1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 92 الى 94

وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (۹٤)


الآيات الشريفة تشتمل على أمهات الأحكام و تتضمّن أصلا مهمّا من أصول الشريعة الإسلاميّة، و هو احترام الدماء المصونة و حفظها، و به تتم الأصول الثلاثة الّتي عليها دين خاتم الأنبياء، و قد ذكر سبحانه و تعالى الأصلين الآخرين في الآيات السابقة، و هما احترام المال، و احترام العرض.
كما ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآيات المباركة حال المؤمنين بعد بيان حال الكفّار و المنافقين كذلك بين أحكام قتالهم، و بهذه المناسبة بيّن عزّ و جلّ حكم القتل خطأ و القتل عمدا في ما يقع بين المسلمين بعضهم مع بعض، كما ذكر حكم قتلهم لغيرهم، و شدّد جلّ شأنه في الدم و حرّم قتل المؤمن مطلقا و جعل عليه الكفّارة و الديّة، و لعن تعالى القاتل الّذي قتل أخاه المؤمن عمدا و عدوانا، و أعدّ له العذاب العظيم بعد ما غضب عليه.

قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.
بيان لأهم حكم من الأحكام الإلهيّة في أبلغ أسلوب و أفصح عبارة، فإنّها تدلّ على نفي الشأن الّذي هو أبلغ من نفي الفعل، أي: لا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان اقتضاء لقتل مؤمن أبدا، بل لا يليق بحاله، و لا ينبغي له قتل من تشرّف بالإيمان باللّه و رسوله مطلقا، أي قتل كان، و لو صدر منه في حالات خاصّة، كحالة الحرب و في ساحة القتال.
و مثل هذا النهي الدالّ على نفي الشأن و الاقتضاء كثير في القرآن الكريم، قال تعالى: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [سورة الأحزاب، الآية: ٥۳]، و قال تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [سورة الأحزاب، الآية: ۳٦]، و إنّما ذكر عزّ و جلّ المؤمن لبيان أنّ الإيمان جنّة واقية من كلّ ظلم و جريمة، و هو يمنع صاحبه من قتل أخيه المؤمن بعد أن دخل في حريم الإيمان و حماه.
و الآية الشريفة و إن كانت لنفي الشأن و الاقتضاء، لكنّها متضمّنة للحكم التكليفي، فتنهى عن القتل، فيكون النفي بمعنى النهي للمبالغة و شدّة التنزيه عن ارتكاب القتل، أي: يحرم على المؤمن قتل المؤمن إلّا إذا كان القتل خطأ غير مقصود له بعنوانه، فلا حرمة هنا، فلا يستفاد من الآية الكريمة عدم استحقاق الحرمة في هذا النوع من القتل، فلا حاجة لجعل الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا خَطَأً منقطعا لدفع الاحتمال المزبور، بل الاستثناء على حقيقته، أي: الاستثناء المتّصل- كما عرفت- فتكون الآية المباركة دالّة على عدم وضع الحرمة في الفعل غير المقصود.
و يحتمل أن يكون الاستثناء بمعنى النفي، أي: و لا خطأ، كما استعمل فيه في‏ غير موضع، و يدلّ عليه بعض الأخبار، كما يؤيّده تشديد الأمر في القتل و شدّة الاحتياط في الدماء في الإسلام.
و الخطأ اسم من خطأ يخطأ خطأ، و هو الفعل الخالي عن القصد بعنوانه الفعلي، و يلحق به ما إذا كان فيه القصد إلى شي‏ء زعما، و هو على خلاف الواقع، كما إذا زعم أنّ المقتول كافر جائز القتل، و هو في الواقع مؤمن محقون الدم، و غير ذلك كما ذكرنا في كتاب القصاص و الديّات من (مهذب الأحكام).
و الخطأ حسب التقسيم العقلي على أقسام:
الأوّل: أن يريد غير ما يحسن فعله و إرادته فيفعله، و هذا هو الخطأ التامّ.
الثاني: أن يريد ما يحسن فعله، و لكن يقع منه خلاف ما يريد، فأصاب في الإرادة و أخطأ في الفعل.
الثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله و يتّفق منه خلافه، فهذا الخطأ في الإرادة و لمصيب في الفعل، و هذا هو معنى (أراد) في قوله: أردت مساءتي فأجرت مسرّتي و قد يحسن الإنسان من حيث لا يدري‏. فهذه اللفظة مشتركة كما ترى، و الجامع أنّ من أراد شيئا فاتّفق منه غيره يقال: اخطأ. و إن وقع منه كما أراده يقال: أصاب.
قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
التحرير الإعتاق، و هو جعل المملوك حرّا، و الرقبة و إن كانت بمعنى العنق، و لكن شاع استعمالها في النسمة و النفس، كما يعبّر بالرأس و الظهر عن المركوب، تعبيرا عن الكلّ باسم الجزء المقوّم له. و إنّما عبّر كذلك؛ لأنّ الرقيق يحني رقبته دائما لمولاه.
و المعنى: و من قتل مؤمنا على الخطأ، وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة، و يأتي تفصيل الكلام في البحث الفقهي إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ.
واجب آخر مضافا إلى عتق الرقبة المؤمنة، أي: تسليم الديّة إلى أهل المقتول. و الديّة ما يعطى عوضا عن دم المجنيّ عليه، نفسا كان أو عضوا، و هي مصدر ودي القتيل يديه وديا و دية، كعدة وزنة من الوعد و الوزن.
و من إطلاق الديّة و عدم تقييدها بشي‏ء يستفاد حكاية كلّ ما يرضى به أهل المقتول، و لكن السنّة الشريفة حدّدتها بأمور خاصّة، فهي من الذهب ألف، دينار و من الفضة عشرة آلاف درهم، و من الإبل مائة، و من البقر مائتان، و من الشاة ألف، و من الحلّة اليمانيّة مائتا حلة، و يعتبر في الإبل أن تكمل السنة الخامسة و تدخل في السادسة، و كذا في البقر. و أمّا الشاة، فلا يعتبر فيها شي‏ء و يكفي المسمّى، كما فصّل في كتب الفقه.
و المسلّمة، أي: المدفوعة المؤدّاة إلى أهل المقتول، و هم أولياؤه و ورثته الجامعون للشرائط المقرّرة في الشرع.
قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا.
أي: إلّا أن يتصدّق أولياء القتيل عليه بالديّة، و إنّما سمى العفو عن الديّة بالصدقة حثّا عليه، فلا تجب على القاتل الديّة حينئذ، و لما في الصدقة من الفضل و الأجر، فيكون في العفو كذلك، فإذا عفى يكون له الفضل على القاتل.
كما يستفاد من الآية المباركة أنّ الديّة ممّا يقبل العفو، و أمّا الكفّارة فلا تسقط بحال إلّا إذا عجز عنها، كما ذكر في الفقه.
قوله تعالى: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
أي: فإن كان المقتول خطأ مؤمنا و أهله من الكفّار المحاربين لكم، بأن قتله و هو بين قومه و لم يعلم القاتل بكونه مؤمنا، فلا دية فيه، تخصيصا لأدلّة الديّة، كما ذكرنا في (مهذب الأحكام)، و لكن عليه الكفّارة، و هي تحرير رقبة و عتق نسمة مؤمنة كفّارة لقتله إيّاه.
قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
أي: و إن كان المؤمن المقتول من الكفّار الّذين بينكم و بينهم عهد، فعلى القاتل الديّة و الكفّارة. أمّا الديّة فتسلّم إلى أهله؛ لأنّهم أحقّ بها، و أمّا الكفّارة فهي عتق رقبة مؤمنة، فيكون حكم المعاهد حكم المؤمن، و إنّما أفرده بالذكر تأكيدا لمراعاة العهود و المواثيق، و أنّ كفرهم لا يمنع الديّة بخلاف غير المعاهد.
و إطلاق العهد يدلّ على كونه أعمّ من المؤقّت و المؤبّد، و سواء كان العهد عهد ذمّة أم غيره فيشمل كلّ عهد قرّره الشارع الأقدس.
و إنّما قدّم تعالى هنا الديّة على الكفّارة عكس السابقة، مراعاة لحقوق الذمّة و الميثاق.
قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ.
الضمير يرجع إلى الرقبة؛ لأنّها أقرب، أي: فمن لم يستطع التحرير بأن لم يوجد الرقبة أو لا يملك ما يتوصّل به إليها، فعليه صيام شهرين متتابعين بدلا عنه، و إطلاق الشهر ينصرف إلى القمري منه.
و التتابع: معروف، و هو عدم الفصل بين الأيام بالفطر، و لكن فسّرت السنّة التتابع بأن يصوم الشهر الأوّل من غير فطر، و يصوم شيئا من الشهر الثاني و لو يوما واحدا، فإن تحقّق بعد ذلك ما يخلّ به التتابع فلا يضرّ به، و يأتي نقل بعض الروايات الدالّة على ذلك.
قوله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ.
أي: أنّ ما شرّعه اللّه تعالى من الكفّارة و الديّة في هذا الأمر الفظيع إنّما هو رحمة من اللّه تعالى عليكم و رأفة بكم، فتطهر نفوسكم و تتزكى، فتأخذوا الحيطة لئلّا تعودوا إلى القتل و لو كان خطأ.
و يحتمل أن يرجع هذا القيد إلى خصوص الأخير، أي: أن إيجاب الصوم بدلا عن عتق الرقبة إنّما هو توبة و عطف منه عزّ و جلّ عليكم، فكان تخفيفا من اللّه تعالى عليكم.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
أي: أنّ اللّه تعالى عليم بمصالح العباد و أحوال النفوس و حكيم في تشريع الأحكام، فهو جلّ شأنه يشرّع فيها ما يهديكم إلى الرشاد و ما تصلح به النفوس و ما يوجب سعادتكم في الدارين.
قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها.
بيان للقتل العمديّ المستفاد من الآية المباركة السابقة صدرا و مفهوما، من كونه ليس من شأن المؤمن أن يصدر منه هذا النوع من القتل.
و التعمد: هو القصد إلى الفعل بالعنوان الّذي له عن علم به، يقال: «فعله عمدا»، أي: قصدا لا خطاء و لا عن طريق الاشتباه، بل كان عن التفات و يقين.
و القتل: هو إزهاق الروح، و هو على قسمين- كما تقدّم- مقصود و هو العمد، و غير مقصود و هو القتل خطاء.
و إنّما كان جزاء القتل العمد عظيما لفظاعته، و لأنّه ينافي الإيمان.
قوله تعالى: وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ.
أي: أنّه مضافا إلى أن جزاءه جهنّم خالدا فيها، أنّه غضب عليه انتقاما منه للقاتل لشناعة فعله، و لعنه تعالى فأبعده عن رحمته.
قوله تعالى: وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً.
لا يعلم قدره و لا كنهه أحد إلّا اللّه تعالى، و العذاب: هو كلّ ما شقّ على الإنسان و اشتدّ عليه، و هو تارة نفسي، كالمنع عن المراد مثلا، و ذلك على أنواع‏ كثيرة. و أخرى: خارجي، كالتعذيب بالأشياء الخارجيّة، و كلّ منهما دنيوي و أخروي.
و قد أغلظ سبحانه و تعالى في وعيد هذا الذنب العظيم بما لا يكون في غيره، و يستفاد منه تناسب الجزاء مع الفعل، فإنّه إزهاق لروح مؤمنة بريئة و تعطيل لها عن الكمال و الوصول إلى ما تبتغيه، فكان الجزاء عذاب جهنّم و قطعا للرحمة عنه، و غضبا منه عزّ و جلّ عليه.
و يستفاد من الآية المباركة عدم قبول توبته، و لكن ذكرنا في الآيات الشريفة السابقة لا سيما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ* [سورة النساء، الآية: ٤۸] و أمثالها بما تصلح أن تكون قيدا لهذه الآية، فيكون الوعيد حتما إن لم تكن توبة نصوح في البين من القاتل، و إلّا فالتوبة مقبولة بمقتضى تلك الآيات الشريفة، أو يكون قتل المؤمن لأجل إيمانه، و سيأتي في البحث الروائي بعض الروايات الدالّة على ذلك.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا.
إرشاد إلى حكم فطري، و هو أخذ الحيطة في الأمور و التجنّب عمّا يوجب الندم، و بيان إلهي يهدي المؤمنين إلى التوقّف في من يريدون قتله إذا ظهرت عليه علامات الإيمان، من الشهادة و السلام الّذي هو علامة الاستيمان و تحيّة الإسلام، حتّى يتبيّن الأمر و يتّضح عدم إيمانه فيجب التحفّظ و عدم قتله، و لا يحملوا ما صدر منه على المخادعة، فإنّ الإسلام دين الأمان.
و الضرب: هنا بمعنى السير في الأرض و السفر، و سمّي الضرب سفرا؛ لأنّه يحصل بضرب الأرض بالأرجل، و عن عليّ عليه السّلام في غريب كلامه: «فإذا كان كذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع فزع الخريف»، و تقدّم ما يتعلّق باشتقاق هذه المادّة.
و التقييد بكونه في سبيل اللّه تعالى يفيد أنّه السفر إلى الجهاد و الخروج إلى الغزو في سبيل اللّه تعالى، أو مطلق العبادة و التقرّب إليه عزّ شأنه.
و التبيين: التأنّي و ترك العجلة، و هو التفعّل بمعنى الاستفعال الدالّ على الطلب، أي: التدبّر للتمييز بين المؤمن و غيره.
و حكم الآية الشريفة يوافق الفطرة الّتي تدعو إلى التأنّي و الروية و ترك العجله في مواطن الضرر، حتّى يتبيّن و يتّضح الأمر.
و المعنى: يا أيّها الّذين آمنوا إذا سافرتم إلى الجهاد و منازلة أعداء اللّه و قتالهم في سبيل اللّه تعالى، فتوقّفوا و تأنّوا حتّى تعلموا من يستحق القتل و من لا يستحقّه، فلا تقدموا على قتل أحد إلّا إذا علمتم كونه حربا للّه و رسوله.
قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً.
بيان لعلامة من علامات الإيمان، و هي التحيّة بإلقاء السلام و السلم (بكسر السين و فتح اللام) و السلم (بفتح السين) و السلام واحد، و قرئ بها كلّها، و معناها الاستسلام و الانقياد.
و كيف كان، فالمعنى: و لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدلّ على إسلامه: لست مؤمنا، و إنّما كان عن خوف من القتل و طمعا للبقاء.
قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا.
المراد بعرض الحياة الدنيا في المقام الغنيمة و المال، أي: تقتلونه و تطلبون من قتله الغنيمة و المال.
و التعبير بالعرض لبيان كونه سريع الزوال، و يستفاد منه أنّ تلك هي العلّة في التعجيل في قتله، فلم يكن الغرض من القتال سبيل اللّه تعالى و إقامة دينه.
قوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ.
تعليل للنهي، و يتضمّن الوعد أيضا بما هو أكثر و أبقى و أدوم.
و المغانم: جمع المغنم، و المراد من الكثيرة الدائمة و الباقية، فهي أفضل من‏ مغانم الدنيا الزائلة، فلا بد أن يكون مورد اختياركم، بل هي الّتي تستحقّ الإيثار دون غنيمة الدنيا الزائلة.
قوله تعالى: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا.
أي: على هذا الوصف كنتم من ضعف الإيمان و ابتغاء عرض الحياة الدنيا قبل الإسلام و دخلتم فيه من غير أن تعلم مواطاة قلوبكم مع ألسنتكم، و قبل أن يثبت الإيمان في قلوبكم، فقد منّ اللّه عليكم بإعلان الإيمان و ثباته الصارف عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا حتّى طلبتم ما عند اللّه من المغانم الكثيرة، فيجب عليكم أن تتبيّنوا و لا تتعجّلوا في الحكم، و افعلوا مع الداخلين في الإسلام ما فعله اللّه بكم.
و في تكرار الأمر بالتبيين لما فيه من الأهميّة و للتأكيد في الحكم.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
توعيد على المخالفة، أي: أنّ اللّه لا يخفى عليه شي‏ء، فيعلم جميع نواياكم و كلّ ما تعملونه فيجازيكم عليها.

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:
الأوّل:
يدلّ قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً على أنّ الإيمان جنّة واقية يحفظ بها دماء المؤمنين، و يستفاد من نفي الاقتضاء المستفاد من (ما) النافية المتضمّن للنهي التكليفي أيضا، أنّه لا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان و بعد أن حماه الإيمان اقتضاء للقتل أبدا، و أنّ المؤمن لا يقصد قتل مؤمن أصلا، فإذا تحقّق منه شي‏ء من ذلك لكان قتلا خطأ؛ لعدم وجود قصد إليه، و يستفاد هذا من تكرار لفظ المؤمن أيضا.
الثاني:
يستفاد من تفصيل الحكم في قتل الخطأ- بين قتل المؤمن و هو من المؤمنين، فتكون فيه الديّة و الكفّارة، و قتله و هو بين الأعداء، فإنّ فيه الكفّارة فقط، و قتله و هو بين العاهدين ففيه الديّة و الكفّارة معا- أهميّة هذا الحكم، فإنّه لم يذكر في مورد الخطأ في الشريعة المقدّسة تفصيل بهذا المضمون، مع أنّ الحكم موضوع عن الفعل الخطأ، كما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «رفع عن أمّتي تسع- و عدّ منها- الخطأ و النسيان»، فيستفاد من ثبوت الحكم في مورد الخطأ في المقام و تفصيل الحكم فيه أهميّة الدماء في الإسلام، و أنّه لا يجوز إراقة الدماء المحترمة إلّا إذا ورد من قبل الشارع الأقدس الإذن فيها صريحا.
الثالث:
يستفاد من ثبوت الديّة و الكفّارة في قتل المؤمن خطأ و هو بين قومه من الكفّار المعاهدين، أهميّة العهد و الميثاق، فلا بد أن يحفظ و لا يجوز نقضه.
الرابع:
يدلّ قوله تعالى: وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ على أنّه لا بدّ من رفع ما يوجب التنازع و الخصام في هذا الموضوع القابل للجدال، بأن تكون الديّة حاضرة مسلّمة إلى أهل المقتول بلا تأخير فيها؛ قطعا للنزاع و الخصام، إلّا إذا اتّفق الطرفان على التأخير.
الخامس:
يستفاد من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أنّ العفو من الديّة في هذه الحالة الّتي تثور فيها الضغائن و يشتدّ فيها الغضب، من الصدقة الّتي أمر اللّه تعالى بها في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، و أنّ فيها الفضل الكبير عند اللّه تعالى.
السادس:
يستفاد من قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً شدّة الحكم في القتل العمدي بما لم يكن في أي حرام آخر، فقد أوعد عزّ و جلّ على القاتل كذلك أربعة أنواع من العذاب، الخلود في جهنّم، و غضب اللّه تعالى عليه، و اللعن، و العذاب العظيم، كلّ ذلك لأهمّيّة الدماء في الإسلام و احترامها عند اللّه تعالى، و أنّ إزهاق الروح المحترمة في الشريعة كبيرة موبقة لا يعادلها شي‏ء أبدا، و أنّ كلّ نفس في مقابل الدم المحترم قليل بالنسبة إليه، و لعلّ ما ورد عن الأئمة الهداة المعصومين عليهم السلام: «التقيّة في كلّ شي‏ء فإذا بلغت الدم فلا تقيّة»، ناظر إلى ذلك.
السابع:
يستفاد من قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أهميّة السلام في الإسلام، فإنّه تحيّة تحقن الدم و تحفظ الذمام.
الثامن:
يستفاد من قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أنّه ينبغي للمؤمن أن يكون غرضه من جهاده و كفاحه سبيل اللّه تعالى لا الدنيا الفانية الزائلة، فإنّ عند اللّه تعالى المغانم الكثيرة الدائمة الباقية.
التاسع:
يدلّ قوله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ بعد سرد جملة من الأحكام الشرعيّة و الكفّارة و بدل الكفّارة- و هو صيام شهرين متتابعين- أنّ تلك الأحكام توبة من اللّه تعالى للمجتمع و عناية بهم و رحمة لهم، فإنّ جعل الكفّارة في القتل الخطأ توبة و عناية من اللّه تعالى للقاتل فيما لحقه من آثار القتل و درنه؛ ليكون سببا في تحفّظه، فلا يعود إليه ثانيا، كما أن تحرير الرقبة الّتي هي عب‏ء ثقيل على المجتمع، فإنّ المملوك عضو ميّت و إن كان بصورة الأحياء؛ لأنّه ليس له كمال الاختيار بالتصرّف بما شاء، فيكون تحريره بمنزلة إحيائه بدل ما فقدوا منهم واحد، كما أنّ صيام شهرين متتابعين بدل عتق الرقبة؛ لأنّ له الأهميّة الكبيرة في ترويض النفس و إرغامها على قبول الفضائل و ترك الرذائل، فهو من الأمور التربويّة الإصلاحيّة.
العاشر:
يشتمل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً على العظة و التوبيخ، و لا يدلّ على كون القتل في هذه الآية المباركة من القتل العمد، فإنّ الظاهر أنّ القاتل زعم كون المقتول كافرا و أراد خلاص نفسه بإلقاء السلام، فلم يثق بكونه مؤمنا، فتكون الآية الشريفة ردّا عليه، و توبّخه بأنّ المدار في الإسلام على الظاهر. و أمّا الباطن و الحقيقة، فلا يعلمهما إلّا اللّه تعالى.
و بناء على هذا، يكون قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا نازلا على مقتضى الحال، أي: حالكم في قتل من يظهر الإسلام من دون اعتناء بشأنه حال المؤمن الّذي يجاهد في سبيل الغنيمة و جمع المال، فلا يكون قصده سبيل اللّه تعالى، فإنّ من سبيل اللّه هو الاعتناء بأحوال المؤمنين و الأخذ بظاهر الإسلام، لا ما كان عليه حال المؤمنين قبل الإسلام، فإنّه لم يكن قصدهم إلّا ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى أن من اللّه تعالى عليهم بالإيمان و هداهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
ثمّ إنّ المراد من سبيل اللّه الأعمّ من السير في الأرض- كما هو الظاهر من الآية المباركة- أو السير و السلوك إلى اللّه تعالى في طلب المعرفة و الهداية إلى الحقّ و الإيمان به، فيكون للسير و الضرب حينئذ الدرجات بالارتقاء بأن يصير الإيمان به إيقانا، و الإيقان عيانا، و العيان غيبا، و صار الغيب شهادة و الشهادة شهودا و الشهود شاهدا و الشاهد مشهودا، و بهما أقسم اللّه تعالى: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ [سورة البروج، الآية: 3]، و هذا مقام لا يناله إلّا الأولياء و الأخصّ من الخواص، فيكون المراد من التبيّن التثبيت و المراد من السلام الاستسلام و العطف، أي: و لا تنفّروا أحدا منكم و قولوا له كما أمر اللّه تعالى موسى و هارون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [سورة طه، الآية: ٤٤]، و هذا المقام يستحقّ المنّ منه تعالى، كما دلّت الآية المباركة.
الحادي عشر:
يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ أنّ إلقاء السلام و اعتزال القتال يكون إيذانا بعدم الحرب، و هو كاف في عدم قتله، كما علم من الآيات الكريمة السابقة من النهي عن قتل الّذين يعتزلون القتال و يكفّون أيديهم عنه.
و بعبارة اخرى: أنّ ذلك يكون كافيا في عدم انطباق عنوان الحربي عليه، فلا موجب لقتله، و يدلّ على ما ذكرنا عموم قوله تعالى: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة الأنفال، الآية: ٦۱].

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً: «لا عمدا و لا خطأ، و إلّا في معنى لا، و ليست باستثناء».
أقول: تكون الآية الشريفة نظير قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۰]، أي: و لا الّذين ظلموا منهم، فيكون التشريك في اللفظ و المعنى.
و في المجمع عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام: «نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لأمّه، كان أسلم و قتل بعد إسلامه رجلا مسلما و هو يعلم بإسلامه، و كان المقتول الحارث بن يزيد أبو بنيشة العامري، قتله بالحرّة».
أقول: ذكروا في سبب نزول الآية المباركة أسبابا متعدّدة و جميع ذلك من‏ التطبيق و الجري، لا التعدد الواقعي؛ لأنّ الآية الكريمة بمنزلة قاعدة عامّة لا تختصّ بمورد خاصّ و لا بعصر معين.
و في الدرّ المنثور عن ابن جرير عن ابن زيد قال: «نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلّا اللّه، فضربه ثمّ جاء بغنمه إلى القوم، ثمّ وجد في نفسه شيئا فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فذكر ذلك له، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ألا شققت عن قلبه؟! فقال: ما عسيت أجد، هل هو يا رسول اللّه إلّا دم و ماء؟! فقال: قد أخبرك بلسانه فلم تصدّقه؟! قال: كيف بي يا رسول اللّه؟
قال: كيف بلا إله إلّا اللّه! قال: فكيف بي يا رسول اللّه؟ قال: كيف بلا إله إلا اللّه؟! حتّى تمنّيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: و نزل القرآن: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.
أقول: لا بدّ من حمل الرواية على وجه ينطبق مع الخطأ، و إلّا فظاهرها أنّ الرجل قصد القتل بعد إعلان الشهادة.
و كيف كان، فعلى فرض صحّة الرواية فهي من باب التطبيق.
و في أسباب النزول للواحدي نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة، فقال: «إنّه أسلم و خاف أن يظهر إسلامه فخرج هاربا إلى المدينة، فقدمها ثمّ أتى أطما من آطامها، فتحصّن فيه، فجزعت أمّه جزعا شديدا، و قالت: لا بنيها أبي جهل و الحارث بن هشام- و هما أخواه لأمّه-: و اللّه لا يظلّني سقف بيت، و لا أذوق طعاما و لا شرابا، حتّى تأتوني به، فخرجا في طلبه و خرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتّى أتوا المدينة، فأتوا عياشا في الاطم فقالا له: أنزل فإنّ أمّك لم يؤوها سقف بيت بعدك، و قد حلفت أن لا تأكل طعاما و لا شرابا حتّى ترجع إليها، و لك اللّه علينا أن لا نكرهك على شي‏ء و لا نحول بينك و بين دينك، فلما ذكرا له جزع أمّه و أوثقا له نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة و أوثقوه بنسع، و جلده كلّ‏ واحد منهم مائة جلدة، ثمّ قدموا به على أمّه. فقالت: و اللّه، لا أحلك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به، ثمّ تركوه موثقا في النفس و أعطاهم بعض الّذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد و قال: يا عياش، و اللّه إن كان الّذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، و إن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته و قال: و اللّه، لا ألقاك خاليا إلّا قتلتك، ثمّ إنّ عياشا أسلم بعد ذلك و هاجر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة، ثمّ إنّ الحارث بن زيد أسلم و هاجر بعد ذلك إلى رسول اللّه بالمدينة و ليس عياش يومئذ حاضرا و لم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قباء إذ لقى الحارث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أي شي‏ء صنعت؟! إنّه قد أسلم، فرجع عياش الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه كان من أمري و أمر الحارث ما قد علمت، و إنّي لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنزل عليه جبرئيل عليه السّلام بقوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.
أقول: الاطم (بالضم) بناء مرتفع، و في الحديث: «إنّ بلال كان يؤذّن على أطم»، و آطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون و الجبال. و الظاهر أنّ عياشا لم يسلم مرّتين، و ما أعطاهم من كفره لم يكن عن عقيدة و إنّما كان لدفع الظلم عن نفسه، و ذلك لا يضرّ بإسلامه الّذي كان عن عقيدة.
و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق كما مرّ.
و في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن رجاله عن الصادق عليه السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كلّ العتق يجوز له المولود إلّا في كفّارة القتل، فإنّ اللّه تعالى يقول: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث».
أقول: المراد من الرواية الرقبة الّتي ولدت من غير مسلم، فلا بد فيها من البلوغ و الإيمان حتّى يطلق عليها «مؤمنة»، فلا يجزى الصبي، و أمّا الرقبة المولودة بين المؤمنين أو بين مؤمن و كافر، فلا خلاف أنّه يحكم بالإيمان و إن كان صبيا، و على ذلك يحمل قول العبد الصالح عليه السّلام: «تعرف المؤمنة على الفطرة»، فلا تنافي بين‏ الروايتين. و يدلّ على ما ذكرناه ما عن ابن عباس: «يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان و صام و صلّى، و كلّ رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة، فإنّه يجوز المولود فما فوقه ممّن ليس به زمانه».
و في سنن البيهقي: «أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بجارية سوداء. فقال: يا رسول اللّه، إنّ عليّ عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: أين اللّه؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها. فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الى السماء، أي: أنت رسول اللّه. فقال: أعتقها، فإنّها مؤمنة».
أقول: هذا القدر يكفي في الحكم بالإسلام، فإنّ المناط إظهار الشهادتين بما هو مقدور، بل أنّ الكافر إذا عرض عليه الإسلام و اقتصر على قوله: «اني مسلم» و كان جامعا للشرائط، يؤخذ بإقراره ما لم تكن قرينة مانعة، أو يدلّ دليل على الخلاف.
و في الكافي بإسناده عن الحلبيّ عن الصادق عليه السّلام: «العمد كلّ ما اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصى أو بوكزة، فهذا كلّه عمد. و الخطأ من اعتمد شيئا و أصاب غيره».
أقول: ذكرنا في (مهذب الأحكام) الفرق بين العمد و الخطأ و شبه العمد، و أنّ الرواية موافقة للقاعدة. كما تقدّم فيه مقدار الديّة و أصنافها، فلا وجه لسرد الروايات الواردة في المقام هنا.
و في التهذيب بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «في رجل مسلم كان في أرض الشرك فقتله المسلمون، ثمّ علم به الإمام بعده، فقال: يعتق مكانه رقبة مؤمنة، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ».
أقول: لا بدّ من تقييد الرواية بأنّ قاتله لم يعلم بكونه مسلما، و هي تعطي‏ للإنسان أهميّة و تغلّب جانب الحرية بإعطاء الإنسان قيمته و حياته بدلا عن الضرر الواقع في حياة الأفراد.
في الكافي بإسناده عن محمد بن سليمان عن أبيه قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في الرجل يصوم شعبان و شهر رمضان؟ قال: هما الشهران اللذان قال اللّه تبارك و تعالى: شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ، قلت: فلا يفصل بينهما؟ قال: إذا أفطر من الليل فهو فصل، و إنّما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار، و قد يستحبّ للعبد السحور».
أقول: تمسّك الإمام عليه السّلام بالآية الشريفة؛ لبيان أنّ شهري شعبان و رمضان متتابعان، و هما من أفضل الشهور و فضّل الصيام فيهما، و ليس في مقام تحديد كفّارة القتل.
و في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأوّل، فإنّ عليه أنّ يعيد الصيام، و إن صام الشهر الأوّل و صام من الشهر الثاني شيئا ثمّ عرض له ما له عذر، فعليه أن يقضي».
أقول: لا بدّ من حمل الرواية على الإفطار العمدي و المرض الّذي لا يضرّه الصوم، فحينئذ لا بدّ من الاستيناف، و أمّا لو كان الإفطار- في الصوم الّذي يشترط فيه التتابع- لعذر من الأعذار- كالحيض و النفاس و المرض الّذي لا يضرّه الصوم و السفر الاضطراري دون الاختياري- لم يجب استينافه، بل يبني على ما مضى؛ لقاعدة فقهيّة، و هي: «ليس على ما غلب اللّه عزّ و جلّ على العبد شي‏ء»؛ و لنصوص كثيرة ذكرناها في المجلد العاشر من (مهذب الأحكام).
نعم، لو أفطر في أثنائه لا لعذر وجب الاستيناف. و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل و يوم من الشهر الثاني، كما ذكرنا في كتاب الصوم.
و في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، و قال: لا يوفق قاتل المؤمن متعمّدا التوبة».
أقول: الفسحة بالضمّ بمعنى السعة أو عدم الضيق، و المراد من الحديث: لا يزال المؤمن في سعة من دينه يرجى له الرحمة و يوفّق للخيرات و لو باشر الكبائر ما لم يتعمّد قتل مؤمن، فإذا قتل بعد عن رحمته و لم يوفّق للخيرات، و هو في مقام التغليظ الشديد للقتل، و ذيل الحديث محمول على الغالب و الأكثر.
و في الكافي أيضا بإسناده عن ابن سنان عن الصادق عليه السّلام قال: «قاتل المؤمن متعمّدا له توبة؟ قال: إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، و إن كان قتله لغضب أو لسبب شي‏ء من أمر الدنيا، فإنّ توبته أن يقاد منه. و إن لم يكن علم به أحد انطلق الى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الديّة و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا، توبة إلى اللّه».
أقول: صدر الرواية محمول على ما إذا قتل المؤمن لأجل دينه و إيمانه و لم يندم و لم يؤد الديّة لأولياء المقتول مع رضائهم بها، و إلّا فتقبل توبته بعد تحقّق شرائطها، كما تقدّم في بحث التوبة فراجع.
و عن علي بن جعفر عن أخيه عليهما السّلام قال: «سألته عن رجل قتل مملوكه؟
قال: عليه عتق رقبة و صوم شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا، ثمّ يكون التوبة بعد ذلك».
أقول: لا فرق في الكفّارة في القتل بين كون المقتول حرّا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، كما ذكر في كتابنا (مهذب الأحكام).
و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال: «جزاؤه جهنّم إن جازاه».
أقول: معنى ذيل الحديث إن شاء عذّبه، و إن شاء عفى عنه.
و أخرج البيهقي عن شهر بن حوشب: «انّ أعرابيا أتى أبا ذر فقال: إنّه قتل‏ حاج بيت اللّه ظلما، فهل له من مخرج؟ فقال له أبو ذر: و يحك! أحي والدك؟ قال: لا، قال: فأحدهما، قال: لا، قال: لو كان حيين أو أحدهما لرجوت ذلك لك، و ما أجد لك مخرجا إلّا في إحدى ثلاث، قال: ما هن؟ قال: هل تستطيع أن تحييه كما قتلته؟ قال: لا و اللّه! قال: فهل تستطيع أن لا تموت؟ قال: لا و اللّه ما من الموت بد، فما الثالثة؟ قال: هل تستطيع أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء؟ فقام الرجل و له صراخ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال: ويحك حيّان والداك؟ قال: لا، قال: لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، و لكن اغز في سبيل اللّه و تعرّض للشهادة فعسى».
أقول: يستفاد من هذه القضية مقدار شأن الوالدين عنده تعالى- كما ذكره أبو ذر- و تشديد القتل بغير الحقّ، و لا بد من حملها على عدم تحقّق التوبة مع شرائطها و أداء الديّة، و إلّا فيسقط عنه الذنب إذا ندم و أدّى ما عليه من الحقوق، كما تقدّم.
و في المجمع في قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً. قال: «نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، و قال له: قل لبني النجار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتصّ منه، و إن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلّغ الفهري الرسالة فأعطوه الديّة، فلما انصرف و معه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك فيكون سبّة (عار) عليك، اقتل الّذي معك لتكون نفس بنفس، و الديّة فضل، فرماه بصخرة فقتله و ركب بعيرا و رجع إلى مكّة كافرا، و انشد يقول: قتلت به فهرا و حمّلت عقله سراة بني النجار أرباب قارع‏
فأدركت ثأري و اضطجعت موسد و كنت إلى الأوثان أوّل راجع‏

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لا اؤمنه في حلّ و لا حرم، فقتل يوم الفتح».
أقول: رواه في الدرّ المنثور و غيره من المفسّرين عن ابن عباس و سعيد بن جبير و غيرهما. و العقل الديّة. و السراة جمع السرى الأشراف و الأكابر من القوم، و قارع علم لحصن. و الرواية و إن لم تستند إلى معصوم و لكنّها من باب التطبيق.
و في تفسير القمّي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أنّها: «نزلت لما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من غزوة خيبر و بعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل يقال له مرداس بن نهبك الفدكي في بعض القرى، فلما أحسّ بخيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع أهله و ماله في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، فمرّ به أسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخبره بذلك، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قتلت رجلا شهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه؟! فقال: يا رسول اللّه إنّما قالها تعوّذا من القتل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هلا كشفت الغطاء عن قلبه، و لا ما قال بلسانه قبلت، و لا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحدا شهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، فتخلّف عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حروبه، فأنزل في ذلك الآية».
أقول: روي قريبا من هذا المعنى المحدّثون من المفسّرين، و إن اختلفوا في استناد القصة، فأسندوها تارة لمقداد بن سويد كما ذكره السيوطي في الدرّ المنثور.
و أخرى لمحلم بن جثامة كما عن البيهقي. و ثالثة لمرداس و غيرهم.
و كيف كان، فإنّ جميعها من باب التطبيق لا التخصيص؛ لما تقدّم في التفسير من أنّ الحكم المذكور فيها أمر عقلي، و أنّ للدماء صيانة عقليّة فطريّة، إلّا ما أهدرها الشارع الّذي هو خالق العقل و جاعل الفطرة.
ثمّ إنّ هناك روايات ذكرها السيوطي في الدرّ المنثور: «انّ القاتل المذكور مات فدفنوه فلم تقبله الأرض و أصبح على وجهها ثلاث مرّات، فلما رأوا ذلك استحيوا و خزوا ممّا لقي، فحملوه و اتقوه في شعب من تلك الشعاب».
أقول: تلقي أمثال هذه الروايات بالقبول مشكل جدا، و لعلّ الوجه في ذلك أنّه للعبرة و العظة، و إلّا فإنّ الأرض تستر من هو شرّ منه و أخبث، و اللّه العالم بحقائق الأشياء.

يستفاد من الآيات المباركة الأحكام التالية:
الأوّل: أنّ القتل ينقسم إلى أقسام: فتارة القتل العمدي، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، و حكمه القود كما يستفاد من سياق الآية المباركة و من قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [سورة البقرة، الآية: 179]. و يتحقّق العمد بقصد القتل بما يقتل غالبا، كما تدلّ عليه جملة من الأخبار.
و اخرى: القتل الخطائي، و هو الخالي عن القصد إلى القتل، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً، و حكمه ثبوت الديّة على العاقلة و الكفّارة، ففي صحيح الحلبي عن الصادق عليه السّلام: «انّ العمد كلّ من اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو حجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد. و الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره»، و غيره من الروايات، كما ذكرنا في الفقه.
و ثالثة: الخطأ الشبيه بالعمد، و هو أن يقصد الفعل دون القتل، و تدلّ عليه جملة من الأخبار، منها رواية العلاء بن الفضيل عن الصادق عليه السّلام قال: «الخطأ الّذي يشبه العمد الّذي يضرب بالحجر أو بالعصا الضربة أو الضربتين، لا يريد قتله»، و حكمه الديّة، و يدخل في هذا القسم علاج الأطباء المرضى فيتّفق الموت.
ثمّ إنّه يلحق بالخطإ المحض من ألقى الشارع قصده كفعل الصبي أو المجنون، و كذا يكون منه ما يصدر من النائم كالضرّة إذا انقلبت على غيرها فمات، على تفصيل مذكور في كتب الفقه.
الثاني: مقتضى الآيات الشريفة أنّه لا يجوز في الموارد الّتي ثبتت الديّة القصاص، و كذا العكس إلّا إذا رضي الطرفان بذلك، فيشمله الأصل و الإطلاق و العموم.
نعم، لو لم يمكن القصاص في مورد، تثبت الديّة لا محالة؛ لقاعدة: «عدم ذهاب الجناية هدرا في الشرع».
الثالث: صريح قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اعتبار الإيمان في الرقبة، و المراد بالإيمان مطلق الإسلام، أي الإقرار بالشهادتين، فلا يشترط الإيمان بالمعنى الخاص و يكفي الطفل المتولّد من المسلم؛ للإطلاق، كما تقدّم في الفقه.
الرابع: لزوم الكفّارة و الديّة في قتل الخطأ، و أنّ الكفّارة مترتّبة، و هي تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما هو مقتضى (ما) و الشرط الدالان على التعقيب، و الشهر أعمّ من الهلالي و العددي، كما أنّ التتابع هو اتّصال أحدهما بالآخر، و هو يحصل بصيام الشهر الأوّل و اتّصاله بالثاني و لو بيوم واحد؛ لأنّ المأمور به التابع بين الشهرين، لا بين جميع أيّامهما، و مع عدم القدرة على الصيام فإطعام ستين مسكينا.
الخامس: الديّة في القتل العمدي من مال القاتل نفسه، و كذا دية القتل في شبه العمد، و أمّا دية القتل في الخطأ المحض فهي على العاقلة، و يدلّ على هذا التفصيل الأخبار الكثيرة الواردة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام، كما ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام).
السادس: المقتول خطأ إن كان من قوم أهل الحرب و هو مؤمن، فإنّه تجب الكفّارة فقط لأجل إيمانه، و لا دية على قتله، و إن كان من قوم معاهدين- سواء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم- لهم عهد فتجب الكفّارة و الديّة، كما لو قتل في‏ دار الإسلام، و تكون ديته لورثته المسلمين خاصّة إن وجدوا، و إلّا فهي للإمام عليه السّلام، و على ذلك دلّت جملة من الروايات و قام الإجماع، فتكون هذه الآية المباركة تخصيصا لأدلّة الديّة.
السابع: يستفاد من الآية المباركة أنّ الديّة لا بدّ و أن تؤدّى إلى ورثة المقتول، يقتسمونها كسائر تركة الميت بعد قضاء الدين و تنفيذ الوصية منها، كما فصّل في الفقه، و لو لم يكن للميت وارث تكون الديّة للإمام عليه السّلام؛ لأنّه وارث من لا وراث له.
الثامن: يستفاد من الآيات الكريمة أنّ الديّة حقّ الورثة، فيملكون إسقاطها بالعفو؛ و لذا حثّ سبحانه و تعالى على العفو عنها، و سمّي العفو صدقة؛ تنبيها على فضله، و أنّه «كلّ معروف صدقة»، بخلاف الكفّارة في التحرير و الصوم، فإنّها حقّ اللّه تعالى، فلا تسقط بعفو الأولياء بالصدقة و إسقاطهم لها.

من أجلّ الصفات الإنسانيّة و أسماها الإيمان باللّه جلّت عظمته، و هو انقياد النفس و خضوعها له تعالى بالالتزام بالشريعة و العمل بتكاليفه، و للإيمان آثار أهمّها الزجر و الجذب.
أمّا الزجر: فهو الانتهاء عمّا يدعو إليه الشيطان من الأعمال القبيحة و العقائد الفاسدة و الأخلاق الرذيلة، الّتي تصدّ الإيمان و تعوق عن رقي المؤمن بالتقرّب إليه تعالى، كالرياء و العجب و البخل و غيرها، و كذا الأعمال الّتي فيها الفساد- اجتماعيّا كان أو شخصيّا- كهتك الأعراض و سلب الأموال و إراقة الدماء من غير مبرر شرعي، و كذا الأخلاق الرذيلة كالكبر، و الأنانيّة و غيرهما. فإنّ المرحلة الأولى من توجّه النفس و تربيتها تتوقّف على ترك تلك الأعمال القبيحة، و طرد تلك العقائد الفاسدة و البعد عن الأخلاق الرذيلة.
و لذلك عبّر القرآن الكريم في القتل: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً؛ لأنّ الإيمان به تعالى بنفسه زاجر عن القتل العمدي، فلا يليق بحال المؤمن أن يقتل مؤمنا، و إذا عرض له قتل المؤمن من باب الاتّفاق- أي الخطأ- لأنّ الإنسان مجبول على أن يكون محلا لأن يعرض له الخطأ يتداركه بالكفّارة الّتي هي نوع من العقوبة لما حصل له من التقصير بترك الاحتياط الّذي صار سببا لفقد حياة فرد من أفراد المجتمع، فيكون بذل المال بالتحرير نوعا من تربية النفس و توجّهها إليه تعالى، فإن لم يجد ذلك و لا يمكنه نيل هذه المرتبة من التزكية، فلا أقل من ترك الدنيا و التوجّه إليه جلّ شأنه بالصوم ليذوق وبال خطيئته، قال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [سورة البلد، الآية: ۱٤]، و لذا قال علماء السير و السلوك: إنّ أوّل قدم السالك أن يخرج من الدنيا ما فيها، و ثانية أن يخرج من النفس و صفاتها.
و أمّا الجذب: فهو القابلية للنيل إلى المقامات الّتي تحصل بها العبوديّة المحضة و منتهى التقرّب إليه جلّت عظمته، بل الفناء في سبيله الّذي يتحقّق بالخلع عمّا سواه تعالى. و لهما مراتب كثيرة جدا، و لكلّ مرتبة منها درجات حتّى تحصل المثليّة، كما في بعض الروايات الواردة في النوافل، و الغور في البحث مستلزم الخروج عن الموضوع، و لم أر من يليق بذلك في زماننا هذا.
و بهما يتمّ الإيمان، و في إحداهما- أي الزجر- دون الآخر لا يتحقّق الإيمان و إن اتّصف ذلك بالحسن، فإن ترك القتل حياء أو لأجل القوانين الوضعيّة في حدّ نفسه حسن، و لكن لا يترتّب عليه الأثر المترتّب على الإيمان، و كذا البعد عن الصفات الذميمة أو التخلّق بالأخلاق الحسنة لو حصلا من الكافر، فإنّه في حدّ نفسه متّصف بالحسن، و قد يترتّب عليه الأثر الوضعيّة المترتّبة على ذلك، و لكن الأثر الخاص المنبعث من الإيمان باللّه تعالى لا يترتّب عليه، كما تقدّم في أحد مباحثنا السابقة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"