1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 254

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (25٤)


أمر سبحانه و تعالى في ما تقدم بالإنفاق بأسلوب لطيف فيه التحبب و الترغيب و العناية بالمنفقين و عقب هنا الأمر بالإنفاق للمؤمنين خاصة بأسلوب آخر فيه الترهيب و ذلك لأنّ الآية الأولى كانت بعد الأمر بالقتال في سبيل اللّه تعالى و إخبار الأمم الماضين فالمقام يقتضي الترغيب إلّا أنّ هذه الآية وردت بعد اختلاف الأمم و اقتتالهم بعد ما جاءتهم البينات فاقتضى الترهيب، أو لاختلاف النفوس فإنّ أكثر الناس لا يفيدهم الترغيب إن لم يكن مقرونا بالترهيب، فأمر سبحانه بالإنفاق قبل أن تنقطع الأسباب و يأتي يوم لا يرجى الا رحمته و لا ينفع الإنسان إلا ما قدمه في هذه الحياة وعدّ سبحانه و تعالى من لم يعمل بأحكامه و أوامره عزّ و جل من الكافرين الظالمين لأنفسهم المستوجبين للعقوبة و الخذلان بسوء اختيارهم و خبث ضمائرهم.

۲٥٤- قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ.
الخطاب للمؤمنين باعتبار أنّهم أشرف الأفراد أو لأنّهم المؤهلون لقبول الأحكام الإلهية أو لغير ذلك مما ذكرنا في مثله، و قد تقدم أنّه خطاب مدني نزل بعد هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة و نزول جملة من الأحكام الشرعية.
و الإنفاق معروف و هو يشمل الواجب منه و المندوب، و يستفاد من نسبة الرزق إليهم الحث على الإنفاق فإنّ ما عندهم إنّما هو رزق من اللّه تعالى- فهو إنفاق من مال اللّه الذي رزقهم- و هو الرازق و المنعم عليكم أي: أنفقوا من بعض ما جعلكم مستخلفين فيه.
قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ.
البيع معروف و هو إعطاء المثمن و أخذ الثمن، و الشراء عكسه، و قد يطلق أحدهما على الآخر.
أي: أنفقوا من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا يمكن ابتياع شي‏ء للتفدية به و حفظه نفسه.
قوله تعالى: وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ.
الخلّة و الخلال خالص المودة بحيث تخلل في جميع الجسد كتخلل الروح فيه، يقال: قد تخلّلت مسلك الروح منّي. و سمي الخليل خليلا لأجل ذلك.
أي: أنّ يوم القيامة تنقطع فيه الأسباب الظاهرية التي كانت دائرة في الدنيا فلا تنفع الصداقة فإنّ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف- ٦۷]، و لا تفيد الشفاعة فإنّها لا تكون إلا لمن اتخذ عند اللّه عهدا أو لِمَنِ ارْتَضى‏ [الأنبياء- 28]، و الأمر يومئذ كلّه للّه.
و نظير الآية قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة- 123]، فليس للإنسان إلا ما سعى في هذه الدنيا.
و المراد من الشفاعة المنفية في هذه الآية و نظائرها: شفاعة بعض أهل الدنيا لبعضهم الآخر لأغراضهم الدنيوية، و أما الشفاعة بإذنه جلّت عظمته للعصاة على ما أذن فيه تعالى، فلا ريب في ثبوتها في الآخرة عقلا و شرعا، كما يأتي في البحث الكلامي.
و يمكن أن تحمل الشفاعة المنفية على الصّداقة المتحققة في الدنيا، كما عن بعض المفسرين. و لكنّه بعيد عن سياق الآية المباركة.
قوله تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
أي: التاركون للإنفاق مما رزقهم اللّه تعالى المعرضون عنه هم الظالمون لأنفسهم إذ حرموها السعادة الأبدية، و أوجبوا على أنفسهم الشقاوة الدائمة الخالدة، فقد تركوا ما يؤهلهم لنيل رحمة اللّه و نجاتهم فأي ظلم يتصوّر أشد من هذا.
و الآية تثبت أمرا حقيقيا و هو عالم الآخرة التي تنقطع فيه الأسباب الظاهرية التي كانت تدور في عالم الدنيا فلا يفيد في ذلك العالم الا ما سعى‏ الإنسان في هذا العالم و تدل على ذلك جملة كثيرة من آيات الذكر الحكيم قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ [المجادلة- ٦]، و قال تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ [البقرة- 281]، إلى غير ذلك من الآيات المباركة، و كذلك السنة الشريفة.
و يمكن أن يقام الدليل العقلي عليه أيضا فإنّ الإنسان إذا بلغ في السّير التكاملي إلى مقام خلاقية النفس بكلّ ما يشاء و ما يريد لا يرى إلا ذاته- كما أثبته أكابر الفلاسفة- فيكون كمال ذاته و ابتهاجها بذاته من دون احتياج إلى شي‏ء آخر حتّى يمكن تداركه بالبيع أو الخلّة، و كذا إذا وصل في النزول إلى مرتبة لا ينفعه شي‏ء أبدا، فكلّ واحد من الخلودين ينقطع فيهما الأسباب و الحاجات ففي قوس الصعود تنقطع حاجات الدنيا بانفتاح أبواب البركات المعنوية، و في غاية قوس النزول تنقطع الحاجات بالمرة، لعدم إمكان رفع الحاجة و التدارك، بالخلّة، أو الشفاعة التي لم تكن إلا بإذن اللّه تعالى.
و في الآية الشريفة كمال التحريض على اغتنام الفرصة بأيّ وجه أمكن قبل فواتها مثل قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [المائدة- ٤۸]، و قوله تعالى: سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ [الحديد- 21].
و قول عليّ (عليه السلام): «اغتنموا الفرص فإنّها تمر مرّ السحاب».

تدل الآية الشريفة على أمور:
الأول: يدل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا على رجحان الإنفاق عقلا و شرعا و إطلاقه يشمل الواجب و المندوب كما يشمل جميع ما رزقه اللّه تعالى لعبده المؤمن من مال أو جاه أو نفع أو منفعة أو انتفاع، أو الاعتقاد الصحيح و العلم النافع و العمل الصالح بشرط أن يكون لمرضاة اللّه فإنّ ذلك هو المقصود الأصلي من إنفاق ما رزقه اللّه تعالى.
الثاني: تدل الآية الشريفة على أنّ ترك العمل بما أنزله اللّه تعالى و التقصير في الانتفاع بصالح الأعمال مع العلم بالارتحال من هذه الدنيا و عدم الاستقرار في دار الزوال كل ذلك يوجب الحسرة العظمى في دار القرار و هي كافية في العذاب و لا يحتاج إلى عذاب النار، و لذا لم يعيّن سبحانه و تعالى نوعا من العذاب في هذه الآية الشريفة، و إنّما بيّن انقطاع أسباب التوقّي التي كان يتخيل أنّها تنفع في تلك الدار.
الثالث: يمكن أن يراد بالبيع مطلق المبادلة المالية و الانتقال بيعا كان أو هدية أو غيرهما مما يدور هذا العالم عليه، كما أنّه يمكن أن يراد بالخلّة مطلق‏ المصاحبة الدائرة بين أفراد الإنسان في هذه الدنيا كما في قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ [عبس- 25]، و إنّما أتى بالخلّة لبيان أنّها إذا لم يفد هذا النوع من المصاحبة فغيرها بطريق أولى.
الرابع: تدل الآية الشريفة على أنّ الدنيا دار عمل و اكتساب و الآخرة دار جزاء و ثواب و يمكن أن يكون‏ قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «الدنيا مزرعة الآخرة» مكتسبا من أمثال هذه الآية المباركة.
الخامس: الآية الشريفة ظاهرة في تبدل الصور الدنيوية إلى صور أخرى تناسبها في عالم الآخرة، فإنّ البيع و الخلّة و الشفاعة التي كانت دائرة في هذه الدنيا، فإنّ جميعها تتبدل إلى صور أخرى إما بما ينافيها إن كانت لغير اللّه تعالى، أو بما هو أشرف منها إن كانت للّه تعالى.
و تبدل الصور و انقلابها لا يختص بعالم الآخرة بل هي دائرة في هذه الدنيا- كما أثبته أكابر الفلاسفة (رحمهم اللّه تعالى)- و أنّ القصور و الترتيب في العوالم، إنّما هو بالنسبة إلى المدرك- بالكسر- لا في الواقع و الحقيقة، فإنّ عدم رؤية الأعمش إنّما هو لقصور في بصره لا لقصور في المبصر، و هذا بحث علمي دقيق نتعرّض له في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
السادس: إنّما قال تبارك و تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ المستفاد من سياقه الحصر، لأنّ الكفر باللّه العظيم أو باليوم الآخر من أقوى و أغلظ الحجب بين النفس الإنسانية و المعارف المعنوية و الكمالات الحقيقية و لا يرتفع هذا الحجاب القوي الشديد بأيّ رافع و في أيّ عالم من العوالم التي ترد على الإنسان ما لم يرفعه عن نفسه باختياره الإيمان في هذا العالم، فتركه باختياره ظلم لنفسه كذلك.
و يمكن أن يستأنس من هذه الآية المباركة و أمثالها بشارة إلهية و هي أنّ كل ما ورد في القرآن الكريم من الإيعاد على الظلم يراد به ترك الإيمان باللّه تعالى- أي الكفر- باختياره بقرينة ما تواتر عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) عن اللّه تعالى: «كلمة لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن عذابي» اللهم ثبتنا في هذا الحصن العظيم و اهدنا الصراط المستقيم.

قرأ بعض الآية الشريفة لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ بالنصب من غير تنوين و كذا في نظائر المقام كقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ [إبراهيم- 31]، و قوله تعالى: لا لَغْوٌ فِيها وَ لا تَأْثِيمٌ [الطور- 23]، و ذلك حملا للنفي على الاستغراق لجميع الوجوه المتصورة في كلّ صنف و استشهد بقول حسان بن ثابت: ألا طعان، ألا فرسان عادية إلا تجشؤكم حول التنانير و حينئذ تكون لا و المنفي في موضع رفع بالابتداء، و الخبر (فيه). أو صفة (اليوم).
و المشهور قراءة الآية الشريفة بالرفع و التنوين، لأنّ (لا) بمنزلة (ليس) فيكون المرفوع مبتدأ أو اسم ليس و الخبر (فيه) فيكون الجواب غير عام. و هناك وجوه ثلاثة أخرى في إعراب هذه الجملة مذكورة في الكتب المفصّلة في إعراب جملة (لا حول و لا قوة إلا باللّه).

للحق جلّت عظمته تجليات:
منها: تجلّي ذاته بذاته لذاته، و فيه تجلّي علمه و حكمته و قدرته و جميع الصفات الراجعة إلى الذات الأقدس و يلزم ذلك ابتهاج الذات بالذات و لا يعقل حد لهذا الابتهاج المنبعث عن الجامعية المطلقة للكمال المطلق فوق ما نتعقله من معنى الكمال و يقصر عن شرحه المقال.
و منها: تجلّيه تعالى في صفاته الفعلية لما سواه و يلزم ذلك التكثر في المتعلّق لا في الذات لكن من ينظر إلى أنّ التكثرات من حيث إنّها من آثار تجلّيه تعالى يرى وحدة التجلّي من حيث الإضافة إلى الواحد الأحد لا من جهة التكثرات‏ و قد نسب إلى عليّ (عليه السلام): «ما رأيت شيئا الا و رأيت اللّه قبله و معه» و كذا يمكن ذلك لمن كان منقطعا إليه تعالى بحقيقة معنى الانقطاع فالبيع و الخلّة و الشفاعة لأهل الانقطاع إليه عزّ و جل كمال الانقطاع تكون من مظاهر إذنه و تجلّياته.
و منها: تجلّياته التي تحصل باختيار عباده الصالحين فكلّ فعل من الأفعال الحسنة أضيف إليه عزّ و جل يكون من مظاهر تجلّيه خصوصا الصّلاة الجامعة للشرائط كما مرّ.
و منها: تجلّيه في الآخرة و هو يقصر البيان و يعجز القلم عن تحديده وحده.
و منها: تجلّيه بإفناء ما سواه ثم إيجاد ما أفناه و هو يدل على قهاريته قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر- ۱٦]، إلى غير ذلك ممّا مرّ في بعض المباحث السابقة بل تجلّياته تبارك و تعالى غير محدودة كما قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن- 29].

من الألفاظ الشايعة في القرآن الكريم لفظ (الشفاعة) و مشتقاتها التي ربما تبلغ أكثر من ثلاثين موردا، و المستفاد من مجموع الآيات التي ورد فيها لفظ الشفاعة أنّها من الأمور الثابتة المتحققة بلا ريب و لا إشكال إلا أنّ في بعضها تنسب الشفاعة إلى اللّه تعالى بالأصالة و في بعضها الآخر تنسبها إلى غيره عزّ و جل برضاه و إذنه، فهي لا تنفي الشفاعة من أصلها.
و الشفاعة من الموضوعات التي كثر الاهتمام بها في الإسلام بل في سائر الأديان الإلهية، فقد بحث عنها في غير واحد من العلوم الإسلامية كعلم الكلام، و علوم التفسير و الحديث و الفقه.
و الإلمام بها يقتضي البحث في مفهوم الشفاعة و متعلّقها، و ثبوتها، و مورد جريانها، و شروطها، و زمان تحقّقها، و من تصح منه، و نسبتها إلى سائر المفاهيم الشرعية التي تثبت العفو و المغفرة و غير ذلك.

مادة (شفع) تأتي بمعنى ضم الشي‏ء مع غيره لغرض يترتب عليه، فالشفاعة هي انضمام المشفوع له مع المستشفع لنيل غرض لا يناله إلا بها.
و هي من الأمور الدائرة بين أفراد الإنسان لتحقيق أغراض خاصة و إنجاح بعض المقاصد كما أنّها من الرّوابط الاجتماعية الوثيقة بين الحاكم و المحكوم عليه.
و إذا تأملنا في الشفاعة الدائرة في الاجتماع الإنساني نلاحظ أنّها تكون من متمّمات الأسباب، فهي جزء المقتضي بالتعبير العلمي لا العلة التامة المنحصرة لأنّها لا تكون إلا فيما إذا كان المشفوع له قابلا في الجملة لنيل الغرض المترتب على الشفاعة فلا مجرى لها في ما لا قابلية له أصلا كما أنّها متوقفة على إذن المشفوع عنده للشفيع، فإذا أراد فرد أن ينال كمالا أو خيرا يليق به- ماديا كان أو معنويا- أو أراد الخلاص من عقاب المخالفة بعد استحقاقه يلجأ إلى الشفاعة، فيضم إلى سببه الناقص الذي عنده من لياقة أو نحوها سببية الشفيع الذي هو بدوره لا بد أن يكون مؤهّلا لقيامه بهذه الوساطة، فالشفاعة من الأسباب المتمّمة في التأثير لا المستقلّة هذه هي الشفاعة الدائرة في المجتمع و إنّها تتقوم بأمور:
الأول: أن يكون المشفوع له مؤهلا و قابلا لنيل الغرض و المراد في الجملة و إن كان ناقصا من جهة فيتمم تلك الجهة بالشفاعة فلا أثر للشفاعة في ما لا قابلية له أصلا كالشفاعة لفرد أمي لا يعرف شيئا أن يحوز منصبا علميّا كبيرا أو الشفاعة للمشرك أن يدخل الجنة.
الثاني: الشفاعة إنّما تكون في الأمور الخارجية عن الذات كالكمالات الاكتسابية التي تكون بالاختيار أو الأمور الموجبة لمخالفة القانون بالاختيار.
الثالث: أنّه لا مجرى للشفاعة في الأمور التكوينية و الأسباب الطبيعية سواء كانت من الخير و الشر أو النفع و الضر إلا بالعناية فيها فلا بد من الرجوع إلى أسبابها الطبيعية و الوسائل المناسبة فإنّ العطش مثلا إنّما يرتفع بالارتواء و الشرب، و الجوع بالأكل، و المرض بالدواء، و الحر بالوسائل المناسبة، و البرد باللبس و غير ذلك من الأمور الطبيعية و لا أثر للشفاعة فيها. نعم في جملة من التكوينيات يكون انضمام شي‏ء إلى شي‏ء آخر موجبا لحصول الغرض المقصود و تسمية ذلك بالشفاعة تكون بالعناية.
الرابع: أنّ الشفيع إنّما يكون جزء متمما آخر منضما لسببية المشفوع له إذا كان بحد نفسه قابلا للقيام بالسببية و مؤهلا لها فيتوسط بين المشفوع له‏ و المشفوع عنده بما يوجب نيل الكمال أو دفع الشر و العقاب و هو إنّما يتوسل لدى المشفوع عنده بما يؤثر عليه من صفات حميدة فيه عنده كالرّحمة و الكرم و نحوهما أو في المشفوع له كالعبودية و المذلّة و غيرهما.
الخامس: أنّ الشفيع إنّما يرجع إلى المشفوع عنده بما يرتضيه لا بما هو غير ممكن أو لا يرتضيه فإنّ ذلك قبيح لا يمكن أن يكون مورد الشفاعة فلا يرجع عليه في خلع المولوية عن نفسه أو إبطال الحكم و التشريع أو إلغاء المجازاة و نحو ذلك فإنّ هذه الأمور مما تقبح الشفاعة فيها و هو من المضادة و المعارضة لا من الشفاعة و إلى ذلك يشير قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود اللّه عزّ و جل فقد ضاد اللّه في أمره».
فالشفاعة عند العرف توسط بين السبب و مسببه فهي لا تخرج عن مطلق قانون السببية لكن لا على نحو المضادة و المعارضة و الغلبة كما في الأسباب الطبيعية و التكوينية.

تقدم أنّ الشفاعة قد وردت في القرآن الكريم في مواضع متعددة و السنة الشريفة بما لا يحصى و لم يرد تحديد من الشرع فيها فيستفاد أنّها في الإسلام هي نفس ما عليه في العرف و الاجتماع الإنساني إلا أنّ أثرها الكبير يظهر في يوم القيامة و ليس لها في هذه الدنيا ذلك الأثر الكبير، و لكن نسبة الشفاعة إلى اللّه عزّ و جل تكون على نحوين:
الأول: توسط الأسباب بينه تعالى و بين غيره فإنّه عزّ و جل المبدأ و المنتهى و إليه يرجع الأمر كلّه و هو المالك للخلق على الإطلاق و الرب لهم و له من الصفات العليا الحسنى و القيومية العظمى التي يدبر بها خلقه. و بينه تعالى و بين خلقه المحتاج إليه أسباب عادية و علل وجودية و وسائط كثيرة فإنّه أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها فتكون مجاري إعمال قدرته مثل مجاري الطبيعة و التكوين.
و إطلاق الشفاعة على هذا النوع من السببية صحيح و لا مانع منه عقلا، بل يستفاد ذلك من قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي‏ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس- 3]، حيث أورد الشفاعة بعد خلق السّموات و الأرض و التدبير لهما، فلا تكون إلا في أمور التكوين و يستفاد من الآية أنّ الشفاعة بهذا المعنى هي من جملة تدبير الخلق و تنظيم النظام الأحسن الربوبي، و يؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة- ۲٥٥]، فهذه هي الشفاعة التكوينية أي توسيط العلل و الأسباب الوجودية بين مسبب الأسباب و خالق الأرض و السّماء و بين خلقه المفتقر إليه.
الثاني: الشفاعة لديه تعالى بمعنى رفع العقاب عن عباده العاصين أو زيادة الثواب لعباده المطيعين، فإنّ اللّه تعالى أرسل الرسل مبشرين و منذرين مبلّغين صادعين بالحق و أنزل معهم الكتاب المشتمل على الأحكام التشريعية الراجعة إلى مصالح العباد و وضع الثواب للمطيعين و العقاب على العاصين و أقام الحجة في العباد و أتمها عليهم لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال- ٤۲]، و لكنّه تعالى رأفة بخلقه و رحمة بعباده جعل الشفاعة لنفسه، و هو من شؤون رحمته المطلقة التي وسعت كلّ شي‏ء و هذه هي الشفاعة في الجعل و التشريع.
و بعد كون أصل الشفاعة بيده و تحت استيلائه و قدرته، له تبارك و تعالى أن يجعلها لمن يشاء من خلقه و يريد وفق الحكمة البالغة و العلم الأتم، و تدل على ذلك جملة من الآيات الشريفة قال تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه- 109]، و قال تعالى: لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى‏ [النجم- ۲٦]، و إطلاق قوله تعالى: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ [الأنبياء- 28]، يدل على أنّه لا بد في الشفاعة من إذنه في المشفوع له و الشفيع. و قال تعالى: وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف- ۸٦].
و المستفاد من جميع ذلك: أنّ الشفاعة بجميع جهاتها و خصوصياتها لا بد أن تكون تحت اختياره و إرادته كما تدل على ذلك القاعدة العقلية أيضا فالشفاعة على نحو ما تقدم مطابقة للعقل و الشرع و العرف، فمن أنكرها بهذا المعنى إنّما ينكر أمرا وجدانيا يعترف به بجنانه و ينكره بلسانه.

لا ريب و لا إشكال في إمكان الشفاعة فهي ليست من المحالات الأولية، لما هو المتسالم بين الفلاسفة من أصالة الإمكان في كلّ شي‏ء الا إذا دل دليل معتبر على الامتناع، و لم يتخيل أحد في أنّ الشفاعة من الممتنعات الذاتية هذا بالنسبة إلى الإمكان الذاتي.
و أما الإمكان الوقوعي فقد دلت الأدلة العقلية و النقلية على وقوعها في الخارج على ما يأتي من التفصيل، و قد استدل على تحقق الشفاعة بالأدلة الأربعة: الكتاب، و السنة، و الإجماع، و العقل.

تدل عليها آيات كثيرة منطوقا و مفهوما، نفيا و إثباتا في الدنيا و الآخرة و هي على طوائف:
الاولى: الآيات التي تدل على انحصار الشفاعة في اللّه و اختصاصها به عزّ و جل قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر- ٤٤] و قال تعالى: ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة- ٤]. و قال تعالى: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ [الأنعام- 70].
الثانية: ما تدل على التعميم و ثبوتها لغيره عزّ و جل بإذنه و رضاه و هي كثيرة منها: قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة- ۲٥٥].
و منها: قوله تعالى: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ [الأنبياء- 28] و منها: قوله تعالى: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [مريم- 87] و منها: قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه- 109]، و منها: قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي‏ شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى‏ النجم- ۲٦].
الثالثة: ما تدل على ثبوت الشفاعة في الدنيا قال تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً [النساء- ۸٥] فإنّ سياقها يدل على أنّها في الدنيا.
الرابعة: ما تدل على نفي الشفاعة إما مطلقا أو في يوم القيامة أو عن طائفة خاصة قال تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ [طه- 109]، و قال تعالى: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة- ۲٥٤] و قال تعالى: وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف- ۸٦]، و قال تعالى: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [مريم- 87] و قال تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ [غافر- 18] و المراد من الظّالمين الكافرين بقرينة قوله تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
و المستفاد من مجموعها: أنّ الشفاعة ثابتة للّه تعالى أصالة و هو المالك لها و تكون لغيره تعالى بإذنه و رضاه، و هي لا تكون في يوم القيامة إلا لمن ارتضاه اللّه تعالى و أذن له بالشفاعة و هذا هو الذي تقتضيه القواعد العقلية لانحصار مالكية كلّ شي‏ء فيه تعالى و جميع تلك الآيات المباركة تدل على عدم ثبوتها لغيره عزّ و جل اقتراحا من الناس و من دون مشية اللّه تعالى و ارتضائه، فتحمل الآيات النافية للشفاعة إما على الشفاعة الاقتراحية للناس، أو على وقت دون وقت.
و نسبة الشفاعة إليه عزّ و جل كنسبة سائر الأمور المختصة به عزّ و جل التي يفيضها على غيره: كعلم الغيب، و الرزق، و الحكم، و الملك و غير ذلك مما هو كمال له فإنّه تعالى يثبته لنفسه عزّ و جل و ينفيه عن غيره ثم يثبته له بإذنه و ارتضائه و هذا شايع في القرآن الكريم فإنّ الأمر للّه و هو فعّال لما يريد.

وردت أخبار متواترة بين المسلمين في الشفاعة و أنّها المقام المحمود الذي وعد اللّه به نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) يوم القيامة ففي صحيح مسلم عن أنس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت و إنّ من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد» ذكره جمع غفير من العلماء.
و أخرج البيهقي في الاعتقاد عن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أنا قائد المرسلين و لا فخر، و أنا خاتم النبيين و لا فخر، و أنا أول شافع و مشفّع و لا فخر» رواه الدارمي في سننه أيضا عن صالح ابن عطاء.
و أخرج البخاري عن أنس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «إنّ لكلّ نبي دعوة قد دعا بها في أمته و إنّي اختبأت دعوتي شفاعة لامتي».
و روى أبو داود عن أبي بن كعب أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء و خطيبهم و صاحب شفاعتهم من غير فخر».
و روى أبو داود أيضا و الحاكم عن عمر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ الشمس تدنو يوم القيامة حتّى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم (عليه السلام) فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك ثم بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتّى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه اللّه مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلّهم».
و روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «يخرج قوم من النار قد احترقوا فيدخلون الجنة فينطلقون إلى نهر يقال له الحياة فيغتسلون فيه فينضرون كما ينضر العود فيمكثون في الجنة حينا، فيقال لهم تشتهون شيئا فيقولون: أن يرفع عنا هذا الاسم قال (صلّى اللّه عليه و آله) فيرفع عنهم».
و عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن شفاعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوم القيامة قال (عليه السلام): يلجم الناس يوم القيامة العرق و يرهقهم القلق. فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا فيأتون آدم (عليه السلام) فيقولون اشفع لنا عند ربك فيقول: إنّ لي ذنبا و خطيئة فعليكم بنوح فيأتون نوحا فيردهم إلى من يليه، و يردهم كلّ نبيّ إلى من يلي حتّى ينتهوا إلى عيسى فيقول: عليكم بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله و على جميع الأنبياء) فيعرضون أنفسهم عليه، و يسألونه فيقول: انطلقوا فينطلق بهم إلى باب الجنة و يستقبل باب الرحمة، و يخر ساجدا فيمكث ما شاء اللّه، فيقول اللّه عزّ و جل: ارفع رأسك و اشفع تشفّع و سل تعط و ذلك قوله تعالى: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.
و روى البرقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و نصرت بالرعب، و أحل لي المغنم، و أعطيت جوامع الكلم، و أعطيت الشفاعة».
و عن داود بن سليمان عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا فمن كانت مظلمته فيما بينه و بين اللّه عزّ و جل حكمنا فيها فأجابنا، و من كانت مظلمته فيما بينه و بين الناس استوهبناها فوهبت لنا، و من كان مظلمته فيما بينه و بيننا كنا أحق من عفا و صفح».
و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليهم السلام) قال: «من كذب بشفاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم تنله» إلى غير ذلك من الروايات المتواترة بين المسلمين كما يأتي التعرض لقسم آخر منها.

و هو من المسلمين بأجمعهم بل تعد من ضروريات الدّين إلا ممن لا يعتنى بمخالفته و تعرّضوا للإجماع في كتبهم الكلامية و الحديثية و التفسيرية بل يمكن ادعاء إجماع الملّيين على ذلك فإنّ الشفاعة مسلّمة في الكتب المقدسة و صرّح علماؤهم بتحققها.

و يمكن تقريره بوجوه:
منها: أنّ اللّه تعالى غني بالذات عن طاعة عباده لا ينتفع منها بشي‏ء أبدا و لا يضرّه عصيان جميعهم و لا ينقص بسبب ذلك منه شي‏ء أبدا و لا ريب في تسلّط الشيطان و النفس الأمارة على الإنسان و إحاطتهما به كما هو محسوس بالوجدان، و حينئذ فالشفاعة كالعفو و الإغماض عن الخطإ و الزلل مع تحقق الشرائط حسن عقلا لا سيّما في عالم تنحصر الأسباب في ذات واحدة و فيه من الأهوال و الشدائد ما لا يحصى، فانحصر رفعها في واحد فقط، فترك العفو و الإغماض عمن يقدر عليهما بمجرد قول: «كُنْ فَيَكُونُ» مع عدم مانع في البين قبيح و هو مستحيل بالنسبة إليه عزّ و جل، فتجب الشفاعة عليه عقلا في النظام الأحسن الربوبي كالرزق الواجب عليه تعالى في عالم الدنيا كلّ بالأسباب المعدة له، و الشفاعة رزق معنوي يكون الناس أحوج إليها بمراتب كثيرة.
و منها: أنّ تنظيم العوالم بالأحسن يجب عقلا على مديرها و مدبرها المنحصر في الحيّ القيوم، و من أهم جهات التنظيم و الترتيب العفو و الإغماض عن العاصي الأثيم بعد وجود الشرائط و ترك ذلك و إهماله موجب لإخلال النظم و هو محال على الحكيم العليم.
و منها: أنّ الشفاعة معلولة لأصل تشريع الأحكام تدور معه أينما دار و حيث إنّ أصل التشريع منحصر باللّه تعالى، فالشفاعة و الثواب و العقاب لا بد أن تنحصر فيه مباشرة أو تسبيبا.
فالكل من نظامه الكياني ينشأ من نظامه الرباني‏.

و منها: أنّ ترك الشفاعة مع وجود المقتضي لها و فقد المانع عنها نقص في رحمته التي هي عين ذاته تعالى فيرجع إلى نقص الذات و هو من المحالات الأولية بالنسبة إليه جلّت عظمته.
ثم إنّه يمكن إدخال الشفاعة في مفهوم قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفتح- ۱٤]، و قوله تعالى:
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت- 21]، و قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد- 39]، و ثبوت الاختيار له تعالى في البقاء كثبوته له عزّ و جل في أصل الحدوث و هو مقتضى تمام ملكه و مالكيته و قهاريته.
و يمكن الاستدلال على تحقق الشفاعة بالقاعدة المسلّمة بين الفلاسفة من أنّ الخير المحض بل الخير بالإضافة مقدّم على الشر و قد قرّرها اللّه جل جلاله بقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود- ۱۱٤]، فأنبياء اللّه تعالى- سيّما أشرفهم و سيدهم- و أولياؤه المنقطعون إلى اللّه من كلّ جهة و بتمام معنى الانقطاع من الخير المحض فينعدم بوجوداتهم المقدسة الشر بإذن اللّه تعالى و لا معنى للشفاعة إلا هذا.

يستفاد من مجموع الأدلة: أنّ للشفاعة أهمية كبرى و منزلة عظمى فهي الأولى من مراتب الكمالات الإنسانية و أوسع باب من أبواب الجنة الإلهية يرغب كلّ فرد إليها، و يرجوها في الدنيا و الآخرة، و لكن لا يمكن أن ينالها كلّ أحد الا إذا توفرت فيه شروط خاصة، لأنّ الشفاعة لا تخلو عن كونها توسط الأسباب و لا يمكن أن تكون مطلقة و الا لزم بطلان قانون السببية و اختلال النظام، و يدل عليه‏ ما عن حفص المؤذن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و اعلموا أنّه ليس يغني عنكم من اللّه أحد من خلقه لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا من دون ذلك من سرّه أن ينفعه شفاعة الشافعين عند اللّه فليطلب‏ إلى اللّه أن يرضى عنه».
و شروطها هي:
الأول: يعتبر في مورد الشفاعة أن يكون الذنب باقيا إلى يوم القيامة فلو سقط بالتوبة و الاستغفار أو التكفير بإتيان الحسنات لقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود- ۱۱٤]، أو الحدود الشرعية فإنّه لا موضوع للشفاعة حينئذ و اعتبار ذلك من الشروط مسامحة لأنّه محقق لأصل موضوعها.
و يدل عليه‏ ما روي عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
الثاني: يعتبر فيها إذن اللّه تعالى في مورد الشفاعة و موضوعها و المشفوع له، و الشفيع فليس لكل أحد أن يشفع في كلّ أمر و لكلّ أحد و قد تقدمت الأدلة على ذلك.
و في تفسير القمي في قوله تعالى: وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ قال (عليه السلام): «لا يشفع أحد من أنبياء اللّه و رسله يوم القيامة حتّى يأذن اللّه له- الحديث-»
و تقتضيه قاعدة انحصار الأمر فيه تعالى يوم القيامة.
الثالث: أن يكون المشفوع له من المؤمنين المذنبين و يدل عليه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر- 38- ٤۸].
و يستفاد من هذه الآيات الشريفة أنّ سبب عدم كونهم أهلا للشفاعة لهم.
هو عدم الإيمان و الخوض في الملاهي و زخارف الدنيا و الركون إليها التي تكون صارفة عن الإقبال على اللّه تعالى و الإيمان بيوم الدّين و الجزاء فإذا لم يكن هذا السبب فلا مانع من شمول الشفاعة له إذا كان مذنبا و هو من أصحاب اليمين و هم الذين ارتضى لهم دينهم و أما أعمالهم فقد تكون مرضية و هم المذنبون الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فأولئك هم المرجون للشفاعة.
فيكون موردها هم المؤمنون بدين الحق الذين عملوا المعاصي و الكبائر فهم يدخلون النار بسبب أعمالهم ثم يخرجون منها بالشفاعة أو أنّها تمنعهم من دخول النار لأنّهم متفاوتون في نيل الشفاعة و درجاتها، و يشهد لما ذكرنا ما روي عن الكاظم عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل. قيل: يا ابن رسول اللّه كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر و اللّه تعالى يقول: و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و من ارتكب الكبيرة لا يكون مرتضى؟!! فقال (عليه السلام): ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كفى بالندم توبة و قال (صلّى اللّه عليه و آله): من سرته حسنته و سائته سيئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم تجب له الشفاعة و كان ظالما و اللّه تعالى ذكره يقول: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ فقيل له: يا ابن رسول اللّه و كيف لا يكون مؤمنا من لا يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أن سيعاقب عليه إلا ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا، و المصرّ لا يغفر له، لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم‏ و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار و الدّين الإقرار بالجزاء على الحسنات و السيئات فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة».
أقول: المراد من‏ قوله (عليه السلام): «ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا ساءه ذلك و ندم عليه» الندم الإجمالي الثابت في مرتبة الإيمان على كلّ ذنب في الجملة لا الندم التفصيلي الفعلي الالتفاتي على كلّ ذنب حتّى يكون موجبا لمحو الذنب كما قال (صلّى اللّه عليه و آله): «كفى بالندم توبة» و حينئذ ينتفي موضوع الشفاعة كما ذكرنا، و مثل هذا الندم الإجمالي من لوازم الإيمان في الجملة و هو مقتض لثبوت الشفاعة في يوم القيامة فهي تكون بمنزلة الجزء الأخير في العلّة التامة.
و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من سرّته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن» يبيّن مرتبة الاقتضاء فقط كما مرّ لا الفعلية الالتفاتية التفصيلية.
و قوله (عليه السلام): «فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن» يدل على نفي الندم مطلقا و لو على نحو الاقتضاء فيكون نفي الإيمان بنفي هذا الندم من باب انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، فيصير مثل هذا الشخص متهاونا في التكاليف و منهمكا في المعاصي كما يدل عليه‏ قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و هو يعلم أن سيعاقب عليه إلا ندم على ما ارتكب» حيث لا معنى للاعتقاد بالمبدإ و المعاد و التكاليف في الجملة إلا ذلك و كلّ ذلك من اللوازم و الملزومات.
و قوله (عليه السلام): «و متى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة» أي: تائبا على نحو الاقتضاء لا التوبة الفعلية من كلّ حيثية وجهة حتّى لا يبقى موضوع للشفاعة كما ذكرنا.
و بعبارة أخرى: الاعتقاد بالتوبة و الندامة على المعصية غير حصول التوبة الفعلية و لذا كان مستحقا للشفاعة في الأول دون الثاني فإنّها تزيل موضوع الشفاعة.
و قوله (عليه السلام): «و الدّين الإقرار بالجزاء على الحسنات و السيئات» يبيّن ما ذكرناه من التفصيل بين الموردين أي الاعتقاد بالتوبة و حصول الندامة الإجمالية و التوبة الفعلية الجامعة للشرائط و الأولى موضوع الشفاعة و تكشف عن الإيمان أيضا بخلاف الثانية فإنّها رافعة لموضوعها.
و الإقرار بالجزاء على الحسنات و السيئات من لوازم الاعتقاد بالمبدإ و المعاد كما أثبتناه سابقا.
و الحاصل أنّ مثل هذا الحديث ظاهر في اعتبار هذا الشرط. و في سياق هذا الحديث عدة أحاديث فلا بد في تحقيق الشفاعة للمشفوع له من السببية لها في الجملة، فمن لم يؤمن بشريعة سيد المرسلين لا تناله شفاعته و لا شفاعة أحد ممن له الشفاعة، إذ لا بد أن يكون هو بنفسه موجدا للمقتضي لها و بعد تحقق الموانع- و هي المعاصي و الذنوب- التي تمنع من دخول الجنة تصل النوبة إلى الشفاعة و يرشد إلى ذلك قوله تعالى: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ [التوبة- ۸٤]، و هذه الآية المباركة تدل على حرمان مثل هذا الشخص الكافر باللّه و رسوله عن الشفاعة لعدم حصول التسبب منه لها.
و بعبارة أخرى: موضوع الشفاعة مركب من أمرين حصول المقتضي على نحو الإجمال من المشفوع له في الدنيا. و تتميم اقتضاء هذا المقتضي من الشفيع في الآخرة كما عرفت أنّه مفهوم الشفاعة.

تقدم أنّ الشفاعة ثابتة بل هي حقيقة من الحقائق القرآنية لا يمكن إنكارها. و قد ذكرنا أنّها لا تثبت إلا بشروط خاصة فليست هي مطلقة مرسلة يمكن أن ينالها كلّ أحد فإنّ ذلك خلاف الحكمة المتعالية و قانون الجزاء و الحساب و بطلان للسببية كما تقدم.
و الشفاعة بالمعنى الذي قلناه مما تدل عليه الأدلة الأربعة و لا يسع أحد إنكارها و مع ذلك فقد أورد بعض على الشفاعة مناقشات و إشكالات واهية و إنّما هي نشأت من قلّة التدبر في الآيات الشريفة و ما ورد في الشفاعة من السنة الشريفة و نحن نذكر جملة منها و هي:
الأولى: أنّ الشفاعة ليست إلا الدعاء فقط فما هو معتبر في الدعاء يعتبر فيها و ما أورد عليه يرد عليها أيضا، فليست لها حقيقة أخرى غير الدعاء فيجوز لكلّ أحد طلب الشفاعة.
و الجواب عنها: أنّ كون الشفاعة هي الدعاء مما لا ينكر بل هو اعتراف بحقيقتها لكن الشفاعة هي دعاء الشفيع لدى المشفوع عنده للصفح عن المشفوع له. و كما أنّه لا استقلالية للدعاء بوجه أبدا و إنّما هو طريق محض لقضاء الحاجة و الشفاعة أيضا كذلك، فالجميع يرجع إلى التأثير من اللّه تعالى و لا مشاحة في مجرد الاصطلاح. هذا مضافا إلى أنّ اختلاف مفهوم الشفاعة مع مفهوم الدعاء أوضح من أن يخفى.
مع أنّه لو قلنا بأنّ الشفاعة هي الدعاء فقد دلّ الكتاب و السنة على أنّها مختصة باللّه تعالى و لغيره بالإذن و الارتضاء فليست هي كمطلق الدعاء من هذه الجهة و قد تقدم ما يرتبط بالدعاء في آية (۱۸٦).
الثانية: أنّ القول بالشفاعة موجب لتجرّي الناس على المعاصي و إغراء لهم على المخالفة و ارتكاب محارم اللّه تعالى و هو ينافي الغرض من بعث الأنبياء و المرسلين و هو سوق الناس إلى العبودية و الطاعة فلا بد من تأويل ما ورد في الشفاعة لئلا توجب إغراء الناس بالفساد.
و هي مردودة أما أولا- فبالنقض بما ورد في شمول المغفرة و التوبة و الرحمة قال تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأعراف- ۱٥٦]، و قوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر- ٥۳]، و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء- ٥۱]، و ما ورد في الاستغفار و غير ذلك من الآيات المباركة و الروايات الدالة على سعة رحمته و غفرانه فهل يتصوّر أحد في أنّها موجبة للتجري و التمرد؟!! فكلّ ما يقال فيها يقال في الشفاعة أيضا.
و أما ثانيا- فبأنّ الأدلة الدالة على ثبوت الشفاعة إنّما تدل عليها بالإهمال و الإجمال فلم يعيّن فيها نوع الجرم الذي تجري فيه الشفاعة و لا المجرم الذي تناله الشفاعة بل كانت مبهمة من هذه الجهة بحيث تجعل الناس بين الخوف و الرجاء، فلا تكون موجبة للتجرّي و التمرد و هذا هو دأب القرآن في جعل الإنسان بين الخوف من ارتكاب المعاصي و التمرد على الأحكام و الرجاء حذرا من القنوط و اليأس من روح اللّه تعالى، بل يمكن أن تكون الشفاعة بهذا النحو من موجبات الانقلاع عن المعصية، و يدل على ما ذكرنا ما رواه حفص المؤذن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رسالته لأحبائه: «و اعلموا أنّه ليس يغني عنكم من اللّه أحد من خلقه لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا من دون ذلك من سرّه أن ينفعه شفاعة الشافعين عند اللّه فليطلب إلى اللّه أن يرضى عنه» و المستفاد من هذه الرواية أنّ الإنسان لا بد أن يكون مراقبا لنفسه لئلا يقع في‏ سخط اللّه تعالى فإنّه لا تنفعه شفاعة الشافعين هذا مع أنّا اشترطنا في تحقق الشفاعة وجود أصل الإيمان في الجملة.
الثالثة: أنّ أقصى ما يستفاد من الأدلة الدالة على ثبوت الشفاعة هو إمكانها دون وقوعها بل إنّ في أصل دلالة العقل عليها منعا، و أما النقل فإنّ ما ورد في الكتاب الكريم إما أن يدل على نفي الشفاعة مطلقا مثل قوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ [البقرة- ۲٥٥]، أو يدل على نفي الأثر عنها مثل قوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر- ٤۸]، أو ما ورد فيه الاستثناء كقوله تعالى: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ [الأنبياء- 29]، و قوله تعالى: إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس- 3]، و قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة- ۲٥٦]، و جميع ذلك يرجع إلى النفي كما في أمثال ذلك مما ورد فيه الاستثناء بالمشية فإنّه يستعمل في القرآن في مقام النفي القطعي و هو كثير قال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود- 107]، هذا حال القرآن الكريم. و أما السنة الشريفة فإنّه لا يمكن التعويل عليها أيضا مع أنّها لا تزيد على الكتاب الكريم دلالة.
و الجواب عنها يظهر بعد الإحاطة بما ذكرناه في مفهوم الشفاعة و دلالة الأدلة التي أقيمت على ثبوتها، و ذكرنا أنّ الآيات المباركة النافية لمطلق الشفاعة أنّها تنفيها عند عدم المقتضي أو وجود المانع و لا يقول أحد بالشفاعة حينئذ و أما الشفاعة المطلوبة إنّما هي عند وجود شروطها أو أنّها تنفيها عن غيره تعالى.
و أما الآيات النافية لأثر الشفاعة فإنّما هي تنفيه في مورد خاص و هو خصوص المجرمين المنكرين للجزاء و الدّين فهي في الواقع تثبت الشفاعة في غير المورد المنفي فيه أثر شفاعة الشافعين، فالآية الشريفة على ثبوتها أدل.
و أما الآيات المشتملة على الاستثناء فهي واضحة في أنّها تدل على ثبوت الشفاعة لمن أذن له الرحمن و القول بأنّها تدل على مجرد الاستثناء الدال على النفي القطعي اجتهاد في مقابل النص الصريح و شبهة واهية لا يمكن‏ الإصغاء إليها، و أما السنة فهي متواترة صريحة في المطلوب و قد تقدم شطر منها.
الرابعة: أنّ الآيات المباركة الدالة على ثبوت الشفاعة إنّما هي آيات متشابهات و ليس للعقل فيها سبيل فلا بد من إرجاع علمها إلى اللّه تعالى كما أمرنا بذلك.
و الجواب عنها: أنّ الآيات الدالة على تحقق الشفاعة ليست من المتشابهات بل هي من المحكمات بعد رد بعضها إلى بعض و العقل يدل عليها بوضوح كما عرفت سابقا.
الخامسة: أنّ الشفاعة في رفع العقاب بعد الاستحقاق إما أن تكون عدلا أو ظلما و على الأول يستلزم كون تشريع أصل الحكم ظلما و هو قبيح بالنسبة إليه تعالى و على الثاني كانت الشفاعة ظلما و هو لا يليق بالنسبة إلى المشفوع عنده و الأنبياء الشافعين.
و هو باطل: لأنّ تشريع الأحكام حق و عدل و ليس غاية تشريع الأحكام أو الغرض منه خصوص الامتثال فقط بل لها حكم و مصالح كثيرة أخرى مثل تكميل العباد و امتحانهم و منها إظهار سعة رحمته بعد المخالفة إلى غير ذلك من الحكم مضافا إلى ما تقدم في مفهوم الشفاعة من أنّها لا تغيّر الحكم بل توجب العفو عن المجرم بعد شمول العقاب له فيكون الحكم و الشفاعة و رفع العقاب كلّها عدلا.
و من ذلك يظهر الجواب عما يقال: من أنّ الشفاعة في رفع العقاب عن المجرمين موجبة للاختلاف في الفعل و استلزام نقض الغرض المنافي للحكمة فإنّ بطلانه واضح لأنّه تحديد للأغراض الواقعية بنظر الإنسان و قدر إدراكه مع أنّ الواقع أعم من ذلك كما ثبت بالبراهين العقلية في الفلسفة. و الشفاعة من الأسباب التي جعلها اللّه تعالى لينال عباده الرحمة و الغفران كما عرفت.

الشفاعة ثابتة بالأصالة للّه تعالى و لغيره عزّ و جل بإذنه و رضاه و يستفاد من‏ الكتاب و السنة أنّ الشافعين في العباد متعددون و كثيرون و نتعرض لجملة منهم.
و الشافع الحقيقي بالذات: هو اللّه تبارك و تعالى، فهو في التكوين بمعنى جعل الأسباب على مقتضى الحكمة و في التشريع العفو و إسقاط العقاب، أو رفع الدرجات كما في جميع أسمائه المباركة الحسنى فإنّه تعالى هو الرزّاق و الرّحيم و الغفور و الودود إلى غير ذلك، و هي لا تنافي وجود الوساطة بل الوسائط في ظهورها للخلق و مظهرية الكلّ لها و هكذا بالنسبة إلى الشفاعة بمعنى الشافعية و الشفيع في حقه عزّ و جل و على ذلك جرت مشيته المقدسة على انتظام النظام الأحسن بأسبابها قلّت أو كثرت، فإنّ مبدأ الكلّ عنه، و مرجع الكلّ إليه، و حقيقة كلّ موجود تنطق بلسان الحال إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة- ۱٥٦]، و لكن لا نفقه هذا النطق و إن برز ذلك لمن علم الأسرار و ارتفعت عنده الحجب و الأستار، و يدل على ذلك جملة من الأخبار، ففي جملة من الدعوات المعتبرة «و أستشفع بك إلى نفسك» و «اللهم إنّي أستشفع بك إليك».
و من أسمائه الحسنى: الشافع و الشفيع و قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الزمر- ٤٤]، فهو الشفيع المحض في الحقيقة و في الحديث عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا كان يوم القيامة تجلّى اللّه عزّ و جل لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر اللّه له لا يطلع اللّه له ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا و يستر عليه و لا يطلع عليه أحد ثم يقول لسيئاته كوني حسنات».
و إذا تأملنا في حقيقة الشفاعة فيه جلّ جلاله فإنّها ترجع إلى رازقيته تعالى، لأنّ الرازقية لا تختص بعالم دون عالم و لا بنوع خاص من الممكنات دون نوع بل هي تعم جميع ما سواه من مخلوقاته سواء المجردات و النفوس و الماديات كلّ بحسبه و حياته كما يصف به نفسه قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الفاطر- ٤۱]، فإنّ هذا الإمساك ليس إمساكا خاصا و من جهة مخصوصة، بل هو من جميع الجهات بكلّ ما يتصور من معنى الإمكان و الحاجة.
فمعيته القيومية لجميع ما سواه حدوثا و بقاء، و إفناء و تبديلا للصور إلى الأخرى هذا بالنسبة إلى المعية العامة لجميع ما سواه.
و له جلّت عظمته معية أخرى لأكرم خليقته و هو الإنسان الذي قال فيه: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء- 70]، و هذه المعية هي التي تراد من قوله تعالى: هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد- ٤]، فإنّها معية خاصة تشمل عالم انحصار الأسباب إلا فيه و الانقطاع إلا إليه، و هل يعقل للرزق حينئذ معنى أجل و أدق و أفضل من نجاة نفوس محتاجة غاية الاحتياج إليه في شدائد الأهوال و تبدلات الأحوال!! و يمكن إرجاع ذلك إلى الرحمة الواسعة التي شملت ما سواه.
أو إلى الرأفة فإنّ جميع ذلك من أسمائه الحسنى و صفاته العليا و في ذلك يشير ما ورد عن الصادق (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نشر اللّه تبارك و تعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته».
و الشفيع الثاني هو سيد الأنبياء و المرسلين محمد بن عبد اللّه الذي هو مبدأ للنبوات السماوية في علم اللّه تعالى و العلّة الغائية و لا بد من تقدمها في العلم، فإنّه الشفيع المطلق بعد الباري عزّ و جل و لذا صار شهيدا على الجميع قال تعالى: يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ [النحل- 89]، فالشفاعة تنزل على نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و منه إلى غيره لأنّ له المقام المحمود- قال تعالى: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء- ۷٦] المفسّر بمقام الشفاعة في عدة من الأخبار و كذلك قوله تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ [الضحى- ٥]، و قد وردت روايات متواترة من الجمهور و غيرهم في ثبوتها له (صلّى اللّه عليه و آله) بل يمكن أن يعد من ضروريات الدّين‏
ففي الحديث المعروف: «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» و في تفسير العياشي عن أحدهما (عليهما السلام) في قوله تعالى: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال (عليه السلام): «الشفاعة».
و من الشافعين في العباد: الوسائط التكوينية و الأسباب الطبيعية فإنّها شفعاء عند اللّه تعالى و وسائط بينه عزّ و جل و بين خلقه قال تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة- ۲٥٥]، فإنّ جعل الشفاعة بإذنه بعد مالكيته لما في السّموات و الأرض يدل على أنّها إنّما تكون في التكوينيات، بل يمكن أن يكون شي‏ء بوجوده التكويني شافعا في هذا العالم قبل قيام الساعة و انسداد باب التوبة و رفع الحجة عن الأرض و ذلك قبل القيامة بأربعين يوما، و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال- 33]، و ما ورد عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «لو لا شيوخ ركع، و بهائم رتع، و أطفال رضع، لصب العذاب عليكم- الحديث-» و ما ورد في الكعبة و القرآن من أنّهما أمانان لأهل الأرض و غير ذلك و يأتي في الموضع المناسب شرح ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و منهم: الوسائط التي توجب المغفرة من اللّه عز و جل أو القرب إليه كالتوبة قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر- ٥٤]، و قد تقدم البحث في التوبة في أحد مباحثنا بالتفصيل، و عن عليّ (عليه السلام): «لا شفيع أنجح من التوبة».
و منهم الإيمان قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ [الحديد- 28]، و الآيات في ذلك كثيرة و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في أخبار متواترة «كلمة لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي».
و منهم الأعمال الصالحة سواء كانت من نفس المشفوع له أو من غيره:
أما الأول- فيدل عليه آيات من الذكر الحكيم قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة- 9].
و أما الثاني- فقد ورد في الحديث المتواتر عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «يلحق بالميت كلّ عمل خير يؤتى له بعد موته من الصّلاة و الصّيام و الحج و الصدقة حتّى إنّه ربما كان في ضيق فيوسع له بذلك»
و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له بعد موته، أو مصحف يقرأ فيه»
و نظير ذلك أخبار كثيرة.
و يمكن القول بأنّ هذه الأخبار بإطلاقها تشمل الشفاعة في عالم البرزخ أيضا سواء في تخفيف العذاب أو رفع الدّرجات في ذلك العالم و لا محذور فيه من عقل أو نقل، و عليه شواهد كثيرة من الأخبار يأتي ذكرها في الموضع المناسب.
و منهم القرآن الكريم قال تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة- ۱٦]، و في الحديث أنّه يقال لقارئ القرآن: «اقرأ و ارق» أي ارق في الدّرجات.
و منهم الملائكة قال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [المؤمن- 7]، و قال تعالى: وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى- ٥]، و قال تعالى: وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى‏ [النجم- ۲٦]، و غير ذلك من الآيات الشريفة الدالة على ثبوت الشفاعة للملائكة منطوقا و مفهوما.
و منهم سائر الأنبياء و المرسلين فإنّ لهم الشفاعة أيضا و ما ورد في بعض الروايات من أنّ الأنبياء إنّما يرجعون إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك فيصح أن يقال: إنّ لهم الشفاعة بعد الإذن من سيد الأنبياء و ليس لهم تلك قبل الاستيذان منه كما تقدم في بعض الروايات فإنّ لهم القابلية و الاستعداد لهذه المنزلة الكريمة و المقام العظيم فقد ذكرنا أنّه ليس كلّ أحد ينال هذه الموهبة الإلهية بل لا بد من الاستعداد الذاتي الذي لا يعلمه إلا اللّه تعالى.
نعم، يمكن الحصول على هذا الاستعداد بالإيمان و الأعمال الصالحة و المجاهدات الحقة، و لذلك تختلف مراتب الشفاعة حسب اختلاف الاستعدادات و تشتد مراتبها كما و كيفا باشتداد مراتب المعارف المعنوية التي يحيط بها نفس الشافع، و أصل ذلك كلّه شروق نور أزلي على النفس فيضي‏ء و تستضي‏ء منه النفوس المستعدة فهو الشافع الشفيع، و هو النور المضي‏ء، و بأنواره تجلّت قلوب العارفين و بها حصلت بشارة المخبتين و منها تتلألأ سيماء المؤمنين و الجميع يسرعون حسب مقاماتهم و درجاتهم إلى جنات النعيم فلا أول لهم إلا من اللّه و لا آخر لهم إلا إليه فهم أظهروا حقيقة العبودية فأحاطت بهم العنايات الربوبية، و كشفت عن بصائرهم الحجب فادهشوا بما أدركوا من أنوار رب الأرباب.
ترى المحبّين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا و من ذلك يظهر أنّ كلّ من سعى بحسب جهده إلى الوصول إلى هذا المقام ينال هذه الموهبة الإلهية و الفيض الرباني سواء في ذلك الأنبياء و الأوصياء و العلماء و المؤمنون كلّ حسب استعداده.
و على ذلك يحمل ما ورد من الاختلاف في شفاعة الأنبياء و رجوعهم إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه إمامهم و هو أكملهم و له المقام المحمود ففي الحديث في قوله تعالى: وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ قال (عليه السلام): «لا يشفع أحد من أنبياء اللّه و رسله حتّى يأذن اللّه له إلا رسول اللّه فإنّ اللّه أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة و الشفاعة له ثم من بعد ذلك للأنبياء» و تقدم ما يدل على ذلك.
و منهم بنت خاتم الأنبياء و سيدة النساء الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) ذكر السيوطي في الدر المنثور و العسكري في المواعظ و المتقي الهندي في كنز العمال عن جابر: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رأى على فاطمة (سلام اللّه عليها) كساء من أوبار الإبل و هي تطحن، فبكى و قال: يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا، و نزلت وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏.
و روى محب الدّين الطبري في ذخائر العقبى عن عليّ (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة: يا فاطمة تدرين لم سمّيت فاطمة؟ قال عليّ: يا رسول اللّه لم سميت فاطمة؟ قال: قد فطمها و ذريتها عن النار يوم القيامة» أخرجه الحافظ الدمشقي أيضا و الروايات بهذا المعنى متواترة بين المسلمين.
و أخرج النسائي عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «و إنّما سماها فاطمة لأنّ اللّه عزّ و جل فطمها و محبيها عن النار».
بل إنّ شفاعة سيدة النساء من شفاعة سيد الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) لما رواه الجمهور و غيرهم بأسانيد متواترة عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة بضعة منّي» و ليس المراد من لفظ «البضعة» الجزء الخاص كاليد و العين و القلب بل المراد الجزء السرياني في بدنه الأقدس من حيث تعلق الروح المقدّسة المؤيدة بروح القدس، و يشهد لما قلناه أنّ علمها من علمه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أجمع أولادها المعصومون (عليهم السلام) على أنّ عندهم مصحف فاطمة بل كانوا يفتخرون به و هو من إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خطّ عليّ (عليه السلام) بيده و فيه علم ما كان و ما يكون كما في الروايات و لا يعقل الانفكاك بين البضعة السريانية و الكل.
و منهم الأئمة الهداة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) فإنّ لهم مقام الشفاعة في الآخرة و النصوص في ذلك متواترة بين المسلمين عموما و خصوصا.
و منهم العلماء و الشهداء ففي الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «ثلاثة يشفعون إلى اللّه عزّ و جل فيشفّعون: الأنبياء ثم العلماء، ثم الشهداء» و لعلّ الترتيب محمول على ترتب مقامهم عند اللّه عزّ و جل، و عن‏ الصادق (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة بعث اللّه العالم و العابد فإذا وقفا بين يدي اللّه عزّ و جل قيل للعابد: انطلق إلى الجنة. و قيل للعالم: قف تشفع للناس بحسن تأديبك لهم».
و منهم المؤمن حتّى السّقط منه‏ ففي الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «تناكحوا و تناسلوا فإنّي أباهي بكم الأمم و لو بالسقط يجي‏ء محبنطئا على باب الجنة فيقال له: أدخل فيقول: لا حتّى يدخل أبواي- الحديث-».
أقول: المحبنطئ: العظيم البطن يعني امتلأ جوفه غيظا و في الرواية بحث يأتي التعرض له في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
و في تفسير العياشي عن عبيد بن زرارة قال: «سئل أبو عبد اللّه عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال (عليه السلام): نعم، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) يومئذ قال (عليه السلام): نعم، إنّ للمؤمنين خطايا و ذنوبا و ما من أحد إلا و يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ- الحديث-».
و في تفسير العياشي أيضا عن أبان بن تغلب قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفّع فيهم حتّى يبقى خادمه فيرفع سبابتيه فيقول: يا رب خويدمي كان يقيني الحرّ و البرد فيشفع عنه».

قد عرفت أنّ الشفاعة إما أن تكون تكوينية فهي تتعلّق بكلّ شي‏ء في عالم التكوين و إما أن تكون تشريعية تتعلّق بالثواب و العقاب و هذه على درجات:
فمنها- ما تتعلق بكلّ ما يوجب العقاب حتّى الشرك باللّه تعالى و هي التوبة و الإيمان باللّه و رسوله.
و منها- ما تتعلق ببعض الذنوب و التبعات كالأعمال الصالحة قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود- ۱۱٤].
و منها: الشفاعة المعروفة في يوم القيامة و هي شفاعة الأنبياء و المرسلين و من تقدم ذكره و هي الشفاعة الكبرى و هي تتعلق بالكبائر مطلقا سواء كان موردها حق اللّه سبحانه و تعالى أو حق الناس أو هما معا و يدل على ذلك‏ ما رواه سليمان بن داود عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا فمن كانت مظلمته فيما بينه و بين اللّه عزّ و جل حكمنا فيها فأجابنا و من كانت مظلمته فيما بينه و بين الناس استوهبناها فوهبت لنا، و من كانت مظلمته فيما بينه و بيننا كنا أحق من عفا و صفح» هذا و لكن ورد في السنة الشريفة أنّ بعض الذنوب لا تتعلّق به الشفاعة فتكون هذه الأخبار تخصيصا لعمومات الشفاعة و نشير إلى بعضها.
منها: الاستخفاف بالصّلاة ففي الحديث عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته لا يرد عليّ الحوض لا و اللّه» و عن أبي بصير أيضا قال: «دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد اللّه (عليه السلام) فبكت و بكيت لبكائها ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجبا فتح عينيه ثم قال: اجمعوا كلّ من بيني و بينه قرابة: قالت: فما تركنا أحدا إلا جمعناه فنظر إليهم ثم قال: إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّا بالصلاة» و الروايات في ذلك متواترة.
و منها: شرب الخمر
فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «ليس منّي من استخف بصلاته لا يرد عليّ الحوض لا و اللّه، ليس منّي من شرب الخمر لا يرد عليّ الحوض» و الروايات في ذلك كثيرة.
و منها: سوء الخلق‏ فعن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أبي اللّه لصاحب الخلق السيّئ بالتوبة قيل: و كيف ذاك يا رسول اللّه؟ قال: لأنّه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه» و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: «إياكم و سوء الخلق فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة» و غير ذلك من الروايات.
و منها: قتل النفس المحترمة فعن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما قال (عليه السلام): و لا يوفّق قاتل المؤمن متعمدا للتوبة» و عن ابن أبي عمير عن سعيد الأزرق عن الصادق (عليه السلام): «في رجل قتل رجلا مؤمنا يقال له: مت أيّ ميتة شئت إن شئت يهوديا و إن شئت نصرانيا و إن شئت مجوسيا» و قد ورد شبه هذا التعبير في التسويف بالحج أيضا.
و منها: المبادرة إلى ارتكاب المعاصي و إتيان المحرّمات اعتمادا على شفاعة سيد الأنبياء لامته فإنّ شمول أدلة الشفاعة لهذه الصورة ممنوع و يستفاد ذلك من خبر حفص المؤذن السالف ذكره.
و لكن مع ذلك كلّه فإنّ الشفاعة أمر غيبيّ لا تنالها الحدود، و اللّه يغفر لمن يشاء و يعذّب من يشاء.

تقدم ما يتعلّق بالشفاعة بقسميها و الحق عدم اختصاصها بزمان خاص فهي تعم جميع ما يرد على الإنسان من العوالم سواء في الدنيا و الحشر و النشر و مواقف القيامة حتّى يتحقق الاستقرار في دار القرار و قضاء اللّه الحتم بالخلود في الجنة أو النار.
و لكن يستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الشفاعة أنّ الشفاعة الكبرى إنّما هي بعد الحشر فهي تختص بالآخرة كما تدل عليه الأدلة النقلية و هي إما أن تتعلّق بالعصاة الذين دخلوا النار فينتفعون بها و يخرجون من النار كما يدل عليه الحديث الوارد في الجهنميين و مرّ ذكره، و إما أن تتعلّق بالعصاة و أصحاب الكبائر قبل دخول النار، فيكون تأثيرها إسقاط العذاب و تقدم ما يدل على ذلك أيضا.
و أما الشفاعة في الدنيا- فإنّ بعض إطلاقات الأدلة الواردة في الشفاعة يدل على ثبوتها فيها و لا محذور فيه من عقل، فإنّه بعد إذنه تعالى عن علم أنّه أهل للشفاعة لا تختص بعالم دون آخر و يدل على وقوعها بعض الآيات‏ الشريفة قال تعالى: وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى‏ أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ [الأعراف- ۱۳٥]، و الظاهر من الآية الشريفة أنّهم طلبوا شفاعة موسى (عليه السلام) في رفع العذاب عنهم. هذا بالنسبة إلى الشفاعة التشريعية المتعلّقة بالثواب و العقاب.
و أما الشفاعة التكوينية- فإنّها واقعة في هذه الدنيا و لا يمكن إنكارها، فإنّ الدنيا عالم الأسباب و قد ذكرنا أنّ الإيمان باللّه تعالى و الأعمال الصالحة و غيرهما من الأسباب إنّما هي شفعاء بين العبد و بين اللّه تعالى و يدل عليه قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً [النساء- ۸٥]، و تقدم ما يرتبط بذلك فراجع.
و من ذلك رجوع أهل الإيمان إلى نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و أولياء اللّه تعالى الذين لهم قدم راسخ في مراتب الإيمان فإنّ ذلك من الشفاعة عند اللّه تعالى لنيل المقاصد و نجح المطالب و ليس من الشرك كما يدعيه بعض، بل هما موضوعان مختلفان فإنّ إذن اللّه للواسطة ينفي الشرك و يسقطه بالمرة و هو يرجع إلى جعل من ارتضاه اللّه تعالى واسطة لأن يدعو في رفع العذاب كما تقدم في الآية السابقة من طلبهم من موسى أن يدعو في رفع العذاب عنهم و لا يتوهم المؤمن الذي يتوسل بالوليّ أنّ له جهة موضوعية في رفع المخاطر و الأضرار أو في إتيان النفع و إلا فهو من الشرك في مرتبة توحيد الفعل الذي ينافي لا حول و لا قوة إلا باللّه لا في مرتبة المعبودية حتى ينافي لا إله إلا اللّه، و بينهما فرق كبير، كما لا يخفى على الخبير، فطلب الشفاعة ممن أذن له اللّه تعالى في الشفاعة ليس من العبادة له حتّى يشمله قوله تعالى: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ [الزمر- 3]، و ليس ذلك بعادم النظير، فإنّ قراءة القرآن في شفاء مرض و التقرب به إلى اللّه تعالى و التّداوي بالأدوية التي خلقها اللّه تعالى لشفاء الآلام و الأسقام و غير ذلك ليس من الشرك و لا يتوهمه أحد في ذلك و كذا في المقام و يأتي تتمة الكلام في الآيات‏ المناسبة إن شاء اللّه تعالى.
و أما عالم البرزخ الذي يتوسط بين عالم الدنيا و القيامة فإنّ الوجوه المتصوّرة فيه هي: إما أن تكون الشفاعة في عالم البرزخ من نفس الموجودين فيه، أو من الدنيا فيه، أو من الآخرة فيه و لا رابع في البين. و الجميع لا موضوع له، لأنّ مورد الشفاعة الكبرى إنّما هو بعد نصب الموازين يوم القيامة و الحساب و ثبوت استحقاق العقاب فإنّ بدعاء الشفيع يرفع العقاب بإذن اللّه تعالى. نعم، بعض الأعمال الصالحة و الخيرات من الأحياء في الدنيا للأموات توجب التوسعة عليهم إن كانوا في ضيق و الأخبار في ذلك متواترة.
و قد ورد في بعض الروايات: أنّ الدفن في بعض الأمكنة المقدّسة كالدفن في الحرم الإلهي أو ظهر الكوفة يرفع جملة من المضايقات عن الميت و لكن ذلك ليس من الشفاعة المعهودة بل هو تصرّف و حكومة يمنحها اللّه تعالى لهم، و لكن يستفاد من بعض الأدعية المأثورة أنّ التصرفات المعنوية في عالم البرزخ منحصرة باللّه تعالى مثل‏ ما ورد في الدعاء: «و تولّ أنت نجاتي من مسائلة البرزخ و ادرأ عنّي منكرا و نكيرا و أرعيني مبشّرا و بشيرا» و يأتي في الموضع المناسب الكلام في عالم البرزخ.

لا تختص الشفاعة المعهودة بالإسلام بل هي ثابتة في سائر الأديان الإلهية و إن كان بينها تفاوت يسير في مفهومها و ذلك يرجع إلى السّير التكاملي في المفاهيم الدينية و سائر الأمور كما قرّرناه في أحد مباحثنا السابقة مع أنّنا ذكرنا أنّ الشفاعة ليست وليدة دين خاص بل هي أمر اجتماعي قرّرها الإسلام و الأديان الإلهية و يستفاد ذلك من أسفار التوراة و الإنجيل، ففي سفر أيوب من التوراة الإصحاح 33 فقرة 23 ما يدل على ذلك، و كذلك في الإصحاح 5 فقرة 1 و غير ذلك مما ورد فيه. و أما في الإنجيل فقد وردت هذه العبارة فيه كثيرا: «يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا». أو «يطهرك المسيح من الخطايا» و أنّ الشفاعة سرّ من أسرار الكنيسة.

لا تختص الشفاعة المعهودة بالإسلام بل هي ثابتة في سائر الأديان الإلهية و إن كان بينها تفاوت يسير في مفهومها و ذلك يرجع إلى السّير التكاملي في المفاهيم الدينية و سائر الأمور كما قرّرناه في أحد مباحثنا السابقة مع أنّنا ذكرنا أنّ الشفاعة ليست وليدة دين خاص بل هي أمر اجتماعي قرّرها الإسلام و الأديان الإلهية و يستفاد ذلك من أسفار التوراة و الإنجيل، ففي سفر أيوب من التوراة الإصحاح 33 فقرة 23 ما يدل على ذلك، و كذلك في الإصحاح ٥ فقرة 1 و غير ذلك مما ورد فيه. و أما في الإنجيل فقد وردت هذه العبارة فيه كثيرا: «يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا». أو «يطهرك المسيح من الخطايا» و أنّ الشفاعة سرّ من أسرار الكنيسة.

للشفاعة غايات و فوائد متعدّدة نذكر المهمّ منها:
فمنها: توجيه النفوس المستعدة إلى مقام النبوة خصوصا سيد الأنبياء الذي هو الأصل و الأساس للشفاعة.
و منها: أنّها توجه الناس إلى الصّالحين من عباد اللّه الذين أذن اللّه تعالى لهم بالشفاعة.
و منها: ترغيب الناس إلى السّعي في صالح الأعمال و الإخلاص فيها لعلّ اللّه تعالى يرضى عنهم و يجعلهم بأنفسهم من أهل الشفاعة.
و منها: عدم يأس الناس من رحمة اللّه تعالى بعد رجائهم في الشفاعة.
و منها: بقاء الناس في مقام الرجاء و الخوف الذي حث عليه القرآن الكريم و الأنبياء و المرسلون.
هذه هي أهم غايات الشفاعة و هناك فوائد أخرى تظهر للمتتبع في أدلة الشفاعة.

لا ريب في ثبوت السعادة و الشقاوة للإنسان و الأولى عبارة عن الخير للإنسان. و الثانية تقابل ذلك. و للعلماء و الفلاسفة فيهما أقوال و مذاهب.
و محصّل تلك هي: أنّه إذا لوحظ الإنسان بالنسبة إليهما يتصوّر على وجوه:
الأول: أن تكون السعادة ذاتية للسعيد، و الشقاوة ذاتية للشقي بالذاتي الحقيقي المعبّر في محلّه بالذاتي الايساغوجي.
الثاني: أن يكون كلّ واحد منهما ذاتيا له بمعنى كونهما من لوازم الذات، كذاتية الزوجية للأربعة و الفردية للثلاثة المعبّر عنه في محلّه بذاتي باب البرهان.
و هذان الوجهان باطلان في نظام التشريع لأنّ القول بهما ينافي الاختيار الذي يتقوّم به التشريع مطلقا كما دلّت عليه الأدلة العقلية و النقلية.
و لكن استند بعض إلى‏ قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، و شرارهم في الجاهلية شرارهم في الإسلام».
و يرد عليه ما عرفت آنفا من أنّ القول به ينافي القواعد العقلية المتقنة الدالة على ثبوت الاختيار و أنّ التشبيه في الحديث الشريف إنّما هو من بعض‏ الجهات دون جميعها.
الثالث: أن يكون من مجرد الاقتضاء لا الذاتي، و هذا هو الصحيح الذي يستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الطينة و الميثاق، و الشقاوة و السعادة و هو الموافق للقواعد العقلية الدالة على ثبوت الاختيار في استحقاق الثواب و العقاب.
و حينئذ فالشفاعة الكبرى التي ذكرنا أنّها ثابتة لنبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) الذي هو واسطة الفيض، و سائر الأنبياء و الأوصياء إنّما هي في هذا القسم من السعادة و الشقاوة و لا موضوع لها في الوجهين الأولين لعدم قابلية المحلّ لها، و قد ذكرنا أنّها شرط في ثبوت الشفاعة، و يدل على ذلك ما ورد في الشفاعة مثل‏ قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإنّ المستفاد منه أنّ موردها الأفعال فلا تكون في مرتبة الذات و الذاتيات فيكون مورد الشفاعة السعادة و الشقاوة على الوجه الثالث فإنّه القابل للتغيير و التبديل بعروض الموانع.
و قد ذكرنا أنّ السعادة و الشقاوة على درجات:
منها: ما يكون الإنسان فيهما بالغا إلى أقصى درجات الكمال.
و منها: ما يكون الإنسان سعيدا ذاتا و شقيا فعلا، و بالعكس.
و منها: ما لا تتم له فعلية السعادة و الشقاوة و لكن لا بد من زوال الهيئات الرديئة و بروز الحقيقة فإما أن ترزق التطهير فتزول الشقاوة العرضية، أو تسلب السعادة العرضية و تظهر شقاوة النفس، أو تكون مرجوة لأمر اللّه تعالى إن لم تكتمل في السعادة و الشقاوة و فارقت الحياة ناقصة مستضعفة فالشفاعة في هذه المراتب و الأقسام إنّما تزيل الهيئات الرديئة الشقية التي لزمت النفوس.
أما النفوس الكاملة في الشقاوة التي أثرت المعاصي و الذنوب في ذاتها و انقلب المقتضي إلى الذاتي فلا موضوع للشفاعة فيها، و هذا من إحدى الأصول التي بنى بعض أكابر الفلاسفة (رحمة اللّه عليه) المعاد الجسماني عليها و قال بعضهم: قد خمرت طينتنا بالملكة و تلك فينا حصلت بالحركة هذا موجز القول و سيأتي في الموضع المناسب تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"