1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 185

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (۱۸٥)


الآيات مرتبطة بعضها مع بعض ذات نسق منظّم و أدب رفيع و أسلوب رائق في بيان حكم إلهيّ ألقاه عز و جل متدرّجا ليأنس به الطبع، فبيّن سبحانه مدّة الصيام و أنّها قليلة و لكنّها عظيمة بسبب نزول القرآن الفاصل بين الحق و الباطل فيها، و وضع الصيام عن المرضى و المسافرين و قد أخبر سبحانه و تعالى أنّه يريد اليسر للإنسان في تكاليفه و لم ينزّل الأحكام الشرعية لتعسيره ثم بيّن بعض الغايات لهذا التكليف العظيم.

185- قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ.
جملة مستأنفة. بيان للأيام المعدودات. مرفوعة على الابتداء، و الخبر «الذي أنزل».
و مادة (شهر) تأتي بمعنى الظهور، و سمي الشهر شهرا لظهوره، و هو جزء من اثني عشر جزء التي تحصل من دوران الأرض حول الشمس سواء عدت بالأهلة أو بغيرها، و جمعه في القلة أشهر، و في الكثرة: شهور.
و قد ورد في القرآن الكريم مفردا و جمعا في موارد كثيرة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ [المائدة- 2] و قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة- 192]، و قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة- ۳٦]. و تحديد الزمان بالأشهر قديم جدا يأتي في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة- 189] البحث في ذلك.
و رمضان مأخوذ من [رمض‏] و هو شدة وقع الشمس على الرمل و غيره، و يقال رمض الصائم يرمض إذا حرّ جوفه من شدة العطش، و الرمضاء: الحجارة الحارة، و عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال» أي: وقت نافلة الظهر هو أن تحمى الرمضاء فتبرك الفصال من شدة حرها و إحراقها أخفافها.
و عن جمع من اللغويين أنّ هيئة فعلان- بفتح الأول و الثاني- يراعى فيها الاضطراب و الحركة في الجملة، كالخفقان و اللّمعان، و السّيلان و نحوهما، و قد ادعى الكلية في ذلك.
سمي هذا الشهر بهذا الاسم، لأنّ حدوث هذه التسمية كان في شدة الحر، فإنّهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة عدوها بالأزمنة التي وقعت فيها، أو لأنّه يحرق الذنوب و يسقطها عن الصائمين‏ فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إنّما سمي رمضان لأنّه يرمض ذنوب عباد اللّه»، أو إنّه مأخوذ من الرمضاء- بسكون الميم- و هو مطر يأتي قبل الخريف يطهّر وجه الأرض عن الغبار، كما نقل عن الخليل، فكذلك شهر رمضان يطهّر قلوب هذه الأمة عن الخطايا و الرذائل.
و هو ممنوع من الصرف للتعريف، و النون الزائدة، و لم ترد هذه المادة في القرآن الكريم إلا في هذا المورد.
و في بعض الأخبار أنّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى‏ فعن أبي جعفر الباقر (عليهما السلام): «لا تقولوا جاء رمضان و ذهب رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء اللّه»، و قد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مثله كما في كنز العمال.
و لعل الوجه فيه أنّه عز و جل يسقط ذنوب عباده و يغفر لمن يشاء، و يشهد له ما في بعض الآثار أنّه شهر اللّه تعالى، و لذا من الأدب أن لا يفرد في الكلام، بل يقال: شهر رمضان، و لكن وقع التعبير به مفردا في بعض الأخبار، لبيان أصل الجواز، و لم أظفر في الدعوات المأثورة أنّه اطلق عليه تعالى (رمضان) في ما تفحصت عاجلا.
قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
بيان لحكمة تخصيص هذا الشهر بالصوم. و القرآن يأتي بمعنى الجمع، و سمي كتاب اللّه به، لأنّه جمع فيه المعارف و الأحكام، و العلوم. و هو علم للكتاب المنزل على رسول اللّه خاتم النبيين محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي جمع فيه المعارف الإلهية و الأحكام الشرعية و العلوم المتعالية.
و قد ورد هذا اللفظ في القرآن فيما يزيد على خمسين موردا كلّها مقرونة بالتجليل و التعظيم، و له أسماء كثيرة للقاعدة المعروفة: كلما ازداد المعنى بهاء و كمالا ازدادت ألفاظه جمالا و جلالا. و هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، و المشتمل على أسرار يصعب على الأذهان فهمها، و لا يمكن الإحاطة بها إلا نزرا يسيرا ممن شملتهم عناية اللّه تعالى، فعلّمهم ما لم يمكن دركه بغير إفاضة منه عز و جل مع اعترافهم بالقصور، و التواضع أمام عظمته، فإنّ درك حقيقة الوحي يختص بالموحي، و أمين الوحي و الموحى إليه، و هي من الأسرار التي لا يتقدمهم فيها أحد.
و مادة (نزل) تدل على الانحطاط من العلوّ في جميع مشتقاتها سواء كان ذلك حقيقيا أو اعتباريا. و أما التنزيل فقد لوحظ فيه التفرق بخلاف الإنزال فإنّه أعم منه.
و للتنزيل و الإنزال مراتب مختلفة و غايات متعددة يتعددان بتعددهما و يختلفان باختلافهما:
فتارة: ينزل من مرتبة العلم الأزلي إلى مرتبة فعله تعالى.
و أخرى: ينزل جملة على أقدس قلب و أصفاه في الممكنات، و هو قلب نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) فيكون كشهاب برق إلهي يبرق على شمس الحقيقة ليزيدها بهجة و جلالا، و لمعة و إجلالا.
و ثالثة: ينزل متفرقا ليقرأه على مكث، و سيأتي في المبحث الآتي ما يتعلق بنزول القرآن.
و الآية تدل على أنّ القرآن الكريم نزل في شهر رمضان إلا أنّها لم تعيّن في أيّ وقت منه، و لكن ورد في آية أخرى أنّه في ليلة مباركة، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان- 3]. و في ثالثة: ذكر أنّها ليلة القدر، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر- 1]. و الأخيرة تكون مبينة للآيات السابقة، فلا منافاة في البين.
و قد تشرف هذا الشهر بنزول القرآن فيه، و لذا اختص بالصيام و لا يعقل شرف فوق شرف كتاب اللّه عز و جل، و إن كان هذا الشهر مقدس من القديم و كان الصوم فيه عبادة قديمة، و قد ورد في الأخبار بأنّ الكتب السماوية من صحف إبراهيم، و التوراة، و زبور داوود، و الإنجيل، و القرآن نزلت في هذا الشهر. و فيه تقدر جميع الأمور بكليّاتها و جزئياتها، قال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان- ٤]. و فيه القضاء المبرم الذي لا تغيير فيه و لا تبديل، و يأتي في المحلّ المناسب تفصيل ذلك.
قوله تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ.
الهداية: هي الدلالة بلطف، و الهدية: الإعطاء، ففي الإعطاء و البذل تسمى هدية، و في الدلالة هداية، و قد ذكرت هذه المادة بجميع مشتقاتها في القرآن الكريم في ما يزيد على ثلاثمائة مورد، و في جميع استعمالاتها مقرونة بالشرف و التعظيم، إلا في مثل قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات- 23]، و قوله تعالى: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد- 10]. و يمكن الاستعمال بداعي التهكم لا الحقيقة.
و المعروف بين الأدباء أنّ الهداية إن تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الإيصال إلى المطلوب، و إن تعدت (باللام أو إلى) كانت بمعنى إراءة الطريق، و هذا من إحدى القرائن التي يجدها المتتبع في الكلمات.
و الهداية: إن كانت بمعنى الإيصال إلى المطلوب بالنسبة إلى اللّه عز و جل فهو غير متناه. لأنّ المطلوب لا حد له بوجه من الوجوه. نعم استعداد من يهدى له مراتب متناهية، لفرض إمكانه.
و إن كانت بمعنى إراءة الطريق فهي كثيرة، و للمجاهدات و الرياضات الشرعية دخل كثير في الهدايتين، قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت- ٦۹]. و تقدم ما يتعلق بهذه المادة في أول سورة البقرة فراجع.
و لفظ الناس قد ذكر في القرآن في ما يقرب من مأتين و خمسين آية، و أصل معناه من الاضطراب. و هو اسم جنس له أنواع كثيرة تعرف بالقرائن المحفوفة بالكلام و مع عدمها يرجع إلى العموم.
و المعنى: إنّ القرآن أنزل في شهر رمضان لهداية الناس إلى الصراط المستقيم بحسب اختيارهم، و لا معنى للهداية الجبرية و إن كانت مقدورة للّه تعالى، قال عز و جل: أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد- 31].
و لكن عنايته الأزلية اقتضت أن تكون اختيارية لأنّ الكمال في الهداية بالاختيار.
قوله تعالى: وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ البينات جمع البينة، و هي الدلالة الواضحة الكافية عقلا لإتمام الحجة، قال تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال- ٤۲].
و الفرقان: ما يفرق بين الحق و الباطل، و هو كثير مثل الكتب السماوية، قال تعالى: وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة- ٥۳].
و الزمان الذي يغلب فيه الحق على الباطل، قال تعالى: وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال- ٤۱]. و المكان الذي يقضى فيه بالحق و يعمل فيه. و المعاجز الصادرة من الأنبياء فرقان، كما أنّ السنة المقدسة فرقان، و العقل الداعي إلى عبادة الرحمن و اكتساب الجنان فرقان، و العالم الذي يعمل بعلمه فرقان. و كلّ ما يضاف إليه تعالى فرقان مقابل ما يضاف إلى الشيطان.
و القرآن أجلى تلك المظاهر بل هي منطوية في القرآن فهو قرآن بوجوده الجمعي، و فرقان بوجوده التفصيلي، و لا يختص الفرقان بالتفرق الحسي و بحسب المدارك الظاهرية، بل يشمل التفرق بحسب جميع المدارك، قال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان- ٤]. فجميع التقديرات الإلهية و جميع مراتب قضائه عز و جل من الفرقان، و في الحديث: «إنّ الفرقان المحكم الواجب العمل، و القرآن جملة الكتاب» و هو من بيان بعض المراتب، و إلا فالقرآن بجميع آياته فرقان.
و قد ذكر سبحانه و تعالى في المقام ثلاث خصال للقرآن الكريم: و هي أنّه هدى للناس، و هذه خصلة من لوازم ذات القرآن، بل جميع الكتب السماوية، و اشتماله على البينات الواضحة لكل فرد، و الفرقان بين الحق و الباطل. فإنّ لكل حق حقيقة، و على كل حقيقة نور. و في مقابل كل حقيقة باطل، و شأن الكتب السماوية و الأنبياء و من يحذو حذوهم علما و عملا تمييز الحق عن الباطل، و عرضه على عقول الناس، كل ذلك على حسب التدرج و التأنّي، كما هو سنته تعالى في أصل الإيجاد، أو في جهات التشريع.
قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
الشهود بمعنى الحضور، سواء كان بالبصر أو البصيرة، أو الواقع فالكل شهود، و هو من الصفات ذات الإضافة، فكما أنّ الشاهد يشهد المشهود فهو أيضا حاضر لدى الشاهد.
و في المقام يمكن أن يكون المراد بالشهود الحضور مقابل الغيبة و السّفر، و يعضده قوله تعالى: أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ. أو يكون المراد الأعم منه و من استجماع شرائط صحة الصوم، و يعضده قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً.
قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
العدة: هي المعدودة، أي عليه صوم أيام أخر مثل الأيام التي فاتته من صوم شهر رمضان. و من التفصيل بين حكم الحاضر و حكم المسافر في شهر رمضان و إثبات وقتين لهما يستفاد أنّه لا رجحان لصوم المسافر في شهر رمضان، و يدل عليه ما يأتي من قوله تعالى، و إلا لما كان لهذا التأكيد و التمييز بين الموضوعين و الحكمين معنى.
قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ.
الإرادة: هي من الوجدانيات لكل ذي شعور، لأنّ من لوازم الحياة التحرك بالإرادة، و اشتقاقها من ورد.
و عن جمع من المفسرين و غيرهم أنّها بمعنى الطلب، و لا كلية فيه كما أثبتناه في (تهذيب الأصول). و الإرادة من اللّه جل شأنه فعله.
و المعنى: إنّ اللّه تعالى أراد في كلّ ما شرعه من الأحكام اليسر النوعي، و منه إفطار المريض و المسافر.
و في التعبير من التحريض و الترغيب ما لا يخفى، سواء في الترخيص أم في العزيمة، لأنّ «اللّه يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه»، و مثل الآية المباركة قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء- 28]، و قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج- 78].
قوله تعالى: وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
تأكيد لما سبق. و العسر: خلاف اليسر.
و المعنى: إنّ اللّه تعالى لا يريد العسر في تشريعه الأحكام، و منها الصيام أداء و قضاء، و يستفاد منه أنّ الصوم في السفر غير مراد للّه تعالى.
قوله تعالى: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ.
أي: و لتعظموا اللّه تعالى على هدايتكم إلى الدين و شرائعه المقدسة لا سيما الصيام، فإنّ فيه إصلاح النفوس و تكميلها، و هذه الغاية من أعلى الفضائل.
و قد وردت روايات تدل على أنّ هذا التكبير وارد في آداب ليلة الفطر إلى أربع صلوات بعدها. و هذا من ذكر بعض المصاديق لكلّ ما يكبّر العبد ربه العظيم، و إن كان ما يصدر من العبد لا يبلغ ما أنعم عليه ربه الرحيم، إذ لا وجه لنسبة المتناهي لغير المتناهي،
قال علي (عليه السلام): «و ما قدر أعمال أقابل بها نعمك و إنّي لأرجو أن تستغرق ذنوبي في كرمك كما أستغرق أعمالي في نعمك».
قوله تعالى: وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أي: تشكرون اللّه على نعمه عليكم كلّها و منها الصيام، و في إتيان [لعل‏] دلالة على أنّ للأعمال و المجاهدات دخل في قوة اختيار العبد للشكر.

يجوز أن يكون «شهر رمضان» مرفوعا على الابتداء، و الخبر قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أو يكون خبرا لمبتدأ محذوف و الصلة صفة له، و التقدير: الواجب عليكم، و نحوه.
«و رمضان» غير منصرف لزيادة النون و العلمية. و «هدى» في موضع نصب على الحال من القرآن و «بيّنات» عطف عليه.
و اللام في «فليصمه» لام الأمر، و إذا أفردت كسرت، و أما إذا وصلت بشي‏ء ففيها الوجهان: الجزم و الكسر. و ما يوصل بها ثلاثة أحرف: الفاء مثل قوله تعالى: فَلْيَصُمْهُ، و قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [قريش- 3]. و الواو مثل قوله تعالى: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [سورة الحج- الآية 29]. و ثم مثل قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا [الحج- 29].
و الشهر منصوب على الظرفية أي حضر فيه.
و اللام في وَ لِتُكْمِلُوا للتعليل، و الجملة عطف على سياق الجملة السابقة، و قرئ «لتكمّلوا» بالتشديد.

تدل الآية الشريفة على أمور:
الأول: أنّها تدل على فضل شهر رمضان على سائر الشهور، و ذلك لنزول القرآن الذي هو أشرف الكتب السماوية- كما مر- و أعظم تجلّ إلهي أبدي في عالم الإمكان، و فرق بينه و بين تجليه تعالى لموسى بن عمران (عليه السلام) بوجوه:
الأول: أنّه تجلّ جزئي بالجزئية الوجودية- لا المفهومية- لفرد واحد من أفراد الإنسان اللائق، و القرآن تجلّ إلهي نوعي.
الثاني: أنّ الأول كان في محلّ خاص و هو الجبل، و هذا من قمة العرش الأعلى إلى قرار الأرض.
الثالث: أنّ في الأول كان التجلّي موجبا لصعق موسى (عليه السلام) و تجلّي القرآن موجب لارتقاء القلوب من حضيض الدنيا إلى عالم الغيب المحيط بها، فيصير المتجلّى له عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني.
الرابع: أنّ تجلّي القرآن على قلب نبينا الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله) لم يوجب أن يخر صعقا بل بقي مستقيما باستقامة شروق النور المقدّس الأحدي، و بقي المتجلّي لهم ببقاء النور المحمدي المقتبس من النور الأقدس الأحدي.
الثاني: أنّ قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يدل- أي هذه الجملة المركبة من الشرط و الجزاء- على أنّ المناط هو ثبوت الشهر و حضوره حقيقة و ذلك برؤية الهلال، أو تقديرا فيما إذا لم يمكن ذلك. و هو لا يدل على أنّ من حضر شطرا من شهر رمضان لا بد له من الإتمام و لو كان مسافرا.
الثالث: أنّ قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ تأكيد لما ذكره عز و جل من سقوط الصوم عن المريض و المسافر دفعا للشكوك و الأوهام.
و إنّما ذكر السفر مع الظرف دون المرض، لأنّ الثاني من قبيل الوصف بحال الذات، و الأول من قبيل الوصف بحال المتعلق فيصح بذلك اختلاف التعبير بينهما.
الرابع: أنّ تكملة العدة في شهر رمضان تتحقق بالصيام بين الهلالين- أي هلال رمضان و هلال شوال- و مع الخفاء فثلاثين يوما
كما رواه الفريقان عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية»، و عن عليّ (عليه السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين يوما».
الخامس: أنّ قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يدل على أنّ الملاحظ اليسر و العسر النوعيان منهما لا الشخصيان فلا يرد عليه أنّنا نرى تخلّف ذلك في الصوم وجدانا، لأنّ الشخص المكلّف إنّما يستفيد من هذه العبادة روحا و جزاء أكثر مما يبذله من الجهد.
السادس: لم يذكر في القرآن الكريم قضاء عبادة إلا حكم قضاء شهر رمضان في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. و يستفاد منه فروع فقهية كثيرة مذكورة في الكتب الفقهية.

الآية الشريفة تدل على نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، و قد ذكر سبحانه في آيات أخر أنّه كان في ليلة القدر منه، و هي واحدة من الآيات الكثيرة الدالة على نزوله من اللّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و جميعها تدل على عظمة المنزل و أهميته، قال تعالى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء- ۱۰٥]. و الكلام في نزول القرآن يقع من ناحيتين:
الأولى: في حقيقة النزول و للعلماء و الفلاسفة كلام فيها، و هو مورد البحث عندهم و قد أفردوا لمسألة الوحي كتبا مستقلة، و سيأتي البحث عنه في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
الثانية: في كيفية النزول و أنّه هل نزل جملة واحدة أو نزل متفرّقا أو هما معا؟ و ما يتعلق به من حيث زمان النزول و مكانه و أول ما نزل. و الكلام في المقام في هذه الناحية يقع في أمور:
النزول و التنزيل:
الآيات التي وردت في إنزال القرآن الكريم على قسمين: قسم ورد فيه لفظ النزول الدال على الانحطاط من العلو- سواء كان ذلك حقيقيا أو اعتباريا- جملة واحدة من دون ملاحظة التفرق و التدرج فيه، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان- 3]، و قال تعالى: وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الأنعام‏- ٦]، و قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر- 1]، و قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص- 29] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
و قسم آخر ورد فيه لفظ التنزيل الدال على الانحطاط من العلو مع التفرق و التدريج قال تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء- ۱۰٦]، و قال تعالى: نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان- 23] و غير ذلك من الآيات الشريفة الدالة على نزول القرآن تدريجا في مجموع مدة بعثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي مدة دعوته البالغة عشرين سنة.
و قد استعملت هاتان المادتان بالنسبة إلى غير القرآن أيضا، كما ورد في نزول الملائكة قال تعالى: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون- ۲٤]، و قال تعالى: وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان- ۲٥]، و بالنسبة إلى المطر النازل من السماء، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [النحل- 10]، و قال تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً [الأنفال- 11].
و يمكن أن يكون الوجه في ذلك أنّه يلاحظ تارة المجموع فيستعمل النزول و الإنزال، و أخرى يلاحظ البعض و الأجزاء فيستعمل التنزيل.
تعدد النزول:
لا ريب في تعدد نزول القرآن حسب المستفاد من الآيات الشريفة و السنة المقدسة الواصلة إلينا و ما ذكره العلماء في ذلك الوجوه:
الأول: أنّه أنزل جملة في شهر رمضان إلى البيت المعمور في السماء الدنيا، ثم أنزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) متفرقا ليقرأه على الناس في مجموع مدة الدعوة و قد وردت في ذلك روايات ففي الكافي عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن قول اللّه تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ و إنّما أنزل في عشرين سنة بين أوله و آخره.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى‏ البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة». و روي قريب منه عن ابن عباس.
و قد ادعي الإجماع على ذلك. و البيت المعمور الوارد في هذه الرواية و السماء الدنيا في رواية أخرى شي‏ء واحد كما يأتي في محله و إن صح الاختلاف بالاعتبار.
و أشكل عليه: بأنّ نزوله إلى السماء الدنيا لم يكن فيه أي منة علينا و لا معنى لاتصافه بالهداية و الفرقان و بقائه في السماء الدنيا مدة سنين و هذا مما ينفيه قوله تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ.
و أجيب عنه: بأنّ اتصاف القرآن بالهداية و الفرقان اقتضائي أي: من شأنه أن يهدي من التمس الهداية منه، و أن يكون فرقانا إذا التبس الحق بالباطل.
و بعبارة أخرى: إنّ اتصافه بهما يكون بتتميم إنزاله إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و نوقش في ذلك بأنّه لا يمكن إنزاله جملة واحدة و لو إلى السماء الدنيا، لأنّ منه الناسخ و المنسوخ، و منه ما يكون جوابا لسؤال، أو إنكار قول، أو حدوث حادثة، و لا يتأتى ذلك إلا إذا نزل متفرقا.
و يمكن الجواب عنه: بأنّ الحوادث المتدرجة الزمانية المتقدمة بعضها على بعض أو المقارنة بعضها مع بعض إنّما تكون بالنسبة إلى سلسلة الزمان المتدرجة في الحوادث المحصورة في الزمان الذي لا ينفك عن التغير و الحدثان. و أما بالنسبة إلى اللّه تعالى المحيط بما سواه بكل معنى الإحاطة و العالم بالجزئيات قبل حدوثها، فتكون جميع الحوادث المتعاقبة في الزمان عنده شيئا واحدا واقعا في آن واحد و الإشكال إنّما هو بالنسبة إلى الزماني لا بالنسبة إلى المنزّه عن الزمان.
الثاني: أنّ المراد بنزول القرآن في شهر رمضان هو ابتداء نزوله فيه ثم أنزل بعد ذلك متفرقا في أوقات مختلفة، و القرآن كما يطلق على المجموع يطلق على البعض أيضا.
و يرد عليه: أنّه مخالف لظاهر الآيات المباركة الدالة على نزول القرآن‏ بأجمعه في شهر رمضان و في الليلة المباركة منه كما مر، مضافا إلى أنّ بعثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كانت في غير شهر رمضان، و من المستبعد جدا أن لا ينزل في أول البعثة شي‏ء من القرآن الكريم و تخلو مدة منه، مع أنّ المشهور أنّ أول سورة نزلت مصاحبة للبعثة إما سورة العلق، أو سورة المدثر، و فيهما شواهد على أنّهما نزلتا حين البعثة و أمر الرسول بالرسالة.
الثالث: أنّ المراد بنزول القرآن في ليلة القدر هو نزول سورة من سوره المشتملة على جلّ معارف القرآن كسورة الحمد، فكأنّ نزولها في ليلة القدر من شهر رمضان هو نزول القرآن بأجمعه، و يصح أن يقال نزل القرآن جملة، و بذلك يمكن الجمع بين نزول القرآن في أول بعثته (صلّى اللّه عليه و آله) و نزول القرآن في الليلة المباركة من شهر رمضان.
و يرد عليه ما أورد على سابقه من أنّه خلاف ظاهر الآيات الشريفة التي تدل على أنّ القرآن نزل جملة في ليلة القدر، مع أنّ هذا الوجه في نفسه بعيد جدا، كما لا يخفى.
الرابع: أنّ المراد بإنزال الكتاب جملة في الليلة المباركة هو حقيقة الكتاب التي وصفت بالمحكمة و المفصّلة و التي يأتي تأويلها في يوم القيامة، و التي لها وقع في الكتاب المكنون الذي لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و إنّه في أمّ الكتاب أو في اللوح المحفوظ قبل التنزيل، كما دلت عليها الآيات المباركة، و هذه هي التي نزلت على قلب سيد المرسلين جملة ثم أنزل بعد ذلك بالتدريج حسب الوقايع و الحاجة، و لذا أمر بأن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه قال تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ص- ۱۱٤]. و هذا الكتاب المنزل تدريجا متكئ على تلك الحقيقة المتعالية المنزهة عن تلبيسات المبطلين و شكوك المعاندين، و قد أنزلها اللّه تعالى على رسوله فعلّمه تأويله و حقيقة ما يعنيه من الكتاب المبين.
و فيه: أنّه مخالف لسياق القرآن الذي نزل بلسان الأمة. نعم للقرآن حقيقة واحدة واقعية يحيط بها قلب نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و لكن مورد الكلام في الأول دون الثاني.
و الحق أن يقال: إنّ القرآن يختلف عن سائر الكتب الإلهية من جهات كثيرة فهو آخرها، المهيمن عليها، و أنّه أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود- 1]، و أنّ فيه تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً [يوسف- 111]، و أنّه لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس- 37]، و أنّه فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف- ٤]، و يكفي في عظمة أمره قوله تعالى:
رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى- ٥۲]. و لا ريب في أنّ مثل هذا الكتاب له من الجلال و العظمة و الكبرياء ما لا يمكن دركه بالعقول و إن بلغت ما بلغت، و حينئذ لا يمكن لنا أن نقول بنزوله مرة واحدة، سواء كان دفعة واحدة أم تدريجا من دون أن يعرف من أنزل عليه تأويله، و هو النبي العظيم حبيب ربّ العالمين و صاحب الشرع المبين، الذي هو سر من أسرار عالم الجبروت، و قد انطوى فيه العالم الأكبر، و هو بنفسه كتاب إلهي تكويني، و له المقام المحمود عند رب العالمين، و مع ذلك كلّه يكون غافلا عمّا ينزل عليه، و هذا بعيد جدا فلا بد و أن يكون عارفا به و بتأويله و حقيقته و جميع خصوصياته فأنزل جميعا على قلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). كما هو المتيقن من قوله تعالى: فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏. [سورة النجم- الآية- 10]، ثم بعد ذلك أنزل عليه تدريجا في مدة الدعوة و لا مانع من تعدد الوحي الذي هو سر إلهي بين الموحي و الموحى إليه، و فيه ابتهاج للمنزل عليه، و يدل على ذلك قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة- 19]، و قوله تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ص- ۱۱٤]، و من المعلوم أنّه إن لم يكن عارفا به و عالما بخصوصياته لا معنى لتعجيل القرآن و إظهار بيانه فبالوحي يظهر ما في قلبه على ظاهر لسانه.
و لا ينافي ذلك أنّ القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، أو إلى البيت المعمور- أو بيت العز- حسب اختلاف التعبيرات في الروايات، أو أنّه ينزل ما يراد إنزاله في السنة في ليلة القدر، كما في بعض الروايات، أو له نزول آخر، فإنّ للنزول و التنزيل غايات متعددة و مراتب مختلفة يتعددان‏ بتعددها، فتارة ينزل من مرتبة العلم الأزلي و هو مرتبة الذات- لفرض أنّ علمه تعالى عين ذاته جل شأنه- إلى مرتبة فعله عز و جل، و أخرى ينزل جملة أو تفصيلا على قلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و ثالثة ينزل لإبراز عالم الغيب في عالم الحس و العيان، أو بالعكس. و هذا ظاهر لكل من تأمل في المقام.
هذا إذا لوحظ النزول و الإنزال و ما يماثلهما من التعبيرات بالنسبة إلى ذات الكتاب العظيم و حقيقته. و أما إذا لوحظ من حيث إضافته إلى ذات المبدإ تبارك و تعالى فالنزول و الإنزال لا وجه لهما، لأنّهما من صفات الأجسام، و هو تعالى منزه عنها فإنّه جل شأنه محيط بجميع ما سواه بالإحاطة الحقيقية.
و من ذلك يظهر ما عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ اللّه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا» فلا بد من حمل هذه الرواية و أمثالها على نزول الرحمة و الألطاف الإلهية و قربها من العباد- كما ورد في عشية عرفة- و تخصيصها بالليل، و الثلث الأخير منه، لأنّه وقت التهجد و غفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة اللّه و الانقطاع إليه أشد و عند ذلك تكون النية خالصة و الرغبة إليه تعالى وافرة و ذلك مظنة القبول و الإجابة.

لا ريب في أنّ تعدد نزول القرآن يدل على عظمته، و تفخيم أمره، و إعلاء شأن من نزل عليه و الاعتناء به، و أنّه تكريم لبني آدم حيث نزل فيهم هذا الكتاب الكريم و إعلام للملائكة و سكان السّماوات بأهميته، و أنّه آخر الكتب السماوية، و إتمام الحجة على الخلايق، و لذا لم يكن كتاب إلهي غيره ينزل متعددا أو ينزل نجوما و قد خفي على المشركين و الكافرين عظمة هذا الكتاب حيث اعتبروه كسائر الكتب الإلهية على ما حكى عنهم عز و جل فقال: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً فأجابهم عز و جل: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان- 32]. و يمكن أن يكون المراد بتثبيت الفؤاد عنايته تعالى بجهة ابتلائه مع الناس و شدة معاداتهم للوحي و الموحى إليه.

ذكرنا أنّ القرآن نزل تارة جملة، و أخرى نجوما، و عرفت أنّ نزوله الجمعي كان في الليلة المباركة من شهر رمضان بمقتضى الآيات الشريفة، و لكن نزوله التدريجي لم يكن له محلّ معيّن أو زمان كذلك فقد كان ينزل على قلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حسب المقتضيات إلا أنّ ابتداءه كان من حين بعثته (صلّى اللّه عليه و آله) و انتهاءه قبل رحيله (صلّى اللّه عليه و آله) و هو مدة دعوته البالغة عشرين سنة أو أكثر على اختلاف الروايات.
فقد نزل جملة من سور القرآن في مكة المكرمة مهبط الوحي المبين، و جملة منها في المدينة مهجر الرسول الأمين (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد نزل عليه من القرآن في الحضر و في السفر و في النهار و في الليل، و بعض السور نزلت مكررة كسورة الحمد، و بعضها نزلت و قد شيعتها ملائكة السماء، كسورة الأنعام، و إنّ بعض السور مكي و البعض الآخر مدني كل ذلك معلوم مذكور في الكتب المؤلفة في علوم القرآن، و إن كان لهم اختلاف في بعض الجهات.
و قد ذكر العلماء وجوها للتمييز بين السور المكية و السور المدنية و أهمها هي:
الأول: أنّ السور المكية تمتاز بقوة نبرتها و أسلوبها التهكمي فإنّها نزلت في قوم عتاة جبابرة فاتخذت وجه التهديد و التعنيف لهم و الإنكار عليهم و لذا وردت السجدة فيها، بخلاف السور المدنية فإنّها نزلت في قوم ذوي ذلة و ضعف فاتخذت أسلوب اللين و العطف.
الثاني: أنّ السور المكية أكثرها تشير إلى إثبات الإله الواحد العزيز الجبار، و إثبات يوم القيامة و المعاد و أوصافه. و أما السور المدنية فتشير إلى صفات الإله و الحساب.
الثالث: أنّ السور المكية خالية تقريبا عن القصص و الأحكام و الفرائض و السنن، بخلاف السور المدنية.
الرابع: أنّ في السور المدنية ذكر المنافقين بخلاف السور المكية فإنّ فيها ذكر الأمم و القرون.
الخامس: أنّ السور المدنية أغلبها فيها جملة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، بخلاف السور المكية فإنّ الأغلب فيها «يا أَيُّهَا النَّاسُ» أو أولها حرف تهج غالبا.

كما أنّ للقرآن نزولا حسب ما تقدم كذلك له صعود و تجليات أي: ظهور في المظاهر اللايقة به.
منها: تجلياته في قلوب أولياء اللّه المخلصين و أحبائه العارفين، كما هو ظاهر عند أهله و إشراقاته المعنوية على النفوس المستعدة لها.
و منها: صعوده إليه جلّت عظمته فمنه المبدأ و إليه المنتهى، لقوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [الفاطر- 10].
و منها: صعوده إليه تعالى، و تجسّمه لأهل الحشر، لأن يشفع في من له أهلية الشفاعة، كما في كثير من الأحاديث و شكواه ممن ضيّعه.
و منها: صعوده إلى مقام الشهادة عند الميزان، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأنبياء و المرسلين، و يدل عليه كثير من الآيات، كما يأتي.
بل يمكن أن يقال: إنّ جميع آثاره الباهرة الظاهرة منه من مراتب صعوده كشفائه للمرضى و حجبه عن الأرواح الشريرة إلى غير ذلك مما وضع له كتب مستقلة، و عن عليّ (عليه السلام) في القرآن «لا تحصى عجائبه و لا تنقص غرائبه».

وقع الكلام بين العلماء السابقين في قدم القرآن و خلقه و ذهب إلى كل واحد منهما فريق و أقام الدليل على مختاره و لا فائدة في هذا النزاع الذي أشغل بال المسلمين برهة من الزمن.
فالحق ان يقال: إنّ للقرآن اعتبارات فإذا لوحظ من حيث إنّه علم اللّه عز و جل فهو قديم واجب بالذات، لما ثبت بالأدلة العقلية و النقلية من أنّ علمه جلّت عظمته عين ذاته. و إذا لوحظ من حيث معارفه الحقيقية الواقعية، فهو الذي لا يزول و يبقى و يدوم و إن مرت الأمم و العوالم و تغايرت النشآت و المعالم، و بناء على ذلك فهو أزلي أبدي من حيث أنّ مبدأه من اللّه تعالى و منتهاه إليه عز و جل.
و إذا لوحظ من حيث إنّه فعل من أفعاله فهو حادث.
و يمكن الجمع بين من يقول بأنّه قديم و من يقول بأنّه حادث و رفع النزاع بينهم و إن كان هذا الجمع خلاف ظاهر الكلمات.

في الكافي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «لا تقولوا جاء رمضان، و ذهب رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء اللّه و لكن قولوا شهر رمضان».
و روي قريب منه عن عليّ (عليه السلام) و كذلك في كنز العمال.
أقول: تقدم الكلام فيه، و قلنا إنّه محمول على نحو من التأدب.
في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به».
و في تفسير العياشي عنه (عليه السلام) أيضا: «الفرقان هو كلّ أمر محكم، و الكتاب هو جملة القرآن الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء».
و مثله في تفسير القمي.
أقول: بحسب هذا الاصطلاح يكون الفرقان أخصّ من القرآن فلا يطلق الفرقان على المتشابهات، و إلا فقد قلنا إنّ الفرقان يصح إطلاقه على جميع القرآن باعتبار أنّه الفارق بين الحق و الباطل.
في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ما أبينها!! من شهد فليصمه و من سافر فلا يصمه».
و في تفسير العياشي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) مثله.
أقول: هذا الحديث ظاهر في أنّ المراد من الشهود الحضور مقابل السفر كما هو ظاهر الآية الشريفة بقرينة المقابلة و لو أريد من لفظ «شهد» الشهادة بمعنى الرؤية يستفاد الحضور بالملازمة أيضا من ذيل الآية الشريفة.
في التهذيب عن الصادق (عليه السلام): «إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط قال اللّه تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه. و ليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه، فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء».
أقول: هذا محمول بالنسبة إلى أصل المسافرة في الشهر على المرجوحية بقرينة سائر الروايات و تتأكد الكراهة في العشرة الأخيرة فهو حكم أدبي.
في تفسير العياشي عن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) قلت له: «جعلت فداك ما يتحدث به عندنا أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صام تسعة و عشرين أكثر مما صام ثلاثين أحق هذا؟ قال (عليه السلام): ما خلق اللّه من هذا حرفا، فما صام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلا ثلاثين، لأنّ اللّه يقول: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فكان رسول اللّه ينقصه؟!».
أقول: في هذا الموضوع روايات كثيرة بعضها دالة على أنّ شهر رمضان تام لا ينقص و بعضها دال على أنّه قد يتم و قد ينقص، و لا بد من الأخذ بالقسم الأخير للوجدان و حمل القسم الأول على بعض المحامل، و قد فصّلنا القول في ذلك في الفقه.
في الكافي عن سعيد النقاش قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما إنّ في الفطر تكبيرا، و لكنّه مسنون قلت: و أين هو؟ قال (عليه السلام): في ليلة الفطر في المغرب و العشاء الآخرة، و في صلاة الفجر، و في صلاة العيد ثم يقطع، قلت: كيف أقول؟ قال (عليه السلام): تقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، اللّه أكبر على ما هدانا. و هو قول اللّه: «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» يعني‏ الصّيام، «وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ»، و التكبير أن تقول: اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، و للّه الحمد».
و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام): «إنّ في الفطر تكبيرا.
قلت: ما التكبير إلا في يوم النحر؟ قال: فيه تكبير، و لكنّه مسنون في المغرب و العشاء و الفجر، و الظهر، و العصر، و ركعتي العيد». و قريب منه ما أخرجه ابن جرير في التفسير بسنده عن زيد بن أسلم و ابن عباس.
أقول: التكبير مندوب و قد وردت في ذلك روايات كثيرة من الفريقين في كيفية التكبير و كميته مذكورتان في كتب الفقه، من شاء فليرجع إليها.
في محاسن البرقي عن بعض أصحابنا في قول اللّه تعالى: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ. قال: «التكبير التعظيم للّه، و الهداية الولاية».
أقول: هذا من بيان بعض مصاديق التكبير، و الهداية، و لا منافاة بينه و بين ما تقدم.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"