1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 71 الى 76

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (۷٤) وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (۷٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (۷٦)


بعد ما بيّن سبحانه و تعالى أصول الحكومة الإسلاميّة، و أمر المسلمين بوصايا ينتظم بها شؤونهم و تصلح أمورهم، و وعد الأجر الجزيل و الثناء الجميل للمطيعين للّه تعالى و الرسول، و شدّد النكير على من يرغب عن حكم اللّه تعالى و حكم الرسول إلى حكم غيره من أهل الطغيان.
و في هذه الآيات الشريفة يوجّه عزّ و جلّ المؤمنين للقتال و يحثّهم على الجهاد و يستنهض همهم في إنقاذ المؤمنين المستضعفين، و يأمرهم بوصايا تتعلّق بشأن القتال، و أخذ الحذر من أعداء اللّه تعالى و تجنيد المؤمنين و التهيّؤ للقتال و التعبئة له، و بيّن عزّ و جلّ أحوال المجتمع، و يقسّمه إلى المؤمنين الصادقين و المؤمنين الضعاف‏ الإيمان، و المنافقين المثبطين العزائم، فأرشدهم إلى مكائدهم و سوء سريرتهم و خبث باطنهم، و أمرهم بما يوجب تنشيط عزائم المؤمنين و تعبئتهم، بأمرهم بالقتال في سبيل اللّه تعالى و مدافعة أعداء اللّه الّذين يقاتلون في سبيل الطاغوت، و وعدهم الأجر الجزيل.
و هذه الآيات المباركة تبيّن القواعد الّتي يبتني عليها الجهاد في الإسلام، و الغاية المتوخّاة منه، و هي من الآيات المعدودة الّتي تتكفّل قواعد التعبئة العامّة في الإسلام، و هي تعبئة عقائديّة و روحيّة و جسمانيّة حربيّة. و لا يخلو وجه ارتباط هذه الآيات بالسابقة، فإنّها كارتباط ذي المقدّمة بالمقدّمة.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ.
خطاب توجيهي إلى الّذين آمنوا، أي هم الّذين أحبّوا الإيمان و آثروه على الكفر و الطغيان، فأسلموا أمرهم إلى اللّه تعالى و أطاعوه في تنفيذ أوامره و أحكامه، فأمرهم عزّ و جلّ أن يأخذوا حذرهم من الأعداء بما تقتضيه طبيعة كلّ جهاد و معركة في سبيل اللّه تعالى، و قد صدّر عزّ و جلّ الخطاب بالإيمان؛ لإرشادهم إلى كلّ ما يتعلّق بالإيمان من التوجيهات الأخلاقيّة و التشريعيّة، الّتي لا يلتزم بها إلّا أهل الإيمان.
و مادّة (حذر) تدلّ على الترهيب بالاحتراز عن كلّ ما يخاف منه، و يختلف ذلك باختلاف المقامات و الحالات، و يلازم الحذر الاحتراز و الاستعداد.
و الحذر (بالتحريك) و الحذر بمعنى واحد، و هما مصدران، كالأثر و الإثر، و قيل: إنّ الأوّل مصدر و الثاني ما يحذر به، و هو آلة الحذر، و رجل حذر، أي محترز و مستعد.
و قد اختلف المفسّرون في معنى ذلك، فقيل: إنّه السلاح، بحذف المضاف، أي: آلة حذركم، و المروي عن أبي جعفر عليه السّلام: «خذوا عدّتكم من السلاح». و لكن عطف السلاح على الحذر في غير هذه الآية الكريمة يقتضي المغايرة، قال تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ [سورة النساء، الآية: 102].
و عن بعض: خُذُوا حِذْرَكُمْ أي: ما فيه الحذر من السلاح، و قيل غير ذلك.
و كيف كان، لا اختلاف بين الأقوال، فإنّ الحذر من العدو يستلزم الاحتراس و الاستعداد، و يختلف ذلك فقد يكون بالقول كالكناية و نحوها، أو بالفعل، كمعرفة حال العدو و معرفة وسائل كيده و معرفة أماكنه. و قد يكون بالاستعداد كجمع السلاح و تهيأة العدّة، و هو المراد في المقام بقرينة الآيات التالية، و ما ورد في تفسير الآية المباركة من الأئمة المعصومين عليهم السلام، فيكون المعنى: خذوا حذركم من العدو و احترزوا منهم و استعدوا لهم و احترسوا منهم، و من المعلوم أنّ أخذ الحذر منهم يستلزم معرفة أحوالهم و سبل كيدهم، كما يستلزم معرفة ما يحترس به و ما يتحذّر به من أنواع السلاح و كيفية استعمالها، و غير ذلك ممّا هو داخل في تثبيت الحذر منهم.
قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً.
بيان لما أمره عزّ و جلّ باتّخاذ الحذر من العدو بالتهيّؤ التامّ للخروج إلى الجهاد و الحرب مع أعداء اللّه تعالى، فيكون المراد من الحذر التهيّؤ و الاستعداد للحرب و القتال، و منه أخذ السلاح و حمله، كما عرفت.
و مادّة (ن ف ر) تدلّ على الانزعاج عن الشي‏ء كالفزع، قال تعالى: وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً [سورة الإسراء، الآية: ٤۱]، أي: ينفرون على القرآن الى غيره، و في الحديث: «بشّروا و لا تنفّروا»، أي: لا تلقوهم بما يحملهم على النفور. و النفر في الجهاد إنّما يكون إلى الحرب لا عنها، و قد يستعمل النفر في الخيرات كلّها، و المعروف أنّهم كانوا إذا استنفروا الناس للحرب ينادون: النفير النفير، و في الحديث: «و إذا استنفرتم فانفروا»، أي: إذا طلب منكم النصرة فأجيبوا خارجين إلى الإعانة.
و الثبات: جمع ثبة، على وزن فعلة كحطمة، حذفت لامها و عوض عنها تاء التأنيث، و لامها إمّا واو، من ثبا يثبو، كحلا يحلو، أو ياء مشتقّة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، فإنّك جمعت محاسنه، و هي الجماعة على تفرقة أو منفردة، قال الشاعر:
// و قد أغدوا على ثبة كرام//

و ثبات و جميعا منصوبان على الحال، أي: انفروا جماعة بأن يكونوا فصائل و فرقا، أو انفروا مجتمعين.
و اختلاف النفر كذلك إنّما يكون حسب مقتضيات الحال و الظروف الحربيّة، كما أنّه قد يقتضي الحال أن يكون النفير عامّا أو يكون محدودا على قدر الحاجة، بأن تكون سرية أو طائفة و نحو ذلك، و منه يظهر الترديد في الآية الشريفة.
و الآية الكريمة و إن كانت في الحرب، و لكن تدلّ على المبادرة إلى الخيرات كلّها أيضا؛ لأنّ الحرب و الجهاد في سبيل اللّه تعالى من أكمل الخيرات و أجلاها، فلا ينافي المبادرة إلى مطلق الخيرات أيضا.
قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ.
بيان لحال بعض الأفراد، و وصف دقيق لنفسيّتهم الّتي تكون مصدرا لحركات خاصّة و تصرّفات مخصوصة في حالة الحرب الّتي تتطلّب الثبات في العزيمة.
و الآية الشريفة تصوّر تلك الحالة النفسيّة بأحسن صورة و أكملها، بحيث لا تتأدّى تلك في عبارة اخرى مهما بلغت من الوجهة البلاغيّة، فإنّها تدلّ على أنّ‏ عملية الإبطاء الّتي تصدر من ضعفاء النفوس الّتي سيطر الخوف عليهم، و الخور و الفشل قد تمكّنا في نفوسهم.
و تمثل الآية المباركة في الذهن صورة ذلك الشخص المتردّد المتثاقل الخائف، الّذي يبطأ عن الحركة و يزيده بعدا عن الصفوف المتراصة الّتي تحارب في سبيل اللّه تعالى، فهو يبطئ عن القتال و يبطئ غيره عنه أيضا، فإذا خلص من الحرب تنفّس الصعداء و رجع فرحا مسرورا و حمد نفسه إذا سمع بوقوع القتل في صفوف المسلمين، فيقول: «قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا»، و أمّا إذا سمع بنصرهم و رجوعهم مظفّرين يحملون النصر و الغنيمة، فعندئذ يتحسّر على ما فاته من الغنيمة و الرجوع عن ساحة الحرب من دون أن يصيبه أذى، و يتمنّى و يقول: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما». صورة رائعة تصوّرها الآية المباركة عن الحالة النفسيّة و الشعور المتباطي و حالة الخوف لهؤلاء المبطئين، فهو لا يفكر إلّا في نفسه لعدم تعمّق الإيمان في قلبه.
و الخطاب في وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ عامّ متوجّه إلى الجميع من دون إشارة إلى طائفة معيّنة منهم، و لم يقل: (فيهم)، و هو توجيه تربويّ متين؛ ليعرف المؤمنين الأقوياء الصادقين أنّ فيهم من تكون فيه هذه الحالة، و يصفهم بذلك الوصف الدقيق؛ ليعلم أنّ الحديث موجّه إليهم، و أنّه هو المقصود، و هذا أسلوب من الأساليب التربويّة الإصلاحيّة؛ ليعدل من فيه هذه الصفة موقفه و يستقيم و يرجع الى صفوف المؤمنين و يسلك السلوك القويم، و لا يستفاد من الآية الشريفة ما يدلّ على أنّ هؤلاء المبطئين هم المنافقون فقط، كما زعمه بعض المفسّرين، بل هو عامّ يشمل المنافقين و غيرهم من ضعاف الإيمان، فإنّ في كلّ مجتمع يوجد الصالح و الطالح، و يختلف الأفراد من حيث الصفات الروحيّة و النفسيّة و الأخلاق و الملكات.
و (يبطئن) من بطأ و هو التأخر عن الانبعاث في السير، و التبطّي يطلق على البطء و الإبطاء معا، و الإتيان بصيغة التشديد لما عرفت آنفا من تمكّن عملية الإبطاء في نفوسهم و استحكام هذه الصفة فيها.
قوله تعالى: فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ.
بيان لسوء سرائرهم و ضعف نفوسهم، فإنّه في حالة الخوف يجهد نفسه عند ما يهرب و لم يصبه ما أصاب المؤمنين من قتل أو جرح.
قوله تعالى: قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً.
أي: حاضرا معهم فابتلي بمثل ما ابتلى به المؤمنون، و هذا القول منهم يكشف عن عدم ثبات الإيمان في قلوبهم. و مثل هذا القول يصدر عن كلّ من ضعف الإيمان فيه.
قوله تعالى: وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
من النصر و الغنيمة و نحوهما، و في نسبة الفضل إلى اللّه تعالى دون المصيبة، مراعاة لحسن الأدب مع اللّه جلّ شأنه.
قوله تعالى: لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ.
جملة معترضة بين القول و مقوله من كلامه عزّ و جلّ، و فيها التفاتة تدلّ على زيادة قبح فعلهم، و ضمير الخطاب للمؤمنين، و ضمير الغيبة للقائل، أي: ليقولن قول من لا تجمع بينه و بينكم أيّة مودّة و لو كانت ضعيفة، فإنّها لو كانت و لو على هذه الدرجة لكانت مانعة عن هذا التمنّي، فإنّ الإيمان من أقوى الروابط و أحكمها، و لضعف هذه الرابطة فيهم لا يرون لأنفسهم أيّة رابطة اخرى تربطهم بالمؤمنين، فيتمنّى الأجنبي ما لأجنبي آخر من الفضل.
و إنّما أدرج عزّ و جلّ هذه الجملة بين القول و المقول؛ لئلّا يتوهّم أحد أنّ تمنّيهم المعيّة مع المؤمنين ليس لأجل النصرة و المظاهرة على ما تقتضيه العادات و التقاليد في تلك العصور، بل كان لأجل الحرص على حطام الدنيا.
قوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً.
المراد من الفوز العظيم هو حطام الدنيا على طريق التهكم و تعظيم هذا الأمر منهم، و جعل المصيبة الّتي أصابت المؤمنين نعمة يدلّ على ضعف إيمانهم.
قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ.
بعد ما بيّن خطأ سلوك المبطئين الّذين يريدون من عملية الإبطاء التخلّف عن القتال، و ذمّهم و شنّع عليهم بأبلغ أسلوب، و أرشد المؤمنين إلى أنّ العقدة الحقيقة في تخلّفهم عن الطريق الصحيح هو الحرص على متاع الحياة الدنيا.
يبيّن عزّ و جلّ في هذه الآية المباركة الحقيقة المطلوبة، و هي أنّ المؤمنين يبيعون متاع الحياة الدنيا ليشتروا به النعيم الأبدي الحقيقي، و في الآية الكريمة الحثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى، بتذكيرهم أنّ المؤمنين قد شروا بالإيمان الحياة الدنيا بالآخرة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111].
و في الآية الشريفة توجيه تربويّ متين، فإنّ اللّه تعالى لما خاطب الجميع بما فيهم الضعفاء و الأقوياء، ثمّ وصف أفعال الضعفاء و تمنّياتهم و حكى أقوالهم، دون أن يشير إلى أعيانهم؛ لما في ذلك من أثر نفسي كبير- كما عرفت- ثمّ أهملهم في هذه الآيات ليرجعوا إلى أنفسهم فيشعروا بالإثم و يطهّروا نفوسهم من الذنب العظيم، ذنب التبطّي عن القتال و القعود عنه، ثمّ وجّه الخطاب إلى المؤمنين و وصفهم بصفات المسلم الحقيقي و المؤمن باللّه العظيم إيمانا حقيقيّا، و هي القتال في سبيل اللّه و بيع الحياة الدنيا بالآخرة. و هذا التحوّل في الخطاب من أهمّ السبل التربويّة؛ لتحوّل المذنب عن موقفه إلى الموقف المطلوب.
قوله تعالى: وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ.
حثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و بيان للغرض من القتال في الإسلام، و أنّه ليس لحميّة و لا عصبيّة و لا للحظوظ الدنيويّة، و أنّ الفائدة المتوخّاة منه هي الأجر العظيم في الآخرة، لا يعلم أحد كميّته و لا كيفيّته إلّا اللّه تعالى، و قد ذكر عزّ و جلّ أنّ العاقبة المحمودة من الجهاد إمّا القتل أو النصر، و على كلتا الحالين فللمجاهد الأجر العظيم.
و إنّما قدّم عزّ و جلّ القتل مع أنّ المقام مقام الحثّ و التشجيع، و هو يقتضي ذكر النصر أوّلا، و تأخير ذكر القتل الّذي تنفر منه النفوس؛ للإرشاد إلى أنّ المؤمن ينبغي أن يكون همّه أحد الأمرين، إمّا إكرام نفسه بالقتل و الشهادة، أو إعزاز الدين بالنصر، و لا يحدّث نفسه بالهرب كما كان عليه المبطئون، و أنّه لا بد له من الثبات و العزيمة و التجرّد عن المادّة و الخلوص للّه تعالى، فلا يغري نفسه بالنصر فقط، بل يوطّنها على القتل.
و من ذلك يعلم أنّه لم يذكر عزّ و جلّ الاحتمال الثالث- و هو الانهزام- لأنّ المؤمن قوي العزيمة ثابت على الإيمان، لا ينهزم و لا يحدّث نفسه بالهزيمة؛ لأنّها خيانة، و المؤمن بري‏ء منها.
و من هذه الآية الشريفة نستفيد أمرا تربويّا دقيقا، فإنّ اللّه تعالى إنّما وضع الجهاد و كتب القتال على المؤمنين؛ لأجل التجرّد الكامل للّه تعالى، و بيع الحياة الدنيا بما فيها من رغبة النصر و الاستيلاء على أعداء اللّه تعالى، حتّى يحظى برضوان اللّه تعالى و يشتري بها الحياة الآخرة، فكأنّ ذكر القتل ابتداء وقع من ذكر النصر، و له الأثر الكبير في النفوس و تشجيع الهمم و حثّ المتثاقلين، فإنّ الّذي يذهب للجهاد ليموت، لن يتغيّر موقفه حتّى يرزق النصر، بخلاف من يذهب للنصر و الغنيمة، فإنّه يتغيّر موقفه حين يقابل الموت، فيحدّث نفسه بالهزيمة.
قوله تعالى: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
أي نعطيه الأجر العظيم و لا يفوته ذلك، و في الالتفات مزيد حثّ و ترغيب، و إنّما وصف الأجر بكونه عظيما؛ لأنّه لا يعرف حدوده في الكم و الكيف أحد إلّا اللّه تعالى، و هذا الوعد منه عزّ و جلّ مترتّب على كلا الاحتمالين القتل و النصر.
نعم، الّذي غلب في سبيل اللّه تعالى فأمره مراعى في استيفاء ذلك الأجر.
قوله تعالى: وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
زيادة في الحثّ و التحريض المستفاد من الالتفات إلى الخطاب، بعد توضيح القاعدة في الجهاد في الإسلام. و قد ذكر في هذه الآية المباركة فائدة اخرى شريفة تصبوا إليها النفوس العالية، و هي نصرة المستضعفين و المظلومين.
و معنى الآية الكريمة أن لا عذر لكم في ترك القتال في سبيل اللّه تعالى.
و يستفاد من هذه الآية الشريفة انحصار القتال في سبيل اللّه، و هذا ما يؤكّده القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، و إذا عطف عليه شي‏ء آخر في بعض الآيات- و منها المقام، أي: نصرة المستضعفين و المظلومين- فإنّما هو لأجل أنّ ذلك من مصاديق سبيل اللّه تعالى، و من طرق إقامته، فإنّ سبيل اللّه لا يمكن أن ينال حتّى يستنقذ المستضعفون من الظلم.
قوله تعالى: وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ.
طريق آخر في إقامة كلمة الحقّ و تثبيت لسبيل اللّه تعالى، و هو يعمّ كلّ خير، و منه إنقاذ المظلومين، كما أنه لا يؤمّن سبيل اللّه إلّا باستنقاذ المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان من ظلم العتاة و الجبابرة.
و في الآية المباركة استنهاض للمؤمنين و تهييج لهممهم، و إغراء لهم بأنّ أهليكم و إخوانكم يعانون الأمرّين من ظلم الظالمين ليفتنوهم عن دينهم، فيجب استنقاذهم لأنّهم منكم، و قد جمعتكم رابطة الدين الّتي هي من أقوى الروابط، فإنّ الإسلام قد أهمل كلّ نسب و سبب غير الإيمان باللّه تعالى.
و إنّما ذكر تعالى الولدان- جمع ولد- و هم الصبيان بالخصوص، لأجل بيان فرط ظلم الكفّار، و أن ظلمهم و أذاهم وقع على النساء و الصبيان غير المكلّفين‏ أيضا، و الّذين هم يحتاجون إلى الرعاية و الترحّم و الانعطاف أكثر من غيرهم، و لعلّ في ذلك ارغام لآبائهم و أمهاتهم و بغضا لمكانتهم.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها.
استنهاض آخر لهم في تقديم المعونة للذين تربطهم معهم رابطة الإيمان مضافا إلى أنّهم منهم، و هم أبعاضهم و أفلاذهم، و مؤمنون باللّه العظيم يدعونه خوفا و طمعا بعد ما انقطعت بهم الأسباب؛ لأنّهم فقدوا من قومهم كلّ عون و حرموا كلّ مغيث، فكانوا مذللين معذبين لأجل دينهم، يستغيثون اللّه تعالى بقولهم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها.
و الآية المباركة بأسلوبها الرفيع و فصيح عبارتها، بيّنت كمال انقطاعهم إلى ربّهم و قوّة إيمانهم، حيث لم يستغيثوا إلّا بمولاهم الحقّ ليفرّج عنهم كربهم و يخرجهم من تلك القرية الّتي هي وطنهم الظالم أهلها لهم، و لم يذكروا شيئا آخر ممّا كان دائرا في العصر الجاهلي من العصبيّة و نحوها، فلم يقولوا: يا قوماه، أو يا للرجال و نحو ذلك.
و المراد من القرية مكّة المكرّمة الّتي ظلم أهلها المشركون المؤمنين أشدّ أذية ليردّوهم عن دينهم. و إنّما وصف أهلها بالظلم دون القرية، كما في غير هذا الموضع قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ [سورة الحج، الآية: ٤٥]، و قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ [سورة الحج، الآية: ٤۸]، لأنّ مكّة مكرّمة فلا يقال لها قرية ظالمة، و إنّما اختصّ أهلها بالظلم.
قوله تعالى: وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا.
دعاء آخر منهم يطلبون منه جلّت عظمته أن يجعل منهم وليا يلي أمرهم ليرشدهم إلى أمور دينهم و دنياهم، فإنّه أعلم بمصالحهم من غيره.
قوله تعالى: وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً.
دعاء ثالث يطلبون منه أن يجعل لهم نصيرا ينصرهم على من أذاهم فاستجاب لهم ربّهم دعاءهم، فجعل لهم خير ولي و خير نصير، فحماهم و نصرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله حتّى صاروا أعزّ أهلها بعد ما كانوا أذلة ضعفاء.
و في تكرار الفعل و متعلّقيه مبالغة في التضرّع و الابتهال، و حصر الطلب فيه عزّ و جلّ، فإنّهم يتمنّون الوليّ و النصير لكنّهم لا يرضون إلّا أن يسألوا ربّهم.
قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
بيان لحقيقة من الحقائق الإيمانيّة، و هي في نفس الوقت توجيه للمؤمنين بأنّ قتالهم لا بدّ أن لا يكون لغرض دنيويّ، بل يكون دائما في سبيل اللّه تعالى و التقرّب إليه عزّ و جلّ، و قياس بين الطائفتين المؤمنة الّتي لا تقاتل إلّا في سبيل اللّه، و الكافرة الّتي ليس لهم أي غرض سوى الأغراض الدنيويّة الوهميّة، فيعلم شرف الطائفة الأولى على الثانية؛ لأنّ سبيل اللّه يوصل لا محالة إلى اللّه تعالى، بخلاف سبيل الكفّار الّتي لا توصلهم إلّا إلى الهلاك و البوار. و لا ضير في اختلاف الدوافع عند المؤمنين في القتال، فتارة: يريدون من القتال الدفاع عن الحقّ، و اخرى: دفع عدوان الكافرين، و ثالثة: لاستنقاذ المستضعفين، و رابعة: لإزالة القوى الّتي تقف في سبيل الدعوة و الحقّ و غير ذلك ممّا هو كثير، فإنّها جميعا من وجوه سبيل اللّه و مصاديقه، بل لا تحقّق له إلّا بذلك.
قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ.
بيان لحقيقة اخرى بالنسبة إلى الفئة الكافرة الّتي لا تقاتل إلّا في سبيل الطاغوت الّذي هو سبيل الشيطان و لا يوصلهم إلّا إلى الهلاك، و لا فرق في قتالهم بين أن يكون مع الإسلام و المسلمين و دين الحقّ أو كانوا يقاتلون بعضهم بعضا، فلا يكون قتالهم إلّا في سبيل الطاغوت و إنّ كلّ قتال لهم لا يكون إلّا كذلك ما داموا معرضين عن الإيمان باللّه تعالى و رسوله، و مهما كانت شعاراتهم و أقوالهم، و هذا ما نراه في الجاهليّة المعاصرة الّتي استمدت شعارات برّاقة ليقاتل تحتها المؤمنين المستضعفين، و هي شعارات زائفة من سبل الطاغوت، فالآية المباركة تبيّن حقيقة كلّ واحد من الفريقين و أهدافهم ليعلم غيرهم ذلك، و يثبت المؤمنين على طريقتهم و يعرضوا عن طريق أعدائهم، و يرجع المخدوعون إلى الحقّ و يسيروا على نهج المؤمنين و هديهم.
قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ.
تحريض آخر للمؤمنين بالقتال ببيان ضعف سبيل الكافرين و تأكيد للحكم المزبور- و هو القتال في سبيل اللّه تعالى- و بيان للقاعدة الّتي يستند إليها المؤمنون الّذين هم أولياء اللّه تعالى، و صلابتها أمام تلك الّتي يقف عليها أعداؤهم الّذين هم في ضلال، لأنّهم أولياء الشيطان خارجون عن ولاية اللّه تعالى، فيجب قتالهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه تعالى، فهؤلاء يقاتلون في سبيل اللّه، و الكفّار يقاتلون في سبيل الطاغوت.
قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً.
لأنّ الشيطان مهما تجبّر و تكبّر فهو ضعيف في حدّ نفسه؛ لأنّه باطل و لا قوّة له، فضلا عن القياس إلى قدرة اللّه تعالى و عظمته الّذي يقاتل أولياؤه في سبيله و هو وليّهم، و الشيطان وليّ الكافرين.
و في الآية الكريمة كمال العناية بالمؤمنين؛ لأنّ اللّه تعالى القوي القدير هو وليّهم يرعى شؤونهم. و تحريض لهم بأنّ الشيطان مهما تجبّر و تطاول، فإنّه ضعيف، فلا يرهبكم مكائده و حيله مهما بلغ في العدّة و العدوان، فإنّ اللّه على نصركم لقدير.
و لمثل هذه الجملة أثر نفسيّ كبير في نفوس المؤمنين الّذين يريدون القتال في سبيل الحقّ، و هم يذعنون بأنّهم أقوياء لا يغلبهم الباطل، فتطمئن نفوسهم بالغلبة و النصر مهما كان في جانب الباطل من القوّة في العدد و العدّة.

ذكرنا ما يتعلّق باشتقاق كلمة الثبات و النفر، و القراءة المعروفة في الأخيرة هي كسر الفاء في (انفروا) في الموضعين، و قرأ بعضهم بالضمّ فيهما.
و أما ثبات، فالمعروف بكسر التاء، و هي بحسب القاعدة في جمع المؤنّث، و حكى بعضهم الفتح.
و قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، فإنّ اللام الأولى لام التأكيد الّتي تدخل على خبر إن أو اسمها إذا تأخّر، و الثانية جواب قسم. و قيل: زائدة، و جملة القسم و جوابه صلة الموصول.
و في قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ من الدقّة في تصوير المعنى ما لا يخفى، و تعتبر من الوجهة البلاغيّة في أعلى درجات الفصاحة، فإنّ في هذه الصياغة تستفاد الصورة الكاملة من اللفظ و المعنى لعملية الإبطاء المتتابعة، كما عرفت في التفسير.
و أمّا قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، فإنّه اعتراض بين القول و المقول، جي‏ء به لزيادة قبح فعلهم و التشنيع عليهم، و فيه وجوه بلاغيّة، مثل الالتفات، و تنكير المودّة، و التشبيه الفصيح، و نفي الكون، و غير ذلك من الوجوه الّتي جعلت الجملة في أعلى درجات البلاغة، فإنّ فيها من التقريع و التوبيخ بألطف القول و أحسن عبارة و أرقّها، ممّا تؤثّر في النفس ما لا يؤثّر النبز بالألقاب و الطعن بالقول السي‏ء.
و كَأَنْ حرف تشبيه تأتي ثقيلة و مخففة، فإن وليها ما كان يليها و هي ثقيلة، فإنّها ترفع الجملة على الابتداء و الخبر، و يكون اسم كأن ضمير الشأن‏ محذوفا، و تكون الجملة في موضع خبر كأن، و إذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهرا و ترفع الخبر، فنقول: كأن زيدا قائم، و التفصيل مذكور في كتب النحو.
و (يشرون) في قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ مضارع شري، و هو من الأضداد يأتي بمعنى باع- كما في قوله تعالى: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [سورة يوسف، الآية: 20]، و بمعنى اشترى، و المراد من الموصول المنافقون حيث أمروا بترك النفاق و المجاهدة في سبيل اللّه تعالى.
و أمّا قوله تعالى: وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ، فهو إمّا عطف على اسم الجلالة، أي في سبيل اللّه، و في سبيل المستضعفين و هو تخليصهم من الظلم و الأسر، أو عطف على (سبيل) بحذف مضاف، أي في خلاص المستضعفين، و يجوز نصبه بتقدير فعل- كأعني و أخصّ و نحوهما- و قوله تعالى: مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ بيان للمستضعفين.
و الوصف في قوله تعالى: مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها صفة قرية، و تذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإنّ اسم الفاعل و المفعول إذا أجري على غير من هو له، فتذكيره و تأنيثه على حسب الاسم الظاهر الّذي عمل فيه، و لم ينسب إليها الظلم تشريفا و تكريما، فإنّ مكّة مكرّمة.

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:
الأوّل:
يدلّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً على القاعدة الّتي يعتمد عليها الجهاد في الإسلام، و هي الدفاع عن كيد الأعداء و ظلم الظالمين، و ربط هذه القاعدة بالإيمان بحيث لا تخرج عن‏ التوجيهات الإيمانيّة، فإنّ الإيمان يرتبط بتوجيهات أخلاقيّة و أحكام تشريعيّة لا يلتزم بها إلّا المؤمنون.
و في الآية المباركة التذكير الدائم للمؤمنين و تحديد مهمّتهم. و لم يذكر سبحانه و تعالى كيفيّة الحذر و لا خصوصياته؛ إيكالا لما تتطلبه الظروف الحربيّة في كلّ مكان و زمان. فالآية الشريفة على إيجازها البليغ تحدّد المسؤوليّة في الجهاد بأن لا يخرج عن الحدود الإيمانيّة، و الغرض من الجهاد و هو الدفاع و الحيطة من الأعداء.
الثاني:
يدلّ قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ- بضميمة صدر الآية الشريفة- على وجوب الاستعداد للجهاد و بذل كلّ جهد في سبيله، لئلّا تموت العزائم في إقامة الحقّ و تخور القوى في تطهير الأرض من الظلم.
الثالث:
تدلّ الآية الكريمة: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ على أنّ في صفوف المؤمنين من لا يفكّر إلّا في نفسه؛ لأنّ الإيمان لم يتعمّق في قلبه، متذبذب في تفكيره و متردّد في أفعاله، يتبع المصلحة الوقتيّة المادّية، فتارة يتمنّى الدخول في سلك المؤمنين إن اصابوا المغانم مع كمال البعد بينه و بين المؤمنين، و اخرى يفتخر و يتشدّق بعدم الانخراط فيهم، فلم يصبه من القتل و الجراح في سبيل اللّه تعالى، فالآية المباركة تصوّر واقع هؤلاء بأحسن تصوير و تبيّن حالتهم النفسيّة بأوجز عبارة و أبلغ أسلوب، و لا تختصّ بعصر النزول، فإنّ مضمون الآية المباركة عامّ يشمل جميع الأعصار، كما لا تختصّ بالمنافقين و إن كانوا أجلى الأفراد؛ لأنّ الآية الشريفة تخبر عن تلك الجماعة الّتي لم يتعمّق الإيمان في قلوبهم، و هو أعمّ من النفاق؛ لأنّ في كلّ قوم صالحا و طالحا.
الرابع:
يدلّ قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً على كمال البعد بينهم و بين المؤمنين، و أنّ تفكيرهم المادّي هو الّذي أوجب هذا البعد، فإنّ اللّه تعالى جعل رابطة الإيمان من أقوى الوشائج الّتي تجمع بين أفراد المؤمنين؛ لأنّها تنبع من القلب و تكون خالصة من كلّ الظواهر المادّية الّتي تؤول إلى التفكّك و البعد بينهم و بين المؤمنين، فلا يتمنّون ما لا ينبغي لهم أن يتمنّوه، فإنّ قصدهم كان لأجل حطام الدنيا الّتي تؤول إلى الزوال.
الخامس:
يدلّ قوله: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ على أنّ القتال في الإسلام إنّما يكون في سبيل اللّه، و لا يقوم بهذه المهمّة إلّا من باع الحياة الدنيا الفانية الزائلة بالآخرة الباقية الدائمة، فالآية الكريمة على إيجازها البليغ تتضمّن جميع جوانب الجهاد و القتال في الإسلام من العلّة الفاعليّة، و هي المؤمنون الّذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، و العلّة الغائيّة و هي طلب رضاء اللّه تعالى و السعي في سبيله، و قد عدّ عزّ و جلّ في المقام من وجوه سبيل اللّه تعالى القتل و الغلبة، و إنقاذ المستضعفين من المؤمنين. و العلّة الصوريّة و هي النفر ثباتا أو النفر جميعا وفق الظروف الحربيّة، و العلّة المادّية و هي الحذر و الاستنهاض في الاستعداد بجميع صوره، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في الجهاد في الإسلام إن شاء اللّه تعالى.
و الآيات الشريفة تتضمّن الأسس التربويّة في هذا المضمار، و كلّ ما يتطلبه الوضع الحربي من إعداد النفوس و تقويتها و استنهاضها للقتال، و طلب العون و النصرة من اللّه العلي القدير، و أدب الدعاء من الخضوع و الخشوع لدى جنابه، فهي من الآيات المعدودة الّتي تشتمل على جميع ما يتطلبه الحرب و الجهاد، كما هو المعروف.
السادس:
يدلّ قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً على وجود الضعف في كيده دائما بل هو لازم ذاته، و تتضمّن الآية الكريمة نكتة لطيفة قرآنيّة، و هي أنّه سبحانه و تعالى وصف كيد النساء بالعظمة، قال تعالى محكيّا عن عزيز مصر: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [سورة يوسف، الآية: 28]. و وصف كيد الشيطان في هذه الآية المباركة بالضعف.
و لكن الضعف إنّما يكون في جنب نصرة اللّه تعالى لأوليائه و حفظه لهم، كما قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ* [سورة الحجر، الآية: ٤۲]، و عظمة كيد النساء بالنسبة إلى الأمور المادّية و الشهوانيّة، فيكون كيدهن عظيم بالإضافة.
السابع:
يستفاد من قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أنّ كلّ قتال مع المؤمنين إنّما يكون من كيد الشيطان، الّذي يوحي إلى أوليائه سبل المكر و الخداع و يزيّن لهم الباطل و يبثّ بينهم طرق البغي و الطغيان، فيوهمهم بوسوسته في الحرب مع المؤمنين و يخدعهم بأنّ فيه الصلاح لهم، كما يوهن قوى المؤمنين بإلغاء الشبه عليهم.
و الآية المباركة في مقام إبطال جميع وساوس الشيطان و مكره و خداعه، و تثبيت للمؤمنين و تقوية لهم بأنّ كيد الشيطان مهما بلغ من القوّة و العظمة، فإنّه ضعيف في مقابل نصرة اللّه؛ لأنّ كيده من الباطل الّذي لا قوّة فيه و لا بقاء له، فالمؤمنون يطلبون شيئا ثابتا فيه القوّة و البقاء؛ لأنّهم على حقّ. و قد جرت سنّة اللّه تعالى في مصارعة الحقّ و الباطل أن يغلب الحقّ على الباطل لا محالة، كما أنّ سنن الوجود تؤيّد ذلك.
و هذه الآية الشريفة لها من التأثير النفسي في ميدان القتل و الجهاد و الحرب ما لا يكون في غيرها، و قد أتعب علماء التربية أنفسهم و غيرهم ممّن لهم الصلة في هذا الميدان على صياغة عبارات تؤدّي مثل هذا الأثر، و لم يكن بوسعهم ذلك، فسبحان اللّه الّذي أحكمت آياته و جلّت عظمته.
الثامن:
تدلّ الآيات المباركة المتقدّمة على الأسس الّتي يقوم عليها القتال في الإسلام و القاعدة العريقة الّتي لا يتخطّاها، و هي كونه في سبيل اللّه تعالى، و لإشاعة العدل، و تثبيت الحقّ، و أنّ القتال في الإسلام لا يقوم إلّا عند فشل جميع السبل في تثبيت كلمة اللّه تعالى و نشر العدل، و هذا المقصد أمر ثابت لا يتغيّر، و القتال الخارج عن هذه الطريقة لا يكون إلّا قتالا باطلا ليس فيه قصد إلا طلب‏ الدنيا، و لأجل الاستعلاء و الغلبة بغير حقّ، و إهلاك الحرث و النسل. و هذا ليس له أساس ثابت يقتضيه التكوين و الطبيعة و سنن الوجود، و بالآخرة يحكم عليه بالفشل و الزوال.
التاسع:
يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أنّ المراد من اتّخاذ الحذر و الاستعداد أعمّ من المادّي، كتهيئة الجيوش و إعداد السلاح و نحو ذلك. و المعنوي و هو ترويض النفس على الأخلاق الفاضلة، و إعدادها لقبول الكمالات، فإنّ لهذا القسم أثرا كبيرا على الأعداء و ارغامهم على قبول الإيمان و الحقّ.

في مجمع البيان قال: «سمّى الأسلحة حذرا؛ لأنّها الآلة الّتي بها يتقي الحذر، و هو المروي عن أبي جعفر عليه السّلام.
أقول: هذا من باب التفسير بالمصداق، و إلّا فإنّ الحذر أعمّ من الأسلحة و ما يحصل في النفس من الخوف، أي أنّه أعمّ من النفسيّ- و المعنويّ- و المادّي، و تقدّم في التفسير ما يتعلّق به.
و فيه عن أبي جعفر عليه السّلام أنّ المراد بالثبات السرايا، و بالجميع العسكر.
أقول: هذا من باب ذكر أحد المصاديق كما تقدّم. و مثله ما في الدّر المنثور من أنّ المراد من الجميع «إذا نفر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله معهم».
و في تفسير العياشي عن سليمان بن خالد عن الصادق عليه السّلام: «في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ، فسمّاهم بمؤمنين و ليس هم بمؤمنين، و لا كرامة، و قال تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً- إلى قوله تعالى- يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً، و لو أنّ أهل السماء و الأرض قالوا: قد أنعم اللّه عليّ إذ لم‏ أكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لكانوا بذلك مشركين، و إذا أصابهم فضل من اللّه قال: يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل اللّه».
أقول: المراد بتسميتهم بالمؤمن لأنّهم تلبّسوا بأدنى مرتبة الإيمان في الظاهر، و ليسوا هم بمؤمنين، أي واقعا و حقيقة، و تقدّم في التفسير أيضا، و المراد من الشرك المرتبة الأولى منه، الّتي لا تنافي إجراء أحكام الإسلام عليه؛ لأنّ للشرك مراتب متفاوتة، و في كلّ مرتبة درجات، و في كلّ درجة فيها شدّة و ضعفا.
و عن أبي علي الطبرسي قال: «قال الصادق عليه السّلام: و لو أنّ أهل السماء و الأرض قالوا: قد أنعم اللّه علينا إذ لم نكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لكانوا بذلك مشركين».
أقول: لأنّ ذلك خلاف التوحيد الكامل و العبوديّة المحضة، فإنّهم أظهروا الفرح على عدم إصابتهم المصيبة معه صلّى اللّه عليه و آله، و شأن المؤمن أن يشارك معه، و تقدّم أنّ للشرك مراتب تختلف حسب من يتلبّس به، و حسب العقيدة و غيرهما.
و في تفسير علي بن إبراهيم قال الصادق عليه السّلام: «و اللّه، لو قال هذه الكلمة أهل المشرق و المغرب لكانوا بها خارجين عن الإيمان، و لكن قد سماّهم مؤمنين بإقرارهم».
أقول: المراد من الخروج عن الإيمان الخروج عن طاعة اللّه و رسوله، أو الخروج عن حدّ الكمال و المرتبة الأعلى منه- كما مرّ- فإنّ للإيمان مراتب متفاوتة جدّا.
البيهقي في سننه بطريقه عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً عصبا و فرقا. قال: نسخها وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [سورة التوبة، الآية: 122].
أقول: ليس بينهما شرائط النسخ، إذ آية الحذر في الحرب و القتال، و آية النفر في التفقّه في الدين و تعلّم الأحكام، و على فرض وحدة الموضوع بينهما، فهما من باب التقييد و التخصيص، لا النسخ، إلّا أن يراد به هما.
العياشي بسنده عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال: «كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة و مات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة، فلما فقدهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سئم المقام بمكّة و دخل في حزن شديد و أشفق على نفسه من كفّار قريش، فشكى إلى جبرئيل عليه السّلام ذلك، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا محمد، أخرج من القرية الظالم أهلها و هاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكّة ناصر، و انصب للمشركين حربا، فعند ذلك توجّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى المدينة».
أقول: الرواية من باب التطبيق، و إلّا فالآية الكريمة عامّة، و توصيف أهل مكّة بالظلم تشريفا للبلد الأمين الّذي هو مكّة المكرّمة، كما مرّ.
و عن أبي جعفر عليه السّلام في رواية حمران قال: «وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها فأولئك نحن».
أقول: الرواية من باب ذكر أحد المصاديق، أي المستضعفين ظاهرا في هذه الدينا، و قد ورد عن ابن عباس في الدرّ المنثور أنّه قال: «أنا و أمي من المستضعفين»، و كانا كذلك أيضا؛ لأنّهما كانا من المسلمين الّذين كانوا بمكّة لا يستطيعون الخروج منها، و كانوا في ضيق من العيش».
و عن سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المستضعفين، قال: هم الولاية، قلت: أي ولاية تعني؟ قال: ليست ولاية و لكنها في المناكحة و المواريث و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و لا الكفّار، و منهم المرجون لأمر اللّه. فأمّا قوله تعالى: وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها فأولئك نحن».
أقول: صدر الرواية يبيّن المستضعفين في الإيمان، أي من له أدنى مرتبة الإيمان، فإنّ له مراتب كثيرة كما تقدّم، و أمّا ذيلها فإنّه من باب التطبيق و ذكر أجلى المصاديق و بيان ما طرأ عليهم من غصب حقوقهم عليهم السّلام.
و في الدرّ المنثور عن سعيد بن جبير: «في قوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ، يعني يقاتل المشركين فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قال: في طاعة اللّه، وَ مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ، يعني يقتله العدو، أَوْ يَغْلِبْ يعني يغلب العدو من المشركين، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً يعني جزاء وافرا في الجنّة، فجعل القاتل و المقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر».
أقول: الرواية من باب التفسير للآية المباركة، و تقدّم أنّ القتل في سبيله تعالى يكون من إحدى الحسنيين، و كذا من يقتل من العدو أو من وقع في الأسر في يد العدو، فكلّ مشقّة يتحمّلها المجاهد في سبيل اللّه تعالى فله أجره عند ربّه، كما تقدّم في الآيات السابقة.
و عن ابن عباس قال: «إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه و احملوا عليه إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً.
أقول: كيد الشيطان بالنسبة إلى نصرة الرحمن و هدايته كان ضعيفا، و أمّا بالنسبة إلى المؤمن فهو تابع لإيمانه، فكلّما اشتدّ إيمان المؤمن باللّه تعالى و كثر إخلاصه له سبحانه و وفى بعهد الربوبيّة و زاد في توكّله عليه، علا شأنه و ضعف كيد الشيطان و أمن من مكره، و إذا قلّ إيمانه باللّه تعالى و لم يف بعهد الربوبيّة، قوي كيد الشيطان بالنسبة له، و هذا ما يستفاد من الآيات الكثيرة و الروايات المتواترة عن المعصومين عليه السّلام، و لدفع الشيطان و بعده عن الإنسان طرق كثيرة معروفة عند أهل العرفان.

الآية المباركة تدلّ على وجوب اتخاذ الحذر، و هو حكم عقلي- بل أمر فطري- كشف عنه الشرع، و الحذر: هو طريق الاحتياط يعمّ في جميع الأشياء و يختلف حسب متعلّقه، أي المخوف.
و الفرق بينه و بين الكيد، هو أنّ الكيد يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، و الحذر هو احتيال الشخص لخروج نفسه عن مكروه، فالتنافي بينهما واضح. فما قيل من أنّه نوع من الكيد، غير صحيح.
و التقديرات من اللّه سبحانه و تعالى لا يرفعها الحذر أصلا؛ لأنّها كائنة حتّى في ظرف الحذر، بل المقدّرات الإلهيّة غير مربوطة بالظروف الّتي حصلت باختيار الإنسان بنفسه، كما عن نبيّنا الأعظم: «المقدور كائن و الهم فضل»- و ما قيل: «الحذر لا يغني القدر»، فالتقديرات الإلهيّة كائنة مهما كانت الظروف و الحالات.
إن قلت: لو كان التقدير في الحرب مثلا الغلبة، فلا فائدة في الحذر، و إن كان مقتضاه المغلوبيّة فلا نفع فيه، فلا فائدة في الحذر على التقديرين.
قلت: الأمر بالحذر لا ينافي التقدير كما مرّ. و إنّ الأوامر التشريعيّة الّتي هي في مقام تكميل العبد، غير مرتبطة بالأمور التكوينيّة الّتي منها التقديرات، و قد يكون الحذر من مقدّمات الفعل الّذي تعلّق القدر به، و قد يكون نفس الحذر أيضا مقدّرا.
و بالجملة: أنّ القدر هو جريان الأمور وفق نظام معين متين فيه الأسباب و المسبّبات، و اللّه تعالى قدّر أن يكون الفعل واقعا إذا لم يتّخذ الإنسان الحذر و لم يتهيّأ في دفع الضرر عن نفسه، فيكون الحذر من جملة الأسباب و يكون العمل بالحذر عملا بنفس القدر، لا أن يكون منافيا له أو لا نفع فيه، هذا موجز الكلام في المقام، و يأتي التفصيل في مسألة القضاء و القدر الّتي تأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"