1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآية 31

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (۳۱)


الآية الشريفة على إيجازها البليغ و اسلوبها البديع تشتمل على الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد و الأمل و الرجاء بالسعادة، فهي تدلّ على وجوب الاجتناب عن المناهي، التي يوجب ارتكابها الشقاوة و العذاب العظيم.
كما أنّها تدلّ على أنّ الارتداع عن الكبائر المنهيّة يوجب الدخول في النعيم الأبدي، و يستلزم السعادة الحقيقيّة، و لا يخفى ارتباطها بما قبلها من الآيات التي تضمّنت جملة من الأحكام الشرعيّة و المناهي الإلهيّة التي شرّعها اللّه تعالى لأجل مصالح الإنسان.

قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
الاجتناب أبلغ من الترك؛ لأنّه ملحوظ فيه النفور و الاشمئزاز، و هو مأخوذ من الجنب الذي هو الجارحة. و إنّما بني عنه الفعل على سبيل الاستعارة، فإنّ الإنسان إذا أعرض عن شي‏ء تركه جانبا، و الاجتناب هو الابتعاد عن الشي‏ء و ملازمة تركه، و قد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعا كلّها تدلّ على أهمية المنهي عنه كالطاغوت، قال تعالى: وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [سورة النحل، الآية: 36].
و الرجس، قال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ [سورة الحج، الآية 30].
و قول الزور، قال تعالى: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [سورة الحجر، الآية: 30].
و عبادة الأصنام، قال تعالى: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [سورة إبراهيم، الآية: 35].
و النّار، قال تعالى: وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [سورة الليل، الآية: 17].
و سوء الظنّ، قال تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ [سورة الحجرات، الآية: 12].
و التجنّب تارة يحصل بالنسبة إلى الشي‏ء قصدا و فعلا دائما من أوّل التمييز إلى حين الموت.
و اخرى: بالنسبة إلى القصد فقط دون العمل، بأن يقصد الاجتناب عن الكبائر مطلقا، و لكن يتفق صدور بعضها عنه غفلة.
و ثالثة: يكون اجتنابا عرفيّا، بحيث يصدق على الشخص أنّه مجتنب عرفا، فيكون له و للارتكاب مراتب متفاوتة.
و مقتضى القواعد الشرعيّة- و هو الموافق لسعة رحمته تبارك و تعالى- اعتبار الأخير، و لكن مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ هو الثاني.
و الكبائر: جمع كبيرة، و هي و الصغيرة من الأمور الإضافيّة. و الآية الشريفة تدلّ على أنّ المعاصي قسمان كبيرة و صغيرة، و الاولى هي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعا، العظيم أمرها كالقتل، و الزنا، و الفرار من الزحف و نظائرها.
و إن كانت المعاصي كلّها تشترك في أصل المخالفة و العصيان على اللّه تعالى فهي كبيرة من هذه الجهة، فإنّ ذلك مقياس الذنب بين الإنسان المربوب المخلوق الضعيف، و بين اللّه تعالى الذي لا منتهى لعظمته و سلطانه، فلا فرق في أفراد المعاصي حينئذ.
و هنا لا ينافي كونها تتصف بالكبيرة و الصغيرة إذا لوحظت فيما بينها كما هو الشأن في الأمور الإضافيّة، فإنّ كبر المعصية يدلّ على أهميّة النهي عنها و عظم المخالفة، إذا قيس بالنسبة إلى النهي عن الآخر.
فهما وصفان للمعاصي و الآثام و الذنوب، و في المقام حذف الموصوف و أقيم الوصف مقامه، و إن الصغر و الكبر من المبينات العرفيّة، و بهذا المعنى العرفي وقع في الكتاب و السنّة و اصطلاح العلماء في علمي الفقه و الأخلاق، فالنظر إلى الأجنبيّة مثلا صغيرة إذا قيس إلى سائر الاستمتاعات بها، و المخالفة في الثاني أعظم و أكبر من المخالفة في الأوّل، و يدلّ على ذلك قوله تعالى: ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، فإنّ المستفاد منه اختلاف المناهي في العظمة و الأهميّة، و لا بد من استفادة الأهميّة من الشرع أيضا.
و قد ذكر العلماء (قدس اللّه اسرارهم) طرقا كثيرة، و أهمّها ما ذكر في الفقه و هو: أنّ كلّ ذنب أوعد عليه بالنّار، أو تعدّد الخطاب فيه، و النهي عن الإصرار و التكرار.
و هذا هو المقياس في تحديد الكبائر في الإسلام، و ربّما تكشف النصوص بعض الكبائر و تنصّ عليها بأنّها كبيرة، فتكون غيرها بالنسبة إليها صغيرة. و قد ذكر العلماء في تعريف الكبائر و الصغائر و تمييز كلّ واحدة منها عن الاخرى وجوها، سيأتي في البحث الأخلاقي ما يتعلّق بذلك.
و ربّما يتوهّم أنّ الإضافة في قوله تعالى: كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ بيانيّة، فتدلّ الآية الكريمة على اجتناب جميع المعاصي، و تكون معنى الآية المباركة حينئذ: إن تجتنبوا المعاصي جميعا نكفّر عنكم سيئاتكم، و لا سيئة مع اجتناب المعاصي، فتكون من قبيل السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع.
و يردّ عليه أنّه خلاف ظاهر الآية الشريفة، إلا أن يقال: إنّه يرجع إلى تكفير سيئات المؤمنين قبل نزول الآية المباركة.
و فيه: أنّه يلزم تخصيص الآية الشريفة بمن حضر عند النزول، و هو خلاف ظاهر الآية الكريمة أيضا.
قوله تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ.
مادة (كفر) تدلّ على الستر، و كفّر الشي‏ء إذا غطاه، و يقال للفلاح: كافر، لأنّه يكفر البذر، أي: يستره، قال تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [سورة الحديد، الآية: 20]، و منه كفر النعمة و الإحسان إذا غطّاها بترك الحمد و الشكر عليها أو جحدها،
و في الحديث: «رأيت أكثر أهل النّار النساء لكفرهن، قيل: أ يكفرن باللّه؟ قال: لا، و لكن يكفرن الإحسان و يكفرن العشير»،
أي: يجحدن إحسان أزواجهن و يسترنه، و منه سمّي الكافر أيضا؛ لأنّه كفر بالصانع و المبدأ، و كفّر اللّه عنه الذنب، إذا ستره و محاه عن العبد.
و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ما يزيد عن خمسمائة مورد، أغلبها استعملت في مورد الكفر باللّه و الأنبياء و اليوم الآخر.
و لكن ذكر التكفير عن السيئات في القرآن الكريم ورد في نحو ثلاثة عشر موردا متعديا بكلمة (عن).
و المستفاد من موارد استعماله في القرآن الكريم أنّ المراد منه العفو عن السيئات و حطّ وزرها عن المسي‏ء، و الإحباط نقيضه التكفير، و إنّما يتحقّق بفعل الطاعات و ترك الكبائر، فيكون تكفير السيئات حينئذ من اللّه جلّت عظمته محو الذنب و إسقاطه بالمرّة، فلا يضرّ فعله بالعدالة إلا بالإصرار على الصغائر، فيكون من الكبائر، فلا يتحقّق حينئذ شرط التكفير و هو الاجتناب عن الكبائر، و هذا من أحسن التدبيرات الإلهيّة في عباده، حيث لا يبعدهم عن رحمته الواسعة بمجرّد ارتكاب المخالفة.
نعم، الإصرار إنّما يتحقّق بعدم تخلّل التوبة بين ارتكاب صغيرة و صغيرة اخرى، و إما مع تخللها، فلا موضوع حينئذ للإصرار.
ثمّ إنّ السيئات جمع السيئة، و قد أطلقت في القرآن الكريم على معان، منها كلّ ما يكرهه الإنسان و يسؤه، قال تعالى: وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [سورة النساء، الآية: 79]، و قال تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ [سورة الرعد، الآية: 6].
و منها: نتائج المعاصي و الآثام، سواء كانت دنيويّة أم اخرويّة، قال تعالى: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا [سورة النحل، الآية: ۳٤]، و قال تعالى: سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا [سورة الزمر، الآية: 51].
و يمكن إرجاع هذا المعنى إلى الأوّل أيضا، فإنّ تلك الآثار قد جلبها الإنسان على نفسه بسبب ارتكابه المحرّمات و المعاصي، و هي تسؤه في الدنيا أو الآخرة.
و منها: مطلق المعصية، قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [سورة الجاثية، الآية: 21]، و الإطلاق فيه يشمل الكبائر و الصغائر.
و أمّا السيئات في الآية الشريفة: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، فإن لوحظت مقابلتها للكبائر، تنحصر لا محالة في الصغائر، و إن لوحظت سعة رحمته جلّ شأنه و سعة تكفيره و غفرانه، تعمّ الكبائر أيضا، فيراد حينئذ بقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، صرف وجود الكبيرة، و إنّما أتى عزّ و جلّ بالجمع باعتبار جميع أفراد الناس، و مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ هو الأوّل، و لكن مقتضى ما ورد في سعة رحمته عزّ و جلّ غير المتناهية هو الثاني، و يقتضيه ظاهر الامتنان في الآية المباركة، خصوصا مع ما ذكره الفقهاء و علماء الأخلاق من إنهاء الكبائر إلى سبع و سبعين، التي لا يخلو عنها غالب الناس، و ما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «من الجمعة كفّارة من الذنوب»، و ما ورد في غفران شهر رمضان، و ما ورد في الغفران في يوم عرفة، قال عليه السّلام: «ما وقف بهذه الجبال‏ أحد إلا غفر اللّه تعالى له، من مؤمن الناس و فاسقهم»، و غير ذلك ممّا ذكرناه في مبحث التوبة.
و كيف كان، فالآية الكريمة تدلّ على انقسام المعاصي إلى الكبائر و الصغائر، سواء أ كان الانقسام بحسب ملاحظة نفس المعاصي بعضها مع بعض، أم بحسب ملاحظة صدورها من الفاعل، فربّما يكون بعض الصغائر بالنسبة إلى شخص كبيرة و بالنسبة إلى شخص آخر صغيرة،
كما ورد: «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين».
قوله تعالى: وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً.
المدخل- بضم الميم و فتح الخاء- و المعروف أنّه اسم مكان، و المراد به في الآية الشريفة الجنّة، فيكون منصوبا على الظرفيّة، و قيل: إنّه مصدر منصوب، فيكون مفعول نُدْخِلْكُمْ الجنّة إدخالا.
و قيل: إنّه منصوب بفعل مقدّر، و الأصحّ هو الوجه الأوّل.
و كيف كان، فالمراد به الجنّة التي وعدها اللّه تعالى للصالحين.
و الكريم: هو الحسن الطيب، و من أسمائه جلّ شأنه «الكريم» أي: الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، فهو الكريم المطلق، و الكريم الجامع لأنواع الخير و الشرف و الفضائل، فلا حدّ لكرمه و لا يمكن عدّ نعمائه.
و قد وصف عزّ و جلّ ذلك المكان به أيضا، قال تعالى: وَ مَقامٍ كَرِيمٍ [سورة الدخان، الآية: 26]، و المقام الكريم ذلك المقام الذي يسعد الداخل فيه بحسن الثناء و عظيم النعمة، و يتّصف به الرزق أيضا، قال تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [سورة الحج، الآية: 50]، كما يتّصف به الرسول أيضا، قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [سورة الحاقة، الآية: ٤۰]، و يتّصف به غير ما ذكر كما ورد في الآيات الشريفة.
و المعنى: و ندخلكم الجنّة في الآخرة التي يكرم بها من يدخلها فيسعد فيها، فإنّ الجنّة لا يدخلها أحد إلا بعد التطهير من الدنس و رذائل الصفات، قال تعالى: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [سورة الأعراف، الآية: ٤۳].
و في إضافة الإدخال إلى ذاته المقدّسة فيها غاية اللطف و نهاية العناية و كمال المحبّة، حيث إنّه تعالى بعد المخالفة و كفران السيئات باجتناب الكبائر يدخل العبد مدخلا كريما.

تدلّ الآية الشريفة على امور:
الأوّل: أنّ الآية المباركة باسلوبها الجذّاب الدال على اللطف و الحنان و المحبّة، و سياقها الظاهر في الزجر عن ارتكاب المعاصي و المتضمّن للوعد للتائبين بعظيم الجزاء- تدلّ على أنّ المنهي في الشريعة منه ما هو كبير و منه ما هو صغير، و المستفاد منها أنّ المقياس في الكبائر و الصغائر هو نسبة بعضها إلى بعض حيث جعل عزّ و جلّ الكبائر مقابل السيئات، و لم يبيّن سبحانه و تعالى الوجه في تشخيص كون المعصية كبيرة أو صغيرة، و قد تعرّضت السنّة الشريفة إلى بيان المقياس في ذلك، و سيأتي في البحث الأخلاقي تفصيل ذلك.
و الآية المباركة ردّ على من زعم أنّ المعاصي كلّها كبائر، حتّى قال بعضهم: إنّه لا يمكن أن يقال في معصية إنّها صغيرة إلا على معنى أنّها تصغر عند اجتناب الكبائر، فالمعاصي كلّها كبائر، و هذا اجتهاد منهم في مقابل النصّ، إلا أن يراد أنّها كبيرة بالنسبة إلى أصل المخالفة و عصيان اللّه تعالى و عظمته عزّ و جلّ، كما عرفت آنفا، و أشار إلى ذلك بعضهم فقال: إنّهم كرهوا تسمية المعصية صغيرة، نظرا إلى جلال اللّه تعالى و عظمته و شدّة عقابه، فإنّ المعاصي إذا لوحظت بالنسبة إليه تعالى كبيرة.
و ما ذكره مسلّم لا إشكال فيه و لم ينكره أحد، إلا أنّ الكلام في مفاد الآية الشريفة بعد تقسيمها للمعاصي إلى الكبيرة و الصغيرة.
الثاني: يستفاد من قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ شروط التكفير للسيئات و الوصول إلى الرضوان و ما وعد به الرحمن.
فمنها: أن يكون ترك الكبائر عن قدرة و إرادة، و هي متوقّفة على معرفة الكبائر و الصغائر و التمييز بينهما، فإنّ المكلّف إذا عرف أنّها حرمات اللّه تعالى عزم همّه على تركها، بل قيل بوجوب معرفتها مقدّمة للاجتناب عنها، بل التهاون فيها كبيرة أيضا يجب الاجتناب عنه، و إن لم يكن يجب اتقاء جميع المعاصي مخافة الوقوع في الكبائر و الابتلاء بارتكابها، على ما هو مفصّل في الفقه.
و منها: أن يكون النهي الشرعيّ منجزا، و إلا فلا يجب الاجتناب كما في مورد الجهل بالموضوع و عدم بلوغ الحكم و نحو ذلك ممّا هو مفصّل في اصول الفقه، راجع كتابنا (تهذيب الأصول).
و منها: أن يكون الاجتناب عن المعاصي الكبيرة عن إعراض النفس و عزوفها عن ارتكابها.
و بعبارة اخرى: أن يكون الاجتناب عن أثر في النفس، لما تدلّ عليه كلمة الاجتناب الواردة في الآية المباركة. و قال تعالى: وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏ [سورة النازعات، الآية: ٤۰- ٤۱].
الثالث: الآية الشريفة في مقام الامتنان على المؤمنين بأنّهم إذا اجتنبوا بعض المعاصي، كفّر عنهم البعض الآخر.
الرابع: يدلّ قوله تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً على الذنب، و أنّ التخلية مقدّمة على التحلية، و أنّها لا تتحقّق إلا بعد التكفير و التزكية.
الخامس: إطلاق التكفير يشمل جميع الآثار الدنيويّة و الاخرويّة، و نسبة التكفير إلى نفسه الأقدس، يدلّ على أهمية الموضوع و عظمته و كمال الاعتناء بشأن المؤمنين.
و قال بعضهم: إنّ ظاهر الآية الشريفة وجوب تكفير السيئات و الصغائر عند اجتناب الكبائر، و هذه من صغريات كبرى غفران الذنوب بعد التوبة، و قد ذكرنا في مبحث التوبة في سورة البقرة، قلنا: إنّه من قبيل ترتّب المعلول على العلّة مع تحقّق جميع الشرائط.

الروايات الواردة عن الفريقين في تفسير هذه الآية الشريفة مع كثرتها هي على طوائف متعدّدة، تبيّن كلّ منها جانبا من الجوانب التي تضمّنتها الآية المباركة، و نذكر المهمّ منها:
ما ورد في تحديد الكبيرة:
في الكافي: بسنده عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً، قال: «الكبائر التي أوجب اللّه عليها النّار».
أقول: و مثله ما عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام.
و في الفقيه: عن عباد بن كثير النوا قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الكبائر، فقال: كلّ ما أوعد اللّه عليه النّار».
أقول: و مثله ما عن تفسير العياشيّ، و يستفاد من هذه الروايات تحديد شرعيّ للكبائر التي وردت في الكتاب و السنّة، و إيجاب النّار أعمّ من أن يكون بالمطابقة أو بالملازمة، سواء أ كان في كتاب اللّه تعالى أم في حديث المعصوم، و سواء رتّب الشارع عليها الحدّ في هذه الدنيا- كالزنا و شرب الخمر- أم لا. فما عن بعض من حصر الكبيرة في كلّ ذنب رتّب عليه الشارع الحدّ في هذه الدنيا- كما يأتي في البحث الأخلاقي- مناف لما تقدّم من الروايات.
و في معاني الأخبار بإسناده عن الحسن بن زياد العطّار، عن الصادق عليه السّلام قال: «قد سمّى اللّه المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين، و لم يسمّ من ركب الكبائر و ما وعد اللّه عزّ و جلّ عليه النّار مؤمنين في القرآن، و لا نسمّيهم بالإيمان بعد ذلك الفعل».
أقول: تقدّم أنّ للإيمان مراتب، و من ارتكب الكبيرة و لم يخرج عن الإسلام لم يكن من الكمل إلا إذا تاب. و إنّها كالروايات المتقدّمة في تحديد الكبيرة بالوعيد، و سيأتي في البحث الأخلاقي ما يتعلّق بالمقام.
و في ثواب الأعمال عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ قال: «من اجتنب الكبائر، و هي ما أوعد اللّه عليه النّار، إذا كان مؤمنا كفّر اللّه عنه سيئاته».
أقول: و مثله ما في الكافي عن ابن محبوب.
و يستفاد منها أنّ التكفير مشروط بالإيمان، كما هو المنساق من الآية المباركة، و أنّ الكافر لو اجتنب لا يوجب التكفير عنه.
نعم، يمكن أن يكون له أثر في الدنيا أو في عالم البرزخ، و لا تنافي بينها و بين‏ ما ورد في الفقيه عن الصادق عليه السّلام: «من اجتنب الكبائر كفّر اللّه جميع ذنوبه، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ»، أي: مع الإيمان باللّه تعالى.
و كيف كان، فالمستفاد من هذه الروايات و غيرها ممّا ورد من طرق الجمهور عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سائر المعصومين عليهم السّلام، أنّ الكبيرة ما أوعد بالنّار، و الصغيرة هي الذنب الذي لم يوعد بالنار، أو لم يماثل في الروايات بذنب أوعد فيه.
ما ورد في أعداد الكبائر:
الروايات في أعداد الكبائر مختلفة، ففي جملة منها أنّها سبع، و إن اختلفت هذه في المعدود منها و أبدال كبيرة بأخرى في الذكر، كما يأتي.
و في بعضها تسع، و في آخر ثمان. و في بعضها ثلاث.
و عن ابن عباس في الدرّ المنثور عدّها ثمان عشرة، و في الكافي عن عبد العظيم الحسنيّ عن أبي جعفر الثاني عن الصادق عليهما السّلام أنّها عشرون- كما يأتي- و عن ابن عباس انها اقرب إلى التسعين.
و لعلّ السرّ في اختلاف هذه الروايات أنّها في مقام بيان المهمّ من الكبائر بل أكبرها، أو باعتبار اقتضاء المقام، و نحن نذكر جملة منها على سبيل الاختصار و هي:
في التهذيب: بسنده عن معلى بن خنيس عن أبي الصامت عن الصادق عليه السّلام: «أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم، و قتل النفس التي حرّم اللّه عزّ و جلّ إلا بالحقّ، و أكل مال اليتيم، و عقوق الوالدين، و قذف المحصنات، و الفرار من الزحف، و إنكار ما أنزل اللّه تعالى».
أقول: هذا الحصر إما بالنسبة إلى أكبر الكبائر، كما قال عليه السّلام في صدر الحديث، أو إنّه إضافي؛ لأنّها أكثر من السبع، كما يأتي.
و في الكافي: عن ابن محبوب قال: «كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأل عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النّار كفر عنه سيئآته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرّب بعد الهجرة، و أكل مال اليتيم ظلما، و قذف المحصنات، و الفرار من الزحف».
أقول: و مثله ما عن الصدوق في ثواب الأعمال.
و هذا الحصر إضافي، فلم يردّ فيها الشرك باللّه تعالى، و قد عدّ في الرواية السابقة من أكبرها، و لكن‏ قوله عليه السّلام: «إذا كان مؤمنا»،
يدلّ على أنّه منها.
و فيه- أيضا-: عن عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكبائر؟ فقال: هنّ في كتاب علي عليه السّلام سبع: الكفر باللّه، و قتل النفس، و عقوق الوالدين، و أكل الربا بعد البيّنة، و أكل مال اليتيم ظلما، و الفرار من الزحف، و التعرّب بعد الهجرة. فقلت: هذا أكبر المعاصي؟! فقال: نعم. قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة. قلت: فما عدّدت ترك الصلاة في الكبائر؟ قال: أي شي‏ء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر. قال: فإنّ تارك الصلاة كافر، يعني: من غير علّة».
أقول: الحصر فيه إضافي أيضا، و أما كون تارك الصلاة عن عمد و اختيار كافرا؛ لأنّه يرجع إلى إنكارها، و تقدّم في الرواية السابقة أن إنكار ما أنزل اللّه تعالى من الكبائر.
و في صحيح محمد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام قال: «الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّدا، و قذف المحصنة، و الفرار من الزحف، و التعرّب بعد الهجرة، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و كل ما أوجب اللّه النّار».
أقول: عدّ الشرك منها إما لأجل المفروغيّة، كما تقدّم في الروايات السابقة، أو أنّه داخل في القاعدة الكليّة المذكورة في ذيل الرواية.
فهي تنطبق على كثير من المعاصي أيضا، كالكذب و الغيبة، و الرشوة، و شرب الخمر، و السرقة، و الزنا و غيرها.
و في الكافي بسنده عن عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ من الكبائر عقوق الوالدين، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه».
أقول: لأنّ جميع ذلك ممّا أوعد اللّه عليه النّار، أو من الخسران، أو بمنزلة الكافر الذي أوعده اللّه النّار كما يأتي.
و في تفسير العياشي: عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «كنت أنا و علقمة الحضرمي و أبو حسان العجلي و عبد اللّه بن عجلان ننتظر أبا جعفر عليه السّلام، فخرج علينا فقال: مرحبا و أهلا، و للّه إنّي أحبّ ريحكم و أرواحكم، و إنّكم لعلى دين اللّه، فقال: علقمة فمن كان على دين اللّه نشهد أنّه من أهل الجنّة؟ قال: فمكث هنيئة. قال: نوّروا أنفسكم، فإن لم تكونوا اقترفتم الكبائر، فأنا أشهد. قلنا: و ما الكبائر؟ قال: هي في كتاب علي عليه السّلام سبع. قلنا: فعدّها علينا جعلنا اللّه فداك. قال: الشرك باللّه العظيم، و أكل مال اليتيم، و أكل الربا بعد البيّنة، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و قتل المؤمن، و قذف المحصنة. قلنا: ما منا أحد أصاب من هذه شيئا، قال: فأنتم إذا». أقول: تدلّ هذه الرواية على أن من اجتنب الكبائر يكون من أهل الجنّة بشهادة أبي جعفر الباقر عليه السّلام.
و في تفسير العياشي- أيضا-: عن معاذ بن كثير عن الصادق عليه السّلام قال: «يا معاذ، الكبائر سبع، فينا أنزلت و منا استحقّت، و أكبر الكبائر الشرك باللّه، و قتل النفس التي حرّم اللّه، و عقوق الوالدين و قذف المحصنات، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف، و إنكار حقّنا أهل البيت- الحديث-».
أقول: ما تضمّنته الرواية إضافي، و يكون من باب ذكر بعض المصاديق.
و فيه- أيضا-: عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الكذب على اللّه و على رسوله و على الأوصياء من الكبائر».
أقول: الرواية ليست في مقام الحصر حتّى الإضافي منه، و إنّما هي في بيان ذكر بعض المصاديق، و أمثال هذه الرواية كثيرة.
و في الكافي: عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني قال: «حدثني أبو جعفر الثاني عليه السّلام قال: سمعت أبي موسى بن جعفر عليهما السّلام يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه عليه السّلام فلما سلّم و جلس تلا هذه الآية: وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ ثمّ أمسك. فقال له الصادق عليه السّلام: ما أسكتك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه عزّ و جلّ، فقال: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر: الإشراك‏ باللّه، يقول اللّه: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، و بعده اليأس من روح اللّه؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ. ثم الأمن من مكر اللّه؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ. و منها: عقوق الوالدين؛ لأنّ اللّه سبحانه و تعالى جعل العاق جبّارا شقيّا. و قتل النفس التي حرّم اللّه إلا بالحقّ؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها. و قذف المحصنة؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. و أكل مال اليتيم؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. و الفرار من الزحف؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. و أكل الربا؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. و السحر؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. و الزنا؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. و اليمين الغموس الفاجرة؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. و الغلول؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ. و منع الزكاة المفروضة؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ. و شهادة الزور و كتمان الشهادة؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. و شرب الخمر؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، و ترك الصلاة متعمّدا أو شيئا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ؛ لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: من ترك الصلاة متعمّدا فقد برئ من ذمّة اللّه و ذمّة رسوله. و نقض العهد و قطيعة الرحم؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ. قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه، و هو يقول: هلك من قال برأيه، و نازعكم في الفضل و العلم».
أقول: هذه الرواية لا تنافي ما تقدّم من الروايات، لما عرفت من أنّ الحصر فيها ليس حقيقيا، و إنما كان إضافيا. و هذه الرواية تعدّ الكبائر المأخوذة من كتاب اللّه تعالى، كما عرفت.
و في الخصال: بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال: «وجدنا في كتاب علي عليه السّلام الكبائر خمسة: الشرك، و عقوق الوالدين و أكل الربا بعد البيّنة، و الفرار من الزحف، و التعرّب بعد الهجرة».
أقول: لا تنافي بينه و بين ما تقدّم، لما عرفت من أنّ الحصر في هذه الروايات إضافي و ليس حقيقيّا.
و في العلل بإسناده عن عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عن الكبائر. فقال: هنّ خمس، و هنّ ممّا أوجب اللّه عليهنّ النّار، قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، و قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً، و قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ … إلى آخر الآية.
و قال عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. و رمي المحصنات المؤمنات، و قتل مؤمن متعمّدا على دينه».
أقول: يستفاد من التعليل التعميم؛ لأنّ العلّة قد تعمّم و قد تخصّص.
و في رواية أبي خديجة عن الصادق عليه السّلام: الكذب على اللّه و على رسوله و على الأوصياء من الكبائر.
و في كنز الفوائد: عن الصادق عليه السّلام: «الكبائر تسع، أعظمهن: الإشراك باللّه عزّ و جلّ، و قتل النفس المؤمنة، و أكل الربا و أكل مال اليتيم، و قذف المحصنات، و الفرار من الزحف، و عقوق الوالدين و استحلال البيت الحرام، و السحر، فمن لقى اللّه عزّ و جلّ و هو بري‏ء منهن، كان معي في جنّة مصاريعها الجنّة».
أقول: جميع هذه الروايات تدلّ على ما ذكرنا من أنّ الحصر إضافي و ليس حقيقيّا.
و في الخصال بإسناده عن الأعمش، عن جعفر بن محمد عليهما السّلام في حديث شرائع الدين قال: «و الكبائر محرّمة، و هي: الشرك باللّه، و قتل النفس التي حرّم اللّه، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و قذف المحصنات».
و بعد ذلك الزنا و اللواط و السرقة، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و أكل السحت، و البخس في الميزان و المكيال، و الميسر، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و القنوط من رحمة اللّه، و ترك معاونة المظلومين، و الركون إلى الظالمين، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، و استعمال التكبّر و التجبّر و الكذب، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّه، و الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه عزّ و جلّ مكروهة، كالغناء و ضرب الأوتار، و الإصرار على صغائر الذنوب».
أقول: عدّ عليه السّلام في هذه الرواية الغناء من الكبائر، و لكن عبّر عنها في الحكم بالكراهة، و المراد منها الحرمة كما في قوله تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [سورة الإسراء، الآية: 38].
و في الدرّ المنثور: أخرج جماعة عن ابن عباس أنّه سئل عن الكبائر: «أ سبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب».
و فيه- أيضا-: عن ابن جبير عن ابن عباس: «هي إلى السبعمائة أقرب إلى سبع، غير أنّه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار».
أقول: لا شكّ أنّ أكبر الكبائر الشرك باللّه العظيم حتّى و لو كان خفيا، و ما سواه كبير باختلاف المراتب، فلا تنافي بين الروايات الدالّة على السبع أو الخمس أو التسع أو السبعين أو أقلّ أو أكثر كما عرفت.
ما ورد في شمول الشفاعة لأهل الكبائر:
كما أنّ التوبة تمحو الكبيرة و آثارها، كذلك الشفاعة تمحو الكبيرة و آثارها، و تدلّ على ذلك روايات كثيرة.
منها ما في التوحيد عن ابن أبي عمير، قال: «سمعت موسى بن جعفر عليهما السّلام يقول: من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً، قلت: فالشفاعة لمن تجب؟ فقال: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من امتي، فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل. قال ابن أبي عمير فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر و اللّه تعالى يقول: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏، و من يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى، فقال: يا أبا أحمد، ما من مؤمن يذنب ذنبا إلا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كفى بالندم توبة. و قال: من سرّته حسنته و سائته سيئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن، و لم تجب له الشفاعة- إلى أن قال النبي صلّى اللّه عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله-: لا كبيرة مع الاستغفار، و لا صغيرة مع الإصرار».
أقول: الروايات الدالّة على أنّ شفاعته صلّى اللّه عليه و آله مدّخرة لأهل الكبائر من أمته مستفيضة بين الفريقين، و أنّها تغفر بالشفاعة، و أنّ المؤمن لا يخلّد في النّار، فإنّ التخليد فيه مختصّ بأهل الكفر و الجحود، و أهل الضلال و أهل الشرك، كما في الرواية.
و منها في الدرّ المنثور: أخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد عن أنس قال: «سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول: ألا إنّ شفاعتي لأهل الكبائر من امتي، ثم تلا هذه‏ الآية: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ- الآية».
أقول: و مثلهما غيرهما من الروايات و مقتضاها أنّ الشفاعة تختصّ بأهل الكبائر التي لا يخرج مرتكبيها عن الإيمان، كالشرك باللّه العظيم، كما تقدّم في الروايات السابقة، فالمؤمن على قسمين:
الأوّل: ما إذا اجتنب الكبائر، فيدخل الجنّة إن شاء اللّه تعالى بمقتضى الآية الشريفة و الرواية المتقدّمة.
الثاني: ما إذا ارتكب الكبائر و كان مؤمنا، فهو أيضا من أهل الجنّة بالشفاعة.
ما ورد في تحريم الإصرار على الصغيرة:
الإصرار على الذنب هو: أن لا يتخلّل الاستغفار، و لا يحدّث نفسه بالتوبة، كما يأتي في الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام، و أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة من الكبائر، كما تقدّم في الروايات السابقة، ففي الكافي: بسنده عن السكوني عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من علامات الشقاء جمود العين، و قسوة القلب، و شدّة الحرص في طلب الدنيا، و الإصرار على الذنب».
أقول: المراد من الشقاء هو الشقاء في الآخرة، و المراد من جمود العين هو قسوة القلب، فيكون العطف بيانيّا، فللقسوة مظهر خارجي، و هو جمود العين، و منشأ واقعي و هو قسوة القلب.
و في الكافي- أيضا-: بسنده عن أبي بصير قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لا و اللّه، لا يقبل اللّه شيئا من طاعته على الإصرار على شي‏ء من معاصيه».
أقول: للقبول مراتب متفاوتة جدا، فلا ينافي أن يكون الإصرار على الذنب حراما، و معه لا يحصل المرتبة الكاملة من القبول، و سيأتي في البحث الأخلاقي ما يرتبط بالمقام.
و في الروضة بإسناده عن الصادق عليه السّلام في رسالته إلى أصحابه قال: «و إياكم أن تشره أنفسكم إلى شي‏ء حرّم اللّه عليكم، فإنّ من انتهك ما حرّم اللّه عليه هاهنا في الدنيا، حال اللّه بينه و بين الجنّة و نعيمها و لذتها و كرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنّة أبد الآبدين- الى أن قال-: و إيّاكم و الإصرار على شي‏ء ممّا حرّم اللّه في القرآن ظهره و بطنه، و قد قال: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ».
أقول: شره كفرح، و هو الطلب مع الحرص أو بدونه، و المراد من الرواية ما حرّمه القرآن بظاهره- كما تقدّم- أو بباطنه، أي: بواسطة السنّة الشريفة.

ذكرنا أنّ الآية الشريفة تدلّ على تقسيم المعاصي إلى كبائر و صغائر، و يدلّ عليه قوله تعالى أيضا في آية اخرى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [سورة النجم، الآية: 32]، و تدلّ عليه السنّة الشريفة، كما تقدّم في البحث الروائي.
و الكبيرة و الصغيرة من الأمور الإضافيّة النسبيّة، و هما يختلفان شدّة و ضعفا، فما من ذنب إلا و هو كبير بالإضافة إلى ما دونه، و صغير بالنسبة إلى ما فوقه، و الجميع كبائر بالنسبة إلى مخالفة مولى الموالي، و هتك حجاب العبودية و التعدّي في سلطانه عزّ و جلّ. و قد اختلف العلماء في تعريف الكبيرة اختلافا عظيما.
فقيل: إنّ كلّ ما نهى عنه عزّ و جلّ فهو كبيرة، و ينسب هذا القول إلى ابن عباس، و لكن ذكرنا آنفا أن كون الذنوب كلّها كبائر بما هو القياس إلى حال الإنسان مع خالقه و مولاه الذي يجب إطاعته في جميع الحالات، لا بلحاظ بعضها الى بعض.
و قيل: إنّ الكبيرة كلّ ما يشعر بالاستهانة بالدين و عدم الاكتراث به.
و يردّ عليه: أنّه أخصّ من المدّعى، فإنّ بعض الذنوب ينطبق عليها الكبيرة و إن لم تكن بهذا العنوان، مضافا إلى أن كلّ اقتراف للذنب و الآثام مع التعمّد ينطبق عليه عنوان الطغيان و الاعتداء، الذي هو من إحدى الكبائر أيضا.
و قيل: إنّ الكبيرة ما حرمت لنفسها، لا لعارض.
و فيه: أنّ بعض الذنوب يطرأ عليها عنوان الطغيان، فتصير كبيرة.
و قيل: إنّ الكبيرة كلّ ما أوعد اللّه تعالى عليه بالنّار في القرآن الكريم أو السنّة الشريفة، أو ما مثله بالذنب الذي أوعد عليه النّار، و هذا هو المشهور.
و فيه: أنّه و إن كان صحيحا في الجملة، لكن لا كلّية له في انعكاسه، فليس كلّ ما لم يعد عليه اللّه تعالى بالنّار صغيرة.
و قيل: إنّ الكبائر ما ورد في سورة النساء من أوّلها إلى الآية التي تقدّم تفسيرها.
و فيه: أنّه تقييد لإطلاق الآية الشريفة، فكأنّ القائل يريد أنّ قوله تعالى: كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إشارة إلى تلك المحرّمات التي ذكرها اللّه تعالى في الآيات السابقة، و هو تخصيص بلا دليل.
و قيل: إنّ الكبيرة ما يكبر عقابه عن ثوابه و الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه. و نسب هذا القول إلى بعض المعتزلة.
و فيه: أنّه لا دليل عليه من عقل أو نقل.
و قيل: إنّ الكبيرة كلّ ما أوعد اللّه عليه في الآخرة عقابا و وضع له في الدنيا حدّا.
و فيه: أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ بعض الكبائر لم يوضع لها حدّ، مثل الغيبة و الإصرار على الصغائر، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف، و أكل الربا و غيرها.
و نسب إلى الغزالي في كتاب الاحياء جامعا بين الأقوال و خلاصته: أنّ مقياس الكبائر و الصغائر على نحوين، إما بقياس بعضها إلى بعض، أو بملاحظة الأثر المترتّب على المعصية، فقال: «أما الأوّل، فإنّها بملاحظة بعضها إلى بعض تكون كبيرة و صغيرة، و إن كانت بعض المعاصي تكبر بانطباق العناوين المهلكة الموبقة عليه، كالإصرار على الصغائر، فتصير المعصية كبيرة بعد ما لم تكن منها.
ثمّ هي مع ذلك تنقسم إلى قسمين بالنظر إلى أثر الذنب و وباله و أثر الطاعة، فتكون لهما حالات ثلاثة، فأمّا أن يحبط أثر الذنب الثواب بغلبته عليه أو نقصه عنه إذا لم يغلبه، فيزول بزوال مقدار ما يعادله من الثواب، فإنّ لكلّ طاعة تأثيرا حسنا في النفس، يوجب رفعة مقامها و تخلّصها من قذارة البعد و ظلمة الجهل، كما أنّ لكلّ معصية تأثيرا سيئا فيها- على خلاف أثر الطاعة- فيوجب انحطاط محلّها و سقوطها في هاوية البعد و ظلمة الجهل. و أما أن يتصادم الأثران و يتحقّق التحابط في ما إذا فعل الطاعة و المعصية، فيتصادم أثر الاولى مع أثر الثانية، فإن غلبت ظلمة المعصية نور الطاعة و ظهرت عليه أحبطته، و هذه هي المعصية الكبيرة، و إن غلبت الطاعة بما لها من النور و الصفاء، أزالت ظلمة الجهل، و بوار الذنب ببطلان مقدار منها يعادل نور الطاعة، فيبقى منه شي‏ء تصفوا به النفس، و هذا هو التحابط بمعنى غفران الذنوب الصغيرة و تكفير السيئات. و هذا النوع من المعاصي هي المعاصي الصغيرة. و إما أن تتكافأ السيئة و الحسنة بما لهما من العقاب و الثواب، فهو و إن كان ممّا يحتمّله العقل بدوا و لازمه صحّة فرض إنسان أعزل لا طاعة له و لا معصية، و لا نور لنفسه و لا ظلمة، لكن يبطله قوله تعالى:
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
و ردّ الفخر الرازي في تفسيره بأنّه يبتني على اصول المعتزلة الباطلة عندنا.
و شدّد النكير على الرازيّ بعض المفسّرين و قال: إنّ إنكار الأشاعرة لانقسام المعاصي إلى الصغيرة و الكبيرة، أرادوا به مخالفة المعتزلة و لو بتأويل، كما يعلم من كلام ابن فورك، فإنّه صحّح كلام الأشعرية و قال: معاصي اللّه كلّها كبائر. و إنّما يقال لبعضها صغيرة و كبيرة لا بإضافة، بل بحسب القصود، و قالت المعتزلة: الذنوب على ضربين، صغائر و كبائر، و هذا ليس بصحيح.
أقول: هذا الموضوع واحد من تلك الموضوعات التي كثر الجدال فيها بين المعتزلة و الأشاعرة، و تعصّب كلّ فريق لمذهبه، و استدلّ عليه بأمور عقليّة و نقليّة حتّى حدى ببعضهم إلى تأويل الآيات الكريمة و الروايات لنصرة رأيه، و لو كان لأجل مخالفة المذهب الآخر، و قد شغل هذا النحو من الجدال مصنّفات الأعلام، و غلب على أفكارهم، فصرفوا جلّ اهتمامهم إلى ذلك، فحرموا غيرهم، بل حتّى أنفسهم من قريحتهم الفذة، فصاروا و كتبهم فتنة افتتن بهما من بعدهم، و أصبحت وسيلة لطمس الحقّ و أهله.
أما مقالة الغزالي، فهي و إن كانت حسنة ثبوتا، و لكن لا دليل عليها في مقام الإثبات، بل هي تطويل- للمعاصي الكبيرة و الصغيرة بما بيّنها اللّه تعالى في كتابه الكريم و السنّة المقدّسة- بلا طائل تحته، كما فصّله الفيض قدس سرّه في إحياء الأحياء، و النراقي قدس سرّه في جامع السعادات، و كلمات الغزالي مشحونة من مثل هذه التشقيقات، كما لا يخفى على من راجعها، و سيأتي الكلام في الإحباط و التحابط بالنسبة إلى الثواب و العقاب، و لا ربط لهما بالكبيرة و الصغيرة، مع أنّ ظواهر الآيات الشريفة و الروايات تقسّم الذنب إلى الكبيرة و الصغيرة بالنسبة إلى حيثيّة الصدور، لا حيثيّة الأثر، فخلط بين الحيثيتين، و كم له من هذه المغالطات.
و هناك وجوه اخرى لا يخفى فسادها على من راجعها.
و الحقّ أن يقال: إن اختلاف العلماء في تعريف الكبائر و تعيينها لا يرجى زواله، و لعلّ الحكمة في عدم تعيين الشرع لها، هي الإبقاء على إبهامها و إجمالها، ليكون العباد على و جل منها، فلا تهتك حرمات اللّه تعالى فيها، فلا يتجرّؤوا على ارتكابها اعتمادا على التكفير، بل يعزموا على ترك المعاصي كلّها، لاحتمال وجود الكبار فيها، كما أبهم عزّ و جلّ بعض الأمور أيضا، مثل الاسم الأعظم، ليواظبوا على جميع الأسماء الحسنى، و ليلة القدر ليعظم جدّ الناس و اجتهادهم في المواظبة على الطاعة في جملة من الليالي. و وليّ اللّه تعالى بين الناس ليحترموا جميع الأفراد، فلا يسيئوا الظنّ بأحد منهم، و ساعة الاستجابة في الأيام و غير ذلك.
مع أنّ لنا نقول: إنّ الكبائر قد بيّنها القرآن الكريم و السنّة المقدّسة في الجملة، فإنّ من المعاصي ما قد جعل لها الإسلام حدّا معلوما في الدنيا، كالزنا و اللواط و السرقة و القذف و نحو ذلك من موجبات الحدود المعروفة في الفقه، و هذه لا إشكال عند أحد في كونها كبيرة، و كذا تكون المعصية كبيرة إذا كانت العقوبة عليها النّار، بنصّ من الشرع المبين كتابا و سنّة، فتكون كبيرة لكون العقاب عظيما.
و أما غير ذلك، فإنّه يحتمل أن تكون كبيرة و قد أبهم الأمر فيها عزّ و جلّ، ليكون الناس على حذر منها.
ثم إن الذنوب و المعاصي لها إضافات متعدّدة:
الاولى: الإضافة إلى اللّه عزّ و جلّ، و بحسب هذه الإضافة تكون كبيرة، فإن ارتكابها جرأة على اللّه تعالى، و على هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار من أنّ الذنوب كلّها كبيرة، كما عرفت آنفا.
الثانية: الإضافة إلى الفاعل العاصي.
الثالثة: إضافة بعضها إلى بعض، و بحسب هاتين الإضافتين تتحقّق الكبيرة و الصغيرة في الذنوب، و حينئذ فإمّا أن تكون كبيرة مطلقا و لا صغيرة فيها، كالكذب و الغيبة و البهتان و إيذاء المؤمن، و أكل مال الناس و نحو ذلك. و إمّا أن تكون صغيرة و لا كبيرة فيها إلا مع الإصرار، كوضع اليد على مال الغير بدون إذنه، و النظر إلى الأجنبيّة. و إمّا أن تكون فيه الكبيرة و الصغيرة، كالظلم و الشتم بغير حقّ، و الضرب و القتل كذلك، فبعض مراتب الأوّل صغيرة و الاخرى كبيرة.
موجبات الكبائر:
تقدّم في أحد مباحثنا السابقة أنّ إتيان المعاصي- صغيرة كانت أو كبيرة- و صدورها، يكون باختيار العبد و جرأته، و لكن ذكر علماء الأخلاق أنّ أسباب الكبائر مندرجة في امور ثلاثة:
الأوّل: اتباع الهوى، و الهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذّ به، فيقع الإنسان في جملة من الكبائر، كالزنا و اللواط و قطع الرحم و قذف المحصنات أو كترك الصلاة و ترك الطاعات و غيرها.
الثاني: حبّ الدنيا، فإنّه السبب للوقوع في كثير من الكبائر، كالقتل و الظلم و الغصب، و أكل مال اليتيم، و شهادة الزور و الحيف في الوصية و غيرها، قال نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «أتاني جبرئيل و قال: إنّ اللّه تعالى قال و عزّتي و جلالي، إنّه ليس من الكبائر كبيرة هي أعظم عندي من حبّ الدنيا»، و قال صلّى اللّه عليه و آله: «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة».
الثالث: رؤية الغير، فإنّها منشأ للرياء (الشرك الخفي)، و النفاق و العجب بالنفس و الشرك باللّه العظيم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، و قال صلّى اللّه عليه و آله: «اليسير من الرياء شرك».
طرق تمييز الكبيرة:
ذكرنا أنّه لم يرد في القرآن الكريم تحديد الكبيرة و بيان خصوصياتها، و إنّما أبهم عزّ و جلّ الأمر فيها لطفا بعباده، و لأنّه من إحدى طرق التهذيب و الإصلاح، لئلّا يجترئ الإنسان المغرور على ارتكاب غيرها اتكالا على التكفير، غفلة منه كما عرفت و لكن ذكر العلماء لتمييز الكبيرة عن الصغيرة أمورا:
الأوّل: التوعيد بالنار، و قد دلّت عليه نصوص كثير متواترة بين الفريقين، و تقدّم في البحث الروائي نقل جملة منها، و هو مورد إجماع المسلمين أيضا.
و يمكن الاستدلال عليه بالدليل العقلي، فإنّه ليس بأعظم من النّار شيئا، فإذا كانت المعصية هي الموجبة لورودها، فلا بد أن تكون كبيرة و عظيمة لعظم الغاية، و تختصّ معرفة ذلك بما ورد في الكتاب و السنّة.
الثاني: الإصرار على الصغيرة، إجماعا و نصوصا، كما تقدمت جملة منها، و قد ورد في تفسير قوله تعالى: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ عن الإمام الباقر عليه السّلام: «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر و لا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار، و قد تقدّم في تفسير الآية الشريفة: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [سورة آل عمران، الآية: 135] بعض الكلام فراجع.
الثالث: ثبوت الحدّ الشرعي في الدنيا على المعصية، ذكره جمع من العلماء، و هو صحيح في الجملة، فإنّ ثبوت الحدّ يدلّ على كبر المنهي عنه في الشرع، كالزنا و السرقة و نحوهما.
الرابع: استصغار الذنب، فعن أمير المؤمنين عليه السّلام: «تصغروا ما ينفع يوم القيامة، و لا تصغروا ما يضرّ يوم القيامة، فكونوا في ما أخبركم اللّه كمن عاين»، و هذا لا إشكال فيه ظاهرا و استصغار الذنب إما لأجل جعل التمكّن من ذلك نعمة منه عزّ و جلّ، أو لأجل السرور بفعل المعصية الصغيرة، و إما بالاغترار بستر اللّه تعالى و عدم المبالاة بفعل المعصية و غير ذلك، و يجمعها غرور النفس و الغفلة.
الخامس: أن يكون الفاعل ذا منزلة كبيرة اجتماعيّة، بحيث يقتدي الناس بفعله، فإنّ المعصية الصغيرة حينئذ تكون كبيرة إذا فعله بحضرة من الناس أو بحيث إذا اطلعوا عليه منه فعلوها اقتداء به.
السادس: أن يكون الأثر المترتّب عليه كبيرا جدا.
السابع: شدّة النهي عنها، فإنّها تدلّ على كون المنهي عنه كبيرة.
ثم لا يخفى أنّ الكبائر في حدّ أنفسها تكون مختلفة، فبعضها تكون أفظع‏ و أعظم من الاخرى، و في بعض الأخبار كما مرّ: «أكبر الكبائر الشرك باللّه العظيم».
موجبات محو الذنوب:
و هي كثيرة كما هي المستفادة من الكتاب و السنّة، و قد ذكرنا جملة منها في بحث التوبة في سورة البقرة، و نذكر المهمّ منها في المقام، و هي:
الأوّل: التوبة على ما عرفت التفصيل فيها، و يدلّ عليه الكتاب الكريم، و السنّة الشريفة، و الإجماع المحقّق بين المسلمين، فمن الكتاب آيات كثيرة، قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [سورة النساء، الآية: 17]، و قال تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ [سورة طه، الآية: 82]، و قال تعالى: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [سورة الشورى، الآية: 25]، و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى‏ إِثْماً عَظِيماً [سورة النساء، الآية: ٤۸]، و غير ذلك من الآيات المباركة، و إطلاقها يشمل التوبة عن الذنوب الصغيرة و الكبيرة.
و من السنّة الشريفة ما تقدّم في بحث التوبة فراجع، و يمكن إقامة الدليل العقليّ عليه على ما عرفت التفصيل.
الثاني: الطاعات، فإنّها مكفّرة للسيئات، بل تمحوا آثارها، قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود، الآية: ۱۱٤]، و إطلاقه يشمل جميع السيئات، الصغائر و الكبائر، و قال نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «الصلوات الخمس مكفّرة لما بينها، ما اجتنب الكبائر»، و في حديث آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله: «الصلوات الخمس، و الجمعة الى الجمعة، و رمضان الى رمضان، مكفّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، و يقيّد إطلاق الآية الشريفة بمثل هذه الأخبار.
الثالث: اجتناب الكبائر كما تدلّ عليه الآية الشريفة المتقدّمة، و المستفاد منها أنّ الاجتناب بنفسه مكفّر للسيئات كالتوبة و الطاعة، لا أنّ الاجتناب عن الكبائر يوجب التخلية بين الصغائر و الطاعات الحسنة و هذه الأخيرة تكفّر السيئات، فيدخل تحت قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، بل للاجتناب دخل في التكفير، و له خصوصية خاصّة.
بل يمكن إقامة الدليل العقليّ على المطلوب، و هو: أنّ الأخذ بالصغائر بعد الاجتناب عن الكبائر، مداقة منه عزّ و جلّ في الحساب، و لا ينبغي ذلك بالنسبة إليه تعالى، لأنّه الجواد المطلق و الغفور الرحيم.
ثمّ إنّ إطلاق الآية الشريفة يشمل جميع الكبائر، و هي تكفّر عن السيئات جميعا، ما تقدّم منها و ما تأخّر، إلا أن تكون من حقوق الناس، فإنّها لا تكفّر إلا بأدائها إلى أصحابها، و قد ذكرنا شروط التكفير فيما تقدّم.
و المستفاد من هذه الآية الشريفة ترتيب الثواب على اجتناب الكبائر و الابتعاد عنها؛ لقوله تعالى: وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً، مضافا إلى ما ورد في بعض الأخبار الوعد بالثواب.

تختصّ السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر بحقوق اللّه تعالى، و أمّا حقوق الناس فلا تشملها الآية الشريفة، و تدلّ على ذلك الأخبار الكثيرة، مثل‏ قوله عليه السّلام: «من ترك من أخيه حقّا يطلبه به يوم القيامة»، مع أنّ جملة منها داخلة في الكبائر التي يكون اجتنابها شرطا للتكفير، و يشهد لما ذكرناه ما دلّ على أنّ‏ «أوّل قطرة من دم الشهيد في سبيل اللّه تعالى توجب غفران ذنوبه إلا ما كان من حقّ الناس».

الآية الشريفة من الآيات الداعية إلى الاستكمال، و هي تتضمّن دعوة من الكمال المطلق الحقيقي لتوجيه النفس إلى التربية و التهذيب و الإصلاح بترك كلّ ما يوجب البعد عن معدن الرحمة و العظمة و الجلال و الكبرياء، و توجب القسوة و كدورة النفس، و قد فتح اللّه تعالى على عباده بابا سماّه التوبة و دعاهم إلى السلوك فيه و الدخول منه، و هو حرم اللّه الأكبر الذي من دخله كان من الآمنين، و جعل الطريق إليه اجتناب الكبائر و التكفير بالنسبة إلى علم اللّه تعالى الأزلي المحيط بحقائق الممكنات- كلّياتها و جزئياتها- فالبحث عن السبق و اللحوق لا وجه له حينئذ.
و أما إذا لوحظ ذلك بالنسبة إلى المتدرجات الزمانيّة، فهل يقتصر بالنسبة إلى الماضي أو المستقبل أيضا؟ مقتضى كمال رأفته و عنايته الأزلية بعباده هو الأخير، و يمكن أن يستشهد له بما ورد في بعض الروايات من تأخير غفران الذنوب من عرفة إلى عرفة اخرى، أو من شهر رمضان إلى شهر رمضان قابل.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"