1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 32 الى 35

وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (۳۲) وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً (۳۳) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَ اللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (۳٤) وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (۳٥)


الآيات الشريفة تتضمّن أحكاما اجتماعيّة تتعلّق بأحكام المواريث و الزواج، تصلح أمر الاجتماع العامّ و العائلة، و ترشد الناس إلى الحياة السعيدة، و تبيّن أنّ المناط في السعادة كسب الفضل و الفضيلة و السؤال من اللّه تعالى التوفيق، لا التمنّي فقط، فإنّه لا يكون كافيا إذا لم يكن داعيا إلى العمل، ثم يبيّن عزّ و جلّ بعض أحكام إرث الأرحام.
و ذكر سبحانه و تعالى العلّة في تفضيل الرجال على النساء في بعض الأمور، كما اهتمّ جلّ شأنه في إظهار فضل النساء أيضا.
و أخيرا ذكر حكما تربويا لإصلاح الخلل الذي يقع في الحياة الزوجيّة، فالآيات الشريفة تشتمل على أحكام اجتماعيّة مهمّة، و غير خفي ارتباطها بما سبق من الآيات المباركة التي اشتملت على جملة من الأحكام و المناهي.

قوله تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ التمنّي: هو تعلّق النفس بأمر متعذّر أو كالمتعذّر، أو تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، و الأغلب تحقّقه في قول الإنسان: ليت كذا كان كذا، أي: حديث النفس بما يكون و ما لا يكون، قال تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ [سورة القصص، الآية: 79]، و قال تعالى: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [سورة النبأ، الآية: ٤۰].
و قال بعضهم: إنّ التمنّي نوع من الإرادة تتعلّق بالمستقبل ضد التلهّف الذي نوع منها تتعلّق بالماضي.
و هو مردود؛ لأنّ التمنّي أعمّ من ذلك.
و كيف كان، فالمعروف أنّه من الإنشائيات.
و التمنّي مذموم شرعا؛ لأنّ فيه تعلّق البال و انشغاله عن إصلاح الإنسان نفسه، و أنّه يوجب نسيان الأجل، و هو مبدأ الحسد الذي هو من أهمّ الصفات الذميمة، قال كعب:
فلا يغرّنك ما منّت و ما وعدت إن الأماني و الأحلام تضليل‏

بخلاف الغبطة، التي هي عبارة عن إرادة ما لصاحبه مع عدم التمنّي؛ لزواله عنه، و هي داعية إلى العمل و الاستكمال، بخلاف التمنّي، و تقدّم في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة، الآية: ۹٤]، بعض الكلام في أقسام التمنّي، فراجع.
و الآية الشريفة تبيّن قاعدة تكوينيّة لها ارتباط بالدنيا- قال تعالى: وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ‏ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [سورة الشورى، الآية: 27]- و الآخرة لها دخل في نظام الأسباب و المسبّبات و ظهور الاستعدادات و بروزها، و لا يمكن التخلّف عنه.
و النهي عن التمنّي إنّما لأجل عدم إمكان تحقّق المسبّب بدون سببه، فيكون النهي إرشاديا تكوينيّا لا نهيا مولويّا، و هو يرشد الناس إلى حفظ القانون العامّ و النظام الشرعي و التكويني.
و الآية المباركة تدلّ على بطلان مذهب البخت و الاتّفاق، لعدم إمكان تحقّق المسبّب بدون السبب، فلا بد من العمل و السعي لنيل الفضل، كما تدلّ عليه الأدلّة الكثيرة، منها قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ [سورة النجم، الآية: 39].
و منها:
قول علي عليه السّلام: «و لا تكن ممّن ترجو الآخرة بلا عمل، و ترجو الحصاد بلا زرع»، و قال عليه السّلام أيضا: «الأماني بضائع النوكى» و غير ذلك، فالفضل و الأجر ليستا وقفا على طائفة معيّنة و نوع معيّن، و الأجر إنّما يكون على العمل و الوفاء بالتكاليف، فتكون الآية الشريفة نظير قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [سورة الزلزلة، الآية: 7- 8]، و قوله تعالى: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ [سورة التوبة، الآية: ۱۰٥].
و لكن الآية الشريفة تدلّ على أنّ لكلّ جنس مهمّة معيّنة خلقه اللّه تعالى لها ليؤدّيها في الأرض، و هيّأه لها و وهب له ما يمكن أن يقوم بالمهمة، فكلّفه عزّ و جلّ بتكاليف توافقها، و قد ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة أن الرجل خلقه اللّه تعالى لأجل وظائف معيّنة في المجتمع، كالجهاد و السعي للكسب و العيش، كما خلق النساء لأداء وظائف اخرى، كالحمل و رعاية البيت و تربية النشئ تربية صالحة شرعيّة، و قد أعطى عزّ و جلّ لكلّ واحد منهما أجرا معيّنا لا يمكن نيله إلا بالعمل و أداء الوظيفة و الوفاء بالتكاليف الإلهيّة، فلا بد من المحافظة على ذلك‏ التنويع في الاختصاصات و عدم الإخلال بتلك المهمّات الأصليّة، و خلاف ذلك إفساد للفطرة و ابطال للنظام، و بدون ذلك لا يستقيم المجتمع البشري و يضطرب أشدّ الاضطراب، كما نراه في الجاهليّة المعاصرة عند ما خرج الناس عن الفطرة و طلبوا المساواة بين الجنسين، و لهذا نرى أنّ النهي عن التمنّي إنّما هو لأجل إبطال الفوضى الذي يكون عند تحقّق ذلك التمنّي في الخارج، فيكون النهي لقطع منابت الشرّ و الفساد، و ما يوجب هلاك الحرث و النسل، كلّ ذلك يظهر من قوله تعالى: ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ و هو على إيجازه البليغ و أسلوبه البديع تبيّن جهة الفضل و المزيّة التي اختصّ بها كلّ طائفة من الرجال و النساء، و يدلّ على أنّ تلك الخصوصية فضل و زيادة في كلّ واحد من الجنسين على الآخر، و لا معنى لتمنّي ذلك الفضل الذي يوافق خلقته.
ثمّ إنّ التمنّي تنقسم إلى أقسام أربعة ذكرناها في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [سورة البقرة، الآية: ۹٤- ۹٥]، و أنّ أصولها تكون في الغاية التي تكون فيها التنافس، سواء أ كان في امور الدنيا أم الآخرة، و تقدّم أنّ نفس التمنّي مذموم؛ لأنّه مخالف للحكمة المقدّرة و المصالح التي لم يطلع على سرّها إلا ربّ العالمين، إلا إذا كان التمنّي متعلّقا بعالم الآخرة و نعيمها مع تهيئة الأسباب و تقديم الأعمال له، فهو غاية دعوة الأنبياء و من أهمّ مقاصد الكتب السماويّة، فهو ممدوح عقلا و شرعا.
و أما الفضل الذي ميّز اللّه تعالى به كلّ فريق عن الآخر، إما أن لا يتعلّق به الكسب و العمل و لا يمدح الفاضل فيه بالجدّ و التشمير، كما لا يذمّ المفضول بالتقصير، و في مثل ذلك يذمّ التمنّي فيه كما عرفت آنفا.
و إما أن يكون ممّا ينال بالسعي و الجهد و التشمير، و في مثل ذلك يمكن أن يتحقّق التمنّي فيه.
و هو تارة يكون من مجرّد أمنية شاغلة لباله موهنة لقواه، و لا إشكال في حرمة هذا التمنّي؛ لمنافاته للتوحيد و التوكّل على اللّه تعالى، و اشتماله على ذمائم الأخلاق، كالحسد و البغضاء و نحوهما.
و اخرى: يكون اغتباطا بالفضل الذي منحه اللّه تعالى لصاحبه، و السؤال منه عزّ و جلّ، و هذا ممدوح و موجب للإقدام على العمل أيضا.
و ثالثة: يكون من مجرّد التصوّر الخيالي، كأن يتوهّم بأنّه لو كان في مقام صاحب الفضل الكذائي مثلا كان له كذا و كذا، لتسكين هيجان الهمّ و الغمّ، و لا إشكال فيه أيضا أن لم يستلزم البطالة و الكسل، و إلى ذلك يشير قول الشاعر:
أماني إن تحصل تكن غاية المنى و إلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ.
النصيب، الحظ ممّا أعطاه اللّه تعالى من الخير و النعمة و الفضل. و من في مِمَّا بيانيّة للنصيب.
و مادة (كسب) تدلّ على العمل أو السعي الذي يجلب به النفع أو يدفع به الضرر، و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في ما يقرب من سبعين موردا، و يستعمل في الخير و الشرّ، قال تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [سورة البقرة، الآية: ۲۸٦]، و قال تعالى: وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [سورة البقرة، الآية: ۲۲٥]، و قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [سورة الروم، الآية: ٤۱]، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه و ولده من كسبه»، و جعل الولد من كسبه لأنّ الأب سعى و طلب في تحصيله، و أراد بالطيب هنا الحلال.
و الاكتساب هو الكسب مع المبالغة و التكلّف، و قيل: إنّ الاكتساب هو ما يستفيده الإنسان لنفسه، و الكسب أعمّ من أن يكون لنفسه أو لغيره.
فكلّ اكتساب كسب، و لا عكس. و أكثر استعمال الاكتساب في القرآن الكريم في الإثم و ما يكون ضررا على الإنسان، قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [سورة النور، الآية: 11]، و قال تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً [سورة الأحزاب، الآية: ٥۸]. و لعلّ وجه تخصيص الاكتساب في الشّر و الكسب في الخير؛ لأنّ الاكتساب فيه أعمال و مشقّة حاصلة من تحمّل الجزاء العظيم الشديد، أو لأنّ النفس تعمل بجميع قواها في تحصيل الشرّ.
و كيف كان، فقد استعمل الاكتساب في الخير أيضا، كما في الآية الشريفة، إذ التمنّي فيها لا يكون إلا في الخير و الفضل.
و ذكر بعض المفسّرين تبعا لبعض أهل اللغة أنّ الكسب و الاكتساب يختصّان بما يحصل للإنسان بعمل اختياري، كالطلب و نحوه، و هو صحيح بحسب الغالب، و إلا فقد يطلق الكسب على ما ليس كذلك، كما يقال في كسب الأخلاق بالمعاشرة و الصفات، و ذكر الفقهاء أنّ الكسب ما يحصل للإنسان بالملك و الجدّة و الاختصاص و لو بالإرث الذي هو غير اختياري، فلا يختصّان بالعمل الاختياري فقط، بل يشمل ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان صاحب الفضل ذا مزية تكوينيّة كالجمال، و حسن الصوت و الذكوريّة و الانوثيّة التي تخصّص لأصحابها سهما معينا و نصيبا مفروضا.
فالآية الشريفة بمنزلة التعليل للنهي عن التمنّي في صدرها، أي: لا تتمنّوا ذلك، فإنّ الفضل قد اكتسبه صاحبه إما تكوينا أو اختيارا، فالنصيب الذي أعطاهم اللّه تعالى هو ممّا اكتسبوه، و قد خصّه اللّه تعالى لكلّ واحد من الجنسين و فضّل به بعضهم على بعض؛ لأنّه ممّا أحرزه خلقا و تكوينا أو بتجارة و عمل، و إنّما ينال ذلك بالاكتساب فقط لا بالتمنّي الذي يدعو إلى الشرّ و اختلال النظام، كما عرفت.
قوله تعالى: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
تعليم إلهي و تربية ربانيّة لأفراد الإنسان بالاعتناء و الاهتمام بما ينفعهم، و إرشاد إلى ما هو الإصلاح لهم في ترك ما يكون سببا في شقائهم و ضررهم، فإنّه لما نهاهم عزّ و جلّ عن تمنّي ما لا يمكن تحقّقه، بل يأبى اللّه سبحانه و تعالى أن يحقّقه، لاستلزامه الفوضى و اختلال النظام، أرشدهم الى ما ينبغي توجيه داعية الفطرة إلى ما هو الصحيح، فأمرهم بصرف التمنّي الذي هو فطري للإنسان إلى وجهه الكريم، و وجّههم إلى السؤال عن فضله العظيم، فإنّ الفضل بيد اللّه تعالى، و يقضي حوائجهم حين يسألونه من الوجه الصحيح، و يفيض عليهم بحسب ما يشاء.
و مورد الفضل إما أن يكون مورد رحمته الواسعة التي وسعت كلّ شي‏ء، و بهذا المعنى جميع ما سواه فضل منه جلّ جلاله، و لا استحقاق في البين، فإنّ الممكن محتاج بذاته إلى فضله العظيم، و إما أن يكون بالإنعام زائدا على أصل الخلقة، و هو يختلف بحسب العوالم، فإنّ منها ما يكفي في إحداثه صرف الأمر فقط، كعالم المجرّدات بمراتبها و أنواعها، و يعبّر عنه بعالم أشعة الجمال و الجلال، و لا وجه للتعبير بالفضل بالنسبة إلى هذا العالم. و إما أن يكون من عوالم المادّة التي لا بد من تخللها في جميع نشئاتها، و يصحّ التعبير عنها بالفضل حينئذ.
و الدنيا بأهلها المسجونين فيها دار فضل اللّه تعالى، فاسالوه من فضله، فإنّه يستجيب دعائكم حسب الاستعدادات و المقتضيات.
و قد أبهم عزّ و جلّ الفضل في الآية الشريفة لتعليم الإنسان أن يسأل ربّه من فضله الكريم بحسب الواقع، لا بحسب ما يتخيّله، فإنّه جاهل بحقائق الأمور، فقد يسأل ما يضرّه في الواقع و ما يكون سببا في هلاكه، و هو لا يعلم بذلك، أو يسأل ما يكون خلاف الحكمة الإلهيّة- كما في تمنّيهم- و هو يلحّ في الدعاء و المسألة.
كما يرشدهم إلى أن لا يسأل أحد ما في أيدي الناس و لا يكون همّه مجرّد الحيازة على ما تشتهيه النفس، بل لا بد من إيكال الأمر إليه عزّ و جلّ ليرفع حاجته بما يعلمه خيرا عنده، فيرجع الأمر إليه و إلى فضله العظيم، بحسب حكمته المتعالية، و ايكاله الى علمه بحقائق الأمور.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً.
تعليل للنهي عن التمنّي بما لا يستقيم الحياة به، و بيان لصدر الآية الكريمة أيضا، فاللّه تعالى يعلم حقائق الأمور، و هو يعلم أيضا حال الاجتماع و استقامته- عند ما يقوم كلّ جنس بوظيفته التكوينيّة- و اضطرابه حين ما يختلّ و يأخذ كلّ جنس بوظيفة الجنس الآخر، فلا تتمنّوا ما خصّ اللّه تعالى به كلّ فرد، فإنّ اللّه تعالى يعلم مصلحة الكلّ، و يعلم حال المجتمع و حقيقة الأمر، و لا يخطأ في حكمه، فاطلبوا ما يوجب سعادتكم.
قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ.
بيان لفرد من أفراد الحكمة الإلهيّة التي لها اتصال وثيق بالمجتمع الإنساني، و هو رعاية الأطراف في الميراث، إذ من المعلوم أنّ لكلّ فرد من أفراد الإنسان من الأقارب و الأرحام و ما يحيطون به كإحاطة الأكليل بالرأس، كالآباء و الأجداد، و الأولاد و الإخوة و الأخوات و الأعمام و الأخوال، و أولادهم.
و الآية الشريفة ترشد الناس إلى إعطاء كلّ ذي نصيب نصيبه، فقد جعل اللّه تعالى لكلّ موالي الإنسان حقّا و نصيا ممّا تركه القريب، فهذه الآية المباركة إجمال بعد تفصيل أحكام الميراث، و وصية لتنفيذ تلك الشرائع التي شرّعها في الآيات السابقة حسب ما شرّعه و أبداه.
و الموالي جمع مولى على وزن (مفعل)، و هو إما أن يكون صفة فيكون مصدرا ميميا، أو اسم مكان أريد به الشخص المتلبّس بالصفة، لتمكّنها و قرارها في موصوفها، و مثل ذلك شائع، و يراد به الولي من ولي بالشي‏ء يليه ولاية. و هو الاتصال بالشي‏ء من غير فاصل، و بهذه العناية تستعمل في مصاديق متعدّدة- فلا يكون- من المشترك كما ادعاه جمع- كالسيد و المعتق، و المعتق لقرب أحدهما من الآخر و اتصاله به و ولايته عليه، و الناصر لولايته على المنصور و اتصاله به، و ابن العمّ لقربه و اتصاله ببنت العمّ و غير ذلك، و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في أكثر من مائة و خمسين موضعا.
و المراد به في المقام: الأولى بالميراث، و هم الذين وردت أسماؤهم في ما بعد؛ لأنّهم اولوا الأرحام الذين بعضهم أولى ببعض.
و التنوين في (الكلّ) عوض عن المضاف إليه، و المعروف أنّ (كلّ) هي بمعنى الإحاطة و العموم، و لا تأتي مفردة، فإذا كانت كذلك فلا بد من التقدير، و هو في المقام الصنفان المذكوران في صدر الآية المباركة، و هما صنف الرجال و صنف النساء.
و المعنى: و لكلّ صنفي الرجال و النساء أولياء يرثونهم بمقتضى قانون الأقربيّة، و أنّ أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، أو الولاء إن لم يكن هناك رحم، فهم يرثونه ممّا تركه من الأموال.
و (من) في مِمَّا تَرَكَ للابتداء- أي من أجل ما ترك- متعلّق بالموالي؛ لأنّه الوارث، أو متعلّق بمحذوف، أي: يرثون ممّا ترك، و هم الوالدان و الأقربون و الذين عقدت أيمانكم.
فالآية الشريفة إجمال بعد تفصيل ذكره عزّ و جلّ في الآيات الكريمة السابقة، و هم الآباء و الأولاد و الإخوة و الأخوات و الأزواج و غيرهم، فيكون المراد بالموالي جميع من ذكره عزّ و جلّ في آيات الإرث السابقة.
قوله تعالى: وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.
المشهور: «عقدت» مخففة القاف بغير الف، و قرئ: (عاقدت) بالألف، و قرأ بعضهم: (عقدت) بتشديد القاف على التكثير. و المفعول في جميع القراءات‏ محذوف، و تقديره: عهودهم أو مولويتهم و نحو ذلك، و العقد مقابل الحل، و الأيمان جمع اليمين، و هي مقابل اليسار، و تطلق على الحلف و القسم؛ لأنّها هي التي تعطى عادة عند العهد، فأطلق المحلّ على الحال.
و الفاء في: فَآتُوهُمْ للتفريع أو لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، و النصيب هو الإرث من التركة.
و قد اختلفت المفسّرون و العلماء في المراد بهم، فقيل: إنّهم الحلفاء، فقد كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية، ليس بينهما نسب، فيقول: «دمك دمي، و هدمي هدمك، و سلمك سلمي، و ترثني و أرثك، و تطلب بي و اطلب بك»، فيكون للحليف السدس من مال الحليف، فيكون معنى الآية الشريفة: و الحلفاء آتوهم سدسهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ [سورة الأحزاب، الآية: ٦]، فتكون الجملة حينئذ مقطوعة عمّا قبلها.
و قيل: إنّ المراد بهم الذين آخى بينهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المدينة، فكانوا يتوارثون بينهم من دون رحميّة، ثمّ نسختها آية المواريث، ثم أمرهم بإيتاء نصيبهم من النصرة و النصيحة و الرفادة و الوصية.
و قيل: إنّ المراد بهم الأدعياء الذين كانوا يتبنّونهم في الجاهلية، فأمروا بإيتاء نصيبهم في الإسلام من الوصية.
و قيل غير ذلك.
و قد استدلّوا بجملة من الروايات التي دلّت عليها، و لكنّها متعارضة فيما بينها.
فالصحيح أن يقال: إنّ الحكم في الجملة مطلق يشمل إرث الزوجين و ضمان الجريرة، و الإمام عليه السّلام الذي يبتني إرثهم على المعاقدة و المعاهدة، و إن كان توريث كلّ واحد منهم يحتاج إلى شروط و مخصّصات، لكنّها يعلم من موضع آخر في الكتاب أو السنّة أو إجماع الأصحاب.
و على ذلك لا تكون الآية الكريمة منسوخة، إلا أنّ الأمر الذي يستفاد من هذه الجملة أنّ ميراث الذين عقدت أيمانهم و ولاؤهم متأخّر رتبة عن ولاء اولي الأرحام و الأقربين.
و أما إرث الإمام عليه السّلام، فهو متأخّر عن الجميع بمقتضى الآية الكريمة و الروايات الواردة في السنّة.
و يدلّ على ما ذكرنا من شمول الآية الشريفة للزوج و الزوجة و ضمان الجريرة، و ولاء الإمام، فإن الثلاثة مسبّبة عن المعاقدة و المعاهدة التي تقع بين الأطراف، و قد أمر اللّه تعالى بالوفاء بها، قال عزّ و جلّ: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [سورة المائدة، الآية: 1]، لا سيما بعد تفسيره بالعهود و أطلق عقدة النكاح على الزواج الذي هو مسبّب عن عقد النكاح، قال تعالى: وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ [سورة البقرة، الآية: ۲۳٥]،
و ما ورد في تفسير الآية الشريفة عن الرضا عليه السّلام: «إنّما عنى بذلك الأئمة عليهم السّلام بهم عقد اللّه عزّ و جلّ أيمانكم».
فإنّ يمين الولاء بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السّلام قد أخذها اللّه تعالى على عباده، و أمر عزّ و جلّ بالوفاء بعهدها الذي من مصاديقه إعطاء الإرث لمستحقّه، و سيأتي نقل بعض الروايات في ذلك إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً.
الشهيد: الرقيب الذي يعلم خفايا الأمور، و المطّلع على جميع الخصوصيات، أي: أنّ اللّه تعالى عالم بجميع الأشياء، حاضر لا يغيب عنه شي‏ء، فهو مطّلع على الإيتاء و الخيانة، فاحذروا منه عزّ و جلّ، فلا تخونوهم نصيبهم الذي كتبه اللّه عزّ و جلّ لهم.
و الآية المباركة تأكيد لحكمه السابق، و فيها وعد و وعيد.
قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بيان لأهمّ حكم نظامي، و قد صار مثلا قرآنيّا يتضمّن حكما تربويّا إرشاديا إلى النظام الأحسن- و منه نظام العائلة و الاسرة- الذي نظّم في الإسلام تنظيما دقيقا، و هذّبت علاقاتها حتّى تؤدّي وظيفتها بأكمل وجه في المجتمع الإنساني، و قد ذكر عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة قوامة الاسرة و العائلة، التي هي عمودها المقوّم لها، و بدونها تنهدم و ينفرط عقدها و تسي‏ء أحوالها و تتخلّى عن وظيفتها التي قرّرت لها، و ذكر عزّ و جلّ أنّ هذه القوامة تتضمّن من الأحكام و التبعات التي لا بد من أن يكلف بها الأصلح من أفراد المجتمع، و ليست هي قضية منافسة بين الرجل و المرأة و جدال و صراع بينهما، كما تراه الجاهلية المعاصرة، فإنّ الإسلام إنّما بنى العلاقات الاجتماعيّة على المودّة و الرحمة لا على الشقاق و الجدال.
و الآية الشريفة الكريمة تبيّن أنّ الأصلح لهذه المهمّة هو الرجل، لمّا فضّله اللّه تعالى بأمور تجعله صالحا لهذه المهمّة، و هي على ما يستفاد من الآيات الشريفة المتقدّمة و من هذه الآية المباركة، القوّة و شدّة البأس، و زيادة التعقّل، بخلاف المرأة التي لم يهمل الإسلام شأنها في المجتمع، فإنّ حياتها تبتني على حياة إحساسيّة عاطفيّة، و هذه الجهة تستدعي حياة الدعة و الرفق، و لا يمكنها النهوض لتحصيل الرزق الذي يستدعي القوة و رباطة الجأش، و هذا هو مقتضى قانون الفطرة، و الإسلام لم يخرج عنه، فإنّه دين الفطرة، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سورة الروم، الآية: 30].
و القوامة- هذه التي جعلها اللّه تعالى للرجل أو يتطلبها ناموس الفطرة- لم تختصّ بجهة معينة، فإنّها مطلقة بما فضّل اللّه تعالى الرجل على المرأة، فالرجال قوامون على النساء في الحياة المعيشيّة، كطلب الرزق و حفظ شؤون المجتمع، كالقضاء و الحرب و نحو ذلك، و ليس معنى ذلك أنّ المرأة تحرم من الملك و الشؤون الاجتماعيّة لكي تخضع للرجل، كما كانت عليه في غابر العصور، فليس الإسلام‏ دين سلب- للحقوق- و ابتزاز، و هو لم يحرم أحدا ممّا خلقه اللّه تعالى، لأجله بل الإسلام لم يكلّفها بأمور هي من شأن الرجل بمقتضى خلقته. و لذا نرى أنّ المرأة حينما تحرّرت- على ما تدّعيه الجاهلية المعاصرة- و صارت تنفق و تشارك الرجل في جميع ما خصّه اللّه تعالى به و رفضت قوامة الرجل عليها، حلّ بالمجتمع أنحاء الشقاء و جلب التعب للإنسان و حرمه من السعادة المرجوة.
و لقد حفظ الإسلام حقوق المرأة بما تتطلبها خلقتها الأصليّة، فذكرها عزّ و جلّ بأبلغ وجه و أحسن مدح، قال تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ، الذي يتضمّن الجانب الآخر من الحياة الاسريّة، و هو حفظ العهود و القيام بشؤون الاسرة و تربية الأولاد بأمانة و صلاح.
ثم إنّ (قوامون) جمع قوّام فعّال مبالغة من القيام على الشي‏ء، أي: تدبيره و النظر فيه و إصلاح شؤونه و حفظه بالاجتهاد، و منه القيّم على الأيتام، و المراد من المبالغة في المقام، دوام قيام الرجال على النساء في إصلاح شؤونهن و تثقيفهن و تأديبهن، و ذكرنا أنّ هذه القواميّة من شؤون الفطرة، و قرّرتها الشريعة، فيثبت لهم ذلك بالاستحقاق بما اقتضته الحكمة الإلهيّة في الخلق و حسن النظام. و إطلاق الآية المباركة يشمل جميع أنحاء القيام الشرعي، كما عرفت آنفا.
قوله تعالى: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ.
الباء للسببيّة متعلّقة ب: (قوامون)، و عموم العلّة يقتضي عدم اختصاص الحكم بالأزواج و إن كانت الاسرة و الزوجية من أظهر أفراد ظهور الحكم فيها، و يدلّ عليه أخذ كلمتي (الرجال و النساء) في الحكم دون الأزواج، فهو مجعول لجنس الرجال الذين فضّلهم اللّه تعالى في خلقتهم على النساء اللواتي خلقهن اللّه عزّ و جلّ لأمور اخرى، و كلّ ذلك حسب ما اقتضته الحكمة الإلهيّة من خلق الصنفين من الإنسان بما زوّده من الفضل؛ ليستقيم أمر الاجتماع و تستحكم الروابط و يشتدّ الارتباط و تنتظم الاسرة و يحسن النسل، و قد كان فضل ذي فضل نعمة على المفضول.
قوله تعالى: وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ.
بيان لأحد مصاديق الحكم السابق، و قد كلّف اللّه تعالى الرجال بالإنفاق على النساء، لما خلقهم اللّه تعالى من القدرة فيهم على طلب الرزق، و أعفى المرأة عن البحث عن الرزق، و لم يضع عليها شيئا من التكاليف الماليّة على الرجال؛ لأنّ اللّه تعالى خلقهنّ لأمر يخصّهن، و هو تربية الأولاد و القيام بشؤون الاسرة، و لم يسلب الإسلام الملكية عنهن كما يدّعيه بعض المعاندين، فلم يحرمهن من التملّك و لا التصرّف في ما تملك، بل لم يكلّفهن بالإنفاق من أموالهن إلا في موارد خاصّة.
و إنّما خصّ الإنفاق بالذكر؛ لأنّه من أهمّ مصاديق القواميّة، و تمهيدا لذكر أحكام الاسرة و الزوجيّة.
قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ.
بيان لحالة الاسرة الصالحة و العائلة السعيدة ضمن المجتمع الإنساني الكبير، تطبيقا لذلك الحكم الكلّي المبتني على الفطرة المستقيمة.
و قد صوّر عزّ و جلّ لنا الحياة داخل الاسرة التي تكون المرأة تحت رئاسة الرجل و قيمومته، فذكر أمورا ثلاثة لسعادة هذه الحياة، و هي: الصلاح و القنوت و حفظ الغيب.
و يراد من الأوّل الاستقامة و لياقة النفس و رضاها بما تمليه الفطرة السويّة.
و القنوت: هو دوام الطاعة و الخضوع للّه تعالى و امتثال أحكامه المقدّسة، و في الحديث «تفكّر ساعة خير من قنوت ليلة».
و الغيب- و الغياب و الغيبة مصدر غاب- خلاف الشهود، و لما كان للغيب حرمه، فلا بد من حفظه، و ما في بِما حَفِظَ اللَّهُ مصدريّة و الباء للآلة، أي: بحفظ اللّه لهنّ، أو تكون الباء للمقابلة، اي: يحفظن الحقوق مقابل حفظ اللّه تعالى لحقوقهن و حرمتهن. و يصحّ أن يكون (ما) موصولة، و العائد في (حفظ) ضمير نصب محذوف. و الحفظ هذا يشمل حفظ العرض و المال و أسرار الزوجيّة، و حفظ العهود التي عاهدت الزوجة مع الزوج بأن لا تخونه في غيبته.
و الآية المباركة تبرز الصفات الحسنة التي ينبغي للنساء أن يتّخذنها لأنفسهن و تتحلّى بها الزوجة الصالحة، فإنّ عليها تقوم الاسرة المؤمنة التي أراد الإسلام لها السعادة في الدارين، فبالصلاح تطمئن النفس و تقبل ما فرض اللّه تعالى عليها و تستريح إلى وضع الفطرة، و ترفض العصيان و الفجور.
و القنوت هو الباب الذي تدخل فيه السكينة و الرحمة، و النفس القانتة هي المستقيمة المسألة التي تحبّ الهدوء و الدعة، و تكره المشاكل و المتاعب، و إنّ المرأة القانتة تعمل و تجدّ و هي مطيعة للّه تعالى خاضعة له عزّ و جلّ.
و الحفظ للغيب هو الجزء المكمّل للإيمان، و به يدخل السلام و الاطمئنان في البيت، و به يتمّ الهدوء في الحياة الزوجيّة، و هذه الأوصاف تصوّر لنا الاسرة السعيدة الهنيئة، التي هي بنية المجتمع كلّه، الذي يتكوّن من أسر مترابطة متكافلة.
و المستفاد من الآية الكريمة أنّ صلاح المرأة إنّما يكون في القنوت و حفظ الغيب، فيكون القيدان تفسيرا للصلاح في المقام، و لا صلاح لها في غيرهما، فالآية الشريفة ردّ لمزاعم من يقول بأنّ الصلاح في المرأة غير ذلك، كما عليه الجاهلية المعاصرة.
قوله تعالى: وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ.
بيان لصورة اخرى من الحياة الزوجيّة، التي قد تخلّف فيها بعض تلك القيود الموجبة لصلاحها، فتكون للزوجة حالتان، حالة الصلاح التي بيّنها عزّ و جلّ في صدر الآية المباركة، و حالة النشوز التي تخرج المرأة عن الصلاح، فتصير غير مستقيمة في أخلاقها و معاشرتها مع زوجها، فلها وضع آخر غير ما كانت عليه عند الطاعة و القنوت، فالآية الكريمة تبيّن حكمين مختلفين لحالتي المرأة، و لا ثالث لهما.
و مادة نشز تدلّ على الارتفاع، و منه قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [سورة المجادلة، الآية 11]، أي: ارتفعوا و انهضوا إلى الجهاد و الحرب، أو أمر من أمور الدين، و قد وردت هذه المادّة في القرآن الكريم في أربعة موارد، و في وصف خاتم النبوّة: «بضعة ناشزة»، أي: قطعة لحم مرتفعة عن الجسم، و في حديث نشر الحرمة بالرضاع: «لا رضاع إلا ما نشز العظم»، أي: رفعه و أعلاه.
و المراد به في المقام ارتفاع الزوجة بخروجها عن طاعة زوجها طغيانا، و عصيانها عليه و تباعدها عنه تمرّدا. و لا إشكال في أنّ ذلك لا يتحقّق دفعة واحدة، بل بالتدرج ابتداء من القول و الفعل و الأخلاق حتّى تصل إلى مرتبة شديدة منذرة بالنشوز الوخيم و الطغيان في الخروج عن الاستقامة و الموافقة، فيكون ابتداء ذلك هو مقام الخوف الذي هو ظهور علامات النشوز، و قد شرّع اللّه تعالى في الاستصلاح أحكاما خاصّة تتناسب مع تلك الدرجات، فابتدأ بالموعظة، و هي اولى درجات الإصلاح، و هي واضحة لا تحتاج إلى بيان، فتشمل كلّ ما يرجى تأثيره فيها، و لذا أطلق عزّ و جلّ كلّ ما له قابلية التأثير من أنحاء المواعظ، كالترغيب في الثواب و الترهيب عمّا يترتّب على المخالفة، و بيان و بال النشوز و سوء عاقبة المخالفة، و لا يختصّ الوعظ بلفظ معين، و ما ورد في بعض الروايات إنّما هو من باب ذكر أحد المصاديق.
قوله تعالى: وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ ضرب آخر من ضروب التأديب، بعد تحقّق مرتبة اخرى، من مراتب النشوز غير المرتبة الاولى التي لم تؤثّر فيها الموعظة، فلا بد من إجراء فعل آخر أبلغ في التأثير من الأول، و هو الهجران في المضاجع مع حفظ المضاجعة بما يؤثّر في دلالها و تعلم بأنّ الأمر جدّ، فلا فاعليّة لما تفعله من أسباب النشوز، و للهجران في المضاجع مراتب أيضا، و لا يتحقّق الهجران كذلك في ترك الكلام مع إقباله عليها بمقاديم بدنه، فإنّ ترك الكلام قد يتحقّق لأجل الكسل و الفكر و النعاس و نحو ذلك، مع أن الهجران كذلك لا يكون عملية تربويّة إصلاحية، فإنّ نظر الإسلام في هذا الحكم هو الإصلاح و التربية، و ليس مجرّد إظهار الرجل سلطنته و استعلاءه على المرأة.
ثمّ إنّ الهجر من الهجران، و هو البعد ضدّ الوصل، يقال: هجره، أي: تباعد و نأى عنه، و في الحديث: «و من الناس من لا يذكر اللّه إلا مهاجرا»،
أي: بعيدا عن الإخلاص، كأنّ قلبه مهاجر للسانه، و بينهما بعد و غير مواصل له.
و المضاجع جمع المضجع، و هو محلّ المبيت و السكن و الراحة، و الاضطجاع أي: النوم، و في الحديث: «كانت ضجعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أدما حشوها ليف»، أي: كانت مخدته التي ينام عليها من جلد حشوها من ليف.
و إنّما جعل المضاجع محل الهجران ليعلم أنّه لا بد من حفظ المضاجعة، فلا يتحقّق بهجر المضجع، فإنّ الاجتماع فيه يثير الشعور، و الهجران فيه له الأثر البليغ.
و إتيان الجمع إما لأجل ملاحظة مجموع المضاجع التي يتّخذها الرجل للمبيت مع المرأة، أو لأجل بيان حفظ المضاجعة في الهجران دون تركها، كما ذكره جمع من المفسّرين و اعتمدوا على ما ورد من ابن عباس، قال: «لا تضاجعها في فراشك»، فإنّه موهون بمعارضته مع غيره، مع كونه خلاف ظاهر الآية الشريفة الدالّة على كون المضاجع ظرفا للهجران، إلا أن يتكلّف في تأويل الآية المباركة.
قوله تعالى: وَ اضْرِبُوهُنَّ.
عقاب بدني لمن لم تصلحها الموعظة و لا الهجر في المضاجع، و إنّما تصل النوبة إليه عند بلوغ النشوز مرتبة لا يؤثّر فيها إلا تأديب يناسبها، فإنّ من الناس من لا يفيده إلا هذا النوع من التأديب، فلا بد فيه من إظهار أنّ الرجل له سلطة التأديب، و لكن لم يطلق الإسلام العنان له، فقيّده بأن لا يكون مبرّحا كما ورد في السنّة الشريفة.
و المبرّح هو ما يوجب المشقّة و الشدّة، و السرّ واضح، فإنّ الضرب و الهجران في المضاجع و الموعظة وسائل للزجر و التأديب، و إنّما جعلها سبحانه و تعالى لأجل التوصّل إلى إصلاح المرأة و إرجاعها إلى الطاعة، فلا بد من أن لا يؤتى منها خلاف المقصود، فهي ليست وسيلة لإرضاء غرور الرجل و لا سببا لإذلال المرأة و مهانتها، بل هي عملية إصلاحيّة تربويّة لا بد من ملاحظة التقوى فيها، و قد اهتمّ سبحانه و تعالى بذلك؛ لأنّ الاسرة بنية صغيرة من بنيان المجتمع الكبير، الذي يتركّب منها و من غيرها و يصلح بصلاحها و يسعد بسعادتها.
قوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا بيان لغاية تلك الأحكام الإلهيّة المتقدّمة، أي: أنّ الوسائل التي شرّعها عزّ و جلّ لإصلاح الزوجة بعد نشوزها، إنّما هي لأجل رجوعها إلى الطاعة بترك النشوز، فإذا تحقّق فلا يجوز التعدّي عليهن باتخاذ العلل في إيذائهن.
و من ذلك يظهر أنّه إذا اكتفى بالأدنى من تلك المراتب الثلاثة في إرجاع المرأة إلى الطاعة و الصلاح، لا يجوز التعدّي إلى المرتبة العليا، فإنّه من البغي عليهن، فليس المقام مقام إظهار قوة الرجل و غروره و استكباره عليهن، كما عرفت آنفا، بل إنّما شرّعها عزّ و جلّ لأجل الإصلاح و الإرجاع إلى الطاعة، فالتعدّي عمّا شرّعه اللّه تعالى يكون بغيا و عدوانا و خروجا عن طاعة اللّه تعالى.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ البغي دون غيره، لبيان أنّ الخروج عمّا شرّعه سبحانه و تعالى، هو بغي و تجاوز عن الحدّ و ظلم عليهن.
و المستفاد من الآية الشريفة الاكتفاء بالظاهر من الإطاعة و لم يكلّف الرجل بما وراء ذلك، فلا يجوز البحث عن السرائر، فإنّ علمها عند اللّه تعالى.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً تهديد لمن يريد الخروج عن طاعة اللّه بالبغي على النساء و التعدّي عمّا شرّعه اللّه تعالى فيهن، فإنّ اللّه جلّ شأنه عليّ في أحكامه و قدرته، و سلطانه‏ فوق كلّ سلطان، حكيم في أفعاله لم يشرّع من الأحكام إلا بما يرشد الناس إلى سعادتهم، و هو كبير في جلاله و كبريائه، فإذا دعتكم قدرتكم على ظلمهن فتذكروا قدرة اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما الخطاب لمن تعنيه شؤون الزوجيّة بحكم الروابط العائليّة، أو لأجل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإصلاح بين الناس، فإنّهم المكلّفون بتنفيذ الأحكام الإلهيّة عند ظهور المنافرة بين الزوجين و إخافتهم عاقبة ذلك.
و الشقاق الخلاف و البينونة مأخوذ من الشقّ الذي هو نصف الشي‏ء، و في الحديث «اتقوا النار و لو بشقّ تمرة» أي: نصف تمرة. و المراد منه لا تستقلوا من الصدقة شيئا و لو يسيرا مثل نصف التمرة، و قال تعالى: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [سورة النحل، الآية: 7]، كأنه ذهب نصف أنفسكم حتّى بلغتموه، فالمراد منه كمال المشقّة، فكأن استمرار الخلاف بين الزوجين أوجب انشقاق الائتلاف بينهما إلى شقّين متباينين في العداوة و البغضاء، و تقدّم في قوله تعالى: وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ [سورة البقرة، الآية: 137] اشتقاق الكلمة فراجع.
و إضافة الشقاق إلى (بين) إما لإجراء الظرف مجرى المفعول أو الفاعل.
و قيل: إن (بين) اجري مجرى الأسماء و ازيل عنه الظرفيّة.
قوله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها الحكم- بالتحريك- هو من ينصّب للتحكيم، و المراد بالبعث في المقام هو توجيه الحكمين إلى الزوجين لإصلاح ذات البين. و إنّما أمر عزّ و جلّ بنصب الحكمين- حكم من أهل الزوجة و حكم من أهل الزوج- ليكونا أبعد من الجور و التعسّف.
و إنّما ذكر الأهل لأنّهم أقرب إلى الاطلاع على الخفايا و مناهج الصلاح، و لا بد أن يكون الحكم صالحا للتحكيم و قادرا على حلّ النزاع و رفع الخلاف بحسن التدبير في حلّ جميع المنازعات، و يعتبر الاطمئنان بأمانتهما، فإن بها تتمّ الفائدة المرجوة من بعثهما.
و إطلاق الآية الشريفة ينفي كلّ قيد في المقام، كما أنّ مقتضاه هو ثبوت حقّ التفريق لهما، إلا أنّه استفاضت الروايات أنّ حكمها بالفراق موقوف على إذن الزوجين، أو الشرط الضمني، و بها يقيّد إطلاق الآية الشريفة، و سيأتي نقل بعضها.
قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ظاهر السياق أنّ الضمير يرجع إلى الحكمين، أي: إن أراد الحكمان إصلاح شأن الزوجين، و كان من نيتهما الصلاح و الإصلاح فقط، دون ترجيح أحد الجانبين على الآخر عنادا و لجاجا أو رغبة لأحدهما دون الآخر، فإن اللّه تعالى يوفّقهما للحقّ و يجمع رأيهما على الصواب، لرجوع الأمور كلّها إليه عزّ و جلّ.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي: أنّ اللّه عليم بحقائق الأمور و أحوال العباد و مصالحهم، خبير بنيّاتهم و ما تطويه ضمائرهم.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل: يرشد قوله تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ إلى أهمّ حقيقة من الحقائق التي كشف عنها القرآن الكريم بأسلوب لطيف يجذب القلوب و تطمئن إليه النفوس، يشعر المخاطب بأنّ ما قسمه اللّه تعالى‏ لعباده من فضله تعالى، و أن ما يكسبه كلّ فرد من أفراد الإنسان إنّما هو نتيجة اختلاف القرائح و الاستعدادات و التفاوت في سبل العيش و مزايا الحياة، و هذه الآية الشريفة هي الحدّ الفاصل بين الخيال و الحقيقة، و أنّ الحياة لا تقوم على الأول منهما و أنّ التشكيك في تلك الحقيقة لا يزيد الإنسان إلا بعدا عن الواقع، و لا يجتني منه إلا الفساد، و لذا نهى عزّ و جلّ عن تمنّي ما هو خلاف ما فضّل اللّه تعالى؛ لأنّه من موجبات الفوضى، و اللّه تعالى يأبى ذلك، فأرشد عزّ و جلّ الإنسان إلى ما هو الأصلح له، و هو التطلع إلى فضل اللّه تعالى و تمنّي ما يكون سببا في سعادته.
كما أنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ الحياة لا تقوم إلا بالجهد و العمل، لكن مع طلب التأييد و التوفيق من اللّه عزّ و جلّ، و لذا عقّب سبحانه و تعالى هذه الآية الشريفة بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، تأكيدا لذلك، و لدفع كلّ وهم، فإنّها تدلّ على أنّ الطريق الصحيح هو العمل دون مجرّد التمنّي.
الثاني: يدلّ قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ على أنّ الحقيقة التي تبتني عليها الحياة هي العمل و الجد و الاجتهاد، لا مجرّد التمنّي و الوهم و الخيال، و أن التفاوت بين كلّ واحد من الصنفين إنّما يكون بالعمل، و الحياة ليست مجرّد صراع بينهما، بل اللّه تعالى خلق الرجال لمهمة كما خلق النساء لمهمة اخرى، و أنّ بهما تستقيم الحياة، و قد خلق عزّ و جلّ الجنسين ليوجد بهما السكن و الراحة و المودّة، كما تقتضيه قانون الفطرة، و كلّ ما هو خلاف ذلك لا يجدي إلا حسرة و ندامة و فسادا.
و يمكن أن تشير الآية المباركة على العلّتين اللتين يقوم بهما النظام، هما العلّة الفاعلة و العلّة المنفعلة، و بهما ينتظم النظام الأحسن و تستقيم الأمور، فلا بد من قيام كلّ واحدة من العلّتين إلى جانب الاخرى و العمل بوظيفتها فردا و اجتماعا، و يشهد لما ذكرنا ذيل الآية الشريفة: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ، فإنّ من شأن العلّة المنفعلة أن تحفظ ما عليها من العلّة الفاعلة، و ما أودعت فيها من الأسرار.
الثالث: يدلّ قوله تعالى: ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ أنّ المفضّل عليه من المفضّل، لا أن يكون مباينا له، و تشير الآية الكريمة أيضا إلى أنّه لا بد من التحلّي بصفة الخضوع و الطاعة و الإيمان بأمر اللّه تعالى، و ما قسمه عزّ و جلّ بين عباده.
الرابع: يدلّ قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ على لزوم رعاية العدل و الحقوق، بعد النهي عن سوء التمنّي الذي يجلب الفوضى، فأمر عزّ و جلّ بإعطاء حقوق الأطراف من الأقارب في الميراث، و هم الأجداد و الأعمام و الأخوال و أولادهم و الإخوة و الأخوات و أولادهم، على ما فصّله عزّ و جلّ في الآيات السابقة.
الخامس: يدلّ قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ على أنّ الرجولة من مقتضيات قوامية الرجال على النساء، و أنّها من شؤون خلقهم و فطرتهم، و المستفاد من سياق الآية الشريفة أنّ القواميّة هذه الثابتة للرجال ليست قوامية سلطة و ابتزاز و جبروت، بل هي قواميّة حفظ و عناية و رحمة لقيام الاسرة و حفظها عن الانهيار و عدم اضطراب أحوالها، فهي ليست ثابتة للرجال نتيجة منافسة و تسابق بين الطرفين، فاستحقّها الرجال لغلبتهم على النساء، بل هي تكاليف خصّ اللّه تعالى بها الرجال لتعيش المرأة في كنفهم بمودّة و رحمة، كما دلّت عليه آيات مباركة اخرى في مواضع متفرّقة من القرآن الكريم.
و من هذه الآيات الشريفة نستفيد عناية الإسلام بالاسرة و تنظيمها تنظيما دقيقا في كلّ علاقاتها، و ملاحظة جميع جوانبها النفسيّة و التربويّة و الأخلاقيّة، و مراعاة تلك تؤدي الاسرة وظيفتها الحيويّة في المجتمع الكبير، خلافا للجاهلية المعاصرة، فإنّها نزّلت الاسرة- و لا سيما المرأة- إلى أدنى مراتبها، فحصل الشقاء و الدمار.
السادس: يستفاد من تكرار قوله تعالى: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ أنّ التفضيل لطائفة على طائفة اخرى إنّما يكون من اللّه تعالى لمصالح واقعيّة، حفظا للنظام العامّ، و إيصالا لكلّ مخلوق إلى ما يستحقّه من الكمال، وردّا للمزاعم التي تثبت التفضيل لطائفة على اخرى لاستحقاقها، و لئلا يتّخذه أحدهم وسيلة لابتزاز حقوق الآخرين و الظلم عليهم، و لعلّ السرّ في التكرار أيضا لا لاعلام المفضّل بأنّ التفضيل من اللّه تعالى و انّه لا بد له من ملاحظة ذلك فهو منحة ربوبيّة.
السابع: يدلّ قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ على أنّ القواميّة الثابتة للرجال لا توجب الحطّ من قدر النساء اللواتي خلقهن اللّه تعالى لمهمة اخرى، فإنّ كرامتهن و منزلتهن عند اللّه تعالى لا تقلّ درجة عن درجة الرجال، فقد أودع عزّ و جلّ فيهن الأمانة التي يجب عليهن القيام بها و حفظها، و شرّع لهنّ أحكاما خاصّة لتسهيل مهمّتهن، و قد ذكر عزّ و جلّ في المقام صفات جليلة تدلّ على سمو منزلتهن، كما عرفت في التفسير.
الثامن: يستفاد من تفريع قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ على قوله تعالى: بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ، أن المطلوب من المرأة بعد أمر اللّه تعالى للرجل بالإنفاق عليها، هو الصلاح و الاستقامة في أخلاقها و أمورها داخل الاسرة، ثم يبيّن عزّ و جلّ أنّ الصلاح منها في المقام هو القنوت و الطاعة للّه تعالى و للزوج، و حفظ الغيب، و هما صفتان تظهران المرأة بأحسن حال، و تبرزان الزوجة الصالحة في خير الصفات، فإنّ القنوت للّه تعالى يوجب دخول السكينة في البيت و الطمأنينة على قلوب أفرادها.
و بالقنوت تكون النفس راضية بما قسمه اللّه تعالى لها، و معرضة عمّا يوجب النفرة و النزاع، و بالحفظ تكتمل أركان السّلام في البيت، فتكون الاسرة الجامعة لهذه الصفات كاملة سعيدة.
التاسع: يبيّن قوله تعالى: وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، صورتين من الصور التي تعترض على الاسرة حينما يختلّ فيها بعض مقومات سكنها و هدوئها، فقد ذكر عزّ و جلّ صورة نشوز المرأة و صورة الشقاق بينها و بين الرجل، و سيذكر سبحانه و تعالى صورة نشوز الرجل في آخر هذه السورة أيضا، و في جميع هذه الصور لا تؤدّي الاسرة وظيفتها الحيويّة، و لا تتّصف بالسكن و الطمأنينة، و لا يتهيأ لها الظروف الطبيعيّة لتربية النش‏ء السليم، ثم بيّن عزّ و جلّ أمورا لا بد من إجرائها لإصلاح الخلل الواقع فيهما، كما عرفت في التفسير.
العاشر: يدلّ قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ على أنّ للرجال قيام الولاية على النساء، و علّل ذلك بأمرين:
أحدهما: أمر طبيعي موهوب من اللّه تعالى، و هو ما ذكرناه في خلقة الرجال، مثل كمال العقل و حسن التدبير، و مزيد القوة في الأعمال و الطاعات، بما يهيئهم للتصدّي بأمور خاصّة لا يمكن للنساء التصدّي لها، كالنبوّة و الإمامة و الولاية، و إقامة الشعائر، و الجهاد و نحو ذلك، و يشير إلى هذه العلّة قوله تعالى: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ.
الثاني: كسبي، و هو الإنفاق على النساء، و قد أشار إليه بقوله تعالى: وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ كما عرفت في التفسير.
و إنّما أتى بضمير الجمع في الآية المباركة للدلالة على أنّ مجموع الرجال من حيث المجموع لهم التفضيل على مجموع النساء كذلك، لا أنّ كلّ واحد من الرجال له التفضيل على كلّ واحدة من النساء، فإنّه ربّ امرأة أفضل و أفقه من رجل، بل من كثير من الرجال.
و بعبارة اخرى: أنّ المراد إثبات تفضيل الصنف على الصنف، لا تفضيل الشخص على الشخص.
الحادي عشر: يمكن أن يراد من الرجال في قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، الذين صدقوا ما عاهد اللّه عليه، الذين وهبهم اللّه تعالى كمال الانقطاع إليه عزّ و جلّ و أفاض عليهم العقول الكاملة، و أن يكون المراد بالنساء مطلق من لم يصل إلى تلك المرتبة من الرجال، فتكون القوامية هي قوام التنظيم، و هو من أهمّ إفاضات الباري عزّ و جلّ على أوليائه؛ لأنّهم جعلوا الدنيا تحت أقدامهم، فجعل اللّه تعالى جزاء ذلك أمر العالم تحت اختيارهم، و يدلّ على ما ذكرناه جملة من الأخبار.
الثاني عشر: تصوّر الآية الشريفة: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ الزوجة التي هي ربّة البيت و سيدة المجتمع التي تربّت بالتربية الإلهيّة الكاملة.
و ترشد الآية المباركة إلى أنّ التحفّظ على الغيب لا بد أن يكون على نحو ما علّمها اللّه تعالى، و لعلّ‏ ما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «جهاد المرأة حسن التبعّل»، و كذا ما ورد عن أوصيائه الكرام التي جمعها الفقهاء و المحدّثون و علماء الأخلاق، مأخوذ من الآية الكريمة، فتصحّ المعاشرة و يصلح الأولاد و تترتّب عليها الآثار المطلوبة، فإنّ صلاح البيت بصلاح ربّتها، كما أنّ صلاح المملكة بصلاح رئيسها، و لأجل أهميّة الموضوع فقد تصدّى سبحانه و تعالى لرعاية هذا الإصلاح و الصلاح، فقال تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ، فالرجال قوّامون خارج البيت، و المرأة الصالحة ربّة البيت و القيمة عليها، و ليس المراد من القواميّة للرجال قوام الجبروت و الاستيلاء، بل المراد القواميّة في الحوائج الشرعيّة المتعارفة و تنظيم الاسرة الكاملة، كما عرفت.

في الكافي: بإسناده عن إبراهيم بن أبي جعفر عليه السّلام قال: «ليس من نفس إلا و قد فرض اللّه له رزقها، حلالها يأتيها في عافية، و عرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئا من الحرام فأصابها به من الحلال الذي فرض لها و عند اللّه سواهما فضل كثير، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
أقول: يظهر من هذه الرواية ما ذهب إليه جمع من المتكلّمين من أن الرزق يكون من الحلال لا من الحرام، فلا بد من أن يحمل على ما يرزقه اللّه تعالى لعباده، لا على ما يختاره العباد بأنفسهم لأنفسهم.
و يمكن الجمع بذلك بين القولين، فإنّه من عمّ الرزق إلى الحرام، أي: الأعمّ ممّا يختاره الإنسان لنفسه، و من خصّه بالحلال، أي: خصوص ما يرزق اللّه به عباده.
و أما فضله، فهو لا يختصّ بالرزق، بل هو زائد على الرزق المقسوم، و هو غير متناه.
و في تفسير العياشي: عن عبد الرحمن بن أبي نجران: قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ؟ قال: لا يتمنّى الرجل امرأة الرجل و لا ابنته، و لكن يتمنّى مثلهما».
أقول: هذا تفسير لبعض المصاديق، و قد تقدّم الفرق بين التمنّي و الغبطة.
و عن إسماعيل بن كثير رفع الحديث إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «لما نزلت هذه الآية: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فقال أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله: ما هذا الفضل؟ أيكم يسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال علي بن أبي طالب: أنا أسأله عن ذلك، فسأله عن ذلك الفضل ما هو؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّ اللّه خلق خلقه و قسّم لهم أرزاقهم من حلّها بالحرام، فمن انتهك حراما نقص له من الحلال بقدر ما انتهك من الحرام و حوسب به».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بمثل هذه الرواية.
و عن أبي الهذيل عن الصادق عليه السّلام قال: «إنّ اللّه قسّم الأرزاق بين عباده و أفضل فضلا كثيرا لم يقسمه بين أحد، قال اللّه: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ».
أقول: هذه الرواية ظاهرة في الفرق بين رزق اللّه تعالى و فضله، فإنّ رزقه مقسوم محدود، بخلاف فضله فإنّه لا حدّ له.
و عن علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام، أنّه قال: «ليس من نفس إلا و قد فرض اللّه لها رزقها حلالا يأتيها في عافية، و عرض لها بالحرام في وجه آخر، فإن وجه آخر، فإن هي تناولت من الحرام شيئا قاصها به من الحلال الذي فرض اللّه لها، و عند اللّه سواهما فضل كثير».
أقول: المراد من العرض بالحرام ليس أنّ اللّه تعالى عرض له بالحرام، بل جعل فيه قدرة و اختيارا، هو يختار الحرام بعمده و اختياره.
و فيه- أيضا-: عن الحسين بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قلت له: جعلت فداك، إنّهم يقولون إنّ النوم بعد الفجر مكروه؛ لأنّ الأرزاق تقسّم في ذلك الوقت، فقال: الأرزاق موظوفة مقسومة، و للّه فضل يقسّمه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و ذلك قوله تعالى: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، ثم قال: و ذكر اللّه بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض».
أقول: الروايات في سياق ذلك كثيرة، و للفضل و الرزق أسباب عديدة، منها ذكر اللّه تعالى بعد صلاة الفجر، و هو أفضلها و أبلغها في الوصول إليه.
و عن الطبرسي في مجمع البيان في قوله تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ، أي: لا يقل أحدكم: ليت ما اعطي فلان من النعمة و المرأة الحسناء كان لي، فإنّ ذلك يكون حسدا، و لكن يجوز أن يقول: اللهم اعطني مثله، و هو المروي عن الصادق عليه السّلام.
أقول: الرواية تبيّن الفرق بين التمنّي و الغبطة، و الأوّل مذموم دون الثاني، كما مرّ في التفسير.
و في أسباب النزول بإسناده عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قالت أم سلمة: «يا رسول اللّه، يغزو الرجال و لا نغزو، و إنّما لنا نصف الميراث، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ.
و في الدرّ المنثور بإسناده عن عكرمة: «أنّ النساء سألن الجهاد فقلن وددنا أنّ اللّه جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ».
أقول: أمثال هذه الروايات كثيرة، و لا تختصّ الآية الكريمة بما ورد فيها، و إنّما يكون من أسباب التطبيق و ذكر أحد المصاديق، كما تقدّم مكرّرا.
و في أسباب النزول عن السدّي قال: «لما نزل قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، و قالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ».
أقول: إنّ الثواب و الأجر في الآخرة يدوران مدار العمل و السعي مع الإخلاص، سواء كان العامل رجلا أو امرأة، فالتفضيل في الثواب يدور مدار التقرّب و الإخلاص، و تطبيق الآية الشريفة في المقام من باب التطبيق على الفرد.
علي بن إبراهيم في تفسيره قال: «لا يجوز للرجل أن يتمنّى امرأة مسلم أو ماله، و لكن يسأله من فضله إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً».
أقول: تطبيق الآية الشريفة على المورد من باب أنّه جلّت عظمته عالم بالمصالح و المفاسد، يفيض على عباده من فضله حسب المصلحة و القابلية، و لذا لا يجوز التمنّي و يجوز السؤال من فضله، بل أنّه عبادة لو كان فيه الإخلاص.
و في الدرّ المنثور: عن حكيم بن جبير قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «سلوا اللّه من فضله، فإنّ اللّه يحبّ أن يسأل، و إنّ من فضل العبادة انتظار الفرج».
أقول: و مثله ما عن صحيح الترمذي، و في سياقه روايات كثيرة وردت عن أئمتنا عليهم السّلام، و المراد من الانتظار هو التهيؤ لقبول الحقّ إذا ظهر، و أن يعمل بظاهر الشريعة ما لم يظهر الحقّ.
و المراد بالفرج هو الحقّ الذي سيظهر بين الناس جميعهم و يدعوهم إلى الوحدة و نبذ التفرقة، و يبسط العدل بينهم.
ابن شهر آشوب عن الباقر و الصادق عليهما السّلام في قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، و في قوله تعالى: وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ، أنّهما نزلتا في عليّ عليه السّلام.
أقول: ذكر بعض المصاديق لا يدلّ على الاختصاص، فيؤخذ بعموم اللفظ، و لكن أجلّه و أفضله هو الولاية.
في الكافي: بسنده عن الحسن بن محبوب قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ؟ قال: إنّما عنى اللّه بذلك الأئمة عليهم السّلام، بهم عقد اللّه عزّ و جلّ أيمانكم».
أقول: و مثله ما عن الرضا عليه السّلام، و العقد يشمل كلّ عقد، خالقيا كان أو خلقيا، و أكمله و أجلّه عقد الموالاة مع أولياء اللّه تعالى و العمل بطريقتهم.
في التهذيب بسنده عن الحسن بن محبوب قال: أخبرني ابن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ، قال: عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث، و لم يعن أولياء النعمة، فأولاهم بالميت أقربهم إليه، التي تجرّه إليها».
أقول: هذه الرواية تدلّ على قاعدة ذكرناها في كتاب الإرث من (مهذب الأحكام)، و هي قاعدة: «الأقرب يمنع الأبعد»، و لا تنافي بينها و بين ما تقدّم من الروايات؛ لعموم اللفظ الشامل لجميع المصاديق.
و في أسباب النزول للواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: «نزلت هذه الآية: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ في الذين كانوا يتبنّون رجالا غير أبنائهم و يورّثونهم، فأنزل اللّه تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية، و ردّ اللّه تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم و العصبة، و أبى أن يجعل للمدّعين ميراثا ممّن ادّعاهم و تبنّاهم، و لكن جعل لهم نصيبا في الوصية».
أقول: لا بد و أن تكون الوصية لا تزيد على الثلث، و إلا يتوقّف على رضاء الورثة كما ذكرنا في كتاب الوصية من (مهذب الأحكام)، و أنّ الإرث على حسب المراتب، فما دام من المرتبة الاولى موجودا، لا تصل النوبة إلى غيرها، عصبة كانت أو غيرها، و الآية الشريفة لا تختصّ بالمورد، و إنّما هو من باب التطبيق.
و عن الشيخ في التهذيب بإسناده عن إبراهيم بن محرز قال: «سأل أبا جعفر عليه السّلام رجل و أنا عنده، قال: قال رجل لامرأته: أمرك بيدك؟ فقال: أنّى يكون هذا و اللّه يقول: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، ليس هذا بشي‏ء».
أقول: ذكرنا في كتاب الطلاق من (مهذب الأحكام) أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق، كما عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، و الإمام عليه السّلام في هذه الرواية استدلّ بالآية الشريفة على أنّ الطلاق بيد الزوج لا بيدها.
و عن ابن بابويه بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام قال: «جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فسأله أعلمهم من مسائل، فكان فيما سأله قال له: ما فضل الرجال على النساء؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: كفضل السماء على الأرض، فالماء يحيي الأرض، لو لا الرجال ما خلق اللّه النساء، يقول اللّه عزّ و جلّ: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ، قال اليهودي: لأي شي‏ء كان هكذا؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: خلق اللّه عزّ و جلّ آدم من طين، و من فضلته و بقيته خلقت حواء، و أوّل من أطاع‏ النساء آدم، فأنزله اللّه عزّ و جلّ من الجنّة، و قد بيّن فضل الرجال على النساء في الدنيا، أ لا ترى أنّ النساء كيف يحضن و لا يمكنهن العبادة من القذارة، و الرجال لا يصيبهم شي‏ء من الطمث، قال اليهودي: صدقت يا محمد».
أقول: في سياق ذلك روايات كثيرة، و إنّ الشيطان لما حصل له اليأس من ارتكاب آدم عليه السّلام من أكل تلك الشجرة جاء إلى حواء فأغواها و هي أوقعت آدم في الخطيئة، فصار سبب خروج آدم من الجنّة حواء، كما في الروايات.
و عن ابن بابويه بإسناده عن محمد بن سنان قال: «إنّ أبا الحسن الرضا كتب فيما كتب إليه في جواب مسائله إليه علّة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث؛ لأنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت، و الرجل يعطي، فلذلك و فّر على الرجال، و علّة اخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطي الأنثى؛ لأنّ الأنثى من عيال الذكر إن احتاجت، و عليه أن يعولها، و عليه نفقتها، و ليس على المرأة أن تعول الرجل و لا تؤخذ بنفقته إن احتاج، فوفّر على الرجال لذلك، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بأمثال هذه الرواية في التفسير و في النفقة من كتاب النكاح، فراجع (مهذب الأحكام).
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ، يعني: «تحفظ نفسها إذا غاب زوجها عنها».
أقول: هذا تفسير بالمصداق، و الآية الشريفة عامّة.
في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: قانِتاتٌ مطيعات.
أقول: تقدّم معنى القنوت في التفسير.
و في الدرّ المنثور: أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصاريّة أنّها أتت‏ النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو بين أصحابه فقالت: «بأبي أنت و امي، إنّي وافدة النساء و اعلم- نفسي لك الفداء- أنّه ما من امرأة كائنة في شرق و لا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا و هي على مثل رأيي. إن اللّه بعثك بالحقّ إلى الرجال و النساء، فآمنا بك و بإلهك الذي أرسلك، و إنّا معشر النساء محصورات مقسورات، قواعد بيوتكم و مقضيّ شهواتكم، و حاملات أولادكم، و أنّكم معاشر الرجال فضّلتم علينا بالجمعة و الجماعات، و عيادة المرضى، و شهود الجنائز، و الحجّ بعد الحجّ، و أفضل من ذلك الجهاد في سبيل اللّه، و أنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّا أو معتمرا أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، و نزلنا لكم أثوابكم و ربّينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول اللّه؟ فالتفت النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه بوجهه كلّه ثمّ قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول اللّه، ما ظننّا أنّ امرأة تتهدى إلى مثل هذا، فالتفت النبي إليها ثمّ قال لها: انصرفي أيتها المرأة و اعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعّل إحداكن لزوجها و طلبها مرضاته و اتباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة و هي تهلل و تكبّر استبشارا».
أقول: وردت روايات كثيرة من طرق الجمهور و الخاصّة في مضمون هذه الرواية.
و كيف كان، يستفاد منها امور:
الأوّل: رفع شأن المرأة الصالحة، و أنّها عند اللّه كالمؤمن الصالح الذي يكون أعماله و أفعاله موافقة لنظام الشريعة؛ لأنّها الموجبة لسكون النفس و ارتياح البال، فهي تدبّر و تربّي و تصلح شؤون الرجل و تستقيمه و تهي‏ء له ما يقوم به الرجل من الواجبات و الوظائف، فيكون أجرها عند اللّه كأجر الرجل، و لم يهمل اللّه أجرها كما صرّح به صلّى اللّه عليه و آله.
الثاني: يستفاد منها أنّه يجوز للمرأة أن تبدي رأيها و تكشف ما في‏ ضميرها عند ولي أمر المسلمين، سواء كان في أمر الدين أو غيره، ما لم يستلزم التنافي للشرع، و لولي الأمر الاعتناء برأيها و حلّ ما عندها من الشبهات.
الثالث: يستفاد منها أنّه يجوز للمرأة أن تنوب و تمثل عن مثلها أو عن الرجال، ما لم يكن منافيا للشرع.
الرابع: يستفاد منها جواز دخول النساء على الرجال و تكلّمهن معهم في امور دينهن، بل و معاشهن، ما لم يكن منافيا للشرع.
و في الكافي بإسناده عن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال: «جهاد المرأة حسن التبعّل».
أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة، و يستفاد منها امور:
الأوّل: التنزيل في الثواب و الأجر، كما مرّ.
الثاني: تحمل الأذى، فإنّ الجهاد متقوّم بتحمّل الأذى، و المرأة لا بد لها من الصبر، و تحمّل الأذى إن حصل من زوجها أو من غيره، كما في بعض الروايات.
الثالث: جواز المدافعة في غير ما يجب عليها؛ لأنّ الجهاد متقوّم بالمدافعة، كما أنّه لو أساء الأدب الزوج قولا أو فعلا في غير الاستمتاعات، يجوز لها المدافعة عن ذلك؛ لأنّ الزوج تعدّى كما هو مقرّر له شرعا.
و في أسباب النزول للواقدي عن مقاتل: «نزلت هذه الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ في سعد بن الربيع، و كان من النقباء و امرأته حبيبة بنت زيد ابن أبي زهير، و هما من الأنصار، و ذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال: فرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: لتقتصّ من زوجها. و انصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: ارجعوا هذا جبريل عليه السّلام أتاني و أنزل اللّه تعالى هذه الآية، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أردنا أمرا و أراد اللّه أمرا، و الذي أراد اللّه خير، و رفع القصاص».
و فيه- أيضا- بإسناده عن الحسن: «أنّ رجلا لطم امرأته فخاصمته الى‏ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجاء معها أهلها فقالوا: يا رسول اللّه، إنّ فلانا لطم صاحبتنا، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: القصاص القصاص، و لا يقضى قضاء، فنزلت هذه الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله: أردنا أمرا و أراد اللّه غيره»، و مثلها غيرها.
أقول: على فرض صحّة هذه الروايات، لا بد من حملها على أنّ ضرب المرأة لم يكن لوجه شرعي من تأديب و غيره، أو كان الضرب للنشوز، و لكن حصل تعدّ في الضرب عن الحدّ المقرّر شرعا، فحكم صلّى اللّه عليه و آله بالقصاص، ثمّ نزلت الآية المباركة فأصلح صلّى اللّه عليه و آله بينهما بترك القصاص برضائهما به، فصارت الآية الشريفة منشأ لطلب النبي صلّى اللّه عليه و آله من المرأة الرضا بما فعله الزوج، فرضيت هي بذلك إلا أنّ الآية المباركة: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، لا تدلّ على ترك القصاص الثابت شرعا، أو الحدود كذلك.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، ذلك إن نشزت المرأة عن فراش زوجها، قال زوجها: اتقي اللّه و ارجعي إلى فراشك، فهذه الموعظة، فإن أطاعته فسبيل له ذلك، و إلا سبّها و هو الهجرة، فإن رجعت إلى فراشها فذلك، و إلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن أطاعته و ضاجعته يقول اللّه: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تكلفوهن من الحبّ، فإنّما جعل الموعظة و السبّ و الضرب لهن في المضجع إنّ اللّه كان عليّا كبيرا».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بهذه الرواية في التفسير، و في كتاب النكاح في أحكام النفقة من (مهذب الأحكام).
و في تفسير العياشي: عن ابن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السّلام في امرأة تزوّجها رجل شرط عليها و على أهلها إن تزوّج عليها امرأة و هجرها، أو أتى عليها سرية، فإنّها طالق، فقال: شرط اللّه قبل شرطكم، إن شاء و فى بشرطه، و إن شاء أمسك امرأته و نكح عليها و تسرّى عليها و هجرها ان أنت سبيل ذلك، قال اللّه في كتابه: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ، و قال: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، و قال: وَ اللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً».
أقول: تقدّم في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام) ما يتعلّق بالشروط المذكورة في عقد النكاح، و قلنا إنّه لو شرط ما يخالف الشرع بطل الشرط و صحّ العقد و المهر، حتّى لو قلنا إنّ الشرط الفاسد يفسد العقد في سائر العقود- و إن لم نقل بذلك- و لكن في خصوص عقد النكاح إن الشرط الفاسد لا يفسده.
الطبرسي في مجمع البيان عن أبي جعفر عليه السّلام قال في معنى الهجر عنها: «يحول ظهره إليها».
و روى عن أبي جعفر عليه السّلام أيضا في معنى الضرب: «إنّه الضرب بالسواك».
أقول: يختلف ذلك باختلاف الخصوصيات و الأزمنة و الأمكنة و العادات و الشؤون، بل الأشخاص أيضا.
في الكافي: عن محمد بن يعقوب بإسناده عن علي بن أبي حمزة، قال: «سألت العبد الصالح عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها؟ قال: يشترط الحكمان إن شاءا فرّقا و إن شاءا جمعا، ففرّقا أو جمعا جاز».
أقول: المراد من الجواز النفوذ و لا بد لهما في الفراق و الصلاح من الاستيمار و التوكيل من الزوج أو الزوجة، كما يدلّ عليه الروايات الآتية و القواعد الفقهيّة.
و في الكافي بإسناده عن الحلبيّ عن الصادق عليه السّلام قال: «سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها قال: ليس للحكمين أن‏ يفرّقا حتّى يستأمرا من الرجل و المرأة، و يشترطا عليهما إن شئنا جمعنا، و إن شئنا فرّقنا فجائز، و إن جمعنا فجائز».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بأمثال هذه الرواية في قسم النشوز من كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).
و في الكافي أيضا بإسناده عن سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها، أ رأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل و المرأة: أ ليس قد جعلتما أمركما إلينا في الإصلاح و التفريق؟ فقال الرجل و المرأه: نعم، و أشهدا بذلك شهودا عليهما، أ يجوز تفريقهما؟ قال: نعم، و لكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع من الزوج، قيل له: أ رأيت إن قال أحد الحكمين: قد فرّقت بينهما، و قال الآخر: لم افرّق بينهما، فقال: لا يكون تفريق حتّى يجتمعا جميعا على التفريق، فإذا جمعا على التفريق جاز تفريقهما».
أقول: هذه الرواية تدلّ على أنّ رأيهما معا له أثر في التفريق، كما يستفاد ذلك من الآية الشريفة أيضا، فلا يكون لكلّ رأي أثر، و أنّ الحكم من باب التوكيل و الاستنابة في الرأي و فصل الخصومة، فليس لها الاختيار إلا بعد الإذن.
و فيه أيضا بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «إذا نشزت المرأة على الرجل فهي الخلعة، فليأخذ منها ما قدر عليه، و إذا نشز الرجل مع نشوز المرأة فهي الشقاق».
أقول: الرواية محمولة على أنّه لو أرادت المرأة الطلاق الخلعي.
و فيه- أيضا- عن الصادق عليه السّلام في رواية فضالة: «فإن رضيا و قلّداهما الفرقة ففرّقا، فهو جائز».
أقول: الرواية مثل ما مضت من الروايات، تدلّ على أنّ الفرقة لا يكون إلا برضاهما.
و في رواية عبيدة قال: «أتى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام رجل و امرأة، مع كلّ واحد منهما فئام من الناس، فقال علي عليه السّلام: فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، و إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللّه، و عليّ ولي اللّه. فقال الرجل: أما في الفرقة فلا. فقال علي عليه السّلام: ما تبرح حتّى تقرّ بما أقرّت به».
أقول: الرواية تدلّ على ما تقدّم كما تدلّ على رجوع الحكمين إلى من و كلّ الزوج أو الزوجة في رفع الخصومة. و تقدّم التفصيل في كتاب النكاح من المهذب فراجع.

المستفاد من قوله تعالى: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أنّ السؤال من الغني المطلق الذي لا حدّ لعظمته و غناه، بل هو غير متناه أزلا و أبدا من جميع الجهات من الأسباب التي لها دخل في تفضيل بعض على بعض، فإذا رغب الغني المطلق في السؤال عنه يكون في نفس ذلك الترغيب الرأفة و الحنان، ثم إذا لاحظ السائل أنّه من فضله غير المتناهي و أنّه ذو فضل عظيم و لا حدّ لفضله، يصير ذلك أشدّ رأفة و حنانا، إلا ما يرجع إلى قصور الاستعدادات في المفاض عليه.
ثم إنّ السؤال أعمّ من السؤال الفطري الاقتضائي الحاصل من كلّ ممكن محتاج، و هو الذي يرجع إلى احتياج المعلول إلى العلّة، و السؤال القصدي كما في قوله تعالى: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [سورة إبراهيم، الآية: ۳٤]، و قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [سورة الرحمن، الآية: 29]، فتكون جميع السنة الحال و المقال متوجّه إليه تعالى، و ملهجة في السؤال من فضله عزّ و جلّ في جميع الحوائج التكوينيّة و غيرها، و هذا معنى القيوميّة المطلقة على جميع ما سواه.
ثم إنّ الآية المباركة: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما، تدلّ على أنّ لإرادة الخير و الصلاح و الإصلاح تأثيرا كبيرا في النظام الأحسن، سواء أ كانت الإرادة نوعيّة كإرادة السلطان بالنسبة إلى الرعيّة، و العالم العامل بعلمه، و لعلّ‏ قولهم عليهم السّلام: «الناس على دين ملوكهم»،
و قولهم عليهم السّلام: «إذا فسد العالم فسد العالم»، يشير إلى ذلك، أو كانت الإرادات الشخصيّة بالنسبة إلى الأمور الجزئية.
و من المعلوم أنّ الإرادة الكليّة الإلهيّة تجري على ذلك أيضا، فإنّ الخير يعمّ الجميع، و لا يمكن أن يتحقّق خير إلا بإرادة الخير و نيّته.
كما أنّ هذه الآية الشريفة تدلّ على أنّ حسن المراد و فضله يرجع إلى حسن الإرادة و فضلها؛ للملازمة بينهما، كالملازمة بين المقتضي (بالكسر) و المقتضى (بالفتح)، و تدلّ على ذلك بعض النصوص المنقولة عن المعصومين عليهم السّلام، و لا بد أن يكون كذلك؛ لأنّ المقتضيات (بالفتح) تابع لخصوصيات المقتضي (بالكسر)، و الجميع تحت قهّاريته المطلقة بحسب التقدير و القضاء، لا بد و أن ترجع إليه عزّ و جلّ، قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء، الآية: 78].

يستفاد من الآيات الشريفة المتقدّمة أحكام شرعيّة متعدّدة، نذكر المهمّ منها في المقام.
منها: ذكر بعضهم أنّه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، أنّ لكلّ منهما نصيبا من الميراث على ما قسّمه اللّه تعالى، و قد ذكرنا أنّ الآية الشريفة أعمّ من ذلك، كما عرفت.
و منها: أنّه يدلّ قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ، على أنّ لكلّ ميت وارثا معيّنا من الآباء و الأقرباء، يرثونه ممّا ترك، و أمر عزّ و جلّ بإعطاء كلّ منهم نصيبه بالكيفيّة المقرّرة في الآيات السابقة.
كما أنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ الأقرب أولى بالميراث من الأبعد، فأولاهم بالميت أقربهم إليه في الرحم، كما في آية اولوا الأرحام، و منها تستفاد قاعدة كليّة مذكورة في الإرث، و هي: «إنّ الأقرب يمنع الأبعد»، و تقتضيها كثير من الروايات، و تعرّضنا لها في كتاب الإرث من (مهذب الأحكام).
و أما قول تعالى: وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ، فإنّه يدلّ على أنّ من يدخل في المولى بسبب المعاقدة و المعاهدة أيضا له نصيبه، و قد اختلف المفسّرون و العلماء في المراد من هؤلاء، حتّى قال بعضهم: إنّ الآية منسوخة.
و لكن ذكرنا أنّ الآية المباركة مطلقة تدلّ على ثبوت التوارث بالمعاهدة و المعاقدة، فتشمل إرث الزوجين و ضمان الجريرة و الإمام، كما دلّت عليه السنّة الشريفة، ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «أنا وارث من لا وارث له»، و في بعض الروايات عن الأئمّة المعصومين عليهم السّلام: أن إرث من لا وارث له من الأنفال المختصّة بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و الإمام عليه السّلام.
و عليه إجماع الإماميّة، و بإزاء ذلك روايات اخرى أنّه لبيت المال، و لكن لا منافاة بينهما؛ لأنّهم عليهم السّلام تنازلوا عن حقّهم لمصالح عامّة.
إلا أنّ لإرث هؤلاء شرائط و قيودا مذكورة في الفقه، فراجع كتابنا (مهذب الأحكام). و الآية الكريمة تدلّ على أنّ إرث الذين عقدت أيمانكم متأخّر في الرتبة على إرث اولي الأرحام و الأقربين.
و منها: أنّه يدلّ قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ على أنّ القواميّة الثابتة للرجال و تسلّطهم على النساء، هي قواميّة سياسة و تدبير، كتسلّط الوالي على الرعيّة، فلا بد أن يعطى زمام الأمور الكلّية و الجهات العامّة الاجتماعيّة- كالقضاء و الحرب و نحو ذلك- ممّا يمتاز بالتعقّل و القوّة إلى الرجال، و قد دلّت على ذلك السنّة الشريفة، و ذكرها الفقهاء في مواضع متعدّدة من الفقه، و أما غير ذلك من شؤون الحياة، كالتعليم و الكسب و نحو ذلك، فإنّ الرجال و النساء فيها؛ سواء للقاعدة المعروفة عند الفقهاء، و هي قاعدة: «اشتراك النساء مع الرجال في الشؤون و الأحكام إلا ما خرج بالدليل».
و يستفاد من الآية المباركة أنّ على المرأة إطاعة الزوج، فإنّ له عليها قيمومة الطاعة في الحضور، و الحفظ في الغيبة، ففي الحديث عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «قال: جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت: يا رسول اللّه، ما حقّ الزوج على المرأة؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: أن تطيعه و لا تعصيه، و لا تتصدّق من بيته إلا بإذنه، و لا تصوم تطوّعا إلا بإذنه، و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب، و لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، و إن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء و ملائكة الأرض و ملائكة الغضب و ملائكة الرحمة حتّى ترجع إلى بيتها- الحديث».
و منها: أنّه إذا ظهرت أمارات النزاع و النشوز على المرأة و خرجت عن طاعة الزوج إما ظنا أو علما، فلا بد من الوعظ بتذكيرها بما ورد من الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية، و ما ورد عن الأئمة الطاهرين المتضمّنة لحقوق الزوج.
ثم الهجر في المضجع بما يفيد إعراض الزوج عنها، و منه تحويل ظهره إليها في الفراش أو الاعتزال عنها فيه لو اقتضى الأمر كذلك.
ثم الضرب، فليكن ضرب تأديب، لا ضرب عصيان، فيقتصر على ما تؤلم و يضمن ما يوجب الجناية.
و هذه الأمور الثلاثة- الوعظ و الهجران ثم الضرب- مترتّبة من الأخف إلى الأشدّ، و المعروف بين الفقهاء أنّ ترتّب الوعظ إنّما يكون على مجرّد ظهور أمارات النشوز و العصيان، فإذا لم يفد الوعظ كان النشوز متحقّقا بالفعل، فينتقل إلى الهجر، و إن تحقّق الإصرار منهنّ فينتقل إلى الضرب، كلّ ذلك مغيى بحصول الطاعة و رجوعها عن النشوز، فإذا حصل فلا يتعرّض لهن بشي‏ء. و الأمر في المقام للإباحة، و يمكن أن يكون للندب؛ لأنّه من المعروف.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"