقع في نفس إبراهيم (عليه السلام) أنّه ذلك الخليل فقال: ربّ أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى و لكن ليطمئنّ قلبي على الخلّة قال: فخذ أربعة من الطّير فصرهنّ إليك ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا ثم ادعهنّ يأتينك سعيا و اعلم أنّ اللّه عزيز حكيم. فأخذ إبراهيم (عليه السلام) نسرا و بطا و طاووسا و ديكا فقطعهنّ و خلطهنّ ثم جعل على كلّ جبل من الجبال التي حوله و كانت عشرة منهنّ جزءا- الحديث-».
أقول: هذا جواب حسن ذكره (عليه السلام) عما يخطر بالبال من الإشكال على قوله: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و لكن ذلك لا ينافي ما ذكرناه في معنى الاطمينان و هو الوصول إلى عين اليقين إذ لا فرق في الوصول إليه بين أن يكون بمقام الخلّة أو بمقامات أخرى.
و في العلل و العياشي و المجمع عن الصادق (عليه السلام): «أنّ الطيور كانت: الديك، و الحمامة، و الطاووس، و الغراب» و في رواية أخرى بدل الغراب «الهدهد»، و في ثالثة بدل الغراب «الوزة» و بدل الحمامة «الوزة».
أقول: الروايات في أسماء الطيور مختلفة، و لا إشكال فيها بناء على ما قلناه من أنّ المراد بالأربعة أربعة أنواع من الطيور، و في كلّ نوع أصناف مختلفة و أهمية المعاد و عظمته إنّما تظهر في ذلك و هو أبين لقدرة اللّه تعالى على الفصل و المعاد بعد تحقق الضم و الاتحاد.
و كذلك لا إشكال في هذا الاختلاف في أسماء الطيور لو أريد من الأربعة الطبايع الأربعة المختلفة كما مر.

الآية الشريفة تدل على كمال الخلّة بين الرب الجليل و إبراهيم الخليل فإنّه قد ارتفع بينهما الستر و الحجاب و أزيل الغطاء و النقاب و انتفت المغايرة من البين. و ذلك لأنّ العبودية ظهرت بجميع آثارها على إبراهيم (عليه السلام) و قد وقعت جميع أفعال جوارحه في مرضاة اللّه تعالى و استولت العبودية المحضة على خطرات قلبه، و فدّى جميع شؤونه في حبّ اللّه عزّ و جلّ و محى تمام ما يتوهم فيه البعد و الافتراق، فشرقت على قلبه الأنوار القدسية فاتخذه اللّه خليلا و جعل الحبيب من نسله فصار الخليل يفتخر بالحبيب و الحبيب يفتخر بالخليل لما بينهما من الجامع القريب من شروق النور الأزلي على قلبهما و الوصول إلى مقام الوصال و الينبوع الذي لا يعقل فيه النفاد و بمدبر حكيم لا يتصور فيه التغيّر و الفساد فكان أن نال رتبة البقاء: «فإنّ آخر الفناء في اللّه تعالى أول البقاء به» و صدر منه العجائب و الغرائب لأنّه مستمد من مدد الغيب الذي لا حدّ له، فيكون إحياء الموتى على يديه أيسر شي‏ء عليه بل تكون مقاليد الجنة و النار مطروحة لديه و مثله يطفي النيران و تناديه جهنم‏
«جز يا مؤمن فإنّ نورك يطفئ لهبي» هذا بعض مقامه فإنّ اللفظ قاصر عن بيان التمام.
و يمكن أن يستأنس من الآية الشريفة: أنّه لا بد للإنسان أن يزيل عنه الخصال المذمومة و يميتهنّ في نفسه حتّى يتمكن من إحياء الموتى لأنّ في كلّ‏ طير من تلك الطيور الأربعة خصلة مذمومة من العجب و الحرص و الكبر و الشهوة و نحوها.
و هي تدل على أنّ المؤانسة مع أولياء اللّه تعالى توجب الاعتدال في النفوس فيكون قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ كناية عن العلوّ المعنوي الحاصل بمجرد هذه الإضافة و تصير الأشياء مسخرة تحت أمره.
و بالجملة: إنّ كلّ ما يقال في المكالمة بين الخليلين لا يمكن أن يجعل لها تحديد بأيّ وجه من الوجوه.
و قال بعض المفسرين: إنّ مورد الإحياء خصوص قلب إبراهيم (عليه السلام) لأنّه وجد في قلبه محبة ولده فنزل قلبه منزلة الموتى فقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏. و لكنّه مردود، لأنّه لا يساعده دليل من العقل و النقل بل هو مخالف لمقام إبراهيم الخليل إن لم يكن سوء أدب بالنسبة إليه.
نعم، حبّ ولده يرجع إلى حبّ اللّه تعالى كما هو شأن الأنبياء و المخلصين و ذلك لا يوجب إماتة القلب.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"