1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآية 48

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً (٤۸)


الآية الشريفة تشتمل على الوعد و الوعيد معا، و تتضمّن ما تؤكّد عليه الآية السابقة، فإنّه بعد ما أمر سبحانه و تعالى الذين أوتوا الكتاب بالإيمان و دعاهم إلى الحقّ و أوعدهم السخط و اللعنة إن هم أعرضوا عنه، ذكر في هذه الآية المباركة السبب في الحكم المزبور، و بيّن جلّ شأنه أنّ طريق النجاة منحصر في الإيمان و الانصياع إلى الحقّ، فإنّه لا غفران بدونه، لا ما يتمنّاه أهل الكتاب.
و قد وعد عزّ و جلّ المؤمنين بالغفران و رفع الآثار المترتّبة على الماضي، و أرشدهم إلى أنّ الكبائر السابقة لا تكون مانعة عن قبول إيمانهم. و في الآية المباركة كمال الرأفة بهم و الامتنان عليهم، فكانت من أرجى الآيات في القرآن الكريم.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ جملة مستأنفة مؤكّدة لمضمون ما ورد في الآية السابقة، و هي في مقام التعليل للحكم المذكور فيها، أي: إن لم تؤمنوا فإنّكم مشركون، و اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به و يحلّ عليكم سخطه و غضبه، و أما الإيمان ففيه الفوز بالمغفرة و النجاة؛ و لهذا كانت الآية المباركة متضمّنة للوعد و الوعيد معا.
و قد وردت مثل هذه الآية الشريفة في موضع آخر من هذه السورة أيضا، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [سورة النساء، الآية: ۱۱٦].
و لعلّ الاختلاف بينهما- بعد الاتفاق على أنّهما تدلان على جميع الآثار المترتّبة على الشرك الدنيويّة و الاخرويّة إذا آمنوا و رجعوا إلى الحقّ- أنّ الآية الكريمة في المقام تبيّن أنّ الطريق في الإيمان دون التمنّي و الترجّي و الافتراء على اللّه تعالى بأنّه سيغفر لنا، كما تزعمه اليهود و النصارى، كما حكاه عزّ و جلّ في غير موضع من القرآن الكريم، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى‏ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [سورة الأعراف، الآية: ۱٦۹]، و يدلّ على ذلك ذيل الآية الشريفة: فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً، فإنّه يدلّ على نفي جميع إشكال التظنّي و التمنّي. و أمّا الآية الثانية، فإنّها تنفي جميع سبل الشرك و أنحائه التي ذكر جملة منها في الآيات السابقة و التالية لها، و يؤكّد ذلك ذيل الآية الشريفة، قال تعالى: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [سورة النساء، الآية: ۱۱٦]، فإنّه يدلّ على أنّ الشرك بجميع أنحائه ضلال لا تفاوت بينها.
كما أنّه يمكن الفرق بينهما بأنّ الآية الشريفة في المقام تبيّن رفع الآثار التي ذكرها عزّ و جلّ في الآية السابقة من الطمس و اللعنة إن هم آمنوا. و أما الآية الثانية فإنّها سيقت لرفع الآثار المترتّبة على الشرك إذا آمنوا و انصاعوا للحقّ.
ثم إنّ عموم الشرك يشمل كلّ ما يشرك باللّه تعالى في مقام الالوهيّة و جميع شؤونها. كما أنّ للشرك مظاهر مختلفة في مرّ العصور، فمنها يكون عن الوثنيّة، فإنّهم جعلوا كلّ نوع من أنواع المخلوقات إلها و ربّا يدبّر أمره، فجعلوا للماء ربّا، و للنار إلها و للتراب إلها و للهواء إلها و غير ذلك، و فيهم نزلت الآية الكريمة أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [سورة يوسف، الآية: 39].
و من الشرك تأليه بعض القوى و النجوم السيارة ممّا جعلوا المجسّمات و الأصنام تمثالا و رمزا لعبادتها، فكان ذلك هو الأصل في عبادة الأصنام و الأوثان و إن خفي ذلك على الذين يعبدونها.
و من الشرك ما يزعمه جمع في بعض البشر من أنّه متولّد من اللّه تعالى و من العذراء الإنسيّة، فكان ابن اللّه تعالى تولّد منهما، فجعلوا جلّ شأنه الواحد ذا أقانيم ثلاثة: الأب و الابن و الروح القدس، و أثبتوا لكلّ واحد من هذه الثلاثة آثارا خاصّة في مقام الالوهيّة، و من القائلين بهذا البراهمة و البوذيين و النصارى و غيرهم.
و من الشرك تأليه بعض أفراد البشر، و القول بأنّه خلق العالم و هو رازق أهله.
و من الشرك بعض آراء الفلاسفة في العالم و خلقه و تدبيره، و غير ذلك من الآراء و المذاهب المعروفة التي نقلها العلماء في كتبهم العلميّة.
و إطلاق الآية الشريفة يشمل الشرك في الذات و الفعل و العبادة، بل يشمل الكفر أيضا باعتبار الحكم الوارد في الآية المباركة، أي: أنّ الكافر لا يغفر له حتّى يرجع عنه و يدخل في الإيمان، و إن لم يصدق عليه المشرك بالعنوان الأولي لكن يمكن أن يقال إنّ كلّ كافر مشرك؛ لأنّ الذي يشاقق الحقّ و الرسول و ما أنزله اللّه تعالى عليه مشرك؛ لأنّه جعل ما في يده أو ما عنده شريكا مع اللّه، تعالى و هو عزّ و جلّ لا يريده، و لعلّه لذلك ورد التعبير: أَنْ يُشْرَكَ بِهِ دون المشرك أو المشركين، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [سورة النساء، الآية: ۱۱٥- ۱۱٦]، فجعل الشقاق مع الرسول و اتباع غير السبيل المؤمنين من مصاديق الشرك.
و التعبير بالفعل المضارع: «أن يشرك»، للدلالة على أنّه لا يغفر للإنسان إشراكه الذي يداوم عليه إلى الموت، فإذا انقطع عنه الشرك، فاللّه يغفر له الذنوب السابقة و يرفع عنه آثارها، و تدلّ عليه آيات كثيرة، قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي‏ التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ عَلى‏ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [سورة الفتح، الآية: 29]، و تقدّم في الآيات السابقة ما يرتبط بالمقام.
و المعنى: أنّ اللّه تعالى لا يغفر الشرك بجميع مظاهره؛ لأنّ الحكمة اقتضت خلق الإنسان على أساس الرحمة و العبوديّة، قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦]، و اللّه تعالى شرّع الدين الحقّ لتزكية النفوس و تطهير الأرواح عمّا ينافي تلك الحكمة، و إنّ الشرك على خلاف ذلك، فإنّه آخر درجات الهبوط لعقول البشر، و إنّه يفسد أخلاق الإنسان و يوجب السقوط في الشقاء و الأخلاق الفاسدة.
قوله تعالى: وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يغفر ما دون الشرك من المعاصي و إن عظمت، فإنّها مهما عظمت فلا تصل إلى حدّ عظمة الشرك، فإنّ له درجة بعيدة في القبح، و ما سواه دونه في الدرجة، و لعلّه لهذا أشار إليه ب: ذلِكَ، و تدلّ عليه كلمة دُونَ.
و الآية الشريفة تدلّ على غفرانه لمن يشاء ممّن له أهليّة لقبول الفيض الإلهي و الغفران بسبب الأعمال الصالحة التي تؤهّل الإنسان للصلاح و السعادة، فإنّ اللّه تعالى يغفر له برحمته الواسعة و حكمته المتعاليّة، فكانت المشيئة مطابقة للحكمة المتعاليّة، فإنّها تقتضي أن يكون الغفران للمذنب الذي له الأهليّة و الاستعداد المكتسب بالأعمال الصالحة و غيرها، و عدم الغفران للمشرك.
و يستفاد من وقوع المشيئة بعد الغفران امور:
الأول: أنّها وردت لدفع ما يتوهّم أنّ ذلك خرج عن قدرته المتعاليّة، أو أنّ لأحد التأثير عليه عزّ و جلّ فيقهره على المغفرة قاهر، و لعلّه لأجل ذلك وقعت المشيئة في كثير من الموارد من القرآن الكريم، قال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [سورة هود، الآية: 108]، فإنّ الخلود أمر ثابت، و تعليقه على المشيئة لبيان أنّ ذلك غير خارج عن قدرته، و لا يكون لأجل قهر قاهر عليه.
الثاني: أنّها تدلّ على أنّ المغفرة و عدمها لا تكونان جزافيّتين، بل تكونان وفق حكمة متعالية و هو العزيز الحكيم، فإنّها اقتضت أن لا يغفر للشرك الذي يوجب فساد الفطرة و صرف الإنسان عمّا اقتضته خلقته الأصليّة، و هي العبوديّة للواحد القهّار، كما بيّنه عزّ و جلّ في قوله: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦].
الثالث: إنّما ذكر المشيئة لئلّا يغترّ الناس برحمته تعالى، فيتركوا العمل اتكالا عليها، و إلا لغى التشريع و بطل الأمر و النهي.
و قد اختلف العلماء و المفسّرون في المراد من الآية الشريفة، حتّى جعلها بعضهم من المتشابهات التي لا يمكن فهم معناها، و الحقّ ما ذكرناه.
و إطلاق الآية المباركة يدلّ على غفران الذنوب غير الشرك مطلقا، و لكن لا ينافي هذا أن يكون غفرانه لسائر المعاصي و الذنوب دون الشرك بالطرق التي ذكرها عزّ و جلّ في غير موضع في القرآن الكريم، مثل شفاعة من جعلت له الشفاعة، كالأنبياء و الملائكة و الأولياء، و مثل الأعمال الصالحة التي تكفّر الذنوب.
كما أنّ إطلاق الآية المباركة يدلّ على غفران الذنوب و المعاصي غير الشرك بحسب الحكمة المتعالية، و إن لم يبادرها بالتوبة، و أما مع التوبة فإنّه يغفر جميع الذنوب حتّى الشرك بحسب وعده العظيم، قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ [سورة الزمر، الآية: ٥۳ و ٥٤].
قوله تعالى: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً تعليل لعدم غفران الشرك، و إظهار اسم الجلالة لزيادة الرهبة و إدخال الروع في النفوس، و لإظهار تقبيح الشرك و تفضيح عمل المشرك.
و مادة (فري) تدلّ على القطع، و الافتراء افتعال، قال الراغب: الفري قطع الجلد للخز و الإصلاح و الإفراء القطع للإفساد، و الافتراء فيهما و في الإفساد أكثر، و لذلك استعمل في الكذب و الشرك و الظلم. و في المجمع: فريت الأديم إذا قطّعته على وجه الإصلاح، و أفريته إذا قطّعته على وجه الفساد.
و كيف كان، فهو يطلق على الكذب المختلق؛ لأنّه يوجب فساد الأقوال و الأعمال، و قد ذكر المصدر الذي هو الافتراء مع صفته اللازمة و هو الإثم و عَظِيماً صفة للمصدر و هو الافتراء أو الإثم.
و المعنى: و من يشرك باللّه تعالى الجامع لجميع صفات الكمال و المنزّه عن جميع صفات الجلال، فقد ارتكب الإثم العظيم الذي يستحقر دونه الآثام، فلا تتعلّق به المغفرة، و الوجه في ذلك أنّه يجعل الشريك الذي اجتمع فيه صفات المخلوقين من الحدوث و نقص الإمكان و الاحتياج و نحو ذلك بمنزلة الآله و يختلق له الصفات الإلهيّة، و ما ذلك إلا افتراء و إثم و القائل به مرتكب لإثم عظيم لا يستحقّ معه المغفرة المعدّة لسائر الذنوب و المعاصي.

تدلّ الآية الشريفة على عظم أمر الشرك و قبحه الشديد، و يكفي في ذلك أنّه تعالى لا يغفر أن يشرك به، و لعلّ ما ورد في قوله تعالى حكاية عن لقمان:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان، الآية: 13]، إشارة إلى هذه الجهة، أيضا، فإنّ الظلم الذي لا يغفر لصاحبه هو عظيم.
و عموم الآية الشريفة يشمل جميع أنحاء الشرك الجلّي منه و الخفيّ، و جميع أقسامه إن كان الشرك عن عقيدة و اختيار، فلا يشمل ما لو كان الشرك بالقسوة كالإكراه و الاضطرار، و لعلّ التعبير بالمبنيّ للمجهول أَنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ للإشارة إلى ذلك، و فيه إيماء أيضا إلى أنّ الشرك قد يتحقّق و إن لم يعلم صاحبه به، فلا بد من الرجوع إلى الإسلام و تعاليمه و دين الحقّ لدفع ذلك.
و قد بيّن عزّ و جلّ السبب في عدم غفرانه للشرك في هذه الآية الكريمة بأنّ فيه الافتراء و ارتكاب الإثم العظيم، كما بيّن سببا آخر في الآية المباركة التي هي نظير هذه الآية، و هو أنّ الشرك يوجب الضلال و الغواية؛ لأنّ كلّ ما يتوهّمه المشركون هو افتراء و كذب، فإنّ فطرتهم تنادي بالوهيّة اللّه الواجب الوجود.
و أما قوله تعالى: وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ، فهو يدلّ على أنّ غير الشرك من المعاصي و الآثام هي دون الشرك و إن اختلفت في الدرجات، لكنّها لا تمنع من تعلّق غفرانه عزّ و جلّ بها، فإنّها مهما بلغت في العظمة لا تصل إلى درجة الشرك الذي هو ظلم عظيم لا يغفره ربّ العالمين؛ لأنّه تصرّف في سلطانه، بخلاف غير الشرك من الكبائر، فإنّ سعة رحمته عزّ و جلّ تشمل جميع الذنوب، و هي تتضمّن السبب في غفرانها؛ لأنّها دون الشرك، هذا إذا لم تصدر توبة من فاعلها، و إلا فإنّ الذنوب جميعها- الشرك و غيره- مغفورة مع تحقّق التوبة بمقتضى وعده عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [سورة الزمر، الآية: ٥۳]، و قوله تعالى: كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [سورة الانعام، الآية: 12].
و تقدّم في بعض الآيات المباركة معنى غفران الذنوب، و ذكرنا أنّ الغفران هو ستر الذنوب و محو آثارهم، و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره جمع من المفسّرين في تفسير هذه الآية الكريمة مع أنّها بعيدة عن سياقها، بل بعضها ينافي قداسة القرآن.
و قد ذكرنا ما يتعلّق بقوله تعالى: لِمَنْ يَشاءُ، فإنّ لهذه الكلمة وقعا كبيرا في هذا الموضع، فإنّها تدلّ على أنّ للّه تعالى القدرة في غفران جميع الذنوب حتّى الشرك، لكنّه لا يفعل إلا ما يوافق حكمته المتعالية، و أنّ الغفران لا يكون تصرّفا في سلطانه التامّ، و تقدّم ما يتعلّق بذلك فراجع.

في تفسير علي بن إبراهيم بإسناده عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصادق عليه السّلام قال: «قلت له: دخلت الكبائر في الاستثناء؟ قال: نعم».
أقول: الغفران عن الكبائر مشروط بالموت مع الإيمان، و تقدّم أنّ الاجتناب عن الكبائر سبب لغفران الصغائر، كما تدلّ عليه الآية الشريفة السابقة، و لا إشكال في أن يتعلّق المشيئة بفعل مشروط بالاختيار، فالكبائر داخلة في الاستثناء، فإنّها قابلة للغفران بشرط بقاء الإيمان.
و في الفقيه: عن الصدوق قال: «سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، هل تدخل الكبائر في المشيئة؟ قال: نعم ذاك إليه عزّ و جلّ، إن شاء عاقب عليها و إن شاء عفى».
أقول: تقدّم ما يتعلّق به و أنّ مشيئته تعالى قد يتعلّق بالغفران و العفو عن الكبائر إن تحقّقت الأهليّة في العبد، و إلا عاقب عليها، فلا قصور في المشيئة أصلا، فإنّه تعالى يصنع ما يشاء و يفعل ما يريد.
و في الدرّ المنثور: عن أبي أيوب الأنصاري قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: إنّ لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: و ما دينه؟ قال: يصلّي و يوّحد اللّه تعالى، قال: استوهب منه دينه فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله فأخبره فقال: وجدته شحيحا على دينه، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
أقول: الرواية على فرض صحّتها تدلّ على أنّ الكبائر قابلة للعفو و الغفران، بخلاف الشرك فإنّه غير قابل لذلك إلا بالتوبة، و قد ذكر صلّى اللّه عليه و آله بعض علامات الشرك و عدم استقرار التوحيد في القلب بالامتحان، و الآية المباركة من باب التطبيق، أو من باب تعدّد منشأ النزول.
و فيه- أيضا- أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عمر، قال: «لما نزلت: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فقام رجل فقال: و الشرك يا نبيّ اللّه؟ فكره ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ».
أقول: قريب منها غيرها، و الرواية تبيّن عظمة قبح الشرك، و أنّه لظلم عظيم و غير قابل للعفو و الغفران، فلو مات الشخص على الشرك بلا توبة دخل النّار كما تدلّ عليه الآية المباركة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، و لو تاب فتشمله الآية المباركة: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فلا تنافي بين الآيتين المباركتين.
و أما الشفاعة فلا تشمل الشرك أصلا؛ لأنّ من شرائطها الإيمان، و بين الموحّد و المشرك بون بعيد لا تناسب بينهما أصلا، و بذلك يمكن أن يجمع بين الآيتين الشريفتين أيضا.
و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما من عبد يموت لا يشرك باللّه شيئا إلا حلّت له المغفرة، إن شاء غفر له و إن شاء عذّبه، إن اللّه استثنى فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بهذه الرواية و أمثالها سابقا.
و أخرج الطبراني عن سليمان قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ذنب لا يغفر، و ذنب لا يترك، و ذنب يغفر، فأما الذي لا يغفر فالشرك باللّه، و أما الذي يغفر فذنب بينه و بين اللّه عزّ و جلّ، و أما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا».
أقول: قريب منه ما عن البيهقي في شعب الإيمان و ما عن أهل البيت عليهم السّلام في كتب الأحاديث، و من مات على الشرك فقد حرّم اللّه عليه الجنّة، فلا يغفر له و أما الذي بينه و بين ربّه- كترك بعض الواجبات- فإن شاء غفر له و إن شاء عذّبه، و تشمله الشفاعة أيضا، و أما ظلم العباد بعضهم بعضا فإنّه لا يترك لما يترتّب عليه من الحقوق التي لا بد من استرضاء صاحب الحقّ كما فصّلناه في الفقه.
و عن الصدوق في الفقه: عن ثوير، عن أبيه، عن علي عليه السّلام قال: «ما في القرآن آية أحبّ إليّ من قوله عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ».
أقول: لأنّ غفرانه تعالى المذنبين من أجلى مظاهر رحمته التي سبقت كلّ شي‏ء.
و عن ابن مسعود قال: «أربع آيات في كتاب اللّه عزّ و جلّ أحبّ إليّ من حمر النعم و سودها، في سورة النساء قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، و قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، و قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، و قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً».
أقول: هذه الآيات كلّها تشير إلى أمر واحد، و هو العفو عن السيئات الصادرة عن المذنبين و رفع درجات المحسنين، و تقدّم أنّ ذلك من أجلى مظاهر رحمته.
و في الفقيه بإسناده عن زيد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السّلام، قال: «المؤمن‏ على أي حال مات، و في أي يوم مات و ساعة قبض، فهو صدّيق شهيد، لقد سمعت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: لو أنّ المؤمن خرج من الدنيا و عليه مثل ذنوب أهل الأرض، لكان الموت كفّارة لتلك الذنوب، ثم قال: من قال: لا إله إلا اللّه بإخلاص، فهو بري‏ء من الشرك، و من خرج من الدنيا لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنّة، ثم تلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- الحديث».
أقول: إنّ أسباب التكفير مع حفظ الإيمان حين الخروج من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة كثيرة، منها سكرات الموت، و منها دعاء المؤمنين و الصلحاء له، و منها الصدقة الجارية و ذكر الخير، و منها الشفاعة، و تقدّم قوله تعالى كما عن نبيّنا الأعظم: «اغفر و لا ابالي»، و يبيّن ذلك ذيل الآية المباركة.
و في المجمع: عن الكلبي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، نزلت في المشركين وحشي و أصحابه، و ذلك أنّه لما قتل حمزة، و كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك، فلما قدم مكّة ندم على صنيعه هو و أصحابه، فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّا قد ندمنا على الذي صنعناه، و ليس يمنعنا عن الإسلام إلا إنّا سمعناك تقول و أنت بمكة:
وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ، و قد دعونا مع اللّه إلها آخر و قتلنا النفس التي حرّم اللّه إلا بالحقّ و زنينا، فلو لا هذه لاتبعناك، فنزلت الآية: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً، فبعث بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى وحشي و أصحابه، فلما قرءوهما كتبوا إليه: هذا الشرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، فبعث بها إليهم فقرؤها فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزلت: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فبعث بها إليهم، فلما قرؤها دخل هو و أصحابه في الإسلام و رجعوا إلى رسول اللّه، فقبل منهم، ثم قال لوحشي: اخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال: و يحك غيّب شخصك عني، فلحق وحشي بعد ذلك بالشام و كان بها إلى أن مات».
أقول: على فرض صحّة الرواية أنّها تدلّ على شقاء الوحشي و أصحابه و أنّهم كانوا بعيدين كلّ البعد عن الفطرة الإنسانيّة و المعارف الإلهيّة، و أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذي هو رحمة للعالمين أراد أن يستنقذهم من المهالك و يقرّبهم إلى الفطرة المستقيمة و ما فيه نجاتهم، فأبوا ذلك، فأضمروا شقاءهم و أسلموا إسلاما ظاهريا لحقن دمائهم، و إنّ الآيات المباركة لم تنزل في حقّ وحشي و أصحابه، و إنّما هو من باب التطبيق و سرد الحجّة، و قد ذكر في بعض التواريخ أنّه سكن حمص إحدى مدن الشام و مات فيها، و كان مدمن الخمر.
و في المجمع: روى مطرف بن شخير عن عمر بن الخطاب قال: «كنّا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا مات الرجل منّا على كبيرة، شهدنا بأنّه من أهل النّار حتّى نزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، فأمسكنا عن الشهادات.
أقول: أمثال هذه الرواية كثيرة، و تقدّم في بحث الشفاعة أنّ من مات على كبيرة لا يكون من أهل النّار؛ لأنّ أسباب التكفير كثيرة حتّى بعد الموت، و أما لو مات على الشرك، فإنّه لا يغفر له بمقتضى هذه الآيات المباركة و غيرها من الآيات الشريفة.
و في تفسير العياشي: عن أبي العباس قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أدنى ما يكون به الإنسان مشركا؟ قال: من ابتدع وليّا (رأيا) فأحبّ عليه و أبغض».
أقول: يستفاد من هذه الرواية و أمثالها أنّ للشرك مراتب متفاوتة جدّا، كالإيمان، و أن أدناها ما ذكر فيها من الحبّ و البغض باعتبار الولاية.

ليس بين الآيات المباركة التي تدلّ على شي‏ء واحد أو تهدف أمرا معنويّا خاصّا أو تثبت حكما أو ما يتعلّق بعالم الدنيا أو الآخرة، أيّ تناف و تضاد، كما تقدّم في أحد مباحثنا السابقة.
و ربّما يتوهّم التنافي بين هذه الآية الشريفة: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، و بين قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، باعتبار أنّه عزّ و جلّ جعل السبب في التكفير عن السيئات الاجتناب عن الكبائر، و أما الآية الكريمة التي تقدّم تفسيرها فإنّها تجعل الإعراض عن الشرك موجبا لغفران ما دون ذلك، سواء كان كبيرة أم غيرها.
إلا أنّ التعمّق في الآيتين المباركتين يكشف أنّ آية اجتناب الكبائر تجعل من أسباب التكفير عن الخطايا و الذنوب الصغائر، اجتناب الكبائر، و آية نفي الغفران عن الشرك تدلّ على أنّ اللّه تعالى يغفر ما دون الشرك، و لم يبيّن عزّ و جلّ طرق الغفران و أسبابه، فهي من هذه الجهة مجملة ترفع إجمالها الآيات الاخرى التي تبيّن أسباب الغفران، كآية اجتناب الكبائر، و الآية التي تثبت الشفاعة لأهل الشفاعة، و الآية التي تدلّ على استغفار الملائكة لأهل الإيمان و أنّ الأعمال الصالحة تكفّر السيئات، و غير ذلك ممّا ورد في القرآن الكريم و السنّة الشريفة، فاللّه جلّ شأنه يغفر ما دون الشرك بأسبابه الخاصّة المعروفة، و أما الشرك فلا تؤثّر تلك الأسباب فيه مطلقا. مضافا إلى أنّ الشرك من أكبر الكبائر، و أنّ اجتنابه يوجب التكفير عن مطلق السيئات أيضا، فعلى أي حال لا تنافي بين الآيات الشريفة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"