1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 215

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (۲۱٥)


هذه الآية تبيّن حكما من الأحكام الاجتماعية النظامية التي يتقوّم بها نظام المعاش و المعاد، فقد بينت أصل الإنفاق و ما ينفق به، و من ينفق عليه. و هي مرتبطة بالآيات السابقة من حيث إنّها جميعا ترشد الإنسان إلى ما هو السبيل في سعادته، و توطئة لما يأتي من الآيات الواردة في الجهاد من حيث إنّ بذل المال كبذل النفس من علامات الإيمان، فمن وطّن نفسه على بذل المال هان عليه بذل النفس في سبيل اللّه تعالى.

۲۱٥- قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ.
(الإنفاق) من المعاني المعروفة بين الناس. و أصله النقل و التبديل. سواء كان بالعوض- كما في المعاوضات- أو بدونه- كما في المجانيات لأغراض صحيحة أم فاسدة. في سبيل الدّنيا أم الآخرة. فالكل إنفاق إلا أنّ بعض المذكورات ممدوح و بعضها مذموم. و لهذا اللفظ استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بهيئات شتّى.
و السؤال يعرض لكلّ مؤمن يريد معرفة تكاليفه الشرعية، و منها أصل الإنفاق و جنسه، و من ينفق عليه، و سائر خصوصياته، لئلا يكون هدرا و باطلا.
و قد ورد مثل هذا السؤال في خمسة عشر موردا في القرآن العظيم قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال- 1]، و قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ [البقرة- 219]، و في جميعها ترغيب للناس إلى السؤال عن الأحكام، و تحريض لهم بالاهتمام في رفع الجهل و إعلان بأنّ السؤال من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) سؤال من اللّه تعالى، و إبلاغ بأنّ معلّم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مربيه هو اللّه عزّ و جلّ، و لذا عقّب سبحانه في جميع تلك الموارد بجملة قُلْ. و قد تقدم في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [البقرة- 189] بعض ما ينفع المقام.
و السؤال و إن كان لمعرفة جنس ما ينفق و نوعه، فإنّ (ما) إنّما تكون لمعرفة حقيقة الشي‏ء، سواء بالمعنى المنطقي أم بالمعنى العرفي الذي تنزّل عليه الخطابات القرآنية. و لكنّ الجواب عام يشمل جنس ما ينفق، و من ينفق عليه، لأنّ الخير يتضمن جميع جوانب الموضوع و خصوصياته زمانا و مكانا و صفة. فإنّ الخير ما كان محبوبا عقلا و شرعا. و الحرام و المشتبه لا يكونان كذلك، فقد ورد في السنة الشريفة أنّ الإنفاق منهما يكون إثما و زورا على المنفق، و هو مستفاد من هذه الآية الشريفة، فإنّ السنة شارحة للقرآن العظيم الذي هو الأصل لجميع المعارف الإلهية، و لو ظهر القرآن في صورة التكثرات فإنّه يظهر في السنة المقدّسة. و لو تجلّت السنة الشريفة في الصورة الوحدانية لتجلّت في الصورة القرآنية. و الجميع شروق غيبي على العقل الكلّي المجرّد، و تجلّ إلهي في عالمي الملك و الملكوت حصل لسعادة الإنسان و لتكميل العقول الناقصة.
و من ذلك يعلم: أنّ الجواب لم يكن تحويلا لجواب آخر، بل كان جوابا شاملا لما كان يقصد السائلون معرفته، و ما هو الأفضل لهم و هو من ينفق عليه، فأجمل سبحانه في الأول لشمول لفظ الخير للجميع من الأعيان و المنافع و الانتقاعات و غير ذلك. و فصّل في الثاني لأجل الاهتمام به.
و يظهر مما تقدم: أنّ ما ذكره المفسرون في المقام لا يخلو من مناقشة واضحة.
قوله تعالى: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ.
(الخير) مقابل الشر، و هما يتصفان بالحقيقية و الإضافية، و لهذا اللفظ استعمالات كثيرة في القرآن الكريم. و يطلق على ذات المبدأ جلّت عظمته، و كلّ ما هو في صراطه و طريقه و مضاف إليه حتّى الخلود في الجنة، فهو من أعم الأشياء لفظا و معنى. كما أنّ الشر يطلق على ذات الشيطان، و كلّ ما في سبيله و يضاف إليه إلى الخلود في النار، و قد جمعهما عليّ (عليه السلام) في كلمته المباركة: «ما خير بخير بعده النّار و ما شرّ بشرّ بعده الجنّة و كلّ نعيم دون الجنّة فهو محقور و كلّ بلاء دون النّار عافية».
و لم يعين سبحانه الخير هنا لأنّه يختلف باختلاف الأعصار و الأمصار و الأمم، فكلّ ما هو خير عرفا داخل في هذه الآية ما لم يرد نهي شرعي في البين.
و المعنى: قل في جوابهم ما يظهر لهم خصوصيات الموضوع، فيعرفون ما ينفقونه و هو ما كان خيرا لوجه اللّه تعالى يرجع نفعه للمنفق و المنفق عليه، و يعرفون مواضعه حتى لا يكون الإنفاق في غير موضعه تضييعا للمال و تترتب عليه المفاسد.
قوله تعالى: فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ.
(اليتم) في الإنسان: انقطاع الصبي عن أبيه قبل بلوغه، و في الحيوان عن أمه، و كلّ متفرد في نوعه يتيم، يقال: درة يتيمة. و ابن السبيل المنقطع عن ماله. و المساكين الفقراء.
و قدّم سبحانه الوالدين لأنّهما أقرب الناس، و لما تحمّلا من المشاق في التربية، و قد تقدم في قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ [البقرة- 177]، ما يتعلّق بالمقام فراجع.
ثم إنّ الإنفاق ينقسم حسب التكاليف الخمسة الشرعية، فهو إما واجب كالزكاة، و الخمس، و الكفارات، و الفدية. أو مندوب كالهدايا و العطيات و نحوهما مما هو كثير. أو مكروه، كالإنفاق على الأجنبي مع وجود ذي رحم محتاج، أو الإنفاق على البعيد مع احتياج الجار و فقره، و عدم المانع من الدفع إليهما في البين أو حرام، كالإنفاق بالأموال المحرّمة أو المشتبهة في ما إذا وجب الاحتياط و الاجتناب عن أطراف الشبهة، و هي كثيرة. أو مباح، كالإنفاق للتوسعة من غير الحقوق الواجبة على فقير عنده ما يكفيه لضروريات معاشه.
و التفصيل مذكور في كتب الأحاديث و الفقه.
قوله تعالى: وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.
وعد من اللّه تعالى بالجزاء على الخير الصادر من كلّ فاعل، و إعلام بأنّه لا يغيب عنه فهو محفوظ عنه لا يذهب هدرا باطلا بل يجازي عليه بالجزاء الأوفى.
و إنّما ذكر سبحانه الخير مع أنّه عالم بجميع ما يصدر عن الإنسان من خير و شر، قال تعالى: وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [التوبة- ۱٦] للاهتمام به، و كثرة العناية به مطلقا.
و الآية مع إيجازها تشتمل على الخير، و ثمرته، و علم اللّه تعالى به، و جزائه عليه، و ذلك لأنّ الخير محبوب له، و هو عالم بصدوره و محبته لشي‏ء تكون جزاء حسنا له.
و يستفاد من هذه الآية أمور:
الأول: ترغيب الناس في فعل الخير، و الاستكثار منه، لغرض أنّه في علم اللّه تعالى لا يغيب عنه.
الثاني: الإيماء إلى كون الإنفاق و فعل الخير ينبغي أن يكون بعيدا عن الرياء و الشرك، و المنة و جميع أنحاء الشر، فإنّ الإنسان إذا استحضر عند فعله الخير علم اللّه تعالى به خلص عمله.
الثالث: عدم احتقار اليسير من المال في الإنفاق، فإنّ المناط كله خيرية الإنفاق و محبوبيته عند اللّه تعالى و عند الناس قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران- 92]، و لذا استبدل عزّ و جل الإنفاق في صدر الآية و ذيلها بالخير و فعله.
الرابع: يستفاد من إطلاق هذه الآية و أمثالها أنّ ذات الخير محبوبة له عزّ و جل، سواء قصد في فعله القربة أم لا، نعم، لا بد أن يكون خالصا من أنحاء الشر، كما ذكرنا.

في المجمع في الآية أنّها نزلت في عمرو بن الجموح، و كان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول اللّه بماذا أتصدّق؟ و على من أتصدّق؟
فأنزل اللّه هذه الآية.
و في الدر المنثور عن ابن المنذر عن ابن حيان مثله.
أقول: السؤال و إن كان عن أصل الإنفاق و من ينفق عليه، و لكن لا وجه لتخصيص ظاهر الآية بذلك بعد صحة إرادة جميع خصوصيات الإنفاق، كما ذكرنا.
و في الدر المنثور عن ابن جرير و ابن المنذر عن ابن جريح قال: سأل المؤمنون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أين يضعون أموالهم؟ فنزلت يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ. فذلك النفقة في التطوع، و الزكاة سوى ذلك كلّه.
أقول: يجري فيه ما تقدّم في سابقه. و يأتي أنّ الآية شاملة لجميع أقسام الإنفاق واجبا كان أو غيره بحسب ما فسّرت في السنة فلا وجه للتخصيص، كما لا وجه للنسخ.
و في الدّر المنثور أيضا عن السدي قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن‏ زكاة، و هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، و الصدقة يتصدّق بها فنسختها الزكاة.
أقول: لا نسبة بين هذه الآية و بين آية الزكاة، إلا أن يراد من النسخ شي‏ء آخر.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"