1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآية 43

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤۳)


الآية الشريفة تذكر أهمّ شعيرة من شعائر الإسلام، و هي الصلاة و ما يتعلّق بها من الغسل و التيمم، و تتجلّى أهميّة هذه الشعيرة ذكرها في المقام بين جملة من الآيات التي أمرت بعبادة الإله الواحد الأحد، و الإنفاق في سبيله، و التنديد بأعداء لا إله إلا اللّه من اليهود و النصارى و المشركين و المنافقين، حيث صوّرت حالهم في الدنيا و خسرانهم في الآخرة، ثم يذكر عزّ و جلّ في الآيات اللاحقة أحوال اليهود و طباعهم، فتتجلّى أهمية هذه الآية المباركة من بين هذه الآيات المترابطة المتّحدة في السياق.
و من دأب القرآن الكريم أنّه إذا كان أمر بمكان من أهمية أن يذكره في ضمن آيات مترابطة المضمون و متّحدة في السياق، و يدسّه فيه ليتوجّه ذهن السامع إليه و يجلب مشاعره، و مثل ذلك كثير.
على أنّ القرآن إنّما نزل لتكميل الإنسان و هدايته إلى الطريق المستقيم، و قد ذكر عزّ و جلّ جملة من الأمور التي لها ارتباط بذلك.
و في هذه الآية الشريفة ذكر أمرا آخرا منها، و عقّب بالأمر بعبادة اللّه الواحد و نبذ الشرك بهذه الآية، لبيان أنّ هذه العبادة إنّما تتحقّق في هذه الشعيرة و ما يشرّعه عزّ و جلّ، لا ما يصنعه الإنسان من عند نفسه.
و قد تضمّنت الآية المباركة أحكام الجنابة و الغسل و رخصة التيمم للمريض و في السفر، و في حالة عدم وجدان الماء، و هي بجملتها لها ارتباط بشعيرة الصلاة و التوجّه إلى عبادة اللّه تعالى بالتطهير من الخبائث و ما يوجب البعد عن مقام الأحديّة عند الوقوف بين يديه عزّ و جلّ، ليكون وسيلة للابتعاد عن أهوال يوم القيامة- ذلك اليوم الذي يتمنّى الكافر أن يسوى مع الأرض- و التقرّب إليه سبحانه و تعالى.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكرنا مرارا أنّ الخطابات القرآنيّة عامّة تشمل جميع أفراد الناس الموجودين حال الخطاب و غيرهم، كما أنّها تعمّ المؤمنين و غيرهم، إلا إذا دلّ على التخصيص، و هو مفقود في المقام.
و إنّما خصّ عزّ و جلّ المؤمنين تشريفا لهم بالأهليّة للخطاب الربوبيّ، و هم الفائزون بشرف العمل به. و للإرشاد بأنّ العمل بهذه التكاليف يوجب الاتصاف بصفة الإيمان.
و ذكر بعضهم: أنّ الخطاب في المقام إنّما هو للمؤمنين السكارى، و هم لا يعون الخطاب، فيكون مثل هذا دليلا على جواز التكليف المحال، و لكن فساد ذلك واضح، فإنّ الخطاب لا يستلزم وجود السكارى حاله، لما ثبت في الأصول أنّ صحّة الخطاب لا تدور مدار وجود المخاطبين، و لذا صحّ خطاب المعدومين و فاقدي الأهليّة و الشروط، فراجع (تهذيب الأصول).
و كيف كان، فهذا الخطاب المبدوء بحرف النداء و التنبيه يدلّ على أهميّة الحكم.
قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏.
القرب معروف، و هو الدنو من الشي‏ء مقابل البعد، فهما يستعملان في الزمان و المكان، و في النسبة و القدرة و الرعاية و غيرها، قال تعالى: اقْتَرَبَ‏ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [سورة الأنبياء، الآية: 1]، و قال تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [سورة الأحزاب، الآية: ٦۳]، و قال تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [سورة التوبة، الآية: 28]، و قال تعالى: وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ [سورة النساء، الآية: 8]، و قال تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [سورة ق، الآية: ۱٦]، و قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [سورة الأعراف، الآية: ٥٦].
و قرب العبد من اللّه تعالى قرب روحانيّ، لا قرب جسمانيّ و لا مكانيّ؛ لأنّ ذلك من صفات الأجسام و اللّه جلّ شأنه يتعالى عن ذلك و يتقدّس، كما أنّ قرب اللّه إلى العبد هو بالإفضال و الفيض عليه من مواهبه و ألطافه و الإحسان إليه و ترادف مننه عليه، و في الحديث: «أن موسى عليه السّلام قال: إلهي أ قريب أنت فأناجيك؟ أم بعيد أنت فأناديك؟ فقال: لو قدرت لك البعد لما انتهيت إليه، و لو قدرت لك القرب لما اقتدرت عليه»، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله فيما ذكر عن اللّه تعالى في القدسيات: «من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا»، و قوله تعالى: «ما تقرّب إليّ عبد بمثل أداء ما افترضت عليه، و أنّه ليتقرّب إليّ بعد ذلك بالنوافل حتّى احبّه»، و معنى حبّه إزالة الأوساخ عنه و تحلّية بأكمل الصفات و أجلّها، و في الحديث: «صفة هذه الامة في التوراة قربانهم دمائهم»، أي: يتقرّبون إلى اللّه تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، و في مرضاته جلّت عظمته.
و لا تقربوا (بفتح الراء) بمعنى لا تلبسوا بالصلاة، و (بضم الراء) بمعنى لا تدنوا، و الظاهر أنّهما متلازمان، و مثل هذا التعبير معروف في القرآن الكريم، و إنّما أتي به للتأكيد على احترام الصلاة و الاجتناب عنها في حال السكر بعدم القرب منها.
و النهي عن الصلاة في تلك الحال مستلزم للنهي عن مقدّماتها و مواضع الصلاة؛ لأنّه من أنحاء القرب منها، فإنّ القرب من الرحمن إنّما يكون بها. و حالة السكر دنوّ إلى الشيطان، فلا يمكن الجمع بينهما.
و الصلاة: هي الشعيرة المعروفة في الإسلام و من العبادات التي لم تنفكّ شريعة منها، و إن اختلفت صورها و شرائطها حسب شرع دون آخر، و قد اهتمّ بها الإسلام اهتماما بليغا و حثّ على إقامتها.
و سكارى: (بضم السين) جمع السكران، مثل كسالى و كسلان، و السكر خلاف الصحو، و هو حالة تعتري على الإنسان تفصل بين المرء و عقله، فتعبث بشعوره و يخرجه عن الاستقامة الطبيعيّة، فلا يعلم ما يقول، كما ورد في قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.
و قد يكون السكر من الهوى و العشق، و الأكثر ما يعتري على الإنسان من الشراب المخصوص المعتصر من العنب و غيره، قال الشاعر:
سكران سكر هوى و سكر مدام كما يعترى على الإنسان من شدّة النعاس و هو سكر النوم، و للسكر مراتب مختلفة شدّة و ضعفا، و كذا في سكرات الموت، قال تعالى: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [سورة ق، الآية: 19].
و المراد به في المقام هو المعنى العامّ، و هي الحالة التي تستولي على الحواس الموجبة لعدم معرفة ما يقول- كما يدلّ عليه بعض الروايات كما يأتي- فإنّ المصلّي لا بد له من حفظ صورة الصلاة و الالتفات إليها ليصونها عن الاختلاط في أفعالها و أقوالها و الذهول عنها، و هذا يستلزم أن يكون صحوا ذو التفات و شعور، كما يدلّ عليه ذيل الآية الشريفة، و يؤيّد ذلك‏ ما ورد عن الصادق عليه السّلام: «من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما، انصرف و ليس بينه و بين اللّه عزّ و جلّ ذنب له إلا غفر له».
و على هذا، يشمل سكر النوم و السكر الحاصل من شرب الخمر بطريق أولى، فيكون نهيا عن الصلاة كسالى و في حالة الغفلة و الذهول. و قال بعضهم: إنّه يختصّ بالسكر الحاصل من الخمر؛ لكثرة الاستعمال فيه.
و فيه: أنّ كثرة الاستعمال لا تمنع من إرادة المعنى العامّ، خصوصا بملاحظة عموم التعليل حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.
و على هذا، يظهر فساد القول بأنّ الآية الكريمة نزلت لتحريم الخمر في حالة خاصّة و هي الصلاة؛ لأنّ الخمر كانت من الأمور المتفشّية في المجتمع الجاهلي و في عصر نزول القرآن، و كانت ما تزال عالقة بقلوب بعض المؤمنين، و في مثل ذلك يحتاج إلى تدرّج طويل حتّى تمحى من النفوس.
و لكن ذلك تطويل بلا طائل تحته، إذ كم كانت من العادات السيئة العالقة في النفوس المستحكمة فيها قد ورد النهي الصريح عنها بلا إمهال و تدرّج، منها قضية الألوهيّة و الأخلاق الفاسدة و نكاح الأمهات و الربا، إلى غير ذلك من العادات السيئة و الصفات الذميمة، و الخمر أيضا كذلك، إلا أن يكون الخمر مختلفا عن غيرها، كما قاله بعضهم (من أنّ الخمر عادة نفسيّة و جسديّة و اجتماعيّة)، و لكن ذلك لا يكون سببا للفرق، فإنّ الكذب و سائر الفواحش أيضا كذلك إذا شاعت في المجتمع، و إنّما ورد النهي المكرّر عن الخمر بالخصوص؛ لأنّها ام الخبائث و السبب في إشاعة الفحشاء، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [سورة البقرة، الآية: 219] فراجع. و قد تكلّف بعض المفسّرين في تنظيم الآيات المباركة الواردة في الخمر و ربط بعضها ببعض.
و من ذلك يظهر بطلان ما ورد في شأن نزول هذه الآية الشريفة، خصوصا الروايات المدسوسة المزيّفة، و قد تكلّف مؤنة الردّ عليها شيخنا البلاغي قدس سرّه في تفسيره (آلاء الرحمن)، فراجع.
ثم إنّ بعض المفسّرين ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏، مواضع الصلاة. أما بحذف المضاف، أو بارتكاب المجاز تسمية المحلّ باسم الحال، لكثرة وقوعها في المساجد، أو سمّي المسجد بذلك‏ تقريبا، كتسمية اليهود موضع عباداتهم «صلاة»، كما في قوله تعالى: وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ [سورة الحج، الآية: ٤۰]، بقرينة قوله تعالى: وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، و المقتضي لهذا التجوّز قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، فإنّه لو قال: (لا تقربوا المسجد و أنتم سكارى)، لم يستقم التعليل، أو أفاد فائدة اخرى غير مقصودة، و لخلوه عن شائبة التكرار.
و فيه: أنّه خلاف ظاهر اللفظ، مع أنّه يستلزم أن يكون الأحكام الآتية للمسجد، و هو مضافا إلى كونه بعيدا في نفسه، يلزم النهي عن دخول الذي يجي‏ء من الغائط إلى المساجد حتّى يطهّر بالماء، أو التراب إن لم يجد الماء، و هو خلاف الإجماع، فالمراد بالصلاة هي الشعيرة كما عرفت، فيكون النهي عن اجتنابها باجتناب القرب إليها، و من أنحاء القرب دخول المساجد.
و قوّى بعض العلماء من أصحابنا أن تكون الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ على معناها الحقيقي، و في قوله تعالى: وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ على معناه المجازي، أي: مواضعها، و عدّ ذلك من باب الاستخدام المعروف في العلوم الأدبيّة، فإنّه عزّ و جلّ استخدم لفظ الصلاة لمعنيين، أحدهما إقامة الصلاة، بقرينة قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، و الآخر مواضع الصلاة بقرينه قوله: وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ.
و هذا الاحتمال و إن كان لا بأس به إلا أنّه خلاف الاستخدام المعروف في العلوم الأدبيّة، فإنّ الاستخدام هو أن يؤتى بلفظ له معنيان حقيقيان أو مجازيان أو مختلفان يراد به أحدهما، و من الضمير العائد إليه المعنى الآخر، أو يعاد إليه ضميران، يراد من الثاني غير المعنى الذي أريد من الأوّل، و ما ذكره من الاستخدام غيره كما هو واضح. يضاف إلى ذلك أنّه خلاف ظاهر الآية المباركة، فالحقّ ما ذكرناه.
و الآية الشريفة بإيجازها البليغ تضمّنت النهي عن الصلاة حال السكر و تأثير النوم أو الخمر في الإنسان، بحيث أوجب إذهاب الحالة الاعتياديّة عنه كما تضمّنت حكم الدخول في المساجد حال السكر و حال الجنابة؛ لأنّ النهي عن قربان الصلاة يستلزم النهي عن دخول المسجد؛ لأنّه من أنحاء القرب.
قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.
تعليل للنهي و غايته، و بيان لمعنى السكر أيضا. أي: إنّما نهيتهم عن الصلاة في هذه الحالة؛ لأنّ السكران لا يعلم ما يقول، فإنّكم في حال الصلاة تواجهون مقام الكبرياء و العظمة، و تخاطبون الربّ الرؤف و الصلاة إنّما يطلب بها التقرّب و الطاعة، فلا بد من حفظ حدودها و التدبّر في أفعالها و أقوالها و أذكارها، و الإقبال بها مع الخضوع و الخشوع و التوسّل بها، لرفع الدرجات و قضاء الحوائج، فكيف يؤتى بها مع السكر و الطيش و الذهول و الغفلة و ما يوجب بطلان القول، فلا تعلمون ما تقولون في حالة السكر، فلا يصلح لكم أن تقربوا بشي‏ء من الصلاة أو مطلق العبادات في حالة السكر، و النهي عن قرب الصلاة يلازم النهي عن مواضعها، فإنّه من أنحاء القرب كما عرفت، و أنّ ذلك من تعظيم شعائر اللّه تعالى.
و الآية الشريفة تعليل للنهي عن مقاربة ما يوجب السكر، سواء كان نوما أم خمرا، بحيث يبقى أثره حين دخول الصلاة، فلا يعي ما يقول، و النهي مغيى ب: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، و إنّما ذكر عزّ و جلّ: ما تَقُولُونَ ليشمل أقوال الصلاة من القراءة و الذكر و غيرها.
قوله تعالى: وَ لا جُنُباً.
عطف على محلّ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏، أي: سكرانين، على ما سيأتي في البحث الأدبي، و الجنب من أصابته الجنابة. و الاسم الجنابة، و هي في الأصل البعد، و يستوي فيها المذكّر و المؤنّث و المفرد و التثنية و الجمع؛ لجريانه مجرى المصدر، كالبعد و القرب. و قد ذكر بعض أهل اللغة أنّه يثنى و يجمع، فيقال: جنبان‏ و أجناب و جنوب. و هو من المجانبة، أي: المباعدة، كما عرفت في قوله تعالى: وَ الْجارِ الْجُنُبِ. و الجنابة في الشرع تحصل بالجماع، سواء خرج مني أم لا، و بخروج المني سواء كان بالدخول أم بغيره، و لها أحكام كثيرة مذكورة في الكتب الفقهيّة، فراجع (مهذب الأحكام)، و في الحديث: «إنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه جنب»، و لعلّ المراد منه: من يترك الغسل و يكون أكثر أوقاته جنبا، و هذا يدلّ على قلّة دينه، و المراد من الملائكة غير الحفظة، أي: ملائكة الرحمة و الخير.
و تكرار النهي وَ لا جُنُباً لبيان أنّ المنهي كلّ واحد من الحالين لا مجموعهما، و النهي عن الصلاة في حال الجنابة مغيّى إلى الغسل، أي: لا تقربوا الصلاة حتّى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين و لم تجدوا ماء في السفر فتيمّموا.
قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ.
مادة (عبر) تدلّ على المرور و التجاوز من حال إلى حال، يقال: عبرت الطريق إذا جاوزته و قطعته من جانب إلى جانب، و المعبر ما يعبر به أو عليه من سفينة أو قنطرة و نحوها.
و السبيل: الطريق، و عابر السبيل مار الطريق، و قد يراد به المسافر، و الاستثناء من عموم أحوال المصلّين و انتصابه على الحال.
و قد اختلفوا في المراد من الآية الشريفة على أقوال:
الأول: أنّ المراد منها المسافر، أي: لا تقربوا الصلاة جنبا في عامّة الأحوال حتّى تغتسلوا، إلا إذا كنتم مسافرين و أصابتكم الجنابة، فإن لم تجدوا ماء فتيمّموا، و نسب هذا القول في المجمع إلى عليّ عليه السّلام و ابن عباس، و هذه النسبة لم نجدها في أحاديث الإماميّة إلا ما رواه في الدرّ المنثور عن علي عليه السّلام. و يضعف هذا القول- مضافا إلى أنّه يستلزم التكرار، فإنّه تعالى بيّن حكم الجنب العادم للماء في آخر الآية المباركة- أنّ تخصيص الاستثناء بالسفر يحتاج إلى دليل و هو مفقود، فإنّ ظاهر عبور السبيل هو الأعمّ من السفر، بل و حمله عليه بعيد عن سياق الآية الشريفة.
الثاني: المراد من الاستثناء هو المرور في المسجد، أي: لا تقربوا الصلاة جنبا في المساجد و غيرها، و لا يجوز دخول الجنب المساجد إلا عابر السبيل، أي: مارّا بها، فيستفاد منه جواز عبور الجنب في المساجد و حرمة لبثه فيها، و ذهب إلى هذا القول جمع كثير، و يدلّ عليه جملة من الروايات- كما سيأتي نقلها في البحث الروائي- و إنّ المتبادر من ظاهر الآية الشريفة النهي عن قرب الصلاة، و من مناهي القرب هو الدخول في المسجد لشدّة ارتباط الصلاة به، فالنهي عنها نهي عن الدخول في المساجد، فيدلّ الاستثناء على النهي عن الصلاة في حالة الجنابة بالمطابقة، و على النهي في الدخول في المساجد بالالتزام، و هذا الأسلوب شائع في القرآن الكريم.
و قد تقدّم أنّ بعض الأعلام حمل لفظ «الصلاة» في الآية الشريفة على ضرب من الاستخدام، فجعل لفظ الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ على المعنى الحقيقي، و في قوله تعالى: وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ على المعنى المجازي، أي: مواضع الصلاة.
الثالث: ذكر بعضهم أنّ «إلا» في الآية المباركة تحمل على الوصفيّة، لتكون بمعنى (غير) صفة لجنبا، أي: جنبا غير عابري سبيل، بأن يكونوا لابثين، فيكون المنهي عنه- و هو قرب الصلاة في حالة الجنابة- مقيّدا بالإقامة، فيستفاد منه أنّ قربانها حال الجنابة مع عدم الاقامة غير منهي عنه.
و يردّ عليه أنّ الحمل على الوصفيّة إنّما يصحّ إذا تعذّر الحمل على الاستثناء، و لا تعذّر هنا، لعموم النكرة في سياق النهي.
قوله تعالى: حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا.
غاية للنهي عن قربان الصلاة حال الجنابة. و المراد بالاغتسال هو غسل‏ الجنابة بالشروط المعروفة المذكورة في كتب الفقه، أي: لا تقربوا الصلاة جنبا حتّى تغتسلوا، إلا أن تكونوا عابري سبيل.
و إنّما قدم لبيان أنّ الحكم حال الجنابة ليس على الإطلاق، كما في صورة السكر، و للإعلام بكفاية الاغتسال في الدخول في الصلاة و في المساجد.
قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏.
تفصيل بعد إجمال في الاستثناء، و بيان الحكم لأصحاب الأعذار بعد ذكر حكم الواجدين للشرائط، فشرّع اللّه تبارك و تعالى الطهارة الترابية (التيمم) في الحدث الأكبر و الأصغر لإباحة الدخول في الصلاة بدلا عن الطهارة المائيّة.
و المرض: معروف، و هو خروج الجسم أو المزاج عن الاعتدال، و هو على قسمين:
الأول: المرض الجسمي، أي: العارض على الجسم أو المزاج، كما في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [سورة البقرة، الآية: ۱۸٤]، و قوله تعالى: وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [سورة النور، الآية: ٦۱].
الثاني: ما يخصّ القلب و يستقر فيه، كالجهل و الجبن و البخل و النفاق و غيرها من الرذائل الخلقية و الصفات السيئة المانعة عن ادراك الفضائل و تحصيل السعادة الدنيويّة و الاخرويّة، كالمرض الجسمي المانع عن التصرّفات و الأعمال التي تستقر الحياة عليها، قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [سورة البقرة، الآية: 10]، و قيّد هذا القسم في القرآن الكريم بالقلب دائما، لاستقراره فيه كما مرّ، و أما قوله تعالى: وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [سورة الشعراء، الآية: 80]، فهو في غير المعصومين أعمّ من المرض الجسمي و القلبي، و فيهم يختصّ بالجسمي فقط.
و المنساق من الآية الكريمة هو القسم الأوّل منه، و إطلاقها يشمل كلّ مرض، إلا أنّه مقيّد بالمرض الذي يمنع من استعمال الماء معه، إما لأنّه يوجب‏ شدّة المرض أو زيادته أو بطء البرء منه، أو ما يكون سببا للعجز عن تحصيل الماء.
و بعبارة اخرى: ما يكون موجبا للمنع من استعمال الماء، إما بتعذّر استعماله، أو بتعذّر الوصول إليه.
و أما المرض اليسير الذي ليس فيه كلفة و لا مشقّة، و لا يكون سببا للحرج كالصداع و وجع السنّ و نحوهما، فلا يكون عذرا، و التفصيل مذكور في كتب الفقه، فراجع كتابنا (مهذب الأحكام).
قوله تعالى: أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ.
أي: و إن كنتم على سفر، و المراد به المعنى اللغوي، و إطلاقه أيضا يشمل كلّ سفر قصير أو طويل، سفر معصية كان أم طاعة، و لكن التنكير فيه يوجب تقييده بالسفر الذي لا يحصل لكم فيه الماء، فإنّ الغالب عدم وجدان الماء في السفر، و يدلّ عليه أيضا هذا التعبير: (على سفر) بدلا عن مسافرين و نحوه، فإنّ الأول أوضح في المقصود.
قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ.
عذر آخر من الأعذار المبيحة للطهارة الترابيّة، و حالة اخرى مقتضية لها، و هي حصول الحدث الأصغر.
و الغائط: الموضع المنخفض و المطمئن من الأرض، و يقصد عند قضاء الحاجة و التخلّي، لأنّه استر له، و صار اللفظ كناية عن الحدث الأصغر الخارج عن أحد السبيلين، و المجي‏ء من الغائط، كناية عن حصول الحدث.
و في التعبير ب: أَحَدٌ على التنكير و الإبهام، إيماء بأن الإنسان يتفرّد عند قضاء الحاجة، و هذا من أدب القرآن الكريم حفظا للحشمة.
و لا يختصّ هذا العذر أو الحالة بالسفر أو بالحضر، بل يشمل كلا الحالين، و لذا قال بعضهم إن أَوْ هنا بمعنى الواو، و لكن الظاهر أنّه بمعنى التقسيم و التنويع لبيان مطلق الأعذار و الأحداث.
قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ.
المسّ في القرآن الكريم يكنّى به عن الجماع مطلقا، أو ما يستهجن التصريح به، و لذا قال بعضهم: إنّه كناية عن الحدث الأكبر.
و المسّ و اللمس بمعنى واحد إلا أنّ الثاني أقرب في الكناية عن الجماع، لأنّ الملامسة مفاعلة من اللمس بقصد الإحساس و التلذّذ في مباشرة الرجل و المرأة.
و ذكر هذا بعد الجنابة من باب النصّ بالخاصّ بعد العموم، لبيان أنّ الجنابة الاختياريّة الحاصلة من مقاربة النساء، كالجنابة غير الاختياريّة، توجب الرخصة للتيمم، فلا يتوهّم أحد بعدم الدخول فيه.
قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً.
عطف على وَ إِنْ كُنْتُمْ، لبيان أنّ السبب في الجميع هو عدم التمكّن من الطهارة بالماء، سواء عدم أو وجد و لم يتمكّن من استعماله، فإنّ الممنوع عنه كفاقده، فهو غير موجود بالنسبة إليه.
و المعنى: إن لم تجدوا ماء لتستعملوه في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر فتيمّموا. و احتمل بعضهم أن يكون المراد من عدم الوجدان فقده، لا ما يشمل عدم التمكّن من استعماله للتبادر، و يدخل فيه بعض أفراد المريض الذي يكون ممنوعا عن استعمال الماء.
و لعلّ التعبير بالفاء للإشعار بالتعميم و إيماء إلى أنّ المعتبر في عدم الوجدان إنّما هو بعد حصول هذه الأسباب.
قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
جواب الشرط في قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏، و مادة (ي م م) تدلّ على القصد، يقال: تيمّمت الشي‏ء قصدته، و تيمّمته برمحي و سهمي، أي: قصدته دون من سواه، قال الأعمش:
تيممت قيسا و كم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن‏

و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ثلاثة موارد، أحدها المقام، و مثله في آية (٦) من سورة المائدة، و الثالثة في سورة البقرة، قال تعالى: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [سورة البقرة، الآية: ۲٦۷]، و في الشرع هو اسم للطهارة الترابيّة المعروفة- أي: ضرب الكفّين على الأرض و مسح الوجه بها و اليدين- لاستباحة الدخول في ما هو مشروط بالطهارة، تقرّبا إليه تعالى.
و مادة (ص ع د) تدلّ على الارتفاع و العلو، و منه وجه الأرض، لأنّه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، أو لصعوده و ارتفاعه فوق الأرض، فيشمل التراب و الحجر، قال تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً [سورة الكهف، الآية: ٤۰]، أي: أرضا ملساء، و قال تعالى: وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [سورة الكهف، الآية: 8]، أي: أرضا غليظة لا نبت عليهان‏ و في الحديث: «يحشر الناس في صعيد واحد»، أي: في أرض واحدة ملساء لا نبت فيها.
و نقل عن الزجاج أنّه قال: «لا اعلم خلافا بين أهل اللغة في أنّ الصعيد وجه الأرض، سواء كان عليه تراب أو لم يكن»، و نقل المحقّق في المعتبر عن الخليل عن ابن الأعرابي ذلك أيضا، و يدلّ عليه أيضا الحديث المعروف بين المسلمين عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا»، و المراد به هو وجه الأرض، فلا يشمل المعادن و غيرها، و المسألة محرّرة في كتب الفقه، فراجع (مهذب الأحكام).
و جمع الصعيد صعدات، كطريق و طرقات، و قيل: صعد، كطريق و طرق، و في الحديث: «إياكم و القعود بالصعدات»، و هي فناء باب الدار و ممرّ الناس.
و الطيب معروف، و هو الخالص عمّا يستخبث و يكره، أي: ما تستلذّه النفس أو الحواس، و قد وردت هذه الكلمة في ما يزيد على خمسين موردا في القرآن الكريم، قال تعالى: وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [سورة الأعراف، الآية: ٥۸]، و قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ‏ يَرْفَعُهُ [سورة فاطر، الآية: 10]، و قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [سورة آل عمران، الآية: 179]، و غير ذلك من الآيات الشريفة، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله في شأن عمّار ابن ياسر: «مرحبا بالطيب المطيب»، أي: الخالص من ظلمات الجهل و الفسق و قبائح الأعمال و المتحلّي بالعلم و الإيمان و محاسن الأعمال، كما قال تعالى: طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [سورة الزمر، الآية: 73].
و المراد به في المقام الطاهر و الحلال، كما فصّل في الكتب الفقهيّة.
و المعنى: فاقصدوا شيئا من الصعيد طاهرا حلالا، خاليا عمّا يستخبث و يستقذر.
قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ.
بيان للتميم الشرعي، و المسح عبارة اخرى عن جرّ اليد على الممسوح، و الأيدي جمع يد، و تطلق على جميعها و على بعضها كما في المقام.
و يستفاد من هذه الآية المباركة امور:
الأول: النيّة لما يستفاد من لفظ التيمم الدالّ على القصد، و يدلّ عليه‏ قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إنّما الأعمال بالنيّات».
الثاني: وضع اليدين معا على ما يصحّ التيمم عليه، لإطلاق الآية الشريفة، و تدلّ عليه بعض الروايات.
و قيل: إنّه يعتبر الوضع المشتمل على الاعتماد؛ لأنّ المستفاد من الضرب الوارد في الروايات ذلك، و يدلّ عليه بعض الروايات أيضا، و يمكن تقييد إطلاق الآية الكريمة بها.
و لا يشترط العلوق لإطلاق الآية الشريفة و خلوها عن التقييد، و أما قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ [سورة المائدة، الآية: ٦]، فهو و إن وردت فيه لفظة (من)، لكنّها ابتدائيّة لا تبعيضيّة، و يمكن إرجاع الضمير في (منه) إلى التيمم المستفاد من سوق الكلام.
الثالث: أنّ الماسح هما اليدان؛ لأنّ المستفاد من المسح أن يكون ماسح و ممسوح، و لما ورد الممسوح في الآية المباركة، فالماسح هو باطن الكفّين.
الرابع: أنّ الممسوح هما الوجه و اليدان؛ لأنّ التيمم قائم مقام الوضوء، فإذا وضع الشارع الوضوء عن صاحب الأعذار المعروفة المتقدّمة، أثبت بعض الغسل مسحا.
الخامس: أن يكون المسح ببعض الوجوه و الأيدي لمكان الباء.
السادس: أن يكون مسح اليدين على ظاهر الكفّين وحدّهما الزندين، لدلالة ظاهر الآية الشريفة، و تدلّ عليه بعض الروايات.
السابع: الترتيب بين الضرب على الأرض ثم مسح الوجه ثم اليمنى و بعده اليسرى، و يدلّ عليه سياق الآية الشريفة الدالّ على الترتيب، كما تدلّ عليه ظواهر النصوص أيضا.
الثامن: الموالاة، و هي المتابعة بين الأفعال الظاهر الآية الشريفة.
التاسع: كفاية التيمم عن الوضوء و جميع الأغسال، و أنّه يستباح به كلّما يستباح بالطهارة المائيّة، لمكان البدليّة بينهما، و في الحديث: «ربّ الصعيد ربّ الماء».
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً.
تعليل لما ورد من التكاليف و تقرير للترخيص و التسهيل فيها، أي: أنّ اللّه تعالى كثير الصفح و التجاوز، كثير المغفرة و الستر على ذنوب عباده، فهو الرحيم ذو الفضل عليكم الميسّر لكم حين أجاز لكم التراب مكان الماء، فلم يشدّد عليكم كما شدّد على غيركم من الأمم السابقة.

قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ، أبلغ من أن تقول: «لا تصلّوا» و غيره، لأنّه يشمل الغشيان و التلبّس بالفعل و جميع أنحاء القرب و الدنو منه، و منها الدخول في مواضع الصلاة و مقدّماتها كما عرفت في التفسير، و قد ورد مثل هذه العبارة في غير المقام، مثل قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [سورة الاسراء، الآية: ۲٤]، و قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ [سورة الأنعام، الآية: ۱٥۱]، لبيان شدّة النكير و عظمة الأمر.
و قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ سُكارى‏، جملة اسميّة مركّبة من المبتدأ و الخبر حاليّة، و الواو فيها لبيان الحال، و إنّما أتي بالجملة الاسميّة في ضمن النهي حالا، استلفاتا إلى المنافاة للفعل المنهي عنه مع مضمون الكلام، و احتجاجا لحكمة النهي، فكأنّه قيل: إنّ الصلاة المطلوب فيها الطاعة و الإقبال بها على اللّه تعالى في الخضوع له عزّ و جلّ و التدبّر في أقوالها و أذكارها و التوسّل بدعائها، ينافي إتيانها مع السكر و ذهوله و غفلته، و نظير المقام قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: 22]، و قوله تعالى: وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [سورة البقرة، الآية: 187]، فإنّ المطلوب من الاعتكاف هو الانقطاع إلى اللّه تعالى في المساجد و الابتعاد عن التلذّذ، فينافي التلذّذ مباشرة النساء، و كذا قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ [سورة المائدة، الآية: ۹٥]، فإنّ الإحرام حبس النفس على الطاعة و ترويضها على الاجتناب عن المحرّمات، بل عن كثير من المباحات، فهو ينافي طلب الصيد و قتله؛ و لذا نرى أنّ هذه المنافاة لما كانت غير ظاهرة في الجنابة، و إنّما فرض‏ الشارع الطهارة في الصلاة تعبّدا، فاختلف التعبير في الموردين، فكان الحال مفردا في قوله تعالى: وَ لا جُنُباً، فالواو فيه عاطفة، و «لا» نافية، و إنّما أتى بها لبيان دخول الثاني في حيز النهي للإفادة بأن المنفي كلّ واحد من الحالين، لا مجموعهما.
و (عابري) في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ منصوب على الحاليّة قد حذف النون لأجل الإضافة، أي: لا يجوز لكم الدخول في المساجد إلا حال كونكم عابري سبيل و مجتازين فيها.
و تدلّ الجملة على مضمونها بالمطابقة، و على المستثنى منه بالالتزام.
و (لامستم) في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فعل ماضي، يلامس و لمس فعل ماضي يلمس.
و الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ مبالغة في الحشمة- و هو من أبدع الأساليب- كراهيّة إسناد ذلك إلى المخاطبين، يضاف إلى ذلك لفظ التغليب بقوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ، و هو من أحسن الكلام و أطيبه.
و الغائط مفرد، و جمعه غيطان أو أغواط، و في الحديث في قصة نوح عليه السّلام: «و انسدت ينابيع الغوط الأكبر و أبواب السماء»، و منه غوطة دمشق، و قرأ بعضهم (من الغيط) بفتح الغين و سكون الياء، و هو مصدر يغوط، و القياس أن يكون غوطا قلبت الواو ياء و سكنت و انفتح ما قبلها لخفتها.
و قيل: إنّه تخفيف غيط، كهين و هيّن.
و (صعيدا) في قوله تعالى: صَعِيداً طَيِّباً إما منصوب بنزع الخافض، أي: فتيمّموا بصعيد، أو على أنّه مفعول به.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل: يدلّ قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ على أنّ السبب في النهي عن قربان الصلاة جهتان، حدث النوم و سكره، و أنّكم لا تعلمون ما تقولون. و لا تقربوا المساجد التي هي مواضع الصلاة جنبا إلا مرورا.
و أما إذا كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فإن وجدتم الماء فتطهّروا بالطهارة المائيّة، و إن لم تجدوا فتيمّموا صعيدا طيبا، و قد شرحت السنّة الشريفة كيفيّة التيمم شرحا وافيا.
الثاني: يستفاد من الآية الشريفة مانعيّة حدث النوم و البول و الغائط و الجماع و الجنابة عن الصلاة، بأبلغ بيان و أخصره.
الثالث: يستفاد من قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ أنّ المراد بالكسر مطلق ما يوجب عدم الالتفات إلى الصلاة و الغفلة عنها، و لا اختصاص له بالسكر الاصطلاحي.
كما أنّ المراد من الصلاة مطلقها، واجبة كانت أو مندوبة.
الرابع: إنّما خصّ سبحانه و تعالى القول: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ؛ لأنّ أوّل ما يظهر عليه من آثار السكر هو القول، و أما الفعل فقد يحدث عن عادة مستمرة.
الخامس: يمكن أن يكون قوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ إرشادا إلى لزوم التطهير ظاهرا و باطنا، أي: تتطهّروا فتلتفتوا إلى ما تقولون.

الصلاة عبادة روحانيّة و تزكية نفسانيّة، و من أهمّ طرق المناجاة مع اللّه سبحانه و تعالى، و قد ورد في القرآن الكريم في فضلها الآيات الكثيرة، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٥]، و قال تعالى مخاطبا نبيّه الأعظم: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ [سورة إبراهيم، الآية: 31]، فلا بد لمن يريد التقرّب إلى مقام الحضور و المناجاة مع الحضرة الأحديّة أن يتنزّه عن كلّ ما يوجب البعد عنه عزّ و جلّ.
و الآية الشريفة التي تقدّم تفسيرها تشمل على الأجزاء الجامعة لها و الأسباب المانعة عنها، و بهما تتمّ الجهات و تتحقّق المقاصد، و لما كانت الصلاة معراج المؤمن، فلا بد أن تكون جامعة على جهات القرب و المحبوبيّة و منزّهة عن الجهات المانعة.
و من تلك الجهات المانعة هو السكر و الغفلة و التفكّر في الدنيا و حبّها، و كلّ ما يشغل القلب بسوى الربّ، فإنّ ذلك كلّها من الجهات المانعة و المبعدة عن ساحة الربّ الرؤوف الرحيم العالم بالأسرار و الخفايا. فالآية الكريمة تدلّ على كمال الاهتمام بالصلاة، حيث نهى عن قربانها مع أهمّ الجهات المانعة، و هي السكر و الغفلة.
ثم بيّن عزّ و جلّ أنّه لا بد من التنزّه عن القذارات الظاهريّة و المعنويّة و التطهير عنهما، و لا تجدون لذّة التقرّب و نعيم الحضور الا بالتطهير عنهما، إما بالغسل عن الأوساخ مع خلوص النيّة، أو الوضوء بما يوجب الصفاء و صدق الإرادة، أو بالتيمم من الأرض الطيبة البعيدة عن مساوئ الأخلاق و النزعات النفسانيّة، و إن كنتم مرضى بالانحراف عن الحقّ، أو على سفر في طلب الدنيا، أو جاء أحد منكم من غائط تتبع الهوى و النزعات النفسانيّة، أو لامستم النساء بملامستكم الأشغال الدنيويّة، و تباعدتم عن حظائر القدس بتوجيه قلبكم بالانس إلى غيره تعالى، فلم تجدوا ماء الحقيقة و صدق الإنابة، فتيمّموا بالانقطاع إليه و نبذ الصفات الدنيئة، فامسحوا بوجوهكم بالتوجّه إليه جلّ شأنه، و تمسّكوا بأيديكم بذيل كرمه، منقطعين إليه بعد نفض غبار الشهوة عن النفس و ترك الخصال السيئة، فإنّه يعفو عنكم بعد ما علم صدق إرادتكم بالرجوع إليه، و يغفر لكم بمحو آثار الشقوة عنكم، فإنّه رؤوف يريد سعادتكم، و لا تكونوا غافلين بسكر الدنيا عن الوصول إلى حضرته و الدنو من معرفته، فإنّه يتجلّى لعباده كما تجلّى لأنبيائه، و في الحديث الشريف: «إن اللّه تعالى يتجلّى لعباده في صورة معتقدهم، فيعرفه كلّ واحد من أهل الملل و المذهب، ثم يتحوّل عن تلك الصورة فيتجلّى في صورة اخرى، فلا يعرفه إلا الموحدون الواصلون إلى حضرة الأحديّة من كلّ باب»، و للحديث شرح لطيف لو ظفرت على أهله لذكرته له، و الحمد للّه على كلّ حال، و اشكره على ما ألمّ بي، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العليّ العظيم.

في الكافي بإسناده عن اسامة بن زيد الشحّام قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قول اللّه عزّ و جلّ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏، فقال: سكر النوم».
أقول: و مثلها روايات كثيرة متواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام، و في صحيح البخاري عن أنس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إذا أنعس أحدكم و هو يصلّي فلينصرف؛ فليتمّ حتّى يعلم ما يقول، و عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ قال: «النعاس»، لأنّ ذلك مانع عن حضور القلب الذي هو روح العبادة و التوجّه إلى المعبود، و تشمل سكر الخمر بطريق أولى.
العياشي في تفسيره عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا، فإنّها من خلل النفاق، فإنّ اللّه تعالى نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى، يعني: من النوم».
أقول: المراد من النفاق اختلاف القلب مع الجوارح، و عدم ميله و رغبته إلى العمل، فما ذكره عليه السّلام من الحالات تمنع عن توجّه القلب إليه تعالى.
نعم، للتوجّه مراتب كثيرة شدّة و ضعفا، يختلف عند الأشخاص حسب اختلاف معرفتهم و انقطاعهم إليه تعالى.
و في تفسير العياشي: عن الحلبي، عن الصادق عليه السّلام قال: «سألته عن قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏؟ يعني: سكر النوم، يقول: و بكم نعاس يمنعكم أن تعلموا ما تقولون في ركوعكم و سجودكم و تكبيركم، و ليس كما يصف كثير من الناس يزعمون أنّ المؤمن يسكر من الشراب، و المؤمن لا يشرب مسكرا و لا يسكر».
أقول: ما ذكره عليه السّلام محمول إما على الكلّ من المؤمنين، أو على الغالب الأكثر.
و في تفسير العياشي: عن محمد بن الفضل، عن أبي الحسن عليه السّلام في قول اللّه تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، قال: «هذا قبل أن تحرّم الخمر».
أقول: المراد من الحرمة فيه الحرمة الظاهريّة، و إلا فإنّ الخمر كانت محرّمة في جميع الشرائع الإلهيّة، و في بعض الروايات: «ما بعث اللّه نبيّا إلا و قد حرّم الخمر»، مضافا إلى آية تحريم الخمر نزلت في مكّة؛ لأنّ سورة الأعراف مكيّة، و هذه الآية الكريمة: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ مدنيّة.
و كيف كان، فتطبيق السكر على السكر الحاصل من الخمر من باب ذكر أحد المصاديق، كما مرّ.
و هناك روايات مزيّفة غير قابلة للاعتماد عليها ذكرها السيوطي في الدرّ المنثور و تبعه بعض آخر، تنسب ما لا يليق بساحة سيد العرفاء و الأوصياء أمير المؤمنين عليه السّلام و لا ينبغي ذكرها و قد تكلّف مؤنة الردّ عليها شيخنا البلاغي قدس سرّه، و من شاء فليرجع إلى تفسيره الشريف.
و في الكافي بإسناده عن جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا، و لكن يمرّ بها كلّها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول».
أقول: الرواية مطابقة للآية الكريمة، و عدم الاجتياز في المسجدين لشرفهما على غيرهما من المساجد و بيوت اللّه تعالى.
و عن الزمخشريّ في تفسيره: «روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يأذن أن يجلس في المسجد أو يمرّ به جنب إلا لعليّ».
أقول: أمثال هذه الرواية كثير تدلّ على فضل أمير المؤمنين عليه السّلام و قدسيته و لعلّ جنابته عليه السّلام ليست كجنابة سائر الناس.
و في تفسير العياشي: عن الحلبي عن الصادق عليه السّلام قال: «اللمس هو الجماع، و لكن اللّه ستّار يحبّ الستر، فلم يسم كما تسمّون».
أقول: تقدّم في التفسير ما يدلّ على ذلك.
و عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمّار بن ياسر فقال: يا رسول اللّه، أجنبت الليلة و لم يكن معي ماء. قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابي فتمعكّت. قال صلّى اللّه عليه و آله: صنعت كما يصنع الحمار، إنّما قال اللّه: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، قال: فضرب بيده الأرض ثم مسح إحداهما على الاخرى، ثم مسح يديه بجبينه ثم كفّيه، كلّ واحد منهما على الاخرى».
أقول: رواه البخاري و مسلم و النسائي و أبو داود على اختلاف يسير، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله علّم عمّار التيمّم عملا.

يستفاد من الآية الشريفة أحكام خاصّة تتعلّق بالجنابة و التيمم، و سائر الأعذار.
الأوّل: يدلّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏، على بطلان الصلاة لو أتى بها في حال السكر من الخمر، و يجب عليه الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه بعد شعوره. و لو كان المراد من السكر النعاس فالنهي إرشاد إلى عدم الكمال لو تحقّق سائر شرائط صحّتها، إلا إذا فقد الاختيار بسبب النعاس، بحيث لا يصلح ما يقول و لا يدرك ما يتلفّظ به، فتبطل الصلاة حينئذ.
كما تدلّ الآية المباركة على بطلان الصلاة حال الجنابة، و لا ترتفع الجنابة إلا بالغسل عند التمكّن من استعمال الماء أو التيممّ بدلا عنه، إلا إذا كان هناك عذر من مرض أو سفر أو نحو ذلك.
الثاني: يدلّ قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، على عدم جواز مكث الجنب في المساجد إلا إذا كان مجتازا فيها، فيجوز ما عدا المسجدين، كما دلّت عليه السنّة.
الثالث: يدلّ قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا، أنّ التيمم بدل عن الماء في كلّ ما يشترط فيه الطهارة، فيستباح به كلّ ما يستباح بالطهارة المائيّة، و تدلّ على ذلك‏
جملة من الروايات، ففي بعضها: «انّ التراب أحد الطهورين».
و من ذلك يعلم أن ما ذكره فخر المحقّقين في الآية الكريمة من عدم جواز الطواف بالبيت للجنب المتيمم، بل و لا مكثه في شي‏ء من المساجد و إن تيممّ تيمما مبيحا للصلاة؛ لأنّه عزّ و جلّ علّق دخول الجنب إلى المساجد على الإتيان‏ بالغسل مع وجود الماء و على التيمم مع العدم، فحمل الطواف و المكث على الصلاة في ذلك قياس لا نقول به.
غير صحيح؛ لأنّ الآية المباركة تبيّن حكم الصحيح غير المعذور مطلقا، فعيّن له الطهارة المائيّة، ثم بيّنت حكم المعذور فعيّن له التيمّم بدلا عنه، فيقوم البدل مقام المبدل عنه في جميع الأحكام، إلا ما خرج بالدليل، مع أنّ الشارع أباح للمتيمّم الدخول في الصلاة، فيدلّ على إباحته للدخول إلى المساجد بطريق أولى، و المسألة محرّرة في الكتب الفقهيّة، فراجع.
الرابع: قد ذكر سبحانه الجنابة و بيّن سببا واحدا لها في ذيل الآية المباركة، و هو ملامسة النساء، أي الجماع معهن مطلقا، و لها سبب ثان أيضا و هو نزول المني مطلقا في نوم و يقظة، سواء كان مع شهوة أم بدونها.
الخامس: يستفاد من قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً أنّ المناط في الرجوع إلى التيمم هو عدم وجدان الماء مطلقا، سواء كان من جهة العجز و عدم التمكّن من استعماله، أم كان من جهة فقده، أم كان من جهة حصول الضرر باستعماله، فيستفاد جميع موارد العذر المذكورة منه.
و يحتمل أن يكون المراد من عدم الوجود فقده و لا يشمل عدم التمكّن من استعماله، فحينئذ يستفاد بعض أفراد المعذورين من دليل آخر.
السادس: إطلاق الآية الكريمة يدلّ على كفاية الضربة الواحدة في التيمم، سواء كان بدلا عن الوضوء أم كان بدلا عن الغسل إلا أنّ بعض الروايات تدلّ على التعدّد في البدل عن الغسل.
كما أنّ إطلاق الآية المباركة يدلّ على كفاية مطلق الضرب، سواء كان تعلّق باليد شي‏ء من التراب أم لا، بل في بعض الروايات جواز النفض.
السابع: يستفاد من الآية الشريفة عدم احتياج غسل الجنابة إلى الوضوء؛ لأنّه جعل النهي عن قربان الصلاة مغيا بالغسل، فلو كان مفتقرا إلى الوضوء لوجب بيانه، و إلا كان بعض الغاية غاية، و هو باطل.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"