1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 7 الى 10

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (۷) وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (۸) وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (۹)  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (۱۰)


الآيات الشريفة تشتمل على أهم حكم من الاحكام الاجتماعية التي تبتني على شريعة الحق و هو حكم الإرث و نظرا لأهميته فقد ذكر سبحانه و تعالى من المقدمات تمهيدا و تثبيتا له بعد ما سادت تقاليد و عادات جاهلية.
و قد بين عز و جل ان الجميع رجالا و نساء لهم النصيب من الإرث‏ و لا حرمان لأحد إذا ثبتت الولادة أو القرابة. و قد حذر الناس من تحريم الأيتام عما فرض اللّه تعالى لهم و أكل أموالهم ظلما و عدوانا، و أوعد سبحانه و تعالى على آكل أموالهم بالخزي و سوء العذاب.
و قد تعرضت الآيات الشريفة لحكم أدبي اجتماعي و هو رزق اولي القربى و اليتامى و المساكين- إذا حضروا قسمة التركة- غير ذوي النصيب منهم.

قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ.
النصيب: الحظ و السهم و يجمع على أنصباء و انصبة. و المراد به مطلق السهم سواء كان بالفرض كالسهام الستة المعروفة أم بالقرابة كما في غيرها كالولد إذا انفرد فان المال كله له بالقرابة أو انضم اليه بنت أو بنات فان للذكر مثل حظ الأنثيين.
و المراد من الرجال ايضا مطلق الذكر و ان كان صغيرا فان الصغار كالكبار لهم النصيب من التركة. و لعل التعبير بالرجال لبيان ان المناط في تسليم المال كون الوارث بالغا مبلغ الرجال كما ذكره عز و جل في الآية السابقة و هذا وجه آخر من وجوه الارتباط بين هذه الآيات الكريمة.
و الظرف في «مِمَّا تَرَكَ» متعلق ب «نَصِيبٌ» و قيل متعلق بمحذوف صفة للنكرة. و التركة اسم لكل ما يخلفه الميت و ما بقي من ماله كأنه تركه و ارتحل.
قوله تعالى: «وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ».
الحكم عام كسابقه لا يختص بوصف معين أو حال و المراد من النساء مطلق الإناث من غير اختصاص بالكبار، و الوجه في التخصيص ما تقدم من ان المناط هو بلوغهن مبلغ الإناث البالغات.
و الإظهار في موقع الإضمار لدفع كل لبس و احتمال، و لبيان ان السبب في التوارث هو الولادة و القرابة و هذا هو اصل من الأصول المهمة في الفقه الاسلامي، و هذا الأصل بيّن الشريعة الحق في قانون الإرث و العدل الالهي في هذا الحكم و الإسلام يرد بذلك على تلك العادات و التقاليد.
الجاهلية التي كانت تحرم المرأة و بعض الوارثين عن حقوقهم و الإسلام يبين هذا الأصل المبتني على دعائم قوية و هي الاخوة الايمانية و الحب في اللّه و القرابة الشرعية دون العصبية و الأهواء الباطلة و لذلك نرى ان المؤمنين تقبلوا هذا الحكم بمجرد التشريع لموافقته للفطرة و العدل.
و الآية الشريفة تبين ان الرجال و النساء مشتركون في تركة مورثهم و ان لكل واحد منهم نصيبا فيها، و اما توزيع المال الموروث فسيأتي بيانه في الآيات اللاحقة من هذه السورة.
قوله تعالى: «مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ».
تأكيد للحكم السابق، و زيادة في التوضيح لأنه يستفاد ذلك من اطلاق قوله تعالى: «مِمَّا تَرَكَ» و لدفع كل توهم في تحريم بعض الورثة من القليل أو الحقير دون الكثير و العظيم أو بالعكس فإنهم سواء في جميع التركة قليلة كانت أو كثيرة بالنسبة الى اصل الوراثة، و اما الكمية فلها شأن آخر سيأتي بيانها بالتفصيل.
قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً».
مفعول مطلق نوعي يبين النصيب المجمل الذي ذكره عز و جل في صدر الآية الشريفة و فيه التأكيد للمعنى السابق ايضا.
اي: ان ذلك النصيب للرجال و النساء مقطوع و مفروض من اللّه تعالى لا يقبل التغيير و التبديل و الاختلاط و الإبهام، و لعل تسمية المواريث بالفرائض لأجل هذه الآية الكريمة.
قوله تعالى: وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏.
مقتضى السياق أن المراد بالقسمة قسمة التركة و الميراث، و يمكن ارادة التعميم و يكون قسمة التركة من باب المثال لكل قسمة فتشمل قسمة اموال اليتامى بعد البلوغ و الرشد، و الحضور عند الميت حين الوصية لان كل ذلك نحو إحسان وصلة لأولي القربى و يوجب التآلف و التعاطف و ان كان ظاهر السياق من الآية الكريمة هو الاول.
و المراد باولي القربى هم الفقراء من أقرباء الميت غير الوارث الأقربين و يدل على ذلك ذكر الورثة قبل ذلك و ذكر اليتامى و المساكين بعده.
قوله تعالى: وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ.
المحتاجون من غير اولي القربى الذين يحضرون حين القسمة.
قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ.
اي: فأعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه سابقا.
و ظاهر الخطاب للورثة و اولياء الميت الذين يقسمون المال وراثة.
و لم يعين سبحانه و تعالى المقدار إذ المناط تحقق هذا العنوان في اي مقدار تحقق ما لم يكن إجحاف في البين على الورثة و نظير هذه العبارة تقدم في قوله تعالى: «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها» النساء- ٥ و لعل الاختلاف في الظرف يرجع إلى استمرار الانفاق من الجماعة التي تولت حفظ اموال اليتامى فان المال لهم؛ و اما في الانفاق من التركة فانه يكون مرة واحدة ينتهي عند قسمة الميراث.
و ظاهر الخطاب و ان كان يفيد الوجوب في المقام و لكن مقتضى ما ورد في السنة في تفسير الآية الشريفة هو مطلق الرجحان.
قوله تعالى: وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً.
اي: و ليقل ارباب المال لهؤلاء المذكورين قولا طيبا دفعا للشحناء و البغضاء و ما يوجب الحسد لان المقام يستدعي كل ذلك. فإذا اعطوهم شيئا فلا يمنوا عليهم و يستقلوا ما اعطوهم و إذا لم يعطوهم شيئا فليدعوا لهم و يعتذروا من ذلك.
و ظاهر الخطاب الذي ورد مورد الاسترحام و الاسترفاق يدل على استحباب مؤداه و عليه اجماع الامامية.
و اختلف العلماء و المفسرون في ان الآية الشريفة محكمة أو منسوخة بآية المواريث. و من المعلوم انه لا نسبة بين هذه الآية و آية المواريث فان الاولى تعين فرائض الورثة، و هذه الآية تدل على استحباب الانفاق و الاسترحام على الوارث فلا موجب للنسخ و سيأتي في البحث الفقهي ما يتعلق بذلك ان شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ.
الخشية: هي خوف خاص فقيل انها خوف مع شائبة تعظيم و إكبار و قيل: انها خوف في محل الأمل.
و المستفاد من موارد استعمال هذه الكلمة انها تأثر قلبي لما يخاف نزوله و يرجى منه الأمل.
و الضعاف جمع ضعيف و هو يشمل الصغير و غيره ممّن لا يتمكن دفع الضرر عن نفسه كالمعتوهين و النساء الضعيفات و وصف سبحانه الذرية بالضعاف ترغيبا للترحم عليهم. كما ان التصريح بكونهم من خلفهم مبالغة في تهويل الحالة.
و الجملة تبين غاية الرحمة و الرأفة على الذرية الضعاف الذين لا وليّ لهم يذود عنهم الذل و الهوان و لا كافل يتكفل أمرهم و يرعى شؤونهم و الآية في مقام التمثيل.
و انها تستلفت الناس إلى الفرض و التقدير لو حلّ ذلك في أيتامهم و ما يجرى عليهم من بعد ارتحال آبائهم و فقدان من يكفلهم فإنهم يتألمون و يقدرون له جميع ما يمكن أن يتصور من الحلول، فالآية المباركة جارية مجرى قوله (صلى اللّه عليه و آله): «كما تدين تدان» فهي من الأمور الوضعية السارية في كل خلف عن سلف. و هذا الأسلوب من الاساليب المثيرة للاحساس و العواطف و يظهر واقع الحال في مظهر المثال الخارجي الذي له الأثر الكبير على الإنسان.
و الآية الشريفة تبين واقع الحال سواء كانوا ذرية أم لا. و تبعث الرحمة و الرأفة في النفوس، و تثير الشفقة و الرحمة الكامنة في الإنسان لرعاية شؤون اليتامى و الاعتناء بشأنهم و ترك ظلمهم و اضطهادهم لان كل من يخاف ان يترك الذرية الضعفاء من خلفه لا يريد ذلك بالنسبة الى ذريته فلا بد من تركه من جميع الناس كما تقدم.
و مما زاد في عظمة ذلك و شدة تأثيرها على النفس ان اللّه تعالى‏ لم يأمر فيها بالترحم و العطف بل امر بالخشية و الاتقاء منه عز و جل فانه شديد الانتقام و فيه غاية التهديد و التوعيد.
و كيف كان فالآية المباركة تحث على مراعاة حال اليتامى و إصلاح أمورهم و ترك ظلمهم و إعطاء حقوقهم و تسوق التهديد لمن لم يتق اللّه تعالى و يحرم صغار الورثة من حقوقهم فهي متصلة بالآيات السابقة التي تأمر بحفظ اموال اليتامى. و الآية التي تبين ان للرجال نصيبا فإنها بعمومها تشمل الأيتام الصغار، فتكون مؤكدة لمضمون الآيات السابقة و قد ذكر المفسرون في المقام وجوها لم يقم عليها دليل.
قوله تعالى: فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ.
اي: فليتقوا اللّه في جميع أوامره بتنفيذها و نواهيه بتركها و الاجتناب عما نهى عنه، فان تقوى اللّه أهم الغايات و هي الكمال المطلق.
قوله تعالى: وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً.
السديد: هو الصواب المستقيم اي: فليكن القول و الرأي مطابقا للعمل في السداد و الصواب و يتحدان في تثبيت الاحكام و مراعاة حال اليتامى و إصلاح شؤونهم فان المقام يحتاج الى تطابق العمل مع القول في العدل و الصواب. و يشمل ذلك كل ما يوجب إرشادهم الى الصلاح و العمل باحكام الشريعة و ردعهم عن المنكر و الفساد، فان جميع ذلك يدخل في سداد القول، و الخطاب يرجع إلى تهويل امر اليتامى على الأولياء أو المجتمع الذي له قسط كبير في حفظ اليتامى و مراعاة حالهم و إصلاح شؤونهم.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً.
جملة استينافية جي‏ء بها تأكيدا لما ورد في الآية السابقة و تثبيتا لما فصل من احكام اليتامى سابقا.
و ظلما حال اي: ظالمين أو تمييز يرفع الإبهام عن محتملات الاكل اي: ان الذين يأكلون اموال اليتامى من غير وجه شرعي فهم ظالمون أو ان أكلهم كان على سبيل الظلم و انما يكون ظلما إذا لم يكن الاكل له سبب شرعي إما بالاقتراض على وجه شرعي أو ما يأخذه بلحاظ اجرة عمله أو على وجه التقدير لاجرة العمل كما تقدم و في غير ذلك يكون الاكل ظلما.
قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً.
هذه الجملة كناية عن الإثم العظيم، و مل‏ء البطن النار يدل على تجسم الأعمال فتمثل الواقع الذي يعيش عليه آكل اموال اليتامى و من هضم حقوقهم و ان لم نره بالعيان.
أو ان ما يوجب إلى الغاية المهوّلة المخزية تكون موجبة لاستحقار سائر الغايات فان النار التي تترتب على أكل اموال اليتامى هي غاية عظيمة مهولة يستحقر معها سائر الغايات فكأن الاكل نار محضة و لذا جي‏ء بكلمة الحصر.
و على كلا الوجهين يكون الكلام على وجه الحقيقة دون المجاز.
و قيل: ان الكلام على المجاز دون الحقيقة لان المتبادر من «يَأْكُلُونَ» انه للحال دون الاستقبال بقرينة العطف عليه بقوله تعالى:
«وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» المشتمل على حرف الاستقبال، فلو كان المراد حقيقة الاكل و وقته يوم القيامة لكان الأنسب أن يكون لفظ الآية هكذا (فسيأكلون‏ نارا و يصلون سعيرا) فيراد به المعنى المجازي اي انهم في أكلهم مال اليتامى كمن يأكل في بطنه نارا فالأكل عذاب باطن البدن و الصلي عذاب ظاهره فهو جزاء اللباس و سائر التصرفات.
و لكن فساد هذا القول ظاهر، لأنه مخالف لظاهر الآية الشريفة إذ أن المتبادر هو حقيقة الأكل دون المعنى المجازي و النار الفعلية دون النار في المستقبل مضافا إلى انه يوجب خروج الآية المباركة عن مفادها الواقعي و هو تجسم الأعمال.
قوله تعالى: وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.
الآية الكريمة تشير إلى العذاب الأخروي. و السعير من سعر النار و اسعرها إذا أوقدها، و هو فعيل بمعنى المفعول و يقال في المؤنث ايضا نحو كف خضيب. و النار المستعرة اي الملتهبة المشتعلة و هو من اسماء نار الآخرة، و يقال صلى النار يصلي صليا و صليا و صلّى و صلى (بالقصر فيهما) هو الاحتراق بالنار و مقاساة حرها و عذابها، و أصله يرجع إلى التسخن بقرب النار أو مباشرتها ثم توسع فيه و استعمل في الحرق و مقاساة اهوال النار.
و التنكير في السعير للتهويل اي: انهم سيدخلون نارا عظيمة لا يعلم احد وصفها إلا اللّه تعالى.

قال بعضهم ان «نَصِيباً» في قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» منصوب على الاختصاص اي اعني نصيبا مفروضا. و يرد بأن المنصوب بالاختصاص المصطلح عليه في النحو يشترط فيه ان لا يكون نكرة و «نَصِيباً» في المقام نكرة إلا ان يريد من الاختصاص معنى آخر.
و قيل: انه منصوب على انه مصدر مؤكد مؤول بمعنى العطاء أو القسمة و نحوهما من المعاني المصدرية، و إلا فهو اسم جامد.
و قيل: انه منصوب على الحالية جي‏ء بها توطئة للوصف بكون النصيب مفروضا، و مؤكدة لما قبلها.
و قيل: انه منصوب على انه مفعول لفعل محذوف.
و القسمة مفعول مقدم لأنها المبحوث عنها، و لتعدد الفاعل، فلو روعي الترتيب لفات تجاذب أطراف الكلام.
و (الذين) في قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً» فاعل «لْيَخْشَ» و مفعوله محذوف لدلالة الكلام عليه. و «خافُوا» جواب ل «لَوْ تَرَكُوا» و جملة «لَوْ» صلة للذين و يجوز حذف اللام في جواب (لو). و حذف الالف في «وَ لْيَخْشَ» للجزم بلام الأمر.
ثم ان الأسلوب في قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ‏ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً» من الأساليب الفصيحة التي تؤثر في النفوس و تستفزها نحو المطلوب و تصور الفرض و التقدير في لباس الواقع المحسوس لتعميم التعليم و زيادة تأثيره فمن يستمع هذا الخطاب يتصور المضمون و يفرض لنفسه ذرية ضعافا قد أحاط بهم جميع اسباب الذل و الهوان و يجعلهم نصب عينيه و هو من الاساليب التعليمية المثيرة.
و السديد في قوله تعالى: «قَوْلًا سَدِيداً» هو العدل و الصواب كما عرفت، و السداد بالفتح هو الاستقامة و الصواب، و بالكسر هو البلغة و ما يسد به الحاجة، و لكن قال ابن السكيت في إصلاح المنطق انه لا فرق بين الفتح و الكسر و انهما بمعنى واحد يقال: سداد من عوز و سداد. و كذا حكاه غيره.

تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول‏:
يدل قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» على ان الأصل في التوارث هو الولادة أو القرابة و بذلك يرد القرآن الكريم على العادات و التقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي فإنهم كانوا يحرمون بعض الورثة و يمنعون حقوقهم عنهم من دون سبب معين سوى العصبية و بعض العواطف الظالمة، و القرآن في تأسيس هذا الأصل القويم يبين الشريعة الحقة في أهم حكم من الاحكام الاجتماعية الذي طالما كان مورد النزاع و الاختلاف في جميع المجتمعات.
و أسس الإسلام قاعدة معروفة هي المرجع في الإرث و هي: قاعدة الاقربية التي تقوم على العلقة النسبية و الاقربية في الرحم، و أكد سبحانه و تعالى على هذه القاعدة في موارد متفرقة من القرآن الكريم قال تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» الأنفال- ۷٥ و قال تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ» الأحزاب- ٦ و الآيات التي تقدم تفسيرها تبين جهة الاقربية و هي الولادة، و النسب، و القرابة و من تقديم الولادة يستفاد انها الأصل للقرابة.
و لم يذكر سبحانه و تعالى في هذه الآية مقدار النصيب لما سيأتي في الآيات التالية ذكره و بيان سائر خصوصياته.
الثاني:‏
يستفاد من قوله تعالى: «وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» اشتراك النساء مع الرجال في الإرث و أكد عز و جل ذلك بالتصريح و التعميم و الإظهار في مقام الإضمار و نص عليه نصا قاطعا بقوله تعالى: «مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» فانه يدل على كون السهام مقطوعة لا إبهام فيها و لا خلط، و هذه الآية الشريفة تعطى للنساء حقوقهن قبل ان يطالبن بها، فان شريعة الحق و العدل الرباني يثبتان الحقوق لأهلها قبل المطالبة بها، و سيأتي في الآيات الكريمة التالية الكلام في مقدار حق المرأة في الإرث و بيان السبب في التفاضل بين الرجال و النساء فيه.
الثالث‏:
يدل عموم قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» على شمول الحكم لجميع افراد الإنسان بلا استثناء فيدخل فيه تركة النبي (صلى اللّه عليه و آله) الا إذا قام دليل معتبر على التخصيص و هو مفقود كما ستعرف في الموضع المناسب ان شاء اللّه تعالى، كما ان عموم الآية الشريفة يدل على بطلان التعصيب ايضا.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ» على حكم ادبي تجتمع فيه الرحمة و الرأفة في حال يكون أقرباء الميت أحوج إليهما من غيرهم، فانه إذا قسنا هذا الحكم مع ما كانت عليه الحال في الجاهلية، و ما كان يقتضيه المقام من التعسف و الظلم بحقوق الآخرين يتجلى عظمة هذا الحكم الالهي الذي يثير العطف و الشفقة في قلوب الأولياء لا سيما بالنسبة إلى فقراء القربى و اليتامى و المساكين و الإحسان إليهم و مد يد العون إليهم فاجتمع في هذا الحكم الجانب الاخلاقي و الاجتماعي و التربوي و هذا هو شأن الاحكام الإلهية التي لا تقتصر على جانب معين.
الخامس‏:
يدل قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» على ان النصيب يدخل في ملك الوارث قهرا بقرينة سياق الآيات الشريفة المشتملة على لفظ «اللام» الظاهر في الاختصاص و لعل ما ذكره الفقهاء من ان الإرث من النواقل القهرية غير الاختيارية مستفاد من مثل هذه الآيات المباركة و الروايات الواردة في السنة المقدسة.
السادس‏:
اطلاق قوله تعالى: «أُولُوا الْقُرْبى‏» يشمل قرابة الميت الأغنياء منهم و الفقراء، و قيده بعضهم بالفقراء و لكنه خلاف الظاهر نعم لا ريب في اولوية الفقير.
السابع‏:
يدل قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن الكريم و أكد عليها في مواضع متعددة و هي ارتباط الحوادث الخارجية مع الأعمال سواء كانت حسنة أو سيئة. و من مصاديق هذه الحقيقة ما ورد في الآية الشريفة التي تقدم تفسيرها فإنها تبين ان الآثار الوضعية لظلم الأيتام سيعود إلى الظالم و لو على أعقابه و يؤكد هذا قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» الزلزال- 8 و إطلاقه يشمل عود الجزاء إلى نفس العامل أو إلى ذريته و أعقابه و في بعض الروايات «يؤثر العمل السي‏ء و لو إلى سبعين بطنا» و على هذا فربما يكون ما يصيب الإنسان من خير أو شر من انعكاس اعمال آبائه عليه.
و يمكن ان يقام الدليل العقلي على ذلك ايضا فان الذي يحسن إلى غيره انما يفعل ذلك لأجل انه رضي بالإحسان و ارتضاه لنفسه، فإذا احسن للأيتام فهو قد رضي ذلك لذريته ايضا و بالعكس اي إذا ظلم احد فإنما طلب ذلك لنفسه و رضي و ما يرتضيه لنفسه يتعلق بأولاده و أعقابه ايضا ان لم يتدارك. نعم هناك اسباب و عوامل قد تمنع انعكاس العمل على النفس و الذرية لا يعلمها إلا اللّه تعالى كما يدل عليه قوله تعالى: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» الشورى- 30 و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام ان شاء اللّه تعالى.
الثامن‏:
يمكن ان تكون من احد بطون قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» الإشارة إلى كيفية المعاشرة مع اولياء اللّه تعالى إماما كان أو عالما عاملا هاديا، فان ترك المعاشرة معهم أو سوئها يؤثر في الذرية و الأعقاب و قد ادعي التجربة في ذلك فحينئذ يكون المراد من قوله تعالى: «قَوْلًا سَدِيداً» اي قولا مطابقا مع العمل بما يرشدون اليه فإنهم واسطة الفيوضات المعنوية.
التاسع‏:
يدل قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً» على تجسم الأعمال و هو صحيح- و يستفاد ذلك من قوله تعالى: «وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» و ان أكل اموال اليتامى سبب تام للدخول في النار- لان الحقيقة الواحدة يمكن اختلافها باختلاف العوالم و خصوصيات الإدراكات- مثلا- لو رأى احد في المنام انه يشرب اللبن يعبر عنه بالعلم بمناسبة ان اللبن مادة الحياة الجسمانية و العلم مادة الحياة المعنوية فأكل مال اليتيم حقيقة واحدة هي في عين وحدة تلك الحقيقة متعددة بحسب العوالم و المدركات فهي أكل للمال عند ذوي البصائر المستورة بالحجب الظلمانية الغليظة و عند ارتفاعها تعرف البصائر تلك النار و تظهر في النشأة الآخرة و لذا قال سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله): «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» و قال مولانا الرضا (عليه السلام): «كلما هناك لا يعلم إلا بما هاهنا» فكما ان آثار الدنيا تظهر في الآخرة بما يناسب ذلك العالم فلا بد ان تكون تلك الآثار ظاهرة في هذه الدنيا بما يناسبها لكن لأهل البصائر لا لكل احد و الامثلة و الشواهد كثيرة في القرآن الكريم و السنة الشريفة لعل اللّه تعالى يوفقنا لبيانها.

في تفسير القمي في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ- الآية» قال: «هي منسوخة بقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ».
أقول: ليس المراد به النسخ المصطلح في علم الأصول بل المراد الإجمال و التفصيل كما عرفت.
و عن الطبرسي: اختلف الناس في هذه الآية على قولين أحدهما انها محكمة غير منسوخة و هو الصحيح.
أقول: ما ذكره مطابق للأصل و عليه اجماع الامامية.
و في الدر المنثور اخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» قال: نزلت في أم كلثوم و ابنة أم كحلة (كجة) أو أم كحلة و ثعلبة بن أوس و سويد و هم من الأنصار كان أحدهم زوجها و الآخر عم ولدها فقالت يا رسول اللّه توفي زوجي و تركني و ابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها يا رسول اللّه لا تركب فرسا، و لا تنكى عدوا و يكسب عليها و لا تكتسب فنزلت الآية».
أقول: روى قريبا منه الواحدي في اسباب النزول و في بعض الروايات عن ابن عباس: «انها نزلت في رجل من الأنصار مات و ترك ابنتين فجاء ابنا عمه و هما عصبته فقالت امرأته: تزوجا بهما- و كان بهما دمامة- فأبيا فرفعت الأمر الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فنزلت آيات المواريث- الرواية».
أقول: يمكن تعدد منشأ النزول و لا تنافي بينهما.
و في تفسير العياشي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏- الآية-» قال: «نسختها آية الفرائض».
و في المجمع في الآية: «وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏»: «اختلف الناس في هذه الآية على قولين أحدهما انها محكمة غير منسوخة قال و هو المروي عن الباقر (عليه السلام).
أقول: تقدم ما يتعلق بذلك في التفسير، و يأتي في البحث الفقهي‏ تتمة الكلام.
و في الكافي عن سماعة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام): «أوعد اللّه تبارك و تعالى في مال اليتيم بعقوبتين إحداهما عقوبة الآخرة النار، و أما عقوبة الدنيا فيقول عز و جل: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ- الآية-» يعني: ليخش أن اخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى».
أقول: روى مثله العياشي عن الصادق و ابي الحسن (عليهما السلام) و في المعاني عن الباقر (عليه السلام) أيضا و الآيات و الروايات الدالة على وجود الآثار الوضعية في المعاصي كثيرة جدا و هذه من احدى مصاديقها، و يستفاد منها عظمة المعصية.
و في تفسير العياشي عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) مبتدءا: «من ظلم سلط اللّه عليه من يظلمه أو على عقبه و عقب عقبه فذكرت في نفسي. فقلت: يظلم و هو يتسلط على عقبه و عقب عقبه؟!! فقال لي قبل ان أتكلم ان اللّه يقول وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً».
أقول: هذه الرواية منقولة متواترة من ان للظلم آثارا وضعية دنيوية و اخروية و لا بد من ظهورها في الدنيا سواء على الظالم أم على عقبه و مثل ذلك قولهم (عليهم السلام): «قطيعة الرحم و اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع من أهلها».
و في الكافي عن الباقر (عليه السلام): «ان آكل مال اليتيم يجي‏ء يوم القيامة و النار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه يعرفه اهل الجمع إنه آكل مال اليتيم».
و في تفسير القمي عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما اسري بي الى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار و تخرج من ادبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى».
أقول: وجه ذلك انه (صلى اللّه عليه و آله) اسري الى عالم كشف الحقائق و ظهور السرائر و الضمائر و لا بد ان يرى الأشياء على ما هي عليه، و قد يحصل له (صلى اللّه عليه و آله) تلك الحالة في هذا العالم من دون ان يسرى به الى السماء و كذلك يحصل عند بعض أولياء اللّه تعالى.
و في الدر المنثور اخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا ان نبي اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «اتقوا في الضعيفين: اليتيم و المرأة ايتمه ثم اوصى به، و ابتلاه و ابتلى به».
أقول: و نظير ذلك ما عنه (صلى اللّه عليه و آله): «دخلت الجنة و رأيت اكثر أهلها النساء علم اللّه ضعفهن فرحمهن» و هو محمول على المؤمنات الصالحات.

الآية الشريفة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» تبين وجه الإرث و السبب فيه و انه الولادة و الاقربية، و استفاد الفقهاء من مثل هذه الآية الشريفة الأصل الاول في الإرث‏ الذي هو النسب و هو يبتني على أمرين الولادة و الاقربية في الرحم، و الآية المباركة تدل على ان الرجال و النساء مشتركان في حصة من الميراث على الإجمال و يرثان النوعان معا إذا كانا متساويين في الدرجة و القرابة و الا فالأقرب يمنع الا بعد.
و من ذلك يظهر بطلان التعصيب فان اللّه تعالى فرض للنساء كما فرض للرجال في التركة و شرك بينهما و اختصاص بعض الورثة بها و حرمان الآخر عما زاد من الفرض خلاف مقتضى الآية الشريفة.
كما ان مقتضى قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» ان الإرث من النواقل القهرية و دخول النصيب في ملك الوارث يكون بغير الاختيار فلا يخرج عنه الا بسبب شرعي؛ ثم ان ظاهر قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» ان الأمر بالرزق محمول على الندب لا على الوجوب كما في الأمر بالقول السديد ايضا لقرائن متعددة في الآية الشريفة و ما وردت في السنة من الروايات.
و المعروف بين الامامية انها غير منسوخة و ادعى الإجماع عليه و لكن في تفسير العياشي عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «نسختها آية الفرائض» و الظاهر انه لا منافاة بين آية الفرائض و هذه الآية الشريفة بعد ظهورها في الندب.
و على فرض الوجوب ان آية الفرائض تدل على تحديد الفرائض و تعيين السهام و هذه الآية الكريمة تدل على القسمة على الإجمال من غير تعيين سهم فلا موجب للنسخ.
و يمكن ان يكون المراد من النسخ في الحديث مطلق الرفع في الروايات لا النسخ المصطلح في علم الأصول فحينئذ تصح الرواية و لا تنافي بين الآيتين الشريفتين.
و الخطاب في الآية المباركة للأولياء أو الأوصياء و غيرهم من القضاة ان يرزقوا اولي القربى غير الوارثين سواء كانوا اغنياء أم فقراء قبل قسمة التركة أو بعدها مما صار إليهم مع القول المعروف الحسن حين الإعطاء أو الرد بالإحسان إذا لم يعطوهم شيئا.
ثم إن مقتضى قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» حرمة أكل مال اليتيم ظلما و اما إذا لم يكن على النحو المذكور فيجوز لوجود الاذن الشرعي فيه، و الخطاب في الآية الكريمة للأولياء و الأوصياء و من يتصدى امور اليتامى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"