1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة البقرة
  10. /
  11. الآية 177

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)


الآية على اختصارها تشتمل على أصول المعارف الإلهية، و هي اجمع آية في القرآن العظيم للكمالات الإنسانية، و فيها يدعو اللّه عزّ و جل الإنسان إلى مكارم الأخلاق التي بها يفضل على الاملاك، فقد ذكر سبحانه و تعالى الخصال الخمس عشرة الجامعة لأصول الإيمان و الاعتقاد و هي الإيمان بالمبدأ و المعاد، و الملائكة رسل الوحي و منزلي الكتب ثم الإيمان بالأنبياء و المرسلين، و أصول الأعمال الصالحة و هي إيتاء المال و إقام الصلاة، و أخيرا ذكر أصول مكارم الأخلاق و هي الوفاء بالعهد و الصبر في البأساء و الضراء و حين البأس، و بذلك يرشد الإنسان إلى الصراط المستقيم، و يعتبر العامل بها من الصديقين و المتقين فجدير لكل فرد أن يستنير بهدي الكتاب المبين و قول الحكيم العليم، و حقيق لمن عمل بهذه الآية أن يكون قد استكمل بها إيمانه كما قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).

قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ. الآية الشريفة تشتمل على مقاطع ثلاثة في كل مقطع مجموعة من الخصال تعتبر أصول المعارف الإلهية و أساس الكمالات الإنسانية.
الأول: في الاعتقاديات من المبدأ و المعاد.
الثاني: في تهذيب النفس بأعمال الجوارح.
الثالث: الأخلاق و المعاشرة بين الناس.
مادة (ب ر ر) تدل على الاتساع و الشمول في أي هيئة استعملت و يأتي البر (بفتح الباء) في مقابل البحر لاتساعه، و كذا لفظ (بر) بالفتح أيضا إذا أطلق على اللّه عزّ و جل قال تعالى: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [سورة الطور، الآية: 28] أي واسع خيراته و إفاضاته، و كذلك إذا اطلق على الإنسان قال تعالى حكاية عن عيسى: وَ بَرًّا بِوالِدَتِي [سورة مريم، الآية: 32] و قال عزّ و جل كذلك: وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ [سورة مريم، الآية: ۱٤] فانه يكون بمعنى كثرة الخير و منه (البر) بالضم و هي الحنطة الغذاء المتسع لنوع الإنسان و لكنه لم يرد في القرآن الكريم.
و يجمع على «بررة» في القرآن الكريم، قال تعالى: مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ [سورة عبس، الآية: ۱٦] و هو يختص بالملائكة و الوجه في ذلك أنّ استعمال لفظ البر (الخيرات) أولى من لفظ البار لأنه أبلغ كقول زيد عدل أبلغ من عادل. و البار يجمع على الأبرار قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [سورة الإنفطار، الآية: 13].
و لهذا اللفظ استعمالات كثيرة في القرآن الكريم كلها مقرونة بالمدح و الإختصاص بالمقامات العالية قال تعالى: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [سورة آل عمران، الآية: 193] و قال تعالى: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [سورة المطففين، الآية: 18].
و المراد به في المقام هو كل ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من الخير و الفعل المرضي.
و يأتي البر (بالكسر) بمعنى فعل الخير إن أضيف إلى الناس، و إن أضيف إليه تعالى يكون بمعنى الاتساع في الثواب و الإحسان.
و قبل (بكسر القاف و فتح الباء) هو الجهة و الناحية.
و المشرق و المغرب هما جهتا قبلة أهل الكتاب. و يمكن أن يكون على‏ سبيل المثال لكل جهة و عمل يعتقد كونه برأ، كما يحتمل أن يكون كناية عن طرفي الإفراط و التفريط.
و يجوز رفع (البر) على أن يكون اسم ليس، و يكون خبره جملة (ان تولوا). كما يجوز نصبه على ان يكون خبر ليس و جملة (ان تولوا) الاسم و هذان الوجهان جائزان في كل مورد يقع بعد (ليس) معرفتان فيجعل أيهما الاسم و الخبر إلّا إذا اقترن أحدهما بالباء فيتمحض في الرفع، قال تعالى: لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ [سورة البقرة، الآية: 189]. و لا يفرق المعنى على الوجهين.
كما يصح ان يكون بمعناه المصدري مبالغة، او يكون بمعنى الفاعل أي البار، أو بالتقدير أي: ليس البر بر من آمن باللّه فحذف المضاف.
و الكل صحيح و لا ترجيح في البين بعد صحة الاستعمالات و بناء المحاورات عليها.
و المعنى: ليس البر بتولي الوجه قبل المشرق و المغرب و كل ما يعتقد كونه برا مما يوجب الدخول في الجنّة بزعمهم، فنفى عزّ و جل البر عن كل ما يعتقده الإنسان برا إلّا ما تنطبق عليه الآية الشريفة.
و ظاهر الخطاب و إن كان موجها إلى أهل الكتاب بدعوى ظهور لفظ (المشرق و المغرب) اللذين هما قبلة اليهود و النصارى، فيكون توبيخا لهم في افتعالاتهم و ردعا لذلك و لكنه من باب المثال لكل من كان خارجا عن الصراط المستقيم.
قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. قرئ (لكن) بالتخفيف و التشديد و هذا هو القسم الأول الذي يتعلق بالاعتقاد و الإيمان بالمبدأ و المعاد، أي: إنّ البر يجب الاهتمام به هو الإيمان باللّه الواحد الأحد حق الإيمان، و ابتدأ به لأنّه أساس كل بر و أصل كل خير و لا يكون كذلك إلّا إذا كان متمكنا في النفس بحيث يظهر أثره عليها بالتسليم و الإذعان و الخشوع و الاطمينان فلا يهدم ايمانه بالشرك و اتباع الهوى و مخالفة أحكام اللّه، و بهذا الإيمان يكون الفرد كاملا و يرتفع من حضيض البهيمية إلى أوج الإنسانية.
قوله تعالى: وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ. أي يوم القيامة و الاعتقاد به يعني: الاعتقاد بعالم آخر يحيا فيه الناس للحساب و الجزاء و الايمان به يوجب سعي المؤمن لتحصيل ما ينجي به نفسه و يصرفها عن الحياة الفانية و لا يجعل أكبر همه الدنيا و حق الإيمان باليوم الآخر إنما هو في ما إذا ظهر أثره على الجوارح و الجوانح.
و إنّما أخر سبحانه الإيمان باليوم الاخر عن الإيمان باللّه لأنه لا يتحقق حقيقة الإيمان باللّه إلّا بالإيمان باليوم الآخر لتلازم المبدأ و المعاد و رجوع كل منهما إلى الآخر.
قوله تعالى: وَ الْمَلائِكَةِ. تقدم في قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [سورة البقرة، الآية: 30] اشتقاق الكلمة؛ و الإيمان بهم لأنهم رسل اللّه تعالى إلى الأنبياء، و الإيمان بوجودهم إيمان بالوحي و سائر ما أنزل على الأنبياء و المرسلين، و الإيمان بهم إيمان بالغيب، لأن الملائكة من عالم الغيب و إنكارهم إنكار الوحي و النبوة و بالأخرة إنكار لليوم الآخر، و قد تقدم في قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [سورة البقرة، الآية: 97] بعض ما يتعلق بالمقام، و من ذلك يعرف وجه تقديم الملائكة على الكتب.
قوله تعالى: وَ الْكِتابِ. المراد بالكتاب جنس كتب اللّه تعالى، لعدم الاختلاف فيها أبدا بالنسبة إلى المعارف الإلهية و المبدأ و المعاد، و لو كان اختلاف فهو في بعض الأحكام و هذا طبيعي بالنسبة إلى السير التكاملي الحاصل للإنسان، أو القرآن الكريم فإنّ الإيمان به إيمان بجميع الكتب السماوية لذكرها فيه، و لأنه أعظمها و أتمها و أجمعها، و كتاب اللّه في الحقيقة هو قانون إلهي أنزل لتربية الإنسان و تكميله بجميع الكمالات الدنيوية و الأخروية المشتمل على القواعد المتقنة و الأحكام و العلوم التي ينتفع بها الإنسان في جميع نشأته.
و يصح أن يراد بالكتاب في المقام الكتب الأربعة التي أثبتها أهل‏ العرفان من التدويني، و التكويني، و الآفاقي، و الأنفسي التي يأتي شرحها في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
و يمكن أن يكون المراد بالكتاب جنس ما فرضه اللّه تعالى على عباده و لو على ألسنة أنبيائه.
و الإيمان بالكتاب هو إيمان بما جاء به الأنبياء و المرسلون و هو يستدعي الامتثال بما جاء فيه و إنّما أتي عزّ و جل هذا اللفظ مفردا للإشارة إلى عدم الفرق بين جميع الكتب الإلهية ما لم يثبت النسخ بالقرآن فإنّ القانون واحد نزل من واحد لغرض واحد كما عرفت.
قوله تعالى: وَ النَّبِيِّينَ. النبي هو معلم البشر من قبل اللّه تعالى يبين القانون الإلهي، و هو يدعو إلى الكتاب و الكتاب يدعو إلى النبي فهما متحدان في الواقع و مختلفان بالاعتبار بل يصح أن يقال: إنّ النبي عقل من الخارج و القوة المدركة للكتاب المميز بين الحق و الباطل أو بين الخير و الشر عقل من الداخل، و كل منهما يدعو إلى الآخر فلا أثر لقول الأنبياء مع عدم العقل، كما لا اثر للعقل مع عدم الاعتقاد بالأنبياء، هذا ما أثبته أكابر الفلاسفة و المتكلمين في مباحث النبوة و تدل عليه نصوص كثيرة ستأتي في موردها.
و الإيمان بالأنبياء هو الاهتداء بهديهم و الاستنان بسنتهم و امتثال أوامرهم و الانتهاء عما نهوا عنه.
و إنّما أتى سبحانه «النبيين» بلفظ الجمع للدلالة على أن المطلوب الإيمان بجميع الأنبياء لا سيما خاتمهم (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّ الإيمان به إيمان بجميع من سبقه من الأنبياء لأنّه المخبر عنهم و الحاكي قصصهم و الناقل إلينا معاجزهم، و لو لا ذلك ما وجدنا إلى معرفتهم سبيلا و بذلك تنتهي أصول الإعتقاد.
قوله تعالى: وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ. من هنا يبتدئ القسم الثاني الذي يتعلق بتهذيب النفس بالأعمال الصالحة.
الإيتاء: يأتي بمعنى الإعطاء، و المال من (م ى ل) بمعنى التوجه و العطف، و سمي المال مالا لأنه يميل من صاحبه إلى غيره و لا يبقى عنده أبدا. أو لميل الطباع اليه، و يسمى عرضا أيضا. و قد ذكرت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة و سياق الجميع ليس سياق المدح قال تعالى: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ [سورة سبأ، الآية: 37].
و الضمير في «حبه» يرجع إلى اللّه تعالى المدلول عليه سياق الآية الشريفة. أي: على حب اللّه خالصا لوجهه الكريم. و يصح أن يرجع إلى نفس المال يعني: انه على حبه للمال ينفقه.
و على الأول تستفاد الإضافة إلى اللّه عزّ و جل بالمطابقة، و على الثاني بالالتزام لأن إنفاق المحبوب لا بد أن يكون لغرض أعلى و أجل و هو اللّه تعالى، كما في قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ [سورة الدهر، الآية: 8].
و المعنى: أنّ البر هو إعطاء المال مع حبه له و بذله على الأصناف الآتية طلبا لمرضاة اللّه و خالصا لوجهه الكريم.
قوله تعالى: ذَوِي الْقُرْبى‏. أي: قرابة المعطي كما هو ظاهر اللفظ، و حسن الإنفاق عليهم مما تحكم به فطرة كل ذي شعور لما يمت إليهم بصلة القرابة و النسب و يشدهم الرحم فيألم لهم أشد مما يألم لغيرهم إذا نزل فيهم حاجة أو فاقة و لذا قال نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «لا صدقة و ذو رحم كاشح» لأنّ الصدقة على غير ذوي القربى و هم معدمون محتاجون بعيدة عن الفطرة و يحكم بمرجوحيتها العقل و العقلاء.
و يحتمل أن يراد به قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يكون الإنفاق عليهم أبعد من الدواعي النفسانية و أقرب إلى مرضاة اللّه تعالى، فيكون المراد بالمال المال الذي جعله اللّه تعالى لهم في سورة الأنفال.
قوله تعالى: وَ الْيَتامى‏. اليتيم في الإنسان كل صبي انقطع عن أبيه، و في الحيوان ما انقطع عن أمه، كما تستعمل المادة في كل شي‏ء ينحصر بالفرد في نوعه، يقال: درة يتيمة. و الجامع هو الانقطاع. و تستعمل في القرآن الكريم كثيرا مفردا و جمعا قال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [سورة الضحى، الآية: 9] و قال تعالى: وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ [سورة النساء، الآية: 127].
و الإنفاق على اليتيم مع انقطاعه عن من يكفله مما يحكم بحسنه الفطرة، و يحبذه العقل و العقلاء.
قوله تعالى: وَ الْمَساكِينَ. المسكين هو الذي أسكنه الفقر و الحاجة و ألزمه الحياء و العفة عن السؤال فيكون أشد فقرا من مطلق الفقير، و لكنه أعم استعمالا منه، إذ يستعمل في غير الفقراء أيضا قال الشاعر: مساكين أهل الحب حتى قبورهم علاها تراب الذل بين المقابر و في دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين»
و المراد به الخضوع و ذل العبودية للّه تعالى الذي هو أعلى درجات الغنى. و في مساعدتهم تجيب لهم و انقاذ لنفوسهم المنكرة.
قوله تعالى: وَ ابْنَ السَّبِيلِ. و هو المسافر البعيد المنقطع عن أهله و قرابته حتّى كان السبيل ربّاه و بمنزلة أبيه، و في التعبير من اللطف ما لا يخفى.
قوله تعالى: وَ السَّائِلِينَ. و هم الذين اضطرتهم الحاجة إلى السؤال و التكفف.
قوله تعالى: وَ فِي الرِّقابِ. أي: عتقهم أما بالشراء أو بإعانتهم ليؤدوا مال الكتابة فيعتقون بمقتضى القرار الذي وقع بينهم و بين مواليهم. و تشمل المديونين من الناس الذين عليهم الدين و لم يتمكنوا من أدائه المعبر عنهم ب (الغارمين) كما في آية أخرى و هي: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: ٦۰] و ذلك لأنّ رقبته مرهونة عند الدائن لأجل‏ الدين.
قوله تعالى: وَ أَقامَ الصَّلاةَ. إقامة الصّلاة هي أداؤها كاملة بحدودها و المواظبة عليها و الالتزام بإتيانها في أوقاتها. و هي من أعظم مظاهر العبودية و أقوى الروابط الروحانية بين المخلوق و خالقه إذا أقيمت بشرائطها، و هي أول دعوة الأنبياء و آخر وصية الأوصياء و لها الآثار العظيمة في تزكية النفوس و تطهيرها من الرذائل و الفحشاء، و بسببها يكون الشخص خاضعا خاشعا، و بها يصل الإنسان إلى جنة اللقاء و لذا اعتبرها اللّه تعالى من البر الذي يوجب الوصول إلى الكمال. و قد تقدم في قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۳] بعض ما ينفع المقام.
قوله تعالى: وَ آتَى الزَّكاةَ. أي أعطى الزكاة المفروضة على وجهها المطلوب شرعا. و الزكاة من أقوى الروابط بين أفراد المجتمع و هي ركن من أركان الإسلام و بها يستكمل المؤمن ايمانه، و هي قرينة الصلاة في القرآن الكريم في عدة مواضع قال تعالى: وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ [سورة التوبة، الآية: ٥] و قال تعالى حكاية عن عيسى: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ [سورة مريم، الآية: 31] و قال تعالى: وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ [سورة مريم، الآية: ٥٥] و قال تعالى: وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [سورة التوبة، الآية: 71].
فان في الصلاة تهذيب الروح و في الزكاة توثيق الصلات و الروابط و الإنسان الكامل هو الجامع بينهما، و لو عمل المسلمون بهاتين الخصلتين لنالوا ذرى المجد و فاقوا الجميع.
قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا. هذا هو القسم الثالث من الخصال التي هي البر في الأخلاق و تهذيب المجتمع و هي الوفاء بالعهد، و الصبر في الأمور. و الوفاء بالعهد مما يجب بفطرة العقول، و هو يشمل العهود الواقعة بين النّاس بعضهم مع بعض، و العهود الإلهية مع الخلق التي هي عبارة عن التكاليف الشرعية و المستقلات العقلية كقبح الظلم و حسن العدل.
و حفظ العهود- و منها العقود- حفظ كيان المجتمع و حفظ الوحدة بين الأفراد و به تتم الثقة بينهم.
قوله تعالى: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ. البأساء أنحاء الفقر و الشدة. و الضراء أنحاء العلل و الأمراض و موت الأحبة. و البأس الحرب‏ و منه قول علي (عليه السلام): «كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يكن أحد منا أقرب الى العدو منه» و (حين) أي: حين القتال و مقاتلة العدو. و الجامع بين البؤس و البأس و البأساء هو شدة الكروب بالمراتب المختلفة.
و الصبر محمود في جميع الأمور و في جميع الأحوال، و إنما خص هذه المواطن لما فيها من الفضيلة الكبرى، فان بالصبر في شدة الفقر و تسليم الأمر اليه تعالى يهون على الصابر شدة وطأته و يسلمه عن المخاطر، و كذا في الصبر في الضراء، فان بالصبر عليها يحصل الشكر و الثبات و السلامة في المآل، كما أن الصبر في الحرب و مقارعة العدو نصرة الحق و السلامة من الضلال و الارتداد. و بالصبر في هذه المواطن يوجب توطين النفس في غيرها فقد أمكن الصبر من نفسه فيكون على غيرها أصبر.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا. أي: إنّ الذين جمعت فيهم هذه الخصال هم الذين اتصفوا بالصدق في دعواهم الإيمان فاتصفوا بصدق النية و الأقوال و الأعمال.
قوله تعالى: وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. الذين اتقوا بأنفسهم عن حضيض الحيوانية و متابعة الشيطان و أوصلوها إلى أوج مقام الإنسانية و متابعة الرحمن فاتخذوا لأنفسهم وقاية عن سخطه و خذلانه في الدنيا و الآخرة.
و ترتب الحكمين على جميع ما سبق من ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة.

يستفاد من الآية المباركة أمور:
الأول: تقدم أنّ في قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فيه من روعة الأسلوب و بلاغته ما لا يخفى، فانه يخرج الكلام من الفرض و التقدير إلى الوقوع، فكأن البر هو الإيمان و ما ذكرت في الآية من الصفات و الأعمال باعتبار تمثلها في الشخص و هذا أبلغ تأثيرا في النفس من اسناد المعنى إلى المعنى، و الغرض من ذلك هو الإشارة إلى تحققها و الإحتجاج بمن تلبس بها، لا مجرد المقابلة بين البر و تولية الوجه و من لم يكن متلبسا به.
الثاني: يستفاد من الآية الشريفة تحقق من عمل بها لكونها في مقام الإحتجاج و لا ريب في أن أكمل فرد و أجلى مصداق من اجتمعت فيه هذه الخصال الأنبياء خصوصا سيدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من يتلو تلوه الذي نزله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منزلة نفسه‏ فقال «علي مني بمنزلة هارون من موسى» على ما رواه الفريقان، مع أنا قد اثبتنا في محله انه لا يمكن ان تخلو الأرض من حجة للّه قائمة.
الثالث: أنّ الشرط في قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا إشارة إلى شمول العهد للعهود المتقومة بالإثنين أو العهد القائم بشخص واحد. و فيه من التعريض إلى من يخالف العهد و خروجه عن مقتضى الفطرة ما لا يخفى.
الرابع: أنّ النفي و الإثبات دليل الحصر كما هو الثابت في العلوم الأدبية، و الآية الكريمة تنفي البر مطلقا بنفي أبرز جهاته و أظهر آثاره و هو تولّي الوجه قبل المشرق و المغرب و تثبته في المذكورات فلا بر مطلقا إلّا في ما تضمنته و هي كمالات فردية، و اجتماعية، دنيوية، و اخروية و هي الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه و غيرها من السبل التي أمرنا بالابتعاد عنها.
الخامس: إنّما قدم سبحانه و تعالى الإيمان باللّه لأنه رأس كل‏ بر، و لعدم الفائدة في الجميع إلّا به، ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر للتلازم بين المبدإ و المعاد. ثم ذكر الملائكة، لأنّهم رسل الوحي و وسائل الفيض الربوبي ثم ذكر الكتب، لأنّها الوحي المبين المنزل من اللّه تعالى بواسطة الملائكة على الأنبياء و المرسلين، ثم ذكر إيتاء المال، لأن الإيمان لا بد و ان يظهر آثاره على العمل و من أشد الأعمال هو إعطاء المال و بذله لكثرة علاقة النفوس به، و لذا قال علي (عليه السلام): «ينام الرجل على الثكل و لا ينام على الحرب» ثم ذكر إقام الصّلاة لأنها أول الفرائض و أرفعها شأنا في تهذيب النفس ثم ذكر إيتاء الزكاة لأن بها يستكمل الإنسان إيمانه فإن الصّلاة يلاحظ فيها الجانب الروحي، و في الزكاة يلاحظ الجانب العلمي المادي. ثم ذكر الوفاء بالعهد، لتقوم الجانب الأخلاقي في جميع التكاليف الإلهية و العهود المراعاة بين الخلق بالوفاء به ثم ذكر الصبر أخيرا لأن في الإخلال بالعهد و نبذه إيماء إلى إعلان الحرب و هو يتقوم بالصبر، أو لأن جميع الأمور المذكورة إنما تتقوم و تتحقق بالصبر، و عدم الظفر بالنتيجة إلّا به و لذا أخره عن الجميع كتأخر الغاية عن ذيها.
السادس: أنّ الآية الشريفة مشتملة على أصول هي أصول نظام الإنسانية الفردية و الاجتماعية و هي محور جميع الشرايع الإلهية، و أساس الفلسفة العملية، و بها يرتبط الإنسان بعالمي الغيب و الشهادة و هي:
الأصل الأول: الإيمان باللّه و اليوم الآخر، و هو الكمال الذي ليس فوقه أي كمال، و ينطوي فيهما ما أوحي على المرسلين و هما أساس ما استلهمه أهل الفلسفة العلمية و العملية. و لا ريب في أنّ الإيمان كذلك له مراتب متفاوتة.
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة بما انهم وسائط في التدبير و التنظيم و إتقان الصنع فهم وسائط فيض اللّه تعالى؛ فكما أنّ شكر المنعم واجب بحكم العقل كذلك يجب شكر الوسائط، و الشكر لا يتحقق إلّا بعد المعرفة.
و الملائكة من عالم الغيب الذي هو مقابل عالم الشهادة التي نحن فيها المتضمنة لأنواع الحيوان و النبات و الجماد، و لا يمكن درك أسراره و ان بذل‏ غاية الجهد.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب و الأنبياء معلمي البشرية و هاديها و لا يخفى أنّ بالتعلم و التعليم يقوم نظام إنسانية الإنسان و إلّا لبقي على أصل الحيوانية، و ان بهما يتحقق السير الاستكمالي له و انهما وسيلة لإخراج ما هو المكنون في الكون من الأسرار، و لا يتحققان إلّا بقوانين تنظم شؤون الفرد و المجتمع و ترشده إلى الطريق المستقيم و معلم يهديهم إلى ذلك. و الأول هو الكتاب و الثاني هو النبي، و بدونهما يكون التشريع لغوا و باطلا و هو محال عليه تعالى، و الجميع يرجع إليه تعالى فهو أول من وضع الكتاب و أول واضع لنظام التعليم و التعلم و أول من أرسل المعلم، و الآيات القرآنية تبين ذلك بوضوح.
الأصل الرابع: إيتاء المال و بذله لأن كل مجتمع- بدائيا كان أو حضاريا- فيه طبقات تختلف في الغنى و الفقر، و هذا من مقتضيات نفس العالم إن لوحظت بالنسبة إلى النظام الأحسن، و حينئذ يحكم العقل بحسن بذل المال و عدم احتكاره تقديما لحفظ المجتمع على مالكية الفرد أو سدا لحاجة الفقراء أو دفعا لسطوة الأغنياء، و هذا هو الأصل الذي ارتضاء العقلاء و قررته الكتب السماوية خصوصا القرآن الكريم و لذلك كله حدود و قيود مذكورة في الفقه الإسلامي.
و لا يقال: إنّ بذل المال مجانا يوجب ازدياد الكسل و البطالة، و بالأخرة الفساد الاجتماعي و الأخلاقي و لأجل ذلك أنكرت بعض المذاهب الاقتصادية الصدقات و العطيات و الكفارات.
و فساد ذلك بيّن فإنّ الشرايع الإلهية التي تحبذ على الصدقات و العطيات إنما تجعل حدودا و قيودا في بذلها منها الحاجة الماسة أي: فقر الآخذ، و عجزه عن التكسب اللائق بحاله، كما أنّ اهتمام العقلاء ببذل المال إنما هو لأجل عدم تمركز الثروة في فئة قليلة بل لا بد من توزيعها بالتدريج- بمثل ما هو المقرر في الشريعة- لئلا «يتبيّغ [يتأثر] بالفقير فقره».
الأصل الخامس: إقام الصّلاة بما فيها من الارتباط بعالم الغيب و الاستمداد منه، و فيها تتحقق المخاطبة بين العابد و المعبود و يتجلّى المعبود في مظاهر عبودية العابد، و ليس المراد من إتيان الصّلاة هو مجرد الذكر اللساني و الأفعال الخاصة الفاقدة لروح العبودية بل المراد إقامتها على وجهها المطلوب شرعا بشرائطها الخاصة لتؤثر آثارها العظيمة، و قد ذكر لها الفقهاء شروطا خاصة مذكورة في كتب الفقه و هي شرائط الصحة. و أما شرائط القبول فقد جمعها سبحانه و تعالى في قوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة، الآية: 27].
الأصل السادس: إيتاء الزكاة المفروضة، و هي أقل جزء و أيسر ما فرضه اللّه تعالى على الأغنياء لرفع حاجة المحتاجين، و من تتبع تاريخ الحضارات و يلاحظ تاريخ الإسلام و المقارنة بينهما يرى بوضوح اهمية هذا التكليف في رفع كثير من المشكلات الاقتصادية الناشئة من تكتل الثروات و الفقر و لقد راعى الإسلام في الزكاة المفروضة حق المالك و حق الفقير و لأجل ذلك كان لهذا التكليف أهمية عظمى في تاريخ الإسلام و المسلمين. و قد جعل الشارع لها حدودا و قيودا في الصرف و المصرف مذكورة في كتب الفقه و تعرضنا لها في كتابنا [مهذب الأحكام‏].
الأصل السابع: الوفاء بالعهد، و الأهمية حفظ العهد في المجتمع الإنساني أكد عليه سبحانه و تعالى في مواضع متعددة في القرآن الكريم و ذلك لأن في نقض العهد انهيار للوحدة المتجانسة بين أفراد المجتمع و حلول الغدر و الخيانة و الفحشاء فيهم بدل الصلح و الوئام و الاحترام.
الأصل الثامن: الصبر و هو الركيزة الأولى في كل عمل يعمله الإنسان في حياته العملية فإن بالصبر يصل الفرد إلى كماله اللائق بحاله أو بالصبر يتصف الفرد بالأخلاق الفاضلة، فتكون نسبته إلى سائر الخصال كنسبة الروح الى الجسد، و نظام الأفعال التكوينية يقوم على التأني و التأمل فضلا عن الأفعال الاختيارية، فهو محبوب في كل موطن و كل حال. و إنّما اقتصر سبحانه على ذكر «البأساء و الضراء و حين البأس» لأهمية هذه المواطن و لأن الصبر فيها يمكن الإنسان على الصبر في غيرها بطريق أولى.
بل يمكن أن يكون المراد من «حين البأس» حين المجاهدة مع النفس‏ المعبر عنها بالجهاد الأكبر، لتقومه بالصبر و الثبات أكثر مما يتقوم به الجهاد الأصغر.

ذكرنا أنّه يجوز قراءة «ليس البر» بالنصب على أنه خبر مقدم أو بالرفع على أنه اسم، و هذا جار في كل مورد يكون بعد (ليس) المعرفتان.
و قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إخبار عن المعني بالذات و هو من أحسن أساليب الفصاحة و البلاغة، و هو يرجع إلى تغيير أسلوب الكلام من بيان الصفات إلى بيان الذات المتصفة بها لبيان إجلال تعظيم مثل هذه الذات، و ان المقصود إنما هو الذات المتصفة لا مجرد تعداد الصفات.
فما ذكره بعض المفسرين و غيرهم في المقام من التقدير و حذف المضاف صحيح بحسب القواعد النحوية و لكنه لا يفيد ما ذكرناه من براعة الأسلوب و حسن تأديته. و له نظائر كثيرة في الأساليب العربية الفصحى، قال الحطيئة: و شر المنايا ميت وسط أهله كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره‏ و أما رفع قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ فلأجل العطف على «من آمن»، كما أنّ نصب «و الصابرين» يكون على المدح و الإختصاص.
و يمكن أن يكون الرفع و النصب كلاهما على المدح أي: و هم الموفون و أعني الصابرين، لأن النعوت و الصفات إذا طالت جاز الاعتراض بينهما بالمدح أو الذم، قال الشاعر: إلى الملك القرم و ابن الهمام و ليث الكتيبة في المزدحم‏ و ذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل و ذات اللجم‏ فنصب ليث الكتيبة، و ذا الرأي على المدح. و الأحسن هو الاختلاف في الإعراب في المقام ليكون النصب في «الصابرين» إشارة إلى أنّ في المقام سرا مكنونا، و هو بيان مقام الصبر و أهميته.

تدل الآية المباركة على جملة من الأحكام الفقهية:
الأول: إنّها تدل على رجحان إيتاء المال و بذله في إعانة المحتاجين و الهدايا و صرفه في الخير و هو محبوب عقلا أيضا، إلّا أنه قد يكون واجبا كالزكاة، و الكفارات، و النذور، و أداء الديون.
و قد يكون مندوبا و هو في ما إذا كان يراعى فيه الوظيفة الشرعية و لم يصل إلى الصرف المحرم و له مصاديق كثيرة مذكورة في كتب فقه الفريقين. و الظاهر أن قوله تعالى: وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ناظر إلى القسم الثاني لذكر الزكاة بعد ذلك، و يمكن أن تكون الزكاة مثالا لجميع الحقوق الواجبة المالية.
الثاني: القيد في قوله تعالى: عَلى‏ حُبِّهِ قيد توضيحي إن رجع إلى حب المال لأنه أمر غريزي مركوز في الإنسان أو أنه يرجع إلى حفظ النفس من الهلاك و هو أمر فطري أيضا. و ان رجع إلى اللّه تعالى يصح أن يكون احترازيا، لأن النّاس يختلفون في ذلك إلّا أن يقال إنّ الآية وردت في وصف الأبرار، و صرفهم للمال لا يكون إلّا للّه تعالى، قال عزّ و جل: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً [سورة الدهر، الآية: 9].
الثالث: لا يعتبر الفقر في ما ذكر من الأصناف سوى المسكين لعدم كون دفع المال من باب الصدقة الواجبة بل أعم منها. نعم لو كان بعنوان الصدقة الواجبة يعتبر الفقر في موردها.
الرابع: ذكر تعالى السائلين، و السؤال إن كان لأجل الاضطرار و حفظ النفس يجوز، بل قد يجب و إن كان لغير ذلك يكره، بل قد يحرم.
فعن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «من فتح على نفسه باب مسألة فتح اللّه عليه باب فقر»؛ و عن الصادق (عليه السلام): «ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب اليم- إلى ان قال- و الذي يسأل الناس و في يده ظهر غنى»، و عن أبي جعفر (عليه السلام): «لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا، و من سأل و هو بظهر غنى لقي اللّه مخموشا وجهه يوم القيامة».
و يكره رد السائل مطلقا، فقد ورد عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: «للسائل حق و ان جاء على ظهر فرسه».
الخامس: يستفاد من الآية الكريمة انه يجوز صرف الزكاة في جميع الموارد التي ورد فيها مع تحقق الشرائط المذكورة في الفقه.
السادس: الظاهر أنّ المراد من قوله تعالى: ذَوِي الْقُرْبى‏ قرابة المعطي، و لكن يحتمل ان يكون قرابة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كما في قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ [سورة الأنفال، الآية: ٤۱].

في تفسير القمي في قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ قال (عليه السلام): «هي شروط الإيمان الذي هو التصديق».
أقول: الظاهر أنّ مراده (عليه السلام) بالإيمان الإيمان الكامل الذي يدخل به المؤمن في زمرة الأبرار و الصديقين.
و عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان».
أقول: و لا ريب في ذلك لأن الآية الشريفة، كما مر جامعة للاعتقادات و الأعمال الجوارحية و لا معنى لكمال الإيمان إلّا جامعية المؤمن للمعتقدات الصحيحة و الأعمال الصالحة. و يستفاد من الآيات الواردة في مدح الأبرار، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [سورة مريم، الآية: ۹٦] و قال تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [سورة النور، الآية: 38].
و لكن الآية الشريفة هي أجمع الآيات التي ذكر فيها درجات الأبرار و منازلهم في الآخرة. و تبين الملازمة بين كون الإنسان برا في هذه الدنيا- بالمعنى المذكور فيها- و كونه من الأبرار في الآخرة فتكون حقيقته في جميع النشآت واحدة و ان السبق إلى البر في هذا العالم ملازم لكونه من السابقين في الآخرة، قال تعالى: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [سورة الواقعة، الآية: 10].
و في الدر المنثور عن أبي عامر الأشعري: «قلت يا رسول اللّه ما تمام البر؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): أن تعمل في السر ما تعمل في العلانية».
أقول: في سياق ذلك روايات متواترة من الفريقين، و يدل عليه حكم العقل، لأن المخالفة بين السر و العلانية نفاق، و يشهد لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) ذيل الآية الشريفة: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ إذ لا معنى للصديق إلّا من طابق قوله فعله و سره علانيته.
في مجمع البيان عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ذوي القربى قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
أقول: يمكن أن يكون ذلك من باب أشرف المصاديق كما تقدم ما يدل على ذلك.
في الكافي عن الصادق (عليه السلام): «الفقير الذي لا يسأل النّاس و المسكين أجهد منه و البائس أجهدهم».
أقول: ذكرنا ذلك في الفقه مفصلا، من شاء فليراجع كتاب الزكاة من كتابنا [مهذب الأحكام‏].
في التهذيب عن الصادق (عليه السلام): «سئل عن مكاتب عجز عن‏ مكاتبته و قد أدى بعضها. قال (عليه السلام): «يؤدى عنه من مال الصدقة فإنّ اللّه عزّ و جل يقول: و في الرقاب».
أقول: سيأتي بيان ذلك في آية الزكاة: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة، الآية: ٦۰].
و في المجمع عن أبي جعفر (عليه السلام): «ابن السبيل المنقطع به».
في تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ قال (عليه السلام): «في الجوع، و العطش، و الخوف، و قوله تعالى: حِينَ الْبَأْسِ، قال (عليه السلام) عند القتال».
أقول: كل ذلك من باب التطبيق.
في الدر المنثور: «أن رجلا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن البر فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فدعا الرجل فتلاها عليه، و قد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلّا اللّه و ان محمدا عبده و رسوله ثم مات على ذلك، وجبت له الجنّة فأنزل اللّه تعالى هذه الآية».
أقول: يدل الحديث على أن التوحيد الحقيقي لا يحصل إلّا بذلك لأن الآية الشريفة حينئذ بمنزلة الشرح لكلمة التوحيد، كما يدل عليه ما استفاض من طرقنا عن مولانا الرضا (عليه السلام): «قال اللّه تعالى كلمة لا إله إلّا اللّه حصني و من دخل حصني أمن من عذابي، قال بشرطها و شروطها و أنا من شروطها».

تدعو الآية الشريفة إلى الإيمان باللّه و اليوم الآخر و الملائكة و الكتب و الرسل، و إتيان الأعمال الصالحة، و تهذيب النفس بالأخلاق الفاضلة و قد وصف سبحانه العامل بما تضمنته هذه الآية الشريفة بأنه من الصديقين، و أنه من المتقين، و قد أعد لهم من الدرجات المعنوية و المنازل العالية كما بينها في‏ آيات أخرى، و هي تشرح حقيقة الإنسان من حيث نظر القرآن الكريم، و كل واحد من هذه الأمور له آثار خاصة تؤثر في النفس و تظهر في العمل و حياة الفرد في الدنيا و العقبى بما يجلب له السعادة في الدارين. و نشير هنا إلى بعض ما هو المقصود في القرآن الكريم من الإعتقاد المطلوب شرعا.
و قد أمر سبحانه الإنسان بالإيمان باللّه و اليوم الآخر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، و المراد به الإيمان الذي يترتب عليه الآثار التي ذكرها في هذه الآية، و آيات أخرى في سياقها التي تكون كاشفة عنه في مقام الإثبات على نحو كشف المعلول عن العلة، و هي:
الأول: إنّ الإيمان المطلوب ما كان يدعو إلى العمل الصالح، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [سورة الكهف، الآية: 118]، و قال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [سورة الأعراف، الآية: ٤۲] إلى غير ذلك من الآيات التي يقترن الإيمان و العمل الصالح فيها، فان ذلك من الجمع بين المتلازمين.
الثاني: إنّ الإيمان المطلوب هو الذي يبعث على اتباع الرسول و ما جاء به الأنبياء، قال تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْهِ [سورة البقرة، الآية: ۱٤۳]، و قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [سورة آل عمران، الآية: 31].
الثالث: انّ الإيمان المطلوب هو الذي يبعث السكينة لصاحبه و الراحة في النفس و الاطمينان في القلب، قال تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى‏ وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً [سورة الفتح، الآية: ۲٦] و قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [سورة الرعد، الآية: 28] و قال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [سورة الأنعام، الآية: ۱۲٥].
الرابع: إنّ الإيمان المطلوب هو ما كان باعثا على حب اللّه و رسوله بحيث يكونان أحب إليه من غيرهما، قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [سورة التوبة، الآية: ۲٤].
الخامس: انّ الإيمان الصحيح يدعو صاحبه على الصبر في الحوادث و المصائب، لأنّ صاحبه يعلم بأنّ المصيبة إنّما هي في الدين و أنّها أشد من المصائب في النفس و المال، و قال تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [سورة البقرة، الآية: ۱٥٦].
السادس: إنّ الإيمان يدعو صاحبه إلى اجتناب المحارم و إنّه إذا عرضت له المعاصي و الآثام أعرض عنها، و لو صدرت منه معصية لغفلة أو جهل أو نسيان يبادر إلى التوبة و الانابة، قال تعالى: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [سورة آل عمران، الآية: ۱٥۳].
السابع: إنّ الإيمان المطلوب ما كان يدعو إلى التسليم و الرضا بالقضاء و القدر، قال تعالى: وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ الصَّابِرِينَ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [سورة الحج، الآية: ۳٥]، و قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [سورة آل عمران، الآية: ۱٤۲].
الثامن: إنّ الإيمان الصحيح يدعو صاحبه إلى مراقبة النفس و تزكيتها بأنواع البر و الاجتهاد في طلب مرضات اللّه تعالى و تهذيب النفس بالأخلاق الفاضلة.
التاسع: إنّ الإيمان باللّه و اليوم الآخر ما كان يدعو إلى الإيمان بالغيب و جميع ما أنزل اللّه تعالى قال عزّ و جل: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ‏ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [سورة البقرة، الآية: 3].
العاشر: إنّ الإيمان الصحيح هو ما يجلب لصاحبه سعادة الدارين و ما أعده اللّه تعالى للمؤمنين من المنازل و الدرجات و هي مذكورة في آيات كثيرة.
و أجمع آية تشتمل على كثير مما ذكرناه في الإيمان المطلوب هي الآية التي سبق تفسيرها، فإنها تبين المراد من الإيمان، و أنّه الداعي لإتيان الأعمال الصالحات، و الباعث لتهذيب النفس و تزيينها بالأخلاق الفاضلة الموجب كل ذلك لكون المتصف بها من الصديقين و المتقين، فللإيمان كمال و نقص، و الكامل منه ما ذكرناه.

الآية الشريفة التي تقدم تفسيرها هي من أجمع الآيات القرآنية لصنوف البر و الأخلاق الفاضلة، و هي بانضمام آيات أخرى من القرآن الكريم تبين مفهوم الأخلاق في الإسلام، فان له نظرا خاصا فيه يخالف سائر المذاهب الأخلاقية، و لكنه في ذاته يعتبر امتدادا لسائر الاتجاهات الأخلاقية الصحيحة.
و بتعبير آخر: إنّه يكون تركيبا لتراكيب، فهو يشتمل على روح التوفيق لشتى النزعات في المذاهب الأخلاقية الأخرى، فهو واقعي و مثالي، و محافظ، و تقدمي، و تطوري، و عقلي، و صوفي، و متحرر، و نظامي، كما انه يلبّي جميع المطالب الفردية و الاجتماعية، الشرعية و الأخلاقية. و لا يمكن الإلمام بجوانب هذا المفهوم القرآني للأخلاق إلّا بعد معرفة النظريات الأخرى و لو على سبيل الإيجاز ثم الحكم بأفضليته و أكمليته من الجميع.
المذاهب الأخلاقية:
يختلف العلماء و الباحثون في علم الأخلاق النظري في تقسيم المذاهب الأخلاقية المتعددة بين مفصل لها بتعداد سائر الاتجاهات، و بين مجمل لها بذكر أصولها، و السبب في ذلك أن طائفة منهم ربطت المذاهب الأخلاقية بالمذاهب الفلسفية في المعرفة الإنسانية من الواقعية و المثالية، و العقلية، و الحدسية، و التجريبية، و المادية، و التشكيكية و غير ذلك. و هذا المسلك و إن أمكن تطبيقه على بعض المذاهب الأخلاقية، فإنه يكون امتدادا لتلك المسألة إلّا أنه لا يمكن تطبيقه على البعض الآخر مثل الأخلاق المسيحية فإن لها خصائص ما يخالف تلك الاتجاهات.
و طائفة أخرى أرجعت الاختلاف بعينه إلى الاختلاف في الغاية، و انها هي المنفعة، سواء كانت فردية أو اجتماعية و ابتغاء اللذة و السرور و دفع الآلام و الشرور. و هذا المنهج كسابقه فان كثيرا من المذاهب يخرج عن هذا التقسيم.
و طائفة ثالثة ذهبت إلى أنّ المناط هو الوجدان و الزهد و التقشف؛ كما يراه الاتجاه الصوفي.
و الحق أنّ شيئا مما ذكر لا يصلح لأن يكون المناط في تقسيم المذاهب الأخلاقية، بل إنّ جميعها تتفق على أنّ الكمال و السعادة هما الغاية القصوى و المقصد الأسنى للإنسان، و إنّما الاختلاف في ما يصدق عليه الكمال و السعادة فالاختلاف في المصداق فقط، و على هذا الأساس يمكن تقسيم المذاهب الأخلاقية إلى ثلاثة:
الاتجاه العقلي:
الاتجاه الذي يعتبر العقل هو الذي يحدد الغاية في حياتنا، و أنه الباعث الذي يحفزنا إلى ابتغاء الحياة السعيدة و الغزوف عن اللذات و أنّه الداعي إلى الطاعة لأوامر الشرع أو العقل، و أصحاب هذا الاتجاه يعترفون بأصول مسلّمة لا يمكن العدول عنها كحسن العدل، و قبح الظلم و أمثال ذلك، فلا بد للإنسان- الذي يتميز عن سائر الكائنات بطبيعته العاقلة- ان يتصرف وفق القوانين المجعولة من قبل العقل أو الشرع، و في ذلك ابتغاء السعادة. و يشمل هذا الاتجاه من المذاهب الأخلاقية المذهب الحدسي، و الواقعي، و المثالي، و بعض المذاهب اليونانية القديمة أمثال الرواقيين و الأفلاطونيين و غيرهم.

الاتجاه المادي:
و هذا الاتجاه يرفض كل القيم الإنسانية المسبقة التي تحدد للإنسان‏ سلوكه و التي لها التأثير في تشكيل حياته، بل يعتبر عامل المادة له الأثر الكبير في سلوك الإنسان، و زاد بعضهم أن الأفكار و المشاعر و الرغبات و القيم الخلقية و الجمالية هي وليدة النظام الاقتصادي و ما يستلزمه من العلاقات بين الأفراد بعضهم مع بعض، و ان المنفعة سواء في شكلها الحسي أو العقلي هي وحدها الخير الأقصى و المرغوب لذاته، و انها السعادة، و الضرر و الألم وحده هو الشر الأقصى، فالأفعال الإنسانية لا تكون خيرا إلّا إذا حققت النفع مطلقا و إذا جلبت ضررا أو عاقت عن وصول النفع كانت شرا.
و بالجملة: إنّ في هذا الاتجاه على اختلاف مذاهبه يتوجه النظر على نتائج الأفعال و آثارها، بلا فرق بين أن تكون المنفعة فردية حسية عاجلة، كما في مذهب القورنائيين أو حسية و عقلية و روحية كما في مذهب الابيقوريين، و جميعهم أصحاب اللذة الفردية الانانية. نعم، تحول بعض المذاهب إلى منفعة المجموع و القول بالصالح العام و لكنه لا تخرجها عن ابتغاء اللذة و المنفعة، و لذا دعوا جميعا ب (الانانيين) حتّى في تصورهم للصالح العام، و تشترك جميع هذه المذاهب في تقييد حرمة الفرد، و القول بالجبر الأخلاقي و الفوضى في الأخلاق.
و من ذلك يعرف أنّه لا علاقة بين الفكر الفلسفي و المذهب الخلقي في هذا الاتجاه.
الاتجاه الصوفي:
و في هذا الاتجاه يتنكر الإنسان للمادة في جميع مظاهرها، و أنّ العزوف عن ملاذ الدنيا هو المناط في الأخلاق الفاضلة، و يرى أصحابه أنّ السعادة هي الابتعاد عما يشغل بال الإنسان عن التفكر، و الكمال هو الوصول إلى مرحلة يصل بها إلى درك الحقائق، و في هذا الاتجاه تعتبر المحبة أصلا لكل خير.
هذه هي الاتجاهات الأساسية للمذاهب الأخلاقية المختلفة المتعددة و هي جميعها قد أخفقت في حلّ المشكلات الخلقية للإنسان سواء الفردية أو الاجتماعية، و لم يصل الفرد بها إلى ما يصبو من السعادة و الكمال بل لم تجلب للإنسان إلّا الشقاوة، و الوقوع في صراعات فكرية لا يجتنى منها فائدة تذكر.

إنّ الطابع العام الأخلاقي الذي يستمد من القرآن الكريم يختلف كثيرا عما ذكرناه في المذاهب الأخلاقية المختلفة، سواء من الناحيتين النظرية و العملية فهو يحل جميع المشكلات الخلقية و يضع كل شي‏ء في موضعه المعين، و يربط بين الفضل و الفضيلة، فطالما يكون المرء فاضلا و لا يعرف الفضيلة، و لذا ترى أنّ المفهوم الأخلاقي في القرآن الكريم لا يقتصر على الحاجة العقلية فقط؛ بل إنّ الجانب النظري و العملي كل واحد منهما مكمل للآخر و تكون لهما وحدة خاصة تشبع الحاسة الأخلاقية التي أودعها اللّه تعالى في الإنسان.
كما أنّ المفهوم الأخلاقي فيه يمتاز عن غيره في انه يشتمل على روح التوفيق بين سائر النزعات الأخلاقية، و يلبي جميع المطالب للإنسان، فهو ينظر إلى الفرد كما ينظر إلى المجتمع، و يعطي لكل واحد منهما حقه، و لهذه النزعة الأخلاقية خصائص يمكن تلخيصها في ما يلي:

الأولى: إنّ في الإنسان انبعاثا داخليا فطريا إلى الأخلاق يساير جميع مراحله يمكن التعبير عنه به (الحاسة الأخلاقية) التي يميز بها بين الخير و الشر، كما يميز بالحاسة الجمالية المودعة فيه بين الجميل و القبيح، قال تعالى: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [سورة الشمس، الآية: 8]. و من هذه الحاسة الخلقية نستطيع أن نؤسس القواعد الخلقية و القانون الأخلاقي العام.
و لكن قد يلقى هذا النور الباطني الفطري موانع توجب طمسه، و هي كثيرة مثل العادات، و الوراثة، و البيئة، و شواغل الحياة المادية بل إنّ نفس القواعد الخلقية الفطرية لم تكن كافية في إرضاء الجميع بحيث تكون قاعدة عامة تجلب رضاء الكل، و لهذا كان لا بد من بعث الأنبياء ذوي النفوس المصطفاة الملهمة بالوحي ليثيروا للنّاس دفائن العقول، و يزيلوا الغشاوة عن النور الفطري و يكملوا ما كانوا يحتاجون اليه في إكمالهم، فكان نور الوحي‏ الإلهي مكملا لنور الفطرة التي أودعها اللّه في الإنسان فكان «نور على نور».
الثانية: إنّ القواعد الخلقية هي تلك القواعد التي تخاطب الضمير الإنساني، و يرغب إليها الإنسان لأجل الحقيقة ذاتها و أهميتها الخلقية فهي لم تكن غريبة عليه، فكانت لها صفة الإلزام، قال تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ [سورة القيامة، الآية: ۱٥]. و يظهر ذلك بوضوح في تلك الآيات القرآنية التي ترجع الإنسان إلى عواطفه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات، الآية: 13]، و قال تعالى: وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [سورة الحجرات، الآية: 12].
الثالثة: إنّ القرآن الكريم يقرر أنّ الإنسان مسئول عن عمله، فقد أظهر فكرة المسؤولية الأخلاقية الفردية و الاجتماعية بالمعنى الكامل قال تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ [سورة النجم، الآية: 39]، و قال تعالى: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ [سورة الإسراء، الآية: ۱٥]، فكل شخص مسئول بالشروط المقررة عن أفعاله الخاصة الشعورية و الإرادية، كما انه فرد من مجتمع يحمل جانبا من المسؤولية الاجتماعية.
الرابعة: إنّ الإنسان حرّ في اختيار أفعاله الإرادية، و لا شي‏ء- سواء كان داخليا أو خارجيا- يستطيع إرغامه و سلب حريته، قال تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [سورة البقرة، الآية: ۲۸٤]، و قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً [سورة الأحزاب، الآية: ٥٤] بل يعتبر القرآن أنّ أساس المسؤولية هي الحرية، و قد مضى في ضمن الآيات القرآنية البحث عن ذلك مفصلا و قد تنبّه إلى ذلك الفيلسوف الغربي [كانت‏] بقوله «يستحيل علينا ان نتصور عقلا في أكمل حالات شعوره، يتلقى بشأن احكامه توجيها من الخارج … فارادة الكائن العاقل لا تكون إرادته التي تخصه بالمعنى الحقيقي الا تحت فكرة الحرية».
الخامسة: الجزاء الأخلاقي وفقا لقانون أن كل مسئولية لا بد لها من‏ جزاء. و قد بين القرآن الكريم أنّ كل عمل له جزاء خاص يلائمه و قد تقدم في الآيات السابقة ما يرتبط بالمقام.
السادسة: النية و أنّ كل عمل لا بد له من نية و إعطاء الأهمية للنية و البواعث الكامنة في النفس وراء العمل، و يعتبر أن قيمة كل عمل تدور مدار شدة التنزه، و أن الهدف من كل عمل هو ابتغاء وجه اللّه تعالى.
السابعة: أنّ كل عمل لا بد أن يقرن بالاعتقاد، كما هو ظاهر الآيات الشريفة التي يقرن فيها بين الإيمان و العمل الصالح، قال تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [سورة سبأ، الآية: ٤]، و قال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [سورة العنكبوت، الآية: 9].
الإنسان كائن أخلاقي:
يتميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية في أنه مزيج قوى متخالفة متصارعة، فهو مركب من عقل، و قلب و إرادة أي: له حياة عقلية، و انفعالية، و فاعلة. و لكل واحدة من هذه الثلاث آثارها و وظائفها التي من امتزاجها في هذا الكائن الخاص يكون إنسانا و هذا مما لا ريب فيه، و قد دلت عليه التجارب و أثبتته البراهين العلمية.
و بتعبير آخر: و هو المتبع في علم الأخلاق- إنّ الإنسان مركب من قوى ثلاث: هي القوة الشهوية التي هي مصدر الرغائب من محبة المال و النساء و غيرهما من الشهوات الحيوانية، و الأفعال المنسوبة إلى هذه القوة هي الأفعال التي تجلب المنفعة؛ كالأكل و الشرب و نحو ذلك.
و القوة الغضبية، و هي مصدر العواطف كالشجاعة، و الغضب، و الأفعال المنسوبة إليها هي الأفعال التي تدرأ المضار كالدفاع عن النفس و المال و العرض و غير ذلك.
و القوة العاقلة، و هي التي تدبر البدن و تسوسه، و الأعمال الفكرية كلها منسوبة إلى هذه القوة.
و لكل واحدة من هذه القوى الثلاث آثارها و خصائصها، و هي متباينة في صفاتها و ذواتها، و لكن من اجتماعها ينشأ الإنسان المفكر الدراك، و باتحادها تنشأ وحدة تركيبية تصدر منها أفعال خاصة، و بها يبلغ الإنسان إلى سعادته التي خلق لأجلها، و وظيفته هي أن يحافظ على هذه الوحدة التركيبية، و ان لا تخرج قوة من هذه القوى الثلاث عن حد الاعتدال إلى حدي الإفراط أو التفريط، و إنّ بذلك يصل إلى الغاية المرجوة من خلقه و هي السعادة الفردية و النوعية في الدنيا و الآخرة و لأجل ذلك كان الإنسان أخلاقيا دون سائر الكائنات الحية.
و علم الأخلاق يبحث عن كيفية المحافظة على الحد الوسط التي هي الفضيلة و الاجتناب عن طرفي الإفراط و التفريط اللذين هما الرذائل، لتصدر منه أفعال يصل بها إلى السعادة المرجوة.
الاعتدال في الأخلاق:
ذكرنا أنّ وظيفة الإنسان- ككائن أخلاقي- هي المحافظة على حد الاعتدال لكل واحدة من القوى الثلاث المتقدمة. و المراد بحد الاعتدال- هو الوسط الأخلاقي- أي استعمال كل قوة على ما ينبغي ليجلب بها السعادة.
و قد جعل العلماء حد الاعتدال في القوة الشهوية هي العفة، و الجانبين- الإفراط و التفريط- الشره، و الخمول. و في القوة الغضبية الشجاعة و الجانبين التهور، و الجبن. و في القوة الفكرية الحكمة و الجانبين الجربزة، و البلادة.
ثم قالوا إنّ في اجتماع تلك الملكات في النفس تحصل ملكة رابعة و هي العدالة و المراد بها هي وضع كل شي‏ء موضعه الذي ينبغي له، و بها يمكن الإنسان ان يحافظ على حد الاعتدال في القوى الثلاث، فيخرج عن الظلم و الانظلام.
و هذه الأربعة هي أصول الأخلاق الفاضلة تكون نسبتها إليها كنسبة الجنس إلى النوع، و هي كثيرة- كالجود و السخاء و القناعة و الشكر و الصبر و نحو ذلك كما هو مفصّل في كتب الأخلاق.
و هذا هو التقسيم الشايع بين علماء الأخلاق منذ عصر أرسطو، و هو لا يخلو عن المناقشة، و لكن الأمر سهل بعد أن كان ذلك لأجل تصنيف الفضائل و الرذائل و التمييز بينها.
إلّا أنّ للقرآن نظرية خاصة في الوسط تغاير النظريات الأخرى فقد اعتمد القرآن على التقوى التي ورد ذكرها فيه أكثر من مأتين و خمسين مرة، قال تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [سورة الشمس، الآية: 8] و اعتبرها محور الكمالات الإنسانية و معيار الفضائل، قال تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [سورة البقرة، الآية: 189]، و قال تعالى: وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ [سورة النمل، الآية: ٥۳]، و قال تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة، الآية: 27]، و قال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران، الآية: 102]، و قال تعالى: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ [البقرة، الآية: 197]، و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة، الآية: 7]، و قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة، الآية: 123].
و المراد من التقوى في نظر القرآن: هي الجهد المحمود- الحاصل من الفرد- المتواصل في خدمة التكليف في جميع نشاطاته و علاقاته مع نفسه، و مع ربه، و الناس أجمعين، و هذا هو المراد مما ورد في النصوص الكثيرة بأنها «إتيان الواجبات و ترك المحرمات».
و تظهر أهمية هذا الملاك عن نظرية «الوسط العادل» أي: تجنب الإفراط و التفريط في أنّه يربط بين العمل و النية، فلا يمكن التفكيك بينهما، فيعتبر العمل بلا نية لا قيمة له، كما أنّ النية الخالية عن أي عمل لا ثمرة لها، كما يظهر ذلك بوضوح من الآيات التي تقارن بين التقوى و العمل الصالح، كما تقدم. قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ [سورة الشعراء، الآية: 110].
كما أنّ بالتقوى يصير الإنسان بارا و يصبح من الصديقين، و إنّ بها يتهيّأ لقبول الملكات الفاضلة و يحدد سلوكه الأخلاقي، و بها يصير الإنسان عادلا موفقا بين رغباته و أحاسيسه و عواطفه، فهي المقياس الحسي للفضائل يسهل معرفته لكل أحد و يسلم عن الخطأ و الالتباس من دون أن يقع في متاهات النظرية الوسطية القديمة؛ و هي العلة الغائية في السلوك الأخلاقي و العلة الفاعلية لاكتساب الفضائل و إزالة الرذائل. و أخيرا هي القاعدة العامة التي يمكن التوفيق بها بين سائر التكاليف و يجلب بها الكمال، و الدين الذي أمرنا باتباعه. و بها صارت هذه الأمة وسطا في جميع الشؤون. نعم لها مراتب، كما تقدم سابقا، و يأتي بيانها مفصلا.

ذكرنا أنّ الأساس الذي يبتني عليه الأخلاق في القرآن هو التقوى فإنّها الطريق إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة و اكتساب الفضائل و إزالة الرذائل، و تقدم أنّ التقوى هي الجهد التواصل من الفرد، فلا تتحقق إلّا بالتواصل و العمل الدؤوب و تكرار الأعمال الصالحة لتتمكن الأخلاق الفاضلة في النفس و يتعذر إزالتها. و في التقوى يرتبط العمل بالنية فكل ما كانت النية خالصة للّه تعالى خالية عن الأغراض الدنيوية ازدادت قيمة العمل و قرب إلى القبول و صلح للجزاء الأوفى.
بل يعتبر القرآن أنّ الغايات المرجوة من الأعمال سواء كانت لجلب النفع، أو لدفع الضرر هي نقص في مقابل الكمال المطلق، قال تعالى: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [سورة يونس، الآية: ٦٥]، و قال تعالى: وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ [سورة البقرة، الآية: 197]، و غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحصر الكمال فيه عزّ و جل. و لهذا الأمر أثر كبير في النفس حيث يجعل العمل خالصا لوجه اللّه منزها عن كل غاية من غير اللّه تعالى، و أنّ الغاية هي اللّه تعالى و التخلق بأخلاقه، و هذا مسلك جديد لم يكن معروفا من قبل نزول القرآن و يختلف عن سائر المسالك المتّبعة في تهذيب النفس بوجهين:
الأول: أنّ في هذا المسلك يعد الإنسان إعدادا علميا و عمليا لقبول الأخلاق الفاضلة و المعارف الإلهية بحيث لا يبقى مجال للرذائل، و فيه تختلف‏ الفضائل عن غيره من المسالك.
الثاني: أنّ في هذا المسلك يكون الفعل صادرا عن العبودية المحضة و الحب العبودي، فيكون الغرض هو وجه اللّه تعالى فقط، فهو مبني على التوحيد الخالص بخلاف غيره.

أحدها: هو تهذيب النفس بالآراء المحمودة و العقائد العامة الاجتماعية في الحسن و القبح و الغايات الصالحة الدنيوية، و هذا هو المعروف في علم الأخلاق، فهذا المسلك يدعو إلى الخلق الاجتماعي، و الغاية هي حياة سعيدة دنيوية يحمدها كل الناس؛ و لم يرد في القرآن الكريم ما يدل على حسن هذا المسلك. نعم في بعض الموارد إشارة إلى بعض الأمور الاجتماعية، قال تعالى: وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۰]، حيث علل الحكم بأن لا يكون للناس عليكم حجة، و قال تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ [سورة الأنفال، الآية: ٤٦]، حيث علل ترك الصبر أو الاتحاد بالفشل و ذهاب الريح. و لكن ذلك كله يرجع إلى الثواب و العقاب الاخرويين.
ثانيها: تهذيب النفس بما جاء به الأنبياء (عليهم السلام) و الكتب السماوية من العقائد و التكاليف الدينية و الآراء المحمودة بالغايات الأخروية، و قد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك قال تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [سورة الأعراف، الآية: ۱٥۷]، و قال تعالى: اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ [سورة لقمان، الآية: 21]، و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [سورة الكهف، الآية: 30]، و قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [سورة الزمر، الآية: 10]. و غير ذلك من الآيات الشريفة التي ذكر فيها الأجر الأخروي بألسنة مختلفة.
و من مبادئ هذا المسلك هو إعداد الإنسان علميا بأنّ كل ما يصدر منه من الأفعال، و ما يقع من الأمور كلها صادرة عن قانون القضاء و القدر الإلهي؛ قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ [سورة التغابن، الآية: 11].
و إنّه لا بد من التخلق بأخلاق اللّه تعالى و التذكر بأسمائه الحسنى حتّى يمكن تهذيب النفس بالغايات الأخروية المتكفلة لسعادة الدارين، فإنّ الكمال الحقيقي و السعادة الواقعية هي الحياة السعيدة في الآخرة و تلازمها سعادة هذه الدنيا أيضا.
و هذا المسلك هو الغالب في الديانات الإلهية، و قد دعا اليه الأنبياء و المرسلون، و هو متين يغاير المسلك الأول في الغاية و السبب.
ثالثها: التغير في الأخلاق و التبدل في الفضائل، و القول بالتطور و التكامل في الأخلاق فلا يمكن أن يكون للحسن و القبح أصول مسلمة مطلقا، و المناط كله هو ابتغاء المنفعة و دفع المضرة سواء أ كانتا فرديتين او اجتماعيتين، و هذا مذهب قديم في الأخلاق دعا اليه بعض الماديين كما أشرنا اليه سابقا، و هو مذهب فاسد، و سيأتي في الموضع المناسب ذكر حججهم و دحضها.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"