1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 40 الى 42

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤۰) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً (٤۱) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤۲)


الآيات الشريفة تحثّ المؤمنين على الاعتقاد بحقيقة واقعيّة لها الأثر في هداية الإنسان و اطمئنانه، و إنّها: لا إله إلا اللّه، و تحرّضهم لعبادة الواحد الأحد و العمل بما تؤدّيه تلك الحقيقة، التي هي الهدف الرئيسي في الأديان الإلهيّة.
كما تدلّ الآيات المباركة على أن أجر العاملين محفوظ لا ينقص منه شي‏ء، و لا تصل إليه يد الظلم و الجور، بل يعطيهم سبحانه و تعالى الحسنات المضاعفة و الأجر العظيم إن هم استقاموا على تلك العقيدة.
و تندّد هذه الآيات المباركة بالذين لا يعملون بمقتضاها و يحجمون عن تنفيذ أحكامها و يعصون الرسول صلّى اللّه عليه و آله في تعاليمه و شريعته.
و قد بيّن عزّ و جلّ فيها أهمّ موضوع، و هو نفي الظلم عنه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، فهو عدل في حكمه و أفعاله، و ضمّ إلى ذلك شهادة الشاهدين من صفوة الخلق لتثبيت مضمونها، و لا يخفى ارتباط هذه الآيات بالسابقة منها.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مثقال منصوب إما على أنّه مفعول ثان ليظلم، و هو الحقّ، و إما على أنّه صفة مصدر محذوف مفعول، أي: ظلما قدر مثقال ذرّة، فحذف المصدر و أقيم المضاف مقامه.
و الظلم معروف، و قد ذكر في معناه امور جميعها ترجع إلى ما هو المعلوم‏ المعروف و المرتكز في النفوس، و هو الجور و مجاوزة الحدّ. و أنّه يتعدّى إلى مفعولين، يقال: ظلمه حقّه، و ظلمه ماله، و نحو ذلك لتضمّنه معنى الغصب و النقصان، فعدّي إلى اثنين.
و المثقال: مفعال من الثقل، و هو في الأصل مقدار من الوزن- أي شي‏ء كان من قليل أو كثير- و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يدخل النّار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان».
و الذرّة قيل: إنّها الصغير من النمل، و سئل ثعلب عنها فقال: «إنّ مائة نملة وزن حبّة، و الذرّة واحدة منها».
و قيل: الذرة ليس لها وزن؛ لأنّها الهباء المبثوث في الهواء، و يرى في شعاع الشمس الداخل من النافذة.
و الصحيح أنّها مثال للشي‏ء المتناهي في الصغر، و إنّما ضرب المثال بالذرّة لأنّها أقلّ شي‏ء ممّا يدخل في وهم البشر في عصر النزول، و إلا فإنّ العلوم الطبيعيّة المعاصرة قد أثبتت أشياء أصغر منها بكثير لا ترى بالعين المجرّدة.
و إنّما عبّر عزّ و جلّ بالمثقال للإشارة إلى أنّه و إن كان شيئا حقيرا و وزنا قليلا لكنّه عظيم عند اللّه عزّ و جلّ و الظلم فيه كبير.
و الآية الشريفة تدلّ على نفي الظلم عنه عزّ و جلّ؛ لمنافاته لحكمته المتعالية، و هذا هو المشهور بين العدليّة و الحكماء المتألّهين، أو لأنّ الظلم يستلزم الجهل، و هو منزّه عنه جلّت عظمته، فإنّه عالم بجميع الأشياء، لا يعزب عن علمه شي‏ء، فيرجع نفي الظلم عنه إلى نفي الجهل، و هو من صفات الذات، أي: أنّ ذاته تبارك و تعالى التي تكون جامعة لجميع صفات الكمال، لا يتصوّر في حقّها النقص الذي هو الظلم، و ذيل الآية الشريفة يدلّ على ما ذكرناه، فإنّ مضاعفة الحسنة لا بد أن تكون عن علم بجميع خصوصيات المنعم عليه و النعمة و الفضل و الزيادة.
قوله تعالى: وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها.
تعليل لما سبق من الاستفهام في الآية المباركة السابقة: وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، و بيان لنفي الظلم، فإنّ الذي يضاعف الحسنات لا يتصوّر في حقّه الظلم؛ لأنّه لا فائدة فيه ترجع إليه.
و الحسنة: هي الأفعال التي يقبلها العقل و يحثّ عليها الشرع. و المضاعفة: هي الزيادة على الشي‏ء بمثله في المقدار أو أمثاله، و قد أهمل سبحانه و تعالى المضاعفة في العدد و المدّة و لم يحددها في المقام- و إن ذكر في موضع آخر: أَضْعافاً كَثِيرَةً [سورة البقرة، الآية: ۲٤٥]؛ لأنّها من مظاهر رحمته الواسعة غير المتناهيّة، فهو عزّ و جلّ في مقام الجزاء يضاعف الحسنات بما شاء من المضاعفة لرحمته الواسعة.
و المعنى: أنّهم لو آمنوا و أنفقوا لم يكن اللّه ليظلمهم، و لأعطى جزاء أعمالهم و إنفاقهم، بل ضاعف لهم الأجر بما يشاء في العدد أو المدّة أو كليهما.
قوله تعالى: وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
بيان للحسنة المضاعفة و تعليل لها، أي: أنّ اللّه يضاعف الحسنات لأنّه يعطي الأجر العظيم، و لا يقتصر على مضاعفة حسنات المحسنين، بل يزيد عليهم و أنّه يعطيهم الأجر العظيم.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ تكريما للمطيع و إكمالا لابتهاجه، و قد اختلفوا في الأجر العظيم، فذكر بعضهم أنّه الجنّة.
و قال آخرون: إنّه اللذّة الحاصلة عند اللقاء و الاستغراق في المحبّة و المعرفة، و الحقّ هو الأوّل؛ لأنّها مقابل الحسنات، و هذه أعظم و أكثر، فإنّه يشمل اللذائذ المعنويّة الروحانيّة و درجاتها أيضا.
قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً.
تثبيت لمضمون ما ورد في الآيات السابقة و تعظيم الأمر على المخالفين و المعاندين و الكافرين، و تهويل حالهم في يوم لا سبيل لهم إلا الإقرار و الاعتراف، فيستحقّون جزاء إنكارهم و أعمالهم الفاسدة، و قد دأب القرآن الكريم أنّه إذا ذكر أحكاما معيّنة و أمورا ترتبط بالعقيدة و التوحيد و شؤون الخالق و الربّ العظيم أن يذكر بعد ذلك ما يثبتها بأمور حسنة لا يمكن إنكارها، لئلا يكون للناس على اللّه حجّة، و لدفع شبه المعاندين، و من تلك الأمور الحسنة الشهادة التي يقبلها جميع أفراد الإنسان و تقوم عليها نظام معاشهم، فيأتي اللّه تعالى يوم القيامة بالشهداء المحمودين المقبولين عند جميع الأمم، و هم الأنبياء و الأوصياء، فإذا شهدوا على أحوال أممهم ثم قرّر تلك الشهادات بشهادة خاتم الأنبياء، لأنّه أشرفهم و هو غاية بعث الرسالات السماويّة، فهو الخاتم لما سبق و الفاتح لما استقبل و المهيمن على ذلك كلّه، فإنّ هؤلاء الشهداء يشهدون على أحوال أممهم من إطاعتهم و عصيانهم و بغيهم و عنادهم و استقامتهم و خروجهم عن الطاعة و إعراضهم عن ما جاءوا به من المشهود، إذ لا سبيل لهم للإنكار و لا خلاص لهم من أهوال ذلك اليوم العصيب بعد أن يتبرّأ منهم الأنبياء و الشهداء، فلا تفيدهم ادعاء الاتباع لهم. و قد تقدّم في قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ [سورة البقرة، الآية: ۱٤۳] معنى الشهادة و ما يتعلّق بكيفيّة الشهادة، فراجع.
و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد ب هؤُلاءِ هم الذين كانوا موجودين حين النزول، فهو صلّى اللّه عليه و آله يشهد أنّه جاء لهم بالدين القويم و بلّغ ذلك أحسن تبليغ و أقام الحجج على الدعوة، و ما قاساه من العتاة و المشركين من العناد و الضلال و شدّة الأذى، و تألبهم عليه مجاهرة و نفاقا، فيكون حجّة على المفرطين و المعاندين.
و لكن ظاهر الآية الشريفة يعطي معنى أبعد من ذلك، فإن شهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على أمته يوم الشهادة أمر يدلّ عليه قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، فإنّ عمومه يشمل امة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله أيضا، فيكون ذيل الآية المباركة لبيان أنّ شهادة الأنبياء، جميعهم أيضا ممّا يقرّر بشهادة سيدهم و خاتمهم، فإنّ له المقام المحمود يوم القيامة، و يدلّ على ذلك بعض الروايات، كما سيأتي في البحث الروائي.
يضاف إلى ذلك أنّه لا وجه لاختصاص الآية المباركة بالذين كانوا موجودين حين النزول، فهو صلّى اللّه عليه و آله حجّة على أمته من حين النزول إلى يوم القيامة، فيشهد صلّى اللّه عليه و آله على كلّ انحراف و تغيير و تبديل و إعراض عن تعاليمه المقدّسة، كما تدلّ عليه آيات متعدّدة.
و يمكن رفع الاختلاف بأنّ شهادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على أمته شهادة على جميع الأمم باعتبار أنّ تعاليمه مكمّلة لتعاليم الأنبياء، و أنّ أمته امتداد لسائر الأمم.
قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ.
بيان لحالهم بعد شهادة الأنبياء و تمامية الحجّة عليهم. أي: أنّ الذين كفروا باللّه و عصوا الرسول في تعاليمه و أحكام الشريعة و ما جاء به من اللّه تعالى عند تماميّة الحجّة عليهم بشهادة الأنبياء، يتمنّون أن ينعدموا و لا يبقى لهم أثر في ذلك اليوم العصيب.
قوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي: الدفن فيستوون مع الأرض، و هو كناية عن بطلان الوجود و انعدامهم، فلا يؤخذوا بما فعلوا. و قد فسّرت هذه الجملة في موضع آخر من القرآن الكريم بالتراب، قال تعالى: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [سورة النبأ، الآية: ٤۰].
قوله تعالى: وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً أي: يودّون أن ينعدموا و لا يبقي لهم أثر، لعدم قدرتهم على كتمان أحوالهم و أعمالهم و صفاتهم بعد ما ظهرت بشهادة الأنبياء و أعضاء أبدانهم و حضور أعمالهم، فهم بارزون للّه تعالى لا يخفى عليه منهم شي‏ء، فيودّون لو لم يكونوا بعد ما لم يقدروا على كتمان أمر من أمورهم، كما كانوا يفعلون في دار الدنيا فقد تمّت الحجّة عليهم و استحقّوا جزاء أعمالهم.
و إنّما ذكر تعالى هذه الجملة بعد تمنّيهم الانعدام و التسوية مع الأرض لبيان يأسهم و شدّة حالهم في تلك اللحظة.

قوله تعالى: وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، (تك) أصلها (تكن) حذفت النون للتخفيف، و يكثر حذفها في مثل هذه، و علّله بعضهم بأنّ النون تشبه حروف العلّة من حيث الغنة و السكون.
و القراءة المعروفة في حَسَنَةً على النصب خبر كان، فيكون اسمها مستترا عائدا على الذرة.
و قيل: يعود إلى المثقال، و إنّما أنث لأنّ المثقال مضاف إلى ذرّة. و نوقش بأنّ تأنيث المضاف باعتبار المضاف إليه شاذّ، خصوصا إذا كان المضاف إليه محذوفا، و الحقّ أنّ التأنيث راجع إلى الخبر، قال تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ [سورة النساء، الآية: ۱۷٦]، و قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً [سورة النساء، الآية: 11]، و نحو ذلك ممّا هو كثير، هذا إذا جعلنا كان ناقصة، و قرئ برفع (حسنة) على أنّ (تك) تامّة.
و (لدن) بمعنى عند، قال بعضهم: إنّه أقوى في الدلالة على القريب من عند.
و فيه اربع لغات بفتح اللام، و ضمّ الدال، و (لدن) بضم اللام و سكون الثاني، و لدن بفتح الأوّل و ضمّ الثاني و حذف النون، و (لدن) بفتح الأوّل و الثاني مع الياء، و إذا أضافوه إلى أنفسهم شدّدوا النون.
و إنّما دخلت «من» عليه لابتداء الغاية، و لدن كذلك، فلما تشاكلا حسن دخول (من) عليه.
و (كيف) في قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا محلّها إما الرفع على أنّها خبر لمبتدأ محذوف، أو النصب بفعل محذوف، و التنوين في «يومئذ» تنوين عوض، حذفت الجملة و عوض عنها التنوين.
و (لو) في قوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى مصدريّة.
و قد اختلفوا في جملة: وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً، فقيل: إنّها عطف على جملة: (لو تسوى)، و قيل: إنّها معطوفة على جملة (يود)، و قيل: إنّها مستأنفة، و لا يضرّ هذا الاختلاف بأصل المعنى.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأول: يدلّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ على نفي وقوع الظلم منه تعالى مطلقا، و يستفاد من ذيل الآية المباركة: وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، أنّ عدم وقوع الظلم عنه يستند إلى أمرين:
الأوّل: الاستغناء المطلق، فإنّه عزّ و جلّ مستغن عن كلّ شي‏ء، و لاستغنائه تعالى عن الخلق يضاعف الحسنات، فلا وجه للظلم الذي هو لازم الحاجة و الفقر، و هو تعالى منزل عنهما.
الثاني: الحكمة الإلهيّة، فإنّها تقتضي نفي الظلم عنه، لا من حيث القدرة التي تعلّقت بجميع الأشياء حتّى الظلم- المنزّه عنه ذاته الأقدس- فإنّ الذي يقدر على مضاعفة الحسنات و إيتاء الأجر العظيم، لقادر على تنقيص ذلك، و منع الأجر عن صاحبه، لكنه لا يفعل ذلك لحكمته المتعالية، و هذا هو معنى العبارة المعروفة: «إنّ اللّه تعالى لا يظلم لحكمة، لا لقدرة»، أي: أنّ حكمته المتعالية تقتضي نفي وقوع الظلم عنه، لا لعدم قدرته، فإنّها تعلّقت بجميع الأشياء، فهو قادر على الظلم لكنه لا يفعله لمنافاته الحكمة، و سيأتي تتمة الكلام في البحث الكلامي إن شاء اللّه تعالى.
الثاني: يدلّ قوله تعالى: مِثْقالَ ذَرَّةٍ على أنّ جميع الأشياء لها وزن معين معلوم، فإنّ الذرّة التي هي متناهية في الصغر لها وزن معين معلوم عند اللّه تعالى، و هو عزّ و جلّ لا يظلم زنة ذلك المقدار، و قد أثبتت العلوم الطبيعيّة المعاصرة الوزن لجميع الأشياء حتّى الهواء، و قد أشار القرآن الكريم إلى هذه النظرية قبل هذا بقرون كثيرة.
الثالث: يدلّ قوله تعالى: وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، على أنّ الأجر لا بد أن يكون عن استحقاق و على موضوع قابل مستعد، فإن ترتّب هذه الجملة على قوله تعالى: وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، يدلّ على أنّ موضوع استحقاق الأجر هو الحسنة التي يفعلها الإنسان، فاللّه تعالى يضاعفها، فتكون الحسنات المضاعفة هي موضوع الأجر العظيم، و من ذلك يستفاد أنّ هذا الترتّب من قبيل ترتّب المعلول على العلّة التامّة.
الرابع: يستفاد من قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ على المقام العظيم للشهداء في يوم القيامة، و كمال هؤلاء الشهداء و علو مقامهم و تنزيههم عن المآثم، فإنّ الشهادة لا تكون إلا ممّن اجتمعت فيه شروط الشهادة، التي منها الإحاطة العلميّة لجميع أفراد أممهم و خصوصيات أعمالهم، و منها عصمتهم، و عدم صدور الذنب منهم، فإنّ المذنب لا يكون شاهدا على مذنب‏ آخر، و منها غير ذلك، و قد تقدّم أنّ الشهادة لا تكون إلا لمن اصطفاه اللّه تعالى لهذا المقام، و هم الأنبياء و الأوصياء.
الخامس: يستفاد من قوله تعالى: وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً المنزلة المحمودة و المقام الكريم لسيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله، فإنّ خاتم الأنبياء مضافا إلى كونه شاهدا على أمته، فهو شاهد على جميع الأنبياء و أممهم؛ لأنّ شريعته غاية التشريعات السماويّة، و مكمل الأديان الإلهيّة، فلا يليق هذا المقام إلا له و هو منحصر به.
السادس: يدلّ قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ على أنّ الإنسان إذا انقطعت عنه الحجّة و توصدت عليه الأبواب، يتمنّى أن يكون ترابا تطأه الأقدام فيغفل عنه الناس و يستولي عليه كلّ أحد، و لا يكون مثارا للسؤال و الجزاء المهين.
السابع: المراد من التسوية تسوية الكفّار الذين عصوا الرسول مع الأرض، بقرينة الآية الشريفة: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [سورة النبأ، الآية: ٤۰]، لا تسوية الأرض معهم، فإنّ ذلك لا يناسب المعنى و بعيد عن الآية الشريفة بالمرّة.
الثامن: يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، أنّهم إنّما تمنّوا ذلك بأن تطمس نفوسهم و لا نقش فيها من العقائد الزائفة و الرذائل الموبقة، لتكون مستعدّة لفيض ذلك اليوم الذي يعمّ المؤمنين.

في الدرّ المنثور عن ابن انس: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إنّ اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا، و يجزي بها في الآخرة، و أمّا الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة».
أقول: أمثال هذه الرواية التي تدلّ على شرف المؤمن على غيره كثيرة، فإنّ آثار حسنات المؤمن تظهر في جميع العوالم- الدنيا و عالم البرزخ و يوم الجزاء- بل قد تؤثّر في الأعقاب أيضا لمكان إيمانه، بخلاف الكافر، فإنّ آثار حسناته إما تظهر في الدنيا فقط، أو في عالم البرزخ- كما في بعض الروايات- و أما في عالم الآخرة فإنّ حسناته لا تمنعه عن الدخول في النّار، لاختياره الكفر في هذه الدنيا، و المراد من النفي الوارد فيها ذلك. و قد توجب التخفيف عن العذاب، و هو في النّار و لا يخرج منه أبدا.
و في الدرّ المنثور أيضا في تفسير الآية المباركة: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها عن ابن مسعود قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأوّلين و الآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حقّ فليأت إلى حقّه، فيفرح و اللّه المرء أن يدور له الحقّ على والده أو ولده أو زوجته، فيأخذه منه و إن كان صغيرا، و مصداق ذلك في كتاب اللّه: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ، فيقال له: ائت هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ و من أين و قد ذهبت الدنيا؟ فيقول اللّه لملائكته: انظروا أعماله الصالحة و أعطوهم منها.
فإن بقي مثقال ذرّة من حسنة قالت الملائكة: يا ربّنا أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه و بقي له مثقال ذرّة من حسنة، فيقول للملائكة: ضعفوها لعبدي و أدخلوه بفضل رحمتي الجنّة، و مصداق ذلك في كتاب اللّه: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، أي: الجنّة يعطيها. و إن فنيت حسناته و بقيت سيئاته قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناته و بقي طالبون كثيرون، فيقول اللّه: ضعفوا عليه من أوزارهم و اكتبوا له كتابا إلى النّار».
أقول: أمثال هذه الرواية كثيرة بين الفريقين، و أنّها تدلّ على امور:
الأوّل: أنّ الحقّ المذكور فيها من الحقوق الخلقيّة، سواء كان من قسم‏ المجاملي أو من غيره، و أما الحقوق الإلهيّة، فهي بينه سبحانه و تعالى و بين عبده، و يكون العبد مسئولا عنه حسب القوانين و الشرائع الإلهيّة المفصّلة في الفقه.
الثاني: لا بد و أن يكون الحقّ باقيا؛ لأنّ الحقوق مطلقا- خصوصا الخلقيّة منها- لا تسقط إلا بالتهاتر أو بالإسقاط، و الأداء و التهاتر إما في هذه الدنيا أو في يوم الجزاء بأخذ الحسنة ممّن عليه الحقّ، كما في هذه الرواية و غيرها.
الثالث: مناسبة الحقّ مع الحسنة، فإنّ للحسنة مراتب كثيرة متفاوتة، و الحقّ أيضا له مراتب كذلك، فلا بد و أن تكون الحسنة تناسب الحقّ، و تكون مثله.
الرابع: يستفاد منها أنّ تخفيف الوزر و حطّه عن من له الحقّ و وضعه على من عليه الحقّ، جزاء لعمله نحو حسنة تعود إلى من له الحقّ.
في الكافي بإسناده، عن سماعة، عن الصادق عليه السّلام: في قول اللّه عزّ و جلّ: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، نزلت في امة محمد خاصّة في كلّ قرن منهم إمام منا شاهد عليهم، و محمد صلّى اللّه عليه و آله في كلّ قرن شاهد علينا».
أقول: اختصاص الآية المباركة بامة محمد صلّى اللّه عليه و آله؛ لأنّها أشرف الأمم و أنّ الشهادة عليهم تستلزم الشهادة على غيرهم من الأمم السابقة.
و أما شهادته صلّى اللّه عليه و آله على الشهداء من الأئمة عليهم السّلام في كلّ قرن و زمان إنّما هو من باب ذكر أحد المصاديق، و إنّ ذلك لا ينافي كونه صلّى اللّه عليه و آله شاهدا على الأنبياء السابقين أيضا.
و في الاحتجاج: عن علي عليه السّلام في حديث يذكر فيه أحوال أهل الموقف: «فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم، فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم، و تسأل الأمم فيجحدون، كما قال اللّه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فيقولون: ما جاءنا بشير و لا نذير، فيستشهد الرسل رسول اللّه، فيشهد بصدق الرسل و يكذب من جحدهم من الأمم، فيقول لكلّ امة منهم: فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، و لذلك قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، فلا يستطيعون ردّ شهادته، خوفا من أن يختم اللّه على أفواههم و أن يشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، و يشهد على منافقي قومه و أمته و كفّارهم، بالحادهم و عنادهم و نقضهم عهده و تغييرهم سنته و اعتدائهم على أهل بيته و انقلابهم على أعقابهم و ارتدادهم على أدبارهم و احتذائهم في ذلك سنّة من تقدمهم من الأمم الظالمة الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ».
أقول: يستفاد من هذه الرواية امور:
الأول: أنّ جحود الأمم للأنبياء في يوم الجزاء قبل نطق جوارحهم، كما يدلّ عليه الآية الشريفة: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة النور، الآية: ۲٤]، و قبل شهادة الأنبياء، لأنّ ليوم الجزاء مواقف متعدّدة و مراحل كثيرة.
الثاني: أنّ جحود الأمم للأنبياء في يوم الجزاء إنّما يكون منشأه كفرهم باللّه العظيم في هذه الدنيا و رسوخ الملكات السيئة في نفوسهم الحاصلة من عنادهم و لجاجهم مع الأنبياء في الدنيا، و يدلّ على ذلك آيات شريفة و آيات كثيرة، يأتي التعرّض لها في محلّها إن شاء اللّه تعالى.
الثالث: استشهاد الأنبياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنّه أشرفهم و مكمّل رسالاتهم، و هو صلّى اللّه عليه و آله يعلم بما جرى في الأمم السالفة بوحي من اللّه عزّ و جلّ، فيشهد بصدق الرسل و تأدية الرسالات، و يكذب من جحدها.
الرابع: يستفاد منها مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عند اللّه تعالى، فإنّه له عند اللّه‏ المنزلة الرفيعة و المقام المحمود و الشأن الكبير، و لا يستطيع أحد ردّ شهادته خوفا من الفضيحة و العذاب، فيعترفون بالضلالة بعد شهادته صلّى اللّه عليه و آله.
و في الدرّ المنثور عن البخاري و غيره، و عن البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اقرأ عليّ، قلت: يا رسول اللّه، أقرأ عليك و عليك انزل؟! قال نعم، إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتّى أتيت على هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، فقال: حسبك الآن، فإذا عينان تذرفان».
أقول: و قريب منه غيره، و لعلّ بكائه صلّى اللّه عليه و آله لأنّه شاهد على جميع الخلق، متّصف بمقام الشهادة، فهو المسؤول عنهم، فمقام مثل هذه الشهادة مقام خطير جدا و عظيم.
في تفسير العياشي عن أبي بصير: قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً؟ قال: يأتي النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم القيامة من كلّ امة بشهيد يوصي نبيّها، و اوتي بك يا عليّ شهيدا على امتي يوم القيامة».
أقول: لا تنافي بين هذه الرواية و بين ما تقدّمت من الروايات، لما عرفت من أنّ الرسل و أوصيائهم يستشهدون برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فهو شهيد على جميع الخلائق بواسطة الرسل و الأوصياء.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في صفة يوم القيامة: «تجمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلم أحد إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً، فيقام الرسل فيسأله، فذلك قوله لمحمد صلّى اللّه عليه و آله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، و هو الشهيد على الشهداء، و الشهداء هم الرسل».
أقول: يستفاد من هذه الرواية تعدّد المنازل و المواطن في يوم القيامة، و أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شهيد على جميع الرسل و الشهداء، كما تقدّم.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً، قال: «يتمنّى الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السّلام أن تكون الأرض ابتلعتهم في اليوم الذي اجتمعوا فيه على غصبه، و أن لم يكتموا ما قاله رسول اللّه فيه».
أقول: هذا من باب التطبيق، فإنّ غصبه عليه السّلام و عصيانه يكون من عصيان الرسول و الخروج عن طاعته.
و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السّلام عن جدّه أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة يصف فيها هول يوم القيامة: «ختم على الأفواه فلا تكلّم، و تكلّمت الأيدي و شهدت الأرجل و أنطقت الجلود بما عملوا، فلا يكتمون اللّه حديثا».
أقول: معنى الرواية أنّ الخلائق يوم القيامة لا يكتمون اللّه حديثا تكوينا، أي: بجوارحهم، فإنّها تشهد عليهم، كما يأتي في الآيات الدالّة على ذلك.
و أخرج ابن أبي حاتم و الحاكم عن حذيفة قال: «أتي بعبد آتاه اللّه مالا فقال له: ماذا عملت في الدنيا- و لا يكتمون اللّه حديثا- فقال: ما عملت من شي‏ء يا رب إلا أنّك آتيتني مالا فكنت أبايع الناس، و كان من خلقي أن أنظر المعسر، قال اللّه: أنا أحقّ بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فقال أبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعت من في رسول اللّه».
أقول: هذا من باب ذكر أحد المصاديق للآية الشريفة، و أنّ الروايات في فضل و ثواب إنظار المعسر كثيرة، و أنّ الجوارح كما تشهد بما صدر عنها من الأفعال السيئة، كذلك تشهد بالأفعال الحسنة الصادرة عنها، فإنّ شهادتها تعمّ.

تقدّم في احد مباحثنا السابقة أنّ صفات اللّه جلّ شأنه تنقسم إلى أقسام عديدة حسب اختلاف الوجوه و الاعتبارات:
فتارة: تنقسم إلى صفات الذات و صفات الفعل.
و اخرى: إلى الصفات العامّة كالخالقيّة، و الخاصّة كالفيوضات الخاصّة على أنواعها و أقسامها.
و ثالثة: تنقسم إلى الصفات الثبوتيّة و الصفات السلبيّة، و في هذا البحث يقع الكلام في القسم الأخير، أي الصفات الثبوتيّة و الصفات السلبيّة، و المراد بالأولى تلك الصفات التي تكون كمالا للمتّصف بها، و لا يستلزم من نسبتها إليه عزّ و جلّ نقص، فيجب حينئذ الاتّصاف بها، و هي كثيرة، كالعلم و الحياة و القدرة و نحو ذلك، و تسمّى بالصفات الجماليّة أو الكماليّة.
و المراد بالثانية هي تلك الأمور التي يمتنع ثبوتها لذاته المقدّسة، و تسمّى بالصفات الجلاليّة، أي: يجلّ و ينزّه تعالى عنها، و هي النواقص و لواحق الإمكان و كلّ صفة إذا استلزمت النسبة إليه عزّ و جلّ نقصا، و هي كثيرة و قد ورد جملة منها في القرآن الكريم و السنّة الشريفة، مثل أنّه تعالى ليس بجسم، و لا بمكاني و لا زماني، و لا كيف له، و أنّه ليس بمتحرّك، و لا سكون له، و لا يرى، أي: لا تدركه الأبصار و غير ذلك، كما سيأتي في الموضع المناسب شرح ذلك كلّه. إلا أنّ البحث في المقام يقع في نفي الظلم عنه عزّ و جلّ، كما دلّت عليه الآية التي تقدّم تفسيرها.
و قبل أن نتعرّض لذلك لا بد أن نشير إلى الصفات التنزيهيّة التي تجلّ ذاته الأقدس عن الاتصاف بها؛ للزوم النقص، هي غير البحث الذي أشار إليه الأئمة المعصومون عليهم السّلام، و هو أنّ الصفات الكماليّة التي يتّصف بها عزّ و جلّ لا يمكن‏ دركها بحقيقتها و كنهها، و لا يمكن أن يصل إليها عقول البشر، فاللّه تعالى عالم، أي: ليس بجاهل، لأنّ حقيقة علمه عزّ و جلّ لا يمكن دركها و لا تصل إليها فهم الإنسان، فإنّ ذلك في الصفات الكماليّة التي يجب أن يتصف بها الذات المقدّسة، و إلا استلزم النقص بالنسبة إليها، لا الصفات السلبيّة التي يجلّ أن يتصف بها.
ثم إنّه جلّت عظمته منزّه عن الظلم، كما دلّت عليه الأدلّة الكثيرة، فمن الكتاب آيات عديدة، منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة يونس، الآية: ٤٤]، و قوله تعالى: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [سورة الكهف، الآية: ٤۹].
و منها: الآية التي تقدّم تفسيرها: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، و المستفاد من هذه الآية الشريفة امور:
الأوّل: أنّ عدم وقوع الظلم منه لا عن نقص في القدرة الأزليّة، بل لأجل أن حكمته اقتضت أن لا يظلم أحدا، و هذا هو معنى العبارة المعروفة: «إنّ اللّه لا يظلم لحكمة، لا لقدرة» كما تقدّم، فإنّ قدرته تامّة كاملة قد تعلّقت بجميع الأشياء حتّى الممتنعات، و لكن الحكمة الإلهيّة اقتضيت أن لا يفعل ذلك، و هو لا يفعل شيئا خلاف الحكمة، فإنّ الذي يقدر على مضاعفة الحسنات لقادر على سلبها عن صاحبها، و لكنّه لا يظلم أحدا.
الثاني: أنّ وقوع الظلم منه يستلزم الجهل، و هو منزّه عنه تعالى، فيرجع نفي الظلم عنه إلى علمه الأتم بحقائق الأشياء، و الظالم يجهلها فيظلم.
الثالث: استغناؤه عن الظلم، فلا غرض له يتعلّق به، و هو منزّه عنه؛ لأنّ اللّه تعالى يضاعف الحسنات و يعطي الأجر العظيم لمن استحقّه، فهو أجلّ من أن يسلبه عنه.
ثم إنّ نفي الظالم عنه تعالى لا يثبت العدل له جلّت عظمته، بخلاف العكس كما هو واضح.

تقدّم في احد مباحثنا السابقة أنّ مقام الشهادة من أجلّ المقامات و أرفعها، و لذا اختصّ به الأنبياء العظام و أوصياؤهم، و هي تختلف حسب اختلاف الأمم، و حسب المشهود عليهم، و أفضلها شهادة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، فهو الشهيد على جميع الخلق في أعمالهم و معتقداتهم، و يدلّ عليه قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، و إنّما يكون شهيدا إذا حضر عنده الخلق؛ لأنّ الشهود من الحضور فلا بد و أن تكون الحقائق حاضرة عند الشاهد و يكون مطلعا عليها مراقبا لأوضاعها و حالاتها، و لا يصل الشاهد إلى هذه المرتبة إلا إذا كان مراقبا لنفسه و مطّلعا على أحوالها يجاهد على إصلاحها، و يطلب بذلك مرضاة اللّه تعالى و محبّته، و لا يرى شيئا إلا و يرى اللّه حاضرا عنده، كما عن سيد العارفين أمير المؤمنين عليه السّلام، فيصل الشاهد إلى مرتبة يحضر لديه كلّ أحد و يظهر له معتقده و يكشف عن حاله، و لا ينال هذه المرتبة إلا المخلصون من عباده تعالى، الذين استثناهم إبليس من غوايته، فتختصّ بالأنبياء و الأولياء عليهم السّلام و من حذى حذوهم من الأبرار و الصلحاء.
و أما شهود الحضرة المحمديّة على الخلق جميعا، فلأنّه خاتم الأنبياء الشاهدين على أممهم، بل هو العلّة الغائيّة للعالم، و أنّه الواصل إلى مرتبة حبيب اللّه و الفناء فيه عزّ و جلّ، فلا بد أن يحضر الخلق لديه و تظهر معتقداتهم عنده.
و الظاهر أنّ الاستفهام في الآية الشريفة لأجل استبعادهم أن يكون صلّى اللّه عليه و آله شهيدا يشهد على أعمالهم و سرائرهم، و هو من أفراد الإنسان، و يكون مطّلعا على جميع حالاتهم، و قد تفانوا في طلب الدنيا و جبلت قلوبهم على حبّها و استحكمت الملكات الرذيلة في قلوبهم، و الآية المباركة تخبرهم على تحقّق الشهادة، و أنّها واقعة لا محيص عنها و لا شكّ فيها.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"