1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآية 25

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (۲٥)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى ما يتعلّق بنكاح الحرائر و بيّن القاعدة الكليّة في ما يحرم من النكاح و ما يجوز، و تعرّض لنكاح الإماء، ذكر عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة شروط نكاح الإماء، و هي الإيمان و انتفاء الطول من نكاح الحرائر و خوف العنت.
و بيّن عزّ و جلّ أصلا من الأصول المهمّة التي لا بد أن يقوم عليه المجتمع الإسلامي و بضمنه الاسرة، و هو كون المؤمنين بعضهم من بعض، يشعر كلّ واحد بالمسئولية تجاه الآخر، و أنّه لا بد من الوفاء بالعهد الذي يطلبه منه الفرد و المجتمع، ثمّ أمر عزّ و جلّ بالصبر عن نكاح الإماء، و أنّه خير لمن يريد نكاحهن، و اللّه غفور رحيم.

قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ.
مادة «طول» تدلّ على الفضل و الزيادة، و منه الغنى و السعة و الاعتلاء، و النبيل، و قد وردت هذه المادّة في ما يقرب من عشرة مواضع، قال تعالى: اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ [سورة التوبة، الآية: ۸٦]، و قال تعالى: فَطالَ‏ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [سورة الحديد، الآية: ۱٦]، و قال تعالى: وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [سورة القصص، الآية ٤٥]، إلى غير ذلك ممّا وردت في الآيات المباركة.
و من أسمائه الحسنى (ذو الطول)، قال تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [سورة غافر، الآية 3]، أي: واسع العطاء و المغفرة و الرحمة.
و المراد به في المقام الزيادة و السعة في المال و الحال و القدرة، فإنّ في التزويج بالحرائر حقوقا و شروطا و أحكاما معينة، و في كلّ ذلك آداب متعارفة بين الناس في نكاح الحرائر، و هي غير معتبرة عرفا في نكاح الإماء، و كذا التزويج بالحرائر يتطلّب المهر و الصداق، بخلاف نكاح الإماء.
فإذا لم يكن له سعة معنويّة و ماديّة في تزويج الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح الإماء المؤمنات، و لم يبيّن سبحانه و تعالى خصوصيات الطول؛ لأنّ المرجع حينئذ العرف، و هو يختلف بحسب حالات الشخص و جهات معيشته، و بحسب الأعصار و الأمصار.
و المحصنات بفتح الصاد و هن الحرائر، بقرينة المقابلة بقوله تعالى: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ، فإنّ الحرية تدعو إلى الإحصان و العفّة، بخلاف الملكية في الإماء.
قوله تعالى: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
جواب الشرط، و المراد بالفتيات الإماء، و إن كانت مسنّة؛ لأنّها كالصغيرة في أنّها لا توقر توقير الحرّة. و إنّما جي‏ء بهذه الكلمة لرفع الحزازة و النقيصة من التزويج بالإماء، أي: ينتقل إلى ما ملكت أيمان المؤمنين من الإماء المؤمنات، فيتزوّج بهن أو يتسرّى.
و إنّما نسب ملك اليمين إلى اليمين؛ لرفع جهة النقصان فيهنّ؛ و لبيان أنّ‏ الجميع في هذا الأمر واحد لاتحادهم في الدين، و إن كان فيهم من لا يريد إلا التزويج و النكاح بالحرائر.
كما أنّ التقييد بالمؤمنات في المحصنات؛ لبيان عدم جواز نكاح غير المؤمنات من المشركات، و لبيان أفضل الأفراد. و أمّا التقييد في الفتيات لبيان أنّ الإيمان يمنعهنّ من بعض الرذائل الخلقيّة، و أنّ اتباع الدين يحفظهنّ عن ارتكاب منافيات العفّة، و الإيمان الصحيح ما كان رادعا عن السوء و الفحشاء، و لبيان جهة الاتحاد بين جميع الأفراد.
و معنى الآية الشريفة أنّ من لم يقدر على نكاح الحرائر المؤمنات و التزويج بهن لعدم قدرته على تحمّل المهر و النفقة، و ما يتطلّبه نكاح الحرّة، فله أن ينكح من الإماء المؤمنات اللواتي اتصفن بالصفات الحميدة و أعرضن عن الفحشاء و المنكر بسبب إيمانهن، فلا يتحرّج من ذلك، فإنّ النكاح بهن حينئذ يمنع من الوقوع في الفحشاء و ارتكاب المآثم. و نكاحهنّ يكون إمّا بالعقد، أو بالتسرّي.
و سوق الآية الشريفة يدلّ على أنّها في مقام التنزيل، فإنّ من لم يقدر على الأوّل ينتقل إلى الثاني، و هما متفاوتان في الدرجة، فتكون الآية الكريمة مبيّنة للصورة النازلة من نكاحي الدوام و المتعة، إتماما لأحكام النكاح و بعض شؤونه و خصوصياته و آدابه.
و قد ذكرنا أنّ إطلاق النكاح في المنزل عنه يشمل الدوام و المتعة، فإنّ لكلّ إنسان رغبة في أحدهما، و إن كانا يختلفان في بعض المراتب، لكنّه غير ضائر، فإنّ حالات الشخص تختلف بالنسبة إليهما، فإذا لم يتمكّن من أحدهما انتقل إلى الفرد الآخر الذي هو أقلّ مرتبة من النكاح الدائم و النكاح المؤقّت؛ لوجود العذر، و هو عدم القدرة على المهر أو الاجرة، و ما يتطلّبه كلّ واحد من الفردين من الأحكام.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا وجه لتخصيص النكاح بالدائم في المنزل عنه الذي‏ هو أحد أفراد النكاح بالمعنى العامّ؛ لكونه هو الفرد المتعارف و الموافق للطبع في نظر الإنسان، فإنّ ذلك لا يوجب تخصيص الآية.
كما أنّه لا وجه للقول بأنّ هذه الآية تكون مؤيّدة بأنّ المراد من الاستمتاع في الآية السابقة هو النكاح الثابت، فإنّه لا تأييد فيها بوجه من الوجوه، بل الآية الشريفة في مقام التنزيل و ذكر أفراد المنزل عنه و المنزل إليه، مع أنّ الآية السابقة ظاهرة في نكاح المتعة- كما عرفت- و أنّ عدم الطول بالنسبة إليها يختلف بالنسبة إلى النكاح الدائم.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ.
جملة معترضة لبيان الوجه في اعتبار الإيمان في الفتيات المؤمنات؛ لأنّ الإيمان قد رفع شأنهن و ساوى بينهن و بين الحرائر، و أنّ الإيمان يرفع المتّصف به إلى أعلى الدرجات، و هو مناط التفاخر، لا الأحساب و الأنساب و الأوهام الباطلة، فرب أمة مؤمنة أفضل من حرّة عند اللّه تعالى لكمالها بالإيمان.
و لكن الإيمان أمر قلبيّ يتفاوت فيه الأفراد، و اللّه تعالى أعلم بدرجات إيمانكم قوة و ضعفا و كمالا و نقصا، و المناط هو الجري على الأسباب الظاهريّة، و الإيمان الظاهريّ هو المبنيّ على الشهادتين و إتيان الوظائف الدينيّة و الدخول في جماعة المسلمين، و هو كاف في التكاليف، و منها المقام، أي: نكاح الأمة. و الآية المباركة في مقام نفي إزالة النفرة عن نكاح الإماء و تأنيس القلوب بهنّ.
قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
بيان لحقيقة من الحقائق القرآنيّة في مطلق الإنسان، فإنّ جميع الأفراد متساوون في الإنسانيّة، فالرقيق إنسان و الحرّ إنسان، لا امتياز بينهما من هذه الجهة و إن اختلفا في بعض الخصوصيات التي يبتني عليها النظام العامّ، و لكن تلك لا توجب القرب و الامتياز عند اللّه تعالى إلا ما بيّنه عزّ و جلّ آنفا، و هو الإيمان و التقرّب إليه سبحانه بالطاعة.
و الآية المباركة ردّ على تلك العادات و التقاليد التي ميّزت أفراد الإنسان على حسب الطبقات، و جعلوا طبقة العبيد و الإماء من أخسّ الطبقات و أرذلها، ممّا أوجب الابتعاد عنهم و الانقباض عن مخالطتهم، لا سيما الازدواج بهم، فكان لهذا التعليم الإلهي و التربية الربانيّة أعمق الأثر في نفوس المؤمنين في ترك ما خلّفته الجاهلية البغيضة من سوء الأخلاق و سفاسف الأمور.
و الآية الشريفة من الآيات المعدودة التي وردت في تهذيب الإنسان و تربيته تربية صالحة، بردّه إلى فطرته، و بيّنت أن أساس الكمال و الرفعة هو الإيمان و اتباع الشريعة بعد تساوي الجميع في شؤون الإنسانيّة، و أن الإيمان يشدّ بعضهم ببعض، و يربطهم بخالقهم و يسعدهم في حياتهم، بعد كونهم متساوين من جهة الإنسانيّة، فلا موجب بعد ذلك للنفرة من الإماء و الابتعاد عنهن، و لا ينبغي للمؤمن أن يصغي إلى الأوهام الباطلة و العادات السيئة، فتبعده عن الحقائق التي تجلب السعادة و الفوز بالفلاح. و الآية الكريمة في مقام التأليف بين الناس و عطف بعضهم مع بعض.
قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ.
شرط آخر من شروط نكاح الإماء، و هو أن يكون نكاحهن بطيب نفس أهلهن، و ذكر الإذن إنّما هو من باب الطريقيّة لإحراز طيب النفس.
و المراد بالأهل الموالي، و إنّما عبّر عزّ و جلّ به لبيان أنّ الفتاة واحدة من أهل بيت مولاها، فيكون مثل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؛ لرفع الحزازة و المنقصة من نكاحهن؛ و لبّث التأليف بين القلوب.
و الآية المباركة تدلّ بمفهومها على حرمة نكاح المملوكة بدون إذن أهلها، و تدلّ عليه السنّة الشريفة أيضا، ففي الحديث الشريف عنه صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه».
و عن الصادق عليه السّلام: «لو تزوّج الرجل بالأمة بغير علم أهلها، فهو زنا»، و الإطلاق في المنطوق و المفهوم يشمل النكاح الدائم و المنقطع.
قوله تعالى: وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
المراد بالاجور في المقام المهور؛ لأنّ المهر عوض البضع، و إضافة الأجور اليهنّ مع كونهنّ مملوكات؛ لبيان أنّ المهر قد استحقّته بميثاق الزواج، و هو يقابل بضعها، و لا ينافي هذا كون الأجر للمالك؛ لأنّه مالك لها و لمنافعها.
و إنّما قيّد عزّ و جلّ الإعطاء بالمعروف؛ للدلالة على أنّه لا حدّ لهذا المهر كما و كيفا شرعا، بل يحدّده العرف و العادة في مثل هذا الزواج، و لكن لا بد أن يكون من غير بخس و لا أذى و لا مماطلة، و هذا هو المعروف في كلّ نفقة أيضا، كما تقدّم في آية النفقة في سورة البقرة.
قوله تعالى: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ.
المحصنات: العفائف، و غير مسافحات لبيان نفي جميع أنواع الزنا، العلن منها و الخفي.
و المعنى: أنّهن قد أقدمن على الزواج للإحصان و التعفّف عن الحرام، فلا يأتين بما ينافي العفّة، كالزنا و اتباع الشهوات. و إنّما اختلف التعبير في المقام عن ما ورد في نكاح الحرائر، قال تعالى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ؛ لأنّ الحرائر أبعد عن الفحشاء من الرجال، فإنّهم أسرع انقيادا لزمام الشهوة، فجعل هذا القيد للرجال الطالبين للزواج، و أمّا الإماء فإنّ الغالب عليهن الزنا، فجعل قيد الإحصان لهنّ، فكأن القيد في كلّ موضع يرجع إلى ما يوافق الطبع و العادة.
قوله تعالى: وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ.
الأخدان: جمع الخدن- بكسر الخاء و سكون الدال- و الخدين: الصديق و الخليل، يستوي فيه المذكّر و المؤنّث و المفرد و الجمع.
و عن بعض أن الأخدان هم الأصدقاء في السرّ للزنا، لا مطلق الصديق و الخليل. و لكن ذلك من باب ذكر أحد المصاديق لا التقييد؛ لأنّ الخدن هو الصاحب و الخليل في كلّ أمر ظاهر و باطن، يقال: رجل خدنة، إذا اتخذ أخدانا و أصحابا، و ذات الخدن هي التي تزني سرّا. 
و المراد بها في المقام هي المرأة التي تختصّ بخلّة الرجل و مصاحبته للزنا و الفجور، و نفي هذا الفرد مع أنّه منفي بالآية السابقة للتأكيد على تركه، لأنّه كان شائعا في الجاهلية، فقد كانت العرب تعيب الإعلان بالزنا بأن تأخذ الأجر من الراغبين فيها و لا تعيب على ذات الخدن، أي: الزنا سرّا مع صديق لها على الخصوص؛ و لذا أفرد سبحانه و تعالى كلّ واحد من هذين القسمين بالذكر، و نصّ على حرمتهما معا، و حرّم جميع مظاهر الزنا، قال تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ [سورة الانعام، الآية ۱٥۱].
و إنّما أتى بصيغة الجمع؛ للدلالة على الكثرة، فإنّ النفس لا تقنع بالخدن الواحد إذا اطلق زمامها و اطيعت في ما تهواه.
قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ.
بضمّ الهمزة و كسر الصاد بالبناء للمفعول، و هي القراءة المعروفة، أي: فإذا أحصن بالتزويج، و قرئ بالبناء للفاعل، أي: أحصن فروجهن و أزواجهن.
و كيف كان، فالمراد من الإحصان التزويج، و هو المناسب للسياق و التفريع، و يدلّ عليه بعض الأحاديث.
و قيل: المراد بالإحصان الإسلام، و استدلّ عليه‏
بما رواه في الدرّ المنثور عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «إحصانها إسلامها».
و لكنه مردود:
أولا: أنّه مخالف لسياق الآية الشريفة.
و ثانيا: أنّ الإحصان حينئذ من فعلهنّ، لا من غيرهن عليهن، الذي هو مفاد القراءة بالبناء للمفعول.
و ثالثا: الحديث معارض بغيره.
نعم، لو كان المراد من الإسلام الحقيقيّ منه، كان له وجه.
قوله تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ.
المراد من الفاحشة هي التي توجب الحدّ، و هي الزنا و المساحقة، و العذاب: الحدّ، و هو هنا الجلد دون الرجم؛ لأنّه لا يقبل التنصيف، و المحصنات هنا الحرائر، و قد ورد الإحصان في القرآن بمعان أربعة، الأوّل: التزوّج، و الثاني: العفّة، و الثالث: الحرّية، و الرابع: الإسلام، كما قيل في تفسير قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ.
و اللام في «العذاب» للعهد، و هو ما ورد في قوله تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [سورة النور، الآية: 2]، فالذي ينصف من حدّ الزنا هو المائة جلدة، و تقدّم أنّ الرجم ليس له نصف، بل هو مقدّمة لإزهاق الروح.
و المعنى: فإذا فعلن الفتيات المؤمنات الزنا بعد إحصانهن بالزواج، فعليهن نصف حدّ الحرائر غير المزوّجات، و هو جلد خمسين جلدة، و يدلّ على ذلك أحاديث متعدّدة مرويّة من الفريقين، سيأتي ذكرها في البحث الروائي.
و ممّا ذكرنا يعرف أنّه لا مفهوم للشرطيّة في قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ؛ لقيام الدليل عليه. و إنّما ذكر إحصان الزواج في الشرط المجرّد عن المفهوم لأنّه كان مفروض الكلام، و قد ذكر في ما تقدّم، فلا يؤثّر الإحصان فيها شيئا زائدا، فهي متّحدة في كلتا الحالتين، و نظير الآية الشريفة في انتفاء المفهوم قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [سورة النور، الآية: 33]، و لعلّ فائدة مفهوم الشرط في المقام لبيان اختلاف حكم الأمة مع حكم الحرّة في هذه الحال، و أنّه يجب عليها الجلد خمسين خاصّة في الحالتين.
و ذهب بعض المفسّرين من الجمهور إلى العمل بمقتضى مفهوم الشرط و الحكم بعدم وجوب الحدّ عليها إذا لم تكن محصنة، و قال: إنّ تفسير المحصنات في هذه الآية الكريمة بالحرائر مقابلة للإماء، ليس بسديد، و أيّده بحصول الشبهة لهن بتجويز الزنا لهن في هذه الحال.
و يردّ عليه مضافا إلى أنّه بعيد عن سياق الآية المباركة- كما عرفت- أنّه مخالف لجملة كثيرة من الروايات أيضا. هذا كلّه إن كان المراد بالإحصان إحصان الزواج و العفّة.
و أمّا إذا كان المراد إحصان الإسلام- كما ذكره جمع- فالآية المباركة تدلّ على المطلوب- و هو نصف عذاب الحرائر، سواء كنّ ذوات بعولة أو لا- بوضوح من غير مؤونة.
قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ.
مادة «عنت» تدلّ على المشقّة و الشدّة، و منه: أكمة عنوت، أي: صعبة المرتقى، و في الحديث: «أيما طبيب تطبّب و لم يعرف بالطبّ فأعنت، فهو ضامن»، أي: أفسد و أوقع المريض في المشقّة و الشدّة.
و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في مواضع خمسة، كلّها تدلّ على المشقّة و الجهد، و قد فسّر جمع من المفسّرين العنت في المقام بالزنا؛ لأنّه نتيجة وقوع الإنسان في مشقّة الشبق و جهد شهوة النكاح.
و قيل: إنّه الإثم؛ لأنّه لا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح، و لكن لا دليل على كون المراد هو الزنا أو الإثم، فالصحيح هو الأخذ بالمعنى العامّ، و هو الشدّة و المشقّة الحاصلة بسبب العزوبة و ترك التزويج بالإماء.
و المعنى: جواز نكاح الفتيات المؤمنات لمن يجد الطول في نكاح الحرائر المؤمنات، إنّما هو لمن يخاف أن يقع في المشقّة و الجهد الحاصل من العزوبة و ترك التزويج بالإماء.
قوله تعالى: وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ.
أن بفتح الهمزة مخفّفة، و الجملة في تأويل المصدر، أي: و صبركم خير لكم، و اختلف المفسّرون في متعلّق الصبر، فالمشهور أنّه نكاح الإماء، فالمعنى: و صبركم عن نكاح الإماء مع عدم الطول و خوف المشقّة خير لكم لما في‏ نكاحهن نوع من الحزازات، و يترتّب عليه من العواقب التي يرغب عنها الأحرار، ككون أمر الأمة بيد المولى في غير ما يعارض النكاح و الاستمتاع، فإنّهما للزوج، و أنّ النكاح في معرض الفسخ بالبيع و انتقال الملكيّة إلى مولى آخر، أو أنّ المهر الذي بذله الزوج يذهب هدرا لو أعتقها المولى، و غير ذلك ممّا ذكرناه في طي كلامنا،
و نسب إلى نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «الحرائر صلاح البيت، و الإماء هلاك البيت».
و أمّا ما ذكره بعضهم من صيرورة الولد المتولّد منها رقّا، فهو غير تامّ عند الإماميّة و بعض فقهاء الجمهور، فإنّ الولد يتبع أشرف أبويه في الحرّية و الإسلام حتّى جعل الإماميّة ذلك قاعدة فقهيّة، و دلّت عليها الأخبار و الإجماع.
و كيف كان، فالآية المباركة في مقام الإرشاد إلى ترك نكاح الإماء، أي: استحباب تركه، لا التحريم، و يدلّ عليه جملة من الأخبار.
و قيل: إنّ المتعلّق هو الزنا، أي: صبركم عن الزنا خير لكم لما فيه من تهذيب النفس و تحصيل ملكة العفّة و التلبّس بلباس التقوى و تحكيم العقل، و ترك اتباع الشهوات، و أيّد ذلك بأن ترك نكاح الإماء لا يجتمع مع خوف العنت و المشقّة، فلا بد أن يكون المراد الصبر عن الزنا، و تركه بالازدواج معهن.
و يمكن الجواب عنه بأن خشية العنت لها مراتب متفاوتة، فبعضها يجامع الصبر، و هو ما إذا علم من نفسه العصمة من الزنا و ارتكاب الفحشاء إذا ترك التزويج بهن، لكن مع المشقّة الشديدة. و لكنّ بعض المراتب لا تجتمع مع الصبر، كما إذا غلب على ظنّه أو علم بأنّه يقع في الفحشاء، فحينئذ يكون النكاح واجبا أو مستحبّا.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: و اللّه غفور يغفر لمن خالف إرشاداته و أوامره، و يمحو آثار سيئاته، و لا يؤاخذه بما يختلج في نفوس المؤمنين، رحيم بعباده يرشدهم إلى ما يصلحهم، و لا يكلّفهم إلا ما يطيقونه.

الطول: في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا مصدر، و هو مفعول به ليستطيع، و ردّ: بأنه بناء عليه يكون المعنى: و من لم يقدر على القدرة.
و أجيب بأنّ طول في المقام هو السعة و الغنى، أي: و لم يكن له القدرة على الغنى و السعة في الحال و المال.
و قيل: إنّه مفعول لأجله، لبيان جهة الاستطاعة المذكورة.
و قيل: إنّه منصوب بنزع الخافض، أي يقدر على الطول.
و مَنْ في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ إمّا شرطيّة و ما بعدها الشرط، أو موصولة و ما بعدها صلة.
و أَنْ يَنْكِحَ في تأويل للمصدر مفعول لكلمة (يستطع)، أو منصوب بفعل مقدّر صفة «طولا»، أي: يبلغ به نكاح المحصنات.
و الفتاة: اسم للمملوكة، كما أنّ الفتى اسم للمملوك، و في الحديث: «لا يقولن أحدكم: عبدي و أمتي، و لكن ليقل: فتاي و فتاتي»، و هو يطلق على المماليك في الشباب و الكبر، بخلاف الأحرار، فإنّه يطلق عليهم في ابتداء الشباب فقط.
و قوله تعالى: وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ عطف على مسافحات، و «لا» لتأكيد ما في «غير» من معنى النفي أو من عطف الخاصّ على العامّ، كما عرفت في التفسير.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل: تدلّ مجموع الآية الشريفة: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ … على مرجوحية نكاح الإماء، حيث اشترط عزّ و جلّ في جواز نكاحهن أمرين: عدم الطول، و خوف العنت، و ما تضمّنته الآية المباركة من الترغيب في نكاحهن عند توفّر الشرطين ثمّ الأمر بالصبر أخيرا و الإرشاد إلى ترك ذلك بل استحبابه، كلّ ذلك يدلّ على مرجوحيّة النكاح بهن و كراهته، و لكن لا يستفاد من جميع ذلك حرمة نكاحهن، و هو المشهور بين العلماء.
و ذهب جمع إلى الحرمة إذا فقد أحد الشرطين المزبورين لمفهوم الآية الكريمة، فإن الأوّل مفهوم الشرط، و الثاني و إن كان مفهوم الصفة، إلا أنّه لا يقصر عن المنطوق في الدلالة، و استدلّوا على ذلك بجملة من الروايات التي حملها على الكراهة أولى من الحرمة، بقرينة جملة اخرى من الأحاديث.
و أمّا المفهوم، فلا حجّة فيه مع سياق الآية الشريفة الدالّ على التنزّه كما عرفت، و لدخول نكاح الإماء بالعقد في الفرض المزبور تحت العمومات الدالّة على الإباحة، و التفصيل مذكور في كتب الفقه.
الثاني: يستفاد من قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ، رجحان النكاح بالحرائر المؤمنات مع التمكّن من المهر.
الثالث: ظاهر الآية الشريفة يدلّ على أنّه لا بد لكلّ نكاح من مهر، و إن لم يكن ذكره لازما في متن العقد.
الرابع: يستفاد من قوله تعالى: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ الردّ على العادات و التقاليد التي كانت سائدة في هذا النوع من أفراد المجتمع‏ الإنساني، و هم العبيد و الإماء الذين كانوا في أشدّ معاناة و أعظم محنة، فاعتبر الإسلام أنّهم من أفراد المجتمع الإنساني، فهم يحسّون ما تحسّونه و يعانون ما أنتم تعانون منه، فإنّ بعضكم من بعض، و إذا انضمّ إلى ذلك الإيمان كان الارتباط أوثق و الوشيجة بين الأفراد أمتن، فإنّ في المجتمع الإسلامي من الروابط بين الأفراد ما لم تكن في أي مجتمع آخر، و لعلّ‏ ما ورد عن علي عليه السّلام: «الناس صنفان، إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، مقتبس من مثل هذه الآية الشريفة، كما تدلّ هذه الآية أيضا على أنّ الأحكام الإلهيّة لا يمكن أن تقبل التغيير تبعا للعادات و التقاليد الباطلة، فإنّها أحكام واقعيّة تشتمل على مصالح.
فلا يصحّ أن يعتبر نكاح الإماء عارا عند الحاجة إليه بعد الإيمان، و أنّه أكبر رادع عن ارتكاب السوء و الفحشاء نوعا.
الخامس: يدلّ قوله تعالى: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، على وجه الحكمة في التشريع في هذا الأمر التكويني، فإنّ اللّه تعالى إنّما شرّع الأحكام المرتبطة بالنكاح مطلقا، لأجل تهذيب هذا الأمر الفطريّ و تحديده، بحيث يحتفظ فيه داعي العقل و الفطرة، فلا يسرح فيه كالبهائم ليس همّه إلا اتباع الشهوة و إرضاء داعي الفطرة، فكان النكاح أمرا تربويّا في نظر الإسلام، و ليس مجرّد كونه أمرا تكوينيّا و اتباعا للشهوة العارمة، و لا بد في النكاح من ملاحظة كونه رادعا عن الفحشاء و صارفا عن السفاح، فالنكاح الشرعي من أهمّ سبل ترويض النفس و تهذيبها، و الصبر عن الحرام.
أمّا التوالد و التناسل، فهما أمران تكوينيّان يترتّبان على المقاربة و غشيان النساء، و يصلحان بصلاح المنشأ و السبب؛ و لذا اهتمّ الإسلام في تحديد العلاقة الزوجيّة بأن حدّد لها شروطا و آدابا؛ لأنّها السبب في صلاح النسل و فساده، فما ذكره جمع من أنّ الحكمة في نظر الإسلام إنّما هو تكوين الاسرة و النسل، فهو خلاف ظاهر الآيات الشريفة، مع أنّ ما ذكروه مترتّب على نوع تلك العلاقة، لا مجرّد تكوين الاسرة و النسل بأي وجه حصل، فربّ اسرة تشكّلت من الحرام و حصل منها النسل الكثير، و لكنّه في نظر الإسلام مذموم و قبيح.
السادس: يستفاد من قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ أنّ الغاية من النكاح هو الإحصان، كما ذكره عزّ و جلّ آنفا، و أنّه لا ينبغي لمن أحصن نفسه فعل الفاحشة و ارتكاب السوء و الآثام، فإنّهما جهتان لا يجتمعان، فإذا صدر منهنّ ذلك فعليهنّ نصف ما على الحرائر من العذاب، و هذا مختصّ بما يقبل التنصيف، و هو الجلد دون الرجم، كما عرفت.

في الكافي: عن الصادق عليه السّلام قال: «لا ينبغي أن يتزوّج الحرّ المملوكة اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا، و الطول المهر، و مهر الحرّة اليوم مهر الأمة أو أقلّ».
أقول: هذه الرواية تدلّ على كراهة التزويج مع فقد الشرط، و التفصيل مذكور في الفقه.
و في المجمع: عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا: «أي: من لم يجد منكم غنى».
أقول: المستفاد من الرواية أنّ ذكر الغنى و المهر في الحديثين من باب بيان ذكر مصاديق الطول، و المراد منهما القدرة العرفيّة.
و في التهذيب: عن أبي العباس البقباق، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: يتزوّج الرجل الأمة بغير علم أهلها؟ قال: هو زنا، إنّ اللّه تعالى يقول: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
أقول: الحديث موافق للقواعد العامّة، فإنّ التصرّف في ملك الغير غير جائز إلا بإذنه، و في النكاح يكون زنا قهرا.
و في تفسير العياشي: قال: «سألته عن المتعة، أ ليس هي بمنزلة الإماء؟ قال عليه السّلام: نعم، أما تقرأ قول اللّه تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ- إلى قوله تعالى- وَ لا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ؟! فكما لا يسع الرجل أن يتزوّج الأمة و هو يستطيع أن يتزوّج الحرّة، فكذلك لا يسع الرجل أن يتمتّع بالأمة، و هو يستطيع أن يتزوّج بالحرّة».
أقول: الحديث يدلّ على أنّ نكاح المنقطع كالنكاح الدائم في هذه الجهة، و تقدّم في التفسير أنّه مستفاد من إطلاق الآية الشريفة، و الحديث ردّ على من زعم أنّ المتعة لا تجوز مع التمكّن من نكاح الأمة.
و في التهذيب: عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سألت الرضا عليه السّلام يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم، إنّ اللّه تعالى يقول: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ».
أقول: الحديث نصّ في أنّ المتعة نكاح يجري فيها ما يجري في النكاح الدائم، إلا ما خرج بالدليل.
و في الكافي و تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السّلام قال: «سألته عن قول اللّه تعالى في الإماء: فَإِذا أُحْصِنَّ، ما إحصانهن؟ قال: يدخل بهنّ، قلت: فإن لم يدخل بهن ما عليهن حدّ؟ قال عليه السّلام: بلى».
أقول: الحديث يدلّ على أنّه لا مفهوم للآية الشريفة بالنسبة إلى إقامة الحدّ عليهن.
و في التهذيب: عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السّلام: «في الأمة تزني، قال: تجلد نصف الحدّ، كان لها زوج أو لم يكن».
أقول: تقدّم ما يرتبط بهذا الحديث، و هو في مقام شرح الآية الشريفة.
و في تفسير العياشي: عن حريز قال: «سألته عن المحصن؟ قال عليه السّلام: الذي عنده ما يغنيه».
أقول: الحديث و إن ورد في الرجل المحصن، لكن مقتضى قاعدة الاشتراك و الأخبار الواردة في هذا السياق، تساوي المرأة المحصنة مع الرجل في هذه الجهة.
و في تفسير القمّي في الآية الشريفة: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ- الآية قال: «يعني به العبيد و الإماء إذا زنيا ضربا نصف الحدّ، فمن عاد فمثل ذلك حتّى يفعلوا ذلك ثماني مرّات، ففي الثامنة يقتلون، قال الصادق عليه السّلام: و إنّما صار يقتل في الثامنة؛ لأنّ اللّه رحمه أن يجمع عليه ربق الرق و حدّ الحرّ».
أقول: قد ورد أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة و الثالثة، و هذا الحديث يشرح ذلك بالنسبة إلى العبيد و الإماء.
و في الكافي: عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في عبد مملوك قذف حرّا، قال عليه السّلام: يجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّ و جلّ فإنّه يضرب نصف الحدّ، قلت: الذي من حقوق اللّه عزّ و جلّ ما هو؟ قال عليه السّلام: إذا زنى أو شرب خمرا فهذا من الحقوق التي يضرب عليه نصف الحدّ».
أقول: الحديث شارح لجملة كثيرة من ما ورد في المقام.
و هناك فروع فقهيّة مرتبطة بنكاح العبيد و الإماء، ذكرنا شطرا منها في كتابنا (مهذب الأحكام)، و من شاء فليرجع إليه.
و في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «المسافحات المعلنات بالزنا، المتخذات أخدان ذات الخليل الواحد، قال: كان أهل الجاهليّة يحرّمون ما ظهر من الزنا و يستحلّون ما خفي، يقولون: أمّا ما ظهر منه فهو لؤم، و أمّا ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ».
أقول: تقدّم في التفسير ما يتعلّق بالآية الشريفة.

الآية المباركة وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ على اختصارها و اسلوبها الرائع الذي يجذب القلوب و تطمئن إليها النفوس، تشمل على أمور مهمّة.
الأوّل: تتضمن النشأة الاخرويّة و إيكال الإيمان إلى عالم الغيب و الشهادة، الذي فيه فوائد جمّة، منها: سوق العباد إلى ذلك العالم.
و منها: جهدهم لدرك هذا المقام.
و منها: انقطاعهم من الدنيا إلى عالم الغيب.
و منها: عدم الاعتماد على النفس، و عدم الاغترار بما يصدر من الإنسان، فإنّ الدرجات متفاوتة لا يعلمها إلا اللّه تعالى.
الثاني: سريان التوحيد في المعبود و العبادة، و بضميمة قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات، الآية: 13]، الذي هو بمنزلة الشارح لهذه الآية، ينتج المطلوب، إذ المراد أنّ اللّه أعلم بتقواكم، فهو أعلم بإيمانكم، و المراد بالإيمان هو التوحيد في العبادة و المعبود.
الثالث: تتضمّن الآية المباركة أيضا على النشأة الدنيويّة في قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فإنّه يبيّن حقيقة واقعيّة، و هي أنّ أفراد النوع الواحد لا تفاوت بينها من حيث النوعيّة و لا تفاضل بحسب الحقيقة، فالحرّ و العبد، و الأمة و الحرّة متساوون في الحقيقة، ففي الآية المباركة الحثّ على ملاحظة الوحدة الاجتماعيّة و نبذ جهات التفرقة و التنافر، و هذا ما أكد عليه الإسلام في مواضع متفرّقة في القرآن، و دلّت عليه السنّة الشريفة.
فالآية الشريفة تبيّن ارتباط العبد مع خالقه، و تحدّد ارتباطه مع بني نوعه أيضا، و تحثّهم بأسلوب لطيف على التعاون و التآلف و التعاضد، بلا فرق بين‏ الأصناف المتفاوتة و الأفراد المختلفة؛ و لذا نرى أنّ أهل اللّه تعالى- و في رأسهم عليّ عليه السّلام- يرون جميع أفراد الإنسان واحدا في حيثيّة كشفهم عن الخالق و تجلّيه فيهم، فتكون الآية المباركة ترغيبا إلى الوحدة و الاتحاد بين أفراد الإنسان، حيث جعل عزّ و جلّ الإنسان نوعا واحدا مركبا من بعض مع بعض، بحيث لو انفصل البعض من الكلّ لا بد و أن يتأثّر الكلّ بذلك، و قد نظم الشعراء في هذا المضمون قصائد ممتعة كثيرة بألسنة مختلفة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"