1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 69 الى 70

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ عَلِيماً (70)


بعد أن ذكر سبحانه و تعالى وجوب طاعة اللّه و الرّسول، و أحكم عزّ و جلّ هذا الحكم الإلهي المهمّ بعدّة أمور، و وعد عليه الوعد الحسن من الأجر العظيم، و الهداية إلى الصّراط المستقيم، يبيّن جلّ شأنه في هاتين الآيتين الشريفتين حقيقة الهداية، و نوع ذلك الجزاء، و أن ذلك الصّراط المستقيم هو الّذي سار عليه أخلص عباد اللّه المصطفين الأخيار، الّذين أنعم اللّه عليهم الهداية و عرفان الحقّ و العمل به و فعل الخيرات، و هم الّذين يأمل كلّ إنسان و يتمنّى أن يرافقهم في جميع العوالم، و قد بيّن عزّ و جلّ أن هذا هو الفضل الّذي لا يمنحه جلّ شأنه لأحد، إلّا مع الحكمة البالغة و العلم الأتمّ.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ‏

وعد حسن لمن أطاع اللّه تعالى و الرّسول، و هو بأسلوبه البديع و مضمونه الرفيع، يقابل الصورة الّتي ذكرها القرآن الكريم للمنافقين، الّذين يزعمون الإيمان و يتحاكمون إلى الطاغوت، فتضمّنت صورة طاعة اللّه و الرّسول على أمور مهمّة تكشف عن أهميّة الموضوع في حياة الإنسان في جميع المراحل و العوالم، كنوع الجزاء، و الأصناف الّتي يجب أن ترافق الفرد، و الصّراط الّذي لا بدّ أن يتّخذه المطيع سبيلا يسير عليه، و الغاية الّتي يجب أن يتوخّاها، و ما يجب أن يفعله حتّى يتهيّأ لفضل اللّه تعالى و الفيض الربوبيّ العظيم.
و ظاهر الآية الشريفة أنّها في مقام بيان الصراط المستقيم، الّذي ورد ذكره في الآية السابقة، أي أنّ الصراط المستقيم هو الصراط الّذي سار عليه النبيّون و الصديقون و الشهداء و الصالحون، و هم الّذين أنعم اللّه عليهم بالهداية.
و إنّما جمع سبحانه و تعالى بين طاعة اللّه و طاعة الرسول؛ لبيان أنّ طاعته طاعة اللّه تعالى، و أنّهما أصلان يكمّل أحدهما الآخر، و لا سبيل للتفكيك بينهما، و لتأكيد مضمون قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [سورة النساء، الآية: ٥۹]، فرجع الختام إلى ما بدأ به الكلام، و هو من الأساليب الحسنة في الكلام.
و أنّ الآية السابقة قد تعرّضت لحال المنافقين الّذين أعرضوا عن طاعة الرسول فقط؛ لأنّهم لم يتجاهروا بالإعراض عن طاعة اللّه تعالى، فنزل فيهم الحكم الصريح بأنّه لا فائدة في تلك الطاعة الموهومة الكاذبة، و لكن هذه الآية الشريفة تبيّن الشرط الّذي لا بدّ منه في اكتساب تلك السعادة الّتي يتوخّاها المؤمن المطيع في صحبة من أنعم اللّه عليهم الجزاء الحسن.
قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
بيان لأمر حقيقي، و هو أنّ الطاعة للّه و الرسول تستلزم الدخول في مسلك من أنعم اللّه عليهم. و سياق العبارة يدلّ على أنّ المطيعين ملحقون بهم و هم معهم في جميع العوالم، و هم منهم دون الصيرورة، و الإشارة ب: (أولئك)؛ لبيان علو درجة المطيعين و بعد منزلتهم فضلا و شرفا.
و المراد من النعمة- الّتي ظاهر العبارة الدالّ على عظمتها و قصور اللفظ عن بيانها و تفصيلها- هي تلك النعمة الّتي تفضّل عزّ و جلّ بها على أفراد معينين، و هم المخلصون الّذين آثروا حكم اللّه تعالى و رسوله على حكم الطاغوت، و سلّموا أمرهم الى اللّه تعالى، و هي الّتي نوّه عزّ و جلّ بها في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ [سورة الحمد، الآية: 7]. و هي النعمة الّتي تؤهّل الفرد في سلوك هذا الصراط و قبول الفيض الربوبيّ، و قد أشار إليها عزّ و جلّ في مواضع متعدّدة في القرآن الكريم، و هي تنحصر في نعمة الولاية.
قوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ.
بيان للمنعم عليهم، و هو حال إما من «الّذين»، أي: أنّهم أنعم اللّه عليهم حال كونهم من النبيّين. أو من ضميره. و أجاز بعضهم أن يتعلّق الظرف بقوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ، أي: من النبيّين و من بعدهم، فيكون قوله «أولئك» إشارة إلى الملأ الأعلى، و لكن هذا الوجه خلاف الظاهر كما هو واضح.
و قد ذكر عزّ و جلّ أربعة طوائف ممّن أنعم عليهم بالهداية و التوفيق، و قد اتّصفوا بمكارم الأخلاق إلّا أنّ كلّ طائفة تختلف عن الاخرى ببعض الأمور الموجبة لاختلافها في المنزلة و الدرجة، فلا وجه للقول بأنّ الصدّيقين و الشهداء و الصالحين أوصاف متداخلة لموصوف واحد، فهم في الحقيقة فريقان، الأنبياء، و المتّصفون بالصفات الثلاثة، فإنّ هذا القول خلاف ظاهر الآية الشريفة، و لعلّ ذكرهم للإعلام باختلاف درجات المطيعين، كما عرفت سابقا.
و النبيّون هم أصحاب الوحي، الّذين وصفهم اللّه تعالى في القرآن الكريم بأوصاف متعدّدة تدلّ على عظم شأنهم و جلالة قدرهم و علوّ منزلتهم، بل هم في أعلى عليّين؛ لما لهم من النفس القدسية الّتي استمدت قدسيتها من القوّة الإلهيّة، فهم قد رأوا الأشياء عيانا.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ النبيّين دون نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله- مع أنّ الكلام في بيان طاعة الرسول- للإعلام بأنّ طاعته متضمّنة لطاعتهم عليهم السّلام.
قوله تعالى: وَ الصِّدِّيقِينَ.
و هم الطائفة الثانية. و الصدّيقين جمع الصدّيق، مبالغة في الصدق، أي: الّذين طابق قولهم فعلهم، و ظاهرهم باطنهم، فلا يصدر منهم إلّا الحقّ اعتقادا و قولا و فعلا؛ لصفاء سريرتهم و عدم صدور الكذب عنهم و ممارستهم الصدق، فالهموا الصواب، فميّزوا الحقّ عن الباطل و الخير عن الشرّ، فهم شهدوا الحقائق، فكانوا صادقين بالحقّ، فصاروا صدّيقين شهداء الحقائق و الأعمال.
و قد فسّر بعض العلماء الصدّيق بمن كثر صدقه، أو من لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده على الصدق، و لكن ما ذكرناه أولى، فإنّه قد يكون الفرد كذلك، لكن لا يصل الى درجة الصدّيق الّذي له مرتبة الشهادة على الأعمال و الحقائق. و الّذي تكون منزلته دون منزلة الأنبياء و رتبته دون مرتبتهم، كما هو ظاهر الآية الشريفة.
قوله تعالى: وَ الشُّهَداءِ.
و هم الطائفة الثالثة، أي الّذين تولّاهم اللّه تعالى بالشهادة، و جعلهم من المقرّبين، فشهدوا الحقّ و أريقت دماؤهم في سبيله، لنيل رضاءه و حبّه جلّت عظمته.
و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بالشهداء هم شهداء الأعمال، و لكن ذكرنا في‏ أحد مباحثنا السابقة أنّ الشهيد في سبيل الحقّ و إعلاء كلمة اللّه تعالى، يكون شهيدا على الأعمال أيضا، فبينهما تلازم في الجملة.
قوله تعالى: وَ الصَّالِحِينَ.
و هم الّذين صلحت نفوسهم و استقامت أحوالهم و طريقتهم باتباعهم شريعة اللّه جلّ شأنه و الدوام على طاعته، فصاروا حججه على خلقه، يحتجّ بهم على من يخرج عن الصراط المستقيم، و بتزكية نفوسهم بصالح الأعمال، فتأهّلوا لفيضه عزّ و جلّ و تهيّؤوا لنعمه و كرامته. و هذه الطائفة هي آخر الطوائف الّتي هي صفوة اللّه تعالى من عباده.
و الصالحين: جمع الصالح، و هو الّذي صلحت حاله و استقامت طريقته. و أمّا المصلح، فهو الفاعل لما فيه الصلاح.
قوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.
الرفيق كالصديق و الخليط، بمعنى الصاحب، سمّي بذلك للارتفاق به، و هو منصوب على التمييز، و فعيل يستوي فيه الواحد و غيره، و في التمييز أيضا يكتفى بالواحد عن الجمع، و قيل: إنّه منصوب على الحال، أي حال كونهم رفقاء أولئك الطوائف الّذين تقدّم ذكرهم.
و الرفيق جماعة الأنبياء الّذين يسكنون أعلى عليّين، و في حديث الدعاء: «و الحقني بالرفيق الأعلى»، و قيل في معنى ذلك: ألحقني باللّه تعالى، يقال: اللّه رفيق بعباده، من الرفق و الرأفة، فهو فعيل بمعنى الفاعل، و منه حديث عائشة: «سمعته صلّى اللّه عليه و آله يقول عند موته: بل الرفيق الأعلى». و ذلك أنّه صلّى اللّه عليه و آله خيّر بين البقاء في الدنيا و بين ما عند اللّه، فاختار ما عند اللّه تعالى.
و لكنّ الرفيق في الآية المباركة اسم جاء على فعيل، بمعنى الخليط و الصديق، يطلق على الجماعة المذكورة فيها لا بمعنى الرفق.
و في الآية الشريفة من التشويق و الترغيب و الوعد الكبير ما لا يخفى، و قيل: إنّ فيه معنى التعجيب، أي: و ما أحسن أولئك رفيقا.
و المعنى: حسن مرافقة أولئك الطوائف الّتي يرتفق بهم لرفع كلّ ما يوجب الخوف و الحزن.
و إنّما وصف رفقتهم بالحسن؛ لاحتياج الإنسان بالرفقة في السفر الطويل الّذي يستقبله، فتفيض تلك الطوائف على من يرافقهم ممّا أنعم اللّه تعالى عليهم؛ و لأنّ في رفقة هؤلاء الخير الكثير؛ و لتأثير الرفيق في صاحبه أثرا كبيرا، فإذا كان ممّن أنعم اللّه عليه، كان أثره في صاحبه حسنا؛ و لارتفاق الأصحاب بعضهم بعضا.
و لا تختصّ الآية الكريمة بعالم دون عالم، فتشمل عالم الدنيا و البرزخ و الآخرة، فإنّ في جميعها يحتاج الإنسان إلى رفيق يرافقه في مسيره الاستكمالي، ليدله على الطريق الصحيح و يرشده إلى ما هو خير له، و يجنّبه عن المخاطر. و في الآية المباركة التفات من الغيبة الى الخطاب. كما أنّ في الآيات السابقة موارد مختلفة من الالتفات الدالّ على عظمة الخطاب و أهميّة الموضوع.
قوله تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ.
الاسم (ذلك) إشارة إلى الجزاء الّذي ثبت للمطيعين، و منه مرافقة من أنعم اللّه عليه، و الفضل الّذي تفضّل اللّه تعالى عليهم. أي: أنّ ذلك الجزاء هو الفضل الّذي لا يكون غيره فضلا، و لا يعلوه فضل آخر، و ليس له حدّ، فإنّ فيه غاية السعادة و منتهى الكمال الّذي يتفاضل به الناس، و هذا الفضل هو من اللّه تعالى تفضّل به على عباده المطيعين؛ ثوابا لهم على إطاعتهم و أعمالهم الصالحة.
و في إتيان اسم الإشارة الدالّ على البعيد، و دخول اللّام في الصفة (الفضل) أو الخبر، يدلّ على تفخيم هذا الفضل و تعظيمه، كأنّه هو الفضل دون غيره.
قوله تعالى: وَ كَفى‏ بِاللَّهِ عَلِيماً.
لأنّ درجات الإيمان و ثواب المطيعين و استحقاقهم و مقاديره و مراتب‏ خلوصهم و إخلاصهم لا يمكن لأحد العلم بها إلّا اللّه تعالى، و كفى به عزّ و جلّ عليما.
و في الآية الشريفة تحريض المؤمنين المطيعين إلى الثواب العظيم و الفضل الكبير لا يعلمه إلّا اللّه تعالى؛ و لتطمين نفوسهم فتنشط و تقبل على اللّه تعالى بالعمل بمواعظه، و فيها توعيد للمنافقين، فإنّ اللّه تعالى يعلم ما في قلوبهم.

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:
الأوّل:
يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ على أهميّة الطاعة للّه و الرسول، ببيان عظيم الأجر و الثواب و حسن العاقبة، فيدلّ على أنّ لها الأثر الكبير في حياة الإنسان في جميع العوالم الّتي يرد عليها.
و الآية المباركة تثبت مضمون جميع ما ورد في الآيات السابقة و تؤكّده، و تبيّن الأثر الكبير للطاعة في شؤون الإنسان.
الثاني:
يستفاد من قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مطلق المعيّة المعنويّة و الظاهريّة، فإنّ المطيع للّه و الرسول مع الّذين أنعم اللّه عليهم في الدنيا و عالم البرزخ و عالم الآخرة، يستفيد من فيض علومهم و يستضي‏ء من أنوارهم القدسيّة في تكميل نفسه و تزيينها بالكمالات و تحليتها بالأخلاق الفاضلة.
الثالث:
يبيّن قوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ مصاديق المطيعين و درجاتهم، فإنّ من يطيع اللّه تعالى و الرسول لا يخلو أن يكون أحد هؤلاء الأربعة، فإنّ النبيّين هم في أعلى درجات الطاعة و الإخلاص، و هم السادة، ثمّ الصدّيقين و هم شهداء الحقائق، ثمّ الشهداء و هم شهداء الأعمال، ثمّ الصالحين و هم المتهيئون للفيض و الكرامة الإلهيّة.
الرابع:
إنّما أطلق عزّ و جلّ النعمة الّتي أنعمها اللّه تعالى على تلك الطوائف الأربعة؛ ليشمل النعم الظاهريّة و المعنويّة، و هي النعم الّتي تجلب السعادة و تؤدّي إلى الكمال و الطمأنينة، و يستفاد منه أنّ المطيع للّه تعالى و الرسول يحظى بتلك النعم لطاعته.
الخامس:
يدلّ قوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً على لزوم الارتفاق للإنسان في حياته الظاهريّة الدنيويّة و الأخرويّة، و أنّ للرفقة الأثر الكبير فيه، و أنّ أحسن رفقة يرتفق بهم هم الّذين ذكرهم اللّه تعالى في هذه الآية الشريفة، و أنّ ما يوجب الإعداد للارتفاق بهم هو الطاعة للّه و الرسول، و إطلاق الحسن يشمل جميع أنحائه و كلّ ما يمكن تصويره فيه.
السادس:
يبيّن قوله تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ أنّ ما ذكر في الآية من شمول النعم للمطيع للّه و الرسول و رفقة من ذكر في الآية الكريمة، هو الفضل الّذي لا بد للإنسان أن يسعى إليه و يعدّ نفسه لنيله و الدخول في هذه الكرامة الإلهيّة.
السابع:
مقتضى التعبير الكلامي في صفات المدح الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، و الآية المباركة على عكس ذلك، فإنّها من الأعلى إلى الأدنى، و لكن يستفاد من سياقها أنّها في مقام الإخبار عن كون المطيعين للّه تعالى و الرسول يكونون مع الأشراف و الخواص، فالمقصود الإخبار في الجملة، و ليست في مقام تعداد الصفات الأشراف فالأشرف.

في الكافي بسنده عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «أعينونا بالورع، فإنّه من لقى اللّه عزّ و جلّ منكم بالورع، كان له عند اللّه فرحا، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، فمنّا النبيّ، و منّا الصدّيق، و منّا الشّهداء و منّا الصالحون».
أقول: ترتّب الفرح في الآخرة على الورع، من باب ترتّب المسبّب على السبب؛ لأنّ الورع ملاك الدين و قوامه، و به يحصل الكفّ عن محارم اللّه تعالى‏ و الاجتناب عنها، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «صونوا دينكم بالورع»، أي: احفظوه، و الورع عن محارمه تعالى هو طاعته.
ثمّ إنّ الورع على أقسام:
الأوّل: ورع التائبين، و هو ما يخرج المكلّف به عن الفسق و يوجب قبول شهادته.
الثاني: ورع الصالحين، و هو ما يخرج المكلّف به عن الشبهات.
الثالث: ورع المتّقين، و هو ترك الحلال الّذي يتخوّف انجراره إلى الحرام، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة أن يكون فيه بأس»، مثل أن يترك الكلام مع الغير مخافة الوقوع في شبهة الحرام.
الرابع: ورع الصدّيقين، و هو الإعراض عن غير اللّه تعالى خوفا من ضياع ساعة من العمر فيما لا فائدة فيه. رزقنا اللّه تعالى رشحة من رشحاته.
و لكلّ من هذه الأقسام مراتب و درجات. كما أنّ الفرح كذلك، خصوصا عنده جلّت عظمته، و لكن رحمته سبقت كلّ شي‏ء و فضله عمّ.
و ذيل الرواية من باب ذكر أكمل الأفراد و أجلّ المصاديق، و بهذا المعنى وردت روايات اخرى، ففي بعضها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من النبيّين و عليّ عليه السّلام من الصدّيقين، و الشهداء الحسن و الحسين عليهما السّلام، و الصالحون حمزة، و حسن أولئك رفيقا سائر الأئمة عليهم السّلام. و في بعضها: و الصالحون هم الكمّل من المؤمنين. و في بعضها: الصالحون ابنتي فاطمة عليها السّلام و أولادها، فلا منافاة بينها لما تقدّم.
و في الكافي عن الصادق عليه السّلام: «المؤمن مؤمنان، مؤمن و في اللّه بشروطه الّتي اشترطها عليه، فذلك مع النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له؛ و ذلك ممّن لا تصيبه أهوال الدنيا و لا أهوال‏ الآخرة. و مؤمن زلّت به قدم، فذلك كخامة الزرع كيف ما كفأته الريح انكفأ، و ذلك ممّن يصيبه أهوال الدنيا و أهوال الآخرة، و يشفع له، و هو على خير».
أقول: لعلّ المراد من أهوال الدنيا أهوال البرزخ، و إلّا فقد ورد: «أنّه كلما زيد في إيمان المؤمن، زيد في بلائه»، و قد ورد: «أنّه هل كتب البلاء إلّا على المؤمن». أو أنّ المراد بأهوال الدنيا ما يوجب ضعف عقيدته و التشكيك في دينه.
و كيف كان، فإنّ التقسيم الوارد فيها حسب مراتب الإيمان، فإنّ أجلّ مراتبه و أكمله ما ورد في المؤمن الّذي و في اللّه تعالى بشروطه، كما في الرواية، و في هذا المعنى ورد قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ [سورة يونس، الآية: ٦۳]. و قد وردت روايات كثيرة عن الأئمة الهداة عليهم السّلام: «المؤمن يشفع يوم القيامة»؛ لأنّ للإيمان الحقيقي الواقعي آثارا، منها أنّه تعالى يخوّل إلى المؤمن صحائف الخلق في يوم المعاد، فيشفع فيهم حسب إرادته عزّ و جلّ.
و الخامة: ألفها منقلبة عن واو و هي الغصنة اللينة من الزرع، و في الحديث: «مثل المؤمن مثل الخامة يفيئها الرياح».
و في أمالي الشيخ بإسناده إلى عليّ عليه السّلام قال: «جاء رجل من الأنصار الى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، ما أستطيع فراقك، و إنّي لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي و أقبل حتّى أنظر إليك حبّا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة و أدخلت الجنّة فرفعت في أعلى عليين، فكيف لي بك يا نبي اللّه؟! فنزل قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الرجل فقرأها عليه و بشّره بذاك».
أقول: و قريب منه ما في الدرّ المنثور و أسباب النزول للواحدي و غيرهما باختلاف يسير لا يضرّ بأصل المعنى، فإنّ الحبّ الواقعي الّذي يوجب اتّباع‏ المحبوب في كلّ ما يريده، يستلزم عدم الفراق بينهما في العوالم كلّها، فعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «المرء مع من أحبّ». و عن سيد العرفاء عليّ عليه السّلام في دعائه الملكوتي: «فهبني يا إلهي .. صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك»، فتكون الآية المباركة من باب التطبيق.
و في صحيح مسلم و سنن النسائي و غيرهما، عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: «كنت أبيت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فآتيه بوضوئه و حاجته. فقال صلّى اللّه عليه و آله: سل، فقلت: يا رسول اللّه أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود».
أقول: السجود للّه تعالى مع شرائطه له آثار وضعيّة و ثواب عظيم، منها ما ذكره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فالرواية من باب التطبيق.
أخرج ابن جرير عن الربيع قال: «إنّ أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالوا: قد علمنا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له فضل على من آمن به في درجات الجنّة ممّن تبعه و صدّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنّة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية في ذلك، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إنّ العليين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم اللّه عليهم و يثنون عليه».
أقول: على فرض صحّة الرواية، انحدار العليّين لأجل ذكر نعم اللّه تعالى عليهم و بيانهم لغيرهم و الثناء عليه تعالى، أو لأجل اشتهائهم فتحصل المعاشرة و المصاحبة قهرا، و الرواية من باب التطبيق، و أمّا صعود من هو أسفل إلى العليّين في الجنّة فلا يتحقّق؛ لأنّ لكلّ مؤمن درجة و شأنا و لياقة، و ذلك لا ينافي قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [سورة فصلت، الآية: 31]، فإنّ ذلك لا يتجاوز حدود اللياقة و الأهليّة إلّا إذا شاء تعالى.
العياشي عن عبد اللّه بن جندب، عن الرضا عليه السّلام، قال: «حقّ على اللّه أن يجعل وليّنا رفيقا للنبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا».
أقول: المراد من صدر الرواية أنّه تعالى ألزم على نفسه حسب إرادته أن يجعل المؤمن الواقعي رفيقا لتلك الطوائف في الجنّة، و ذلك من باب ترتّب المسبّب على السبب، و الرواية من باب ذكر أجلى المصاديق و أكملها.

المراد من الطاعة- الّتي هي الوسيلة للوصول إلى الدرجات الرفيعة السامية و الأفق القريب منه جلّ شأنه، و هي الّتي أكّدت عليها الآيات الشريفة و دعى إليها الأنبياء و الأولياء بألسنة مختلفة و اهتمّوا بها؛ لأنّها المبعث لتكريم الإنسان و نيله أشرف المراتب و أجلّ المقامات، و هي الانقياد الكامل و الامتثال مع الإخلاص لجلب رضا الحقّ و ترك ما سواه.
و لها مراتب كثيرة- بل متفاوتة- حسب إخلاص العبد و مقام العبوديّة، بل حسب درجات الحبّ و المحبّة له جلّت عظمته، ففي الأثر: «إنّ اللّه تعالى أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات». فأعلى مراتبها قتل النفس في الحقيقة و قمع هواها الّتي هي حياتها، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [سورة الشمس، الآية: 9- 10]، و بالخروج عن عالم المادّة. و من مراتبها تسليم النفس إليه تعالى و دوام المراقبة لها، كما ورد ذلك في روايات مستفيضة عن المعصومين عليهم السّلام و في الدعوات المأثورة عنهم، و في الأثر: «كنّا في طريق مكّة، فإذا بشاب قائم في ليله يناجي ربّه و يقول: يا من شوقي إليه، و قلبي محبّ له، و نفسي له خادم، و كلّي فناء في إراداتك و مشيئتك، فأنت و لا غيرك، متى تنجيني- إلى آخره- قلت له: رحمك اللّه، ما علامة حبّه؟ قال: اشتهاء لقائه. قلت: فما علامة المشتاق؟
قال: ليس له قرار و لا سكون في ليل و لا نهار من شوقه إلى ربّه. قلت: فما علامة الفاني؟ قال: لا يعرف الصديق من العدو، و لا الحلو من المرّ من فنائه عن رسمه و جسمه. قلت: فما علامة الخادم؟ قال: إنّه يرفع قلبه و جوارحه و طعمه من ثواب‏ اللّه- إلى آخره»، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يكون أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل، و لا كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل». و عن سيد العرفاء عليّ عليه السّلام: «إلهي عبدتك لا خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك، بل وجدتك أهلا لذلك فعبدتك».
و بالطاعة الحقيقيّة ينال الإنسان الدرجات الرفيعة و المراتب الشريفة، و يتجاوز عن حدّ الكمال و يصل إلى درجة التكميل، فتكون له المعيّة في الدرجة لا في الاتّحاد- كما في بعض الروايات- لأنّ التساوي في كلّ جهة معه محال، كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة.
كما أنّ العصيان و التجرّي بالإعراض عن طاعة الرحمن و الإقبال على طاعة الشيطان، يصل الإنسان إلى أسفل الهاوية و منتهى الهلاك، و إنّ له أيضا مراتب، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلّا من أبى. قيل: يا رسول اللّه، و من أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنّة، و من عصاني فقد أبى»، فإنّ إطاعته إطاعة اللّه تعالى، كما أنّ عصيانه كذلك، كما تقدّم.
و إنّما جعل سبحانه و تعالى في هذه الآية المباركة جزاء الطائعين للّه و الرسول مرافقة الأنبياء و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و لم يجعل- كما في غير الطاعة- الجنّات الّتي تهفوا إليها القلوب و تخلد فيها النفوس؛ لأنّ الطاعة ليست تكليفا محضا حتّى يجعل في مقابلها جزاء، و إنّما هي وسيلة لرقي النفس و سبيل للوصول إلى المرتبة الكاملة و النيل إلى المرتقى.
و معنى رقي النفس و رفعها بالوصول إلى الشاهق الأعلى، هو معاشرتها و مصاحبتها مع سنخها من النفوس القدسيّة، كالأنبياء و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، لما ثبت في الفلسفة الإلهيّة و غيرها من أنّ السنخيّة في جميع الأشياء و في جميع العوالم لازمة و موجودة، فمقتضى قانون السنخيّة في عالم المصاحبة و المعاشرة- الّذي يكون في عالم الشهادة و عالم البرزخ و عالم الآخرة- هو أن‏ تكون النفوس الخيرة مع أمثالها و النفوس الشريرة كذلك؛ لما بينهما من التباعد و التباين، فلا تلائم بين الصنفين أيضا، فإنّ أرواح المطيعين و نفوس المؤمنين لا تميل و لا تستقرّ إلّا مع النفوس الّتي تماثلها و تكون قريبة بينهم و في أفقهم، أي من سنخهم، و هي النفوس الرفيعة القدسيّة.
على أنّ ذلك يلازم دخول الجنّات الّتي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. و لعلّ التعبير بقوله تعالى: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، و قوله تعالى في ذيل الآية المباركة: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، يدلان على ما ذكرناه، و اللّه العالم بالحقائق.
و في الآية الشريفة إشارة إلى أنّه ينبغي للمؤمن أن يسعى في تكميل نفسه بالصلاح، و يترقّى إلى مرتبة الشهادة، ثمّ إلى مرتبة الصديقيّة، الّتي ليست بينها و بين مرتبة النبيّين أية واسطة إلّا الوحي.
و الحسن الوارد في قوله تعالي: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً من الصفات الّتي لها مراتب متفاوتة شدّة و ضعفا و كمالا. و أنّ المراد من الحسن الحسن في الرفاقة في عالم الدنيا، و يستلزم الحسن في عالم الآخرة، بل لا يتمّ حسن إلّا به.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"