1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)


بعد أن ذكر سبحانه و تعالى أنّ الصوم كتب على المؤمنين كما كتب على من قبلهم، و بيّن موارد الرخصة في الصوم و موارد عزيمته، ثم ذكر وقت الصوم و أنّه لا بد أن يكون في شهر رمضان.
ذكر في هذه الآية بعض أحكام الصوم فبيّن جواز غشيان النساء في الليل، و أنّ مدة الصيام من طلوع الفجر الصادق إلى الليل، و ذكر حرمة مباشرة النساء في المساجد مدة الاعتكاف، و بذلك كلّه امتاز صيام المسلمين عن غيرهم، و أخيرا بيّن أنّ جميع ذلك من حدود اللّه التي لا بد من مراعاتها لمن يريد التقوى و التقرب إليه عز و جل.

187- قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ.
الإحلال: الرخصة و الإباحة، من الحلّ مقابل المنع أو العقد.
و الرفث: بمعنى الكلام المستقبح ذكره من الجماع و دواعيه، و قد كنى به عن الجماع للتلازم بينهما كما هو أدب القرآن في استعمال الألفاظ الكنائية عما يستقبح ذكره من الوطي و الجماع كالمباشرة، و المس، و اللمس، و الدخول، و الفرج، و الغائط و نحو ذلك.
و يمكن أن يكون المراد من الرفث: الكلام الذي يقال عند حصول دواعي الجماع و هيجان الشهوة، كما تدل عليه الهيئة التركيبية لهذه الكلمة المركبة من الحروف الإخفاتية، فيستفاد منها أنّه القول الخفي الذي لا يسمعه إلا من به نواله، فأطلق على نفس الجماع من باب الملازمة و حيث إنّ مثل هذا الكلام غالبا يوجب الوصول إلى المقصود عدّي ب (إلى)، فضمن معنى الإفضاء.
و لم ترد هذه الكلمة في القرآن الكريم إلا في موردين أحدهما المقام، و الثاني آية الحج قال تعالى: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة- 197]. و لعلّ السر في استعمالها في هذين الموردين أعني الصيام و الحج استهجانا لما كانوا عليه قبل الحكم بالاباحة في الصيام.
قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ.
جملة مستأنفة فيها من التعليل للحكم السابق أي: أنّ سبب الإحلال هو كثرة المخالطة و قلة الصبر عنهنّ.
و مادة: (ل- ب- س) تأتي بمعنى ستر ما يقبح إظهاره غالبا، و اللباس ما يستر به، و حيث أنّ كلّ واحد من الزوجين يستر الآخر من الوقوع في الحرام أو يستر قبائح الآخر سمي كل واحد منهما لباسا، كما أنّ التقوى تستر جميع القبائح عبّر عنها باللباس في قوله تعالى: وَ لِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ [الأعراف- ۲٦]. و قد تأتي بمعنى مطلق الستر قال تعالى: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [البقرة- ٤۲]، و قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام- 83].
و قد وردت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة تتعلق بالدنيا و الآخرة، قال تعالى في شأن أهل الجنة: وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [فاطر- 33]، و قال تعالى: وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ [الكهف- 31]. و قد يستعمل لكل ساتر قال تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [النبأ- 10]، و لم يستعمل اللباس بالنسبة إلى أهل النار و إن استعمل لفظ الثياب قال تعالى: قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ [الحج- 19]، و ربما يكون الوجه في ذلك أنّ اللباس يدل على نحو اهتمام و عناية باللابس و لا يليق أهل النار بذلك.
و في الكلام من اللطف و الحسن ما لا يخفى، و فيه من الاستعارة لأعظم أمر اجتماعي و هي الحياة الزوجية، كما أنّ فيه من الترغيب إلى حسن المعاشرة و الملاطفة و الاعتناء بالحياة الزوجية كما يعتني الإنسان بلباسه و ثيابه فيصح التعبير عن الزوجة بلباس الزوج، كما يصح التعبير عنها بالفراش‏. قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «الولد للفراش» و قال تعالى: وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة- ۳٤]، أي مرتفعة عن الأقذار.
قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
مادة- خ- و- ن) تدل على المخالفة و نقض العهد، و هي خلاف الأمانة. و النفاق أعم من الخيانة. و هيئة الاختنان تدل على ملازمة هذه الصفة و المداومة عليها كقوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف- ٥۳].
و الآية المباركة تدل على أنّ تلك الخيانة كانت سرّا بين المسلمين و أمرا مستمرا بينهم و كانت كثيرة عندهم.
يعني: علم اللّه- الذي هو العالم بالجزئيات كما هو عالم بالكليات يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور- بأنّكم كنتم تخونون أنفسكم و توقعونها في الحرام و هو مباشرة النساء.
و الآية تدل على وجود حكم تحريمي قبل نزولها و هو حرمة مباشرة النساء ليلة الصيام، فكان المسلمون أو بعضهم يعصون اللّه تعالى سرّا و لذا عقب سبحانه ذلك بالتوبة عليهم و العفو عنهم و إباحة المباشرة بالرخصة بعد المنع.
قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ.
أي: تاب عليكم فيما صدر منكم من المخالفة و ما ارتكبتموه من المحظور و عفا عن خيانتكم.
و التوبة: عبارة عن غفران ما فعلوا و ارتكبوا من المخالفة، و العفو: عبارة عن رفع أصل الحكم و تبديله بحكم آخر سهل يسير.
قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
ترخيص للمباشرة من حين رفع الحرمة و المنع، و المباشرة إيصال البشرة إلى البشرة. كني بها عن الوقاع، لكونها من مقدماته، أو وقوع التلاصق بين البشرتين فيه.
و لعل الإتيان بها في المقام للدلالة على جواز استمتاع الزوج من زوجته بكلّ جزء من بدنه من كلّ جزء من بدنها ما لم يكن نهي شرعي في البين، و إن كان ظهور الآية في الجماع مما لا يستنكر.
و الابتغاء: هو الطلب، و المراد بما كتب اللّه هو النسل و الولد، فإنّ طلب الذرية هو مما كتبه اللّه في مباشرة النساء و الوقاع و إن لم يكن ملحوظا حين المباشرة إلا قضاء الحاجة و نيل اللذة و لكنّه مطلوب فطري و تسخير إلهي.
و يصح أن يكون المراد بما كتب اللّه هو الحلال من المباشرة، فإنّ اللّه تعالى «يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه» و على هذا يصح أن تحمل الآية على مطلق الرجحان في الجملة أيضا.
و مجموع الآية الشريفة يدل على نسخ الحرمة بحلية الجماع ليلة الصيام كما هو ظاهر من موارد مختلفة منها. نعم، إنّ هذا الحكم يمكن أن يكون مما بينه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّ آيات الصيام لا تدل على حرمة المباشرة و الأكل و الشرب بعد النوم.
و قيل: إنّ الآية ليست ناسخة لحكم تحريمي شرعي، لعدم وجوده قبل نزول الآية الشريفة. نعم ذهب جماعة من الصحابة باجتهادهم إلى تحريم ما يحرم على الصائم في النهار في الليل أيضا بعد النوم، و لكنّهم خانوا أنفسهم، فكانوا عاصين بما فعلوا، فكانت الخيانة بحسب الزعم و الحسبان، فنزلت الآية تبيّن أنّ ذلك لم يكن حكما تحريميا عليهم. و قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ يدل على تحقق الحلية كما في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة- ۹٦]، إذ لم يكن صيد البحر محرما قبل نزول الآية المباركة.
و يمكن المناقشة فيه بأنّه خلاف ظاهر الآية الشريفة كما عرفت، و أنّ اشتمال الآية على حكم ليلة الصيام لا يدل على أنّ ذلك كان بحسب اجتهاد بعض الصحابة، بل يمكن أن يكون مما بينه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فالآية تنسخ ما بينته السنة المقدسة.
إلا أن يقال: إنّ ترك المباشرة في الليل لم يكن بأمر من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّما كان من فعل الصحابة تجليلا لهم لشهر الصيام و لم ينههم‏ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك فتوهموا من عدم النهي تقريرا منه (صلّى اللّه عليه و آله) فيكون التشريع من حيث التقرير، فمن يقول بالنسخ يلاحظ جهة التقرير و من لا يقول به يلاحظ أصل الفعل فيصير مجموع هذه الآيات المباركة من قبيل قوله تعالى: وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها [الحديد- 27] فإنّهم مع بنائهم على ترك المباشرة مع ذلك خانوا أنفسهم و باشروا النساء، و يستفاد ذلك من سياق الآية: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
قوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
ترخيص للأكل و الشرب في ليلة الصيام إلى أول طلوع الفجر الصادق الذي هو عبارة عن البياض المعترض في الأفق آخر الليل و يكون معترضا مستطيلا كالخيط الأبيض، و سمي بالصادق لصدقه في إخباره عن قدوم النهار، مقابل الفجر الكاذب الذي يشبه بذنب السرحان.
و من ذلك يظهر أنّ ليلة الصيام هي عبارة عما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، كما أنّ اليوم الصومي عبارة عما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس و اليوم العملي [الإيجاري‏] عبارة عما بين طلوع الشمس و غروبها لو لم يكن جعل آخر في البين.
و قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض أي: يتبيّن الخيط الأبيض من الفجر و ذلك بطلوع الفجر الصادق أي: نور الصبح من ظلمة الليل، و في الكلام تشبيه بليغ يشبّه الفجر بالخيط الأبيض و غبش الليل بالخيط الأسود، و العرب تشبه النور الممتد بالحبل أو الخيط، و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في صفة القرآن: «كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض» يعني: نور هداه المؤمن من العذاب و الحيرة ممدود من السماء إلى الأرض و منه قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا [آل عمران- 103].
و لعل وجه التشبيه أنّهم لم يعرفوا من قواعد الهيئة و الأفلاك العلوية شيئا و إنّما كان أنسهم بالأمور المادية، فشبّه الجليل جلّ و علا الفجر بالأمر المحسوس، لتقريبه إلى أذهانهم و لبعده عن الالتباس و سهولة معرفته.
و من تحديد الفجر بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود يستفاد أنّه يكون من أول حين طلوع الفجر، لأنّ ارتفاع الشعاع يوجب اضمحلال الخيطين و إبطالهما.
و هذه العلامة من العلامات العامة في الأوقات بلا اختصاص لها لبلد أو أفق معيّن، كغروب الشمس الذي هو علامة لدخول ليل كل بلد بحسب أفقه.
و ذلك لأنّ حدّ الظلمة في هذا العالم المتحرك الدوار ينتهي إلى النور، كما أنّ حد النور ينتهي إلى الظلمة لفرض تناهي كل واحد منهما في فلكهما المتحرك الدائر، فيحصل نحو اختلاط بين النور و الظلمة حتى يغلب النور على الظلمة، كما في الاختلاط الحاصل في الفجر، أو تغلب الظلمة على النور كما في الاختلاط الحاصل في الغروب، و الأول يسمى الفجر أو الخيط الأبيض و الخيط الأسود بالتعبير القرآني، و الثاني يسمى الشفق، و كلاهما مذكوران في القرآن الكريم أحدهما في المقام و الثاني في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الإنشقاق- ۱٦]، و كل منهما لا ينعدمان آنا مّا من هذا العالم، لاختلاف الآفاق، ففي كل حين في هذا العالم غروب، و دلوك، و شفق، و فجر ذلك تقدير العزيز العليم الذي يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [لقمان- 29]، هذا في العالم الذي نحن فيه، و أما في سائر العوالم أو سائر المجموعات الشمسية التي يكون عالمنا الذي نحن فيه كخردلة في فلاة، فليس للعقول الدراكة إلى ذلك من سبيل، و قد اعترف المتخصصون بالتحيّر و القصور.
قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.
التمام: ضد النقصان، و يستعمل في انتهاء الشي‏ء بحيث لا يحتاج إلى شي‏ء آخر خارج عنه.
لما حدد سبحانه ابتداء الصيام بالفجر ذكر هنا تحديد انتهائه بإتمامه إلى الليل- المعاقب للنهار- الذي يبدأ بغروب الشمس و ذهاب الحمرة المشرقية.
و ذكر بعض المفسرين أنّ في قوله تعالى: أَتِمُّوا دلالة على أنّ الصوم واحد بسيط و عبادة واحدة تامة لا أن يكون مركبا من أجزاء، و هذا هو الفرق بينه و بين الكمال حيث إنّه انتهاء وجود مّا لكلّ من أجزائه أثر مستقل وحده.
و لكن يمكن أن يقال: إنّ الصوم كسائر العبادات يلحظ فيه جهة تمام وجهة كمال يمكن أن تكون الثانية بالنسبة إلى الشرائط الأعم من شرائط الصحة و الكمال، و تكون الأولى بالنسبة إلى الأجزاء هذا إذا لم تكن قرينة على الخلاف و إلا فهي المتبعة، و منه يعلم ما في المقام من ذكر التمام دون الكمال، و يأتي في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة- 3]، تتمة الكلام.
و حيث إنّ بين الشروع في نية الصيام و المضيّ فيه نحو فصل عرفي عطف سبحانه ب (ثم) للتنبيه إلى هذه الجهة.
قوله تعالى: وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ.
استثناء من العموم الذي ربما يتوهم من قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ ليشمل جواز المباشرة ليالي الاعتكاف في المسجد فنهى تعالى عن ذلك حالة الاعتكاف مطلقا.
و العكوف: هو الإقبال على الشي‏ء و ملازمته على سبيل التعظيم. و في الشرع: ملازمة المسجد و المكث فيه على سبيل القربة للعبادة.
و تستعمل المادة في مطلق الحبس أيضا قال تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ [الحج- ۲٥]، و قال تعالى: فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ [الشعراء- 71] و قال تعالى: فَأَتَوْا عَلى‏ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى‏ أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف- 138] و قال تعالى: وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح- ۲٥].
و حالة الاعتكاف في المسجد هي حالة القرب إلى اللّه تعالى بخلاف حالة الجنابة، فإنّها حالة البعد عنه عز و جل، فلا تجتمعان، و لذلك نهى الشارع عنها.
و المباشرة: الجماع كما تقدم و هو يبطل الاعتكاف، لما ذكرناه في الفقه.
و الاعتكاف: عبادة خاصة رغّب إليه الإسلام بشروط مقررة في الكتب الفقهية، و يدل على رجحانه و محبوبيته الكتاب و السنة و الإجماع فمن الكتاب قوله تعالى: طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة- ۱۲٥]، و أما السنة فهي متواترة بين الفريقين منها قول نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين و عمرتين»، و أما الإجماع فهو من المسلمين فتوى و عملا.
و يدل على حسنه العقل أيضا فإنّ اللبث في بيت المحبوب راجح و محبوب.
و يعتبر أن يكون في المسجد الجامع و أفضله المساجد الأربعة و هي: المسجد الحرام، و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مسجد الكوفة، و مسجد البصرة. و له شروط، و آداب، و أحكام مذكورة في الكتب الفقهية راجع الصوم من كتابنا [مهذب الأحكام في بيان الحلال و الحرام‏].
قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها.
الحد: يأتي بمعنى المنع، و حدود اللّه: هي شرائعه و أحكامه المحرمة التي قرنها بالعقوبة، و النهي عن الاقتراب إليها كناية عن مخالفتها عبّر عنها بالاقتراب لشدة الحيطة و مبالغة في التحذير، فإنّ من قرب من شي‏ء أوشك أن يتعداه، و قد ورد في الحديث «أنّ لكل ملك حمى و أنّ حمى اللّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
و هذا التعبير أبلغ في التحذير من قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة- 229]، و لهذا لم يستعمل مثل هذا التعبير إلا في موارد خاصة مثل قرب مال اليتيم، و الزنا و المقام.
و المعنى: إنّ ما ذكر من الأحكام المشتملة على الإيجاب و التحريم هي حدود اللّه تعالى فلا تضيّعوها و لا تعصوا اللّه تعالى بتركها، فإنّ نقض الحد المحدود كنقض العهد المعهود مبغوض بالفطرة.
و الآية تشير إلى أمر فطري و هو الاهتمام بالقانون مطلقا- خالقيا كان أو خلقيا- و احترامه و تعظيمه ما لم ينه عنه الشرع، لأنّ في حفظ القانون حفظا لنظام النوع الإنساني، و تكميل المجتمع، و جلب السعادة للأفراد هذا في القوانين الوضعية الممضاة من قبل الشرع، فكيف بالقوانين الإلهية التي تنفع الإنسان في الدنيا و الآخرة كما تنفع الفرد و المجتمع سواء، و سيأتي في الآية اللاحقة ما يتعلق بالمقام.
و يستفاد من الآيات الشريفة كمال المذمة لعدم العلم و العمل بحدود اللّه تعالى قال سبحانه و تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [التوبة- 97].
قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
أي: أنّ بهذا النحو من البيان في أحكام الصيام يبيّن اللّه آياته و دلائله للناس بما فيه الصلاح و السعادة ليتقوا اللّه عز و جل.
و قد ذكر تعالى [لعل‏] في المقام و غيره فيما يزيد على مائة موضعا و قد تقدم ما يرتبط بذلك. و فيه من الموعظة الحسنة بأحسن أسلوب و أرقه، و بلسان الألفة و الرحمة لتكميل الإنسان نفسه و إخراجها من الظلمات و الجهالة و الغرور إلى عالم النور، و يكون مفاد مثل هذا الخطاب أنّه قد آن زمان تطهير النفوس عن كلّ رذيلة و خسيسة، فسارعوا إلى التطهير و الكمال.

في تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان الأكل و النكاح محرّمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كلّ من صلّى العشاء و نام و لم يفطر ثم انتبه حرم عليه الإفطار، و كان النكاح حراما في الليل و النهار في شهر رمضان و كان رجل من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقال له خوات بن جبير الأنصاري أخو عبد اللّه بن جبير الذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وكّله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ففارقه أصحابه و بقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب و كان أخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا و كان صائما مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الخندق فجاء إلى أهله حين أمسى فقال: عندكم طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لأهله: قد حرم عليّ الأكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فرقّ له، و كان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرّا في شهر رمضان فأنزل اللّه تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ- الآية- فأحل اللّه تبارك و تعالى النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر بقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قال هو بياض النهار من سواد الليل».
أقول: قريب منه ما رواه الكليني و العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام). أيضا و من طرق العامة ما رواه في الدر المنثور بطرق متعددة.
و يستفاد منها أنّ الأكل و الشرب كان حلالا قبل النوم، و أما النكاح فكان محرّما في الليل و النهار من شهر رمضان، و يمكن استفادة ذلك من اختلاف التعبير في الآية الشريفة أيضا.
في الدر المنثور أخرج ابن جرير، و ابن المنذر عن ثابت عن ابن عباس: «أنّ المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلّوا العشاء حرم عليهم النساء و الطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أنّ أناسا من المسلمين أصابوا الطعام و النساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأنزل اللّه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ- إلى قوله تعالى- فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يعني: انكحوهنّ.
أقول: و في بعض الروايات إنّ جمعا من الصحابة كانوا كذلك.
في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قال (عليه السلام): «بياض النهار من سواد الليل».
أقول: تقدم الوجه في ذلك.
في الدر المنثور: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الفجر فجران، فأما الذي كأنّه ذنب السرحان فإنّه لا يحلّ شيئا و لا يحرّمه، و أمّا المستطيل الذي يأخذ الأفق فإنّه يحلّ الصلاة و يحرّم الطعام».
أقول: الروايات في ذلك مستفيضة بين الفريقين تعرضنا لبعضها في [مهذب الأحكام‏] في بحث الأوقات.
في صحيح البخاري و مسلم و الترمذي و أبي داود و ابن جرير و النسائي عن عمر قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا أقبل الليل من هاهنا و أدبر النهار من هاهنا و غربت الشمس فقد أفطر الصائم».
أقول: وردت روايات كثيرة عن الأئمة الهداة (عليهم السلام) أنّ الليل لا يدخل إلا بذهاب الحمرة المشرقية عن سمت الرأس و عليه إجماع الإمامية و لا تنافي بين الروايات فإنّ المتحصّل من مجموعها أنّ غروب الشمس له مراتب متفاوتة أدناها غيبوبة قرص الشمس و آخرها ذهاب الحمرة المشرقية و يعرف غروب الشمس بالأخيرة.
في الفقيه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين و عمرتين».
أقول: الروايات في فضل الاعتكاف في شهر رمضان كثيرة تعرضنا لبعضها في الصوم من كتابنا (مهذب الأحكام في بيان الحلال و الحرام).

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"