1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 22 الى 23

وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سَبِيلاً (۲۲) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الْأَخِ وَ بَناتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (۲۳)


الآيات الشريفة تبيّن حكما آخر- من الأحكام الاجتماعيّة- الذي له الأهميّة العظمى في الأديان الإلهيّة، لا سيما شريعة الإسلام، و تحدّد مسئولية الفرد تجاه التزاوج و النسل، و تبيّن النكاح المحلّل الصحيح عن النكاح المحرّم الفاسد؛ تهذيبا للشهوة العارمة و جعلها في المسار الصحيح، لئلّا تتولّد الفاحشة- بعد ما أذن الشرع المبين في نكاح ما طاب من النساء، فكان لا بد من بيان جوانب موضوع هذا الحكم المهم.
و قد حدّدت الآيات المباركة ما يحرم من النكاح من النساء بعد بيان كيفيّة المعاشرة مع الأزواج في الآية السابقة.

قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.
مادة (نكح) تدلّ على الانضمام و الاختلاط، يقال: نكح المطر الأرض. إذا اختلط بثراها، و تناكحت الأشجار إذا انضمّ بعضها مع بعض، و تطلق على العقد باعتبار كونه سببا لاختلاط أحد الزوجين مع الآخر بالوجه الشرعي، كما تطلق على ما وراء العقد و ما يقصد به، باعتبار كونه من لوازم الانضمام و الاختلاط، الظاهري، أو على مسبّبه الواقعي و هو الوطء، فالحقيقة واحدة و الاختلاف بالاعتبار، و قد استعمل في كلّ منهما،
ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «ولدت من نكاح لا من سفاح»، أي: من وطء حلال لا حرام، و في حديث آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله: «يحلّ للرجل من امرأته الحائض كلّ شي‏ء إلّا النكاح»، و قال الأعشى:
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا

أي: العقد. و بعد ذلك لا وجه للنزاع في كون هذا اللفظ حقيقة في العقد أو الوطء، فإنّه استعمل في المعنى الجامع، و هما من مظاهر ذلك. و النكاح في الشرع علقة الزواج، و سببها هو العقد المبيح للوطء.
و كيف كان، فالمراد من النكاح المنهي عنه في الآية الشريفة، ما ضمّه الأب إليه من النساء بالعقد أو الوطء، فيشمل المعقود عليها بالعقد الصحيح، و الموطوءة بالملك، و الموطوءة بالسفاح، و يدلّ على ذلك الإجماع و الأخبار المستفيضة.
و «ما» في قوله تعالى: ما نَكَحَ آباؤُكُمْ موصولة واقعة على النوع أو القسم، أي: لا تنكحوا مصاديق هذا النوع أو القسم، نظير قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [سورة النساء، الآية: 3]، و قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [سورة النساء، الآية: ۲٤]، و قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [سورة النساء، الآية: 3].
و قيل: إن «ما» مصدرية، أي: لا تنكحوا مثل نكاح آبائكم.
و لكنّه خلاف ظاهر الآية المباركة، إلّا أن يراد منها المفعول به من المصدر، أي: منكوحات ءابائكم. و هو و إن كان صحيحا، لكنّه تطويل بلا طائل تحته.
و المراد بالآباء: كلّ من صدق عليه الأب من ناحية الأب أو الام، فيدخل فيه أجداد الأب و أجداد الام و إن علوا. و يدلّ عليه ظاهر اللفظ و بعض الأخبار.
قوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ.
أي: إلّا ما وقع من هذه العلقة في السلف- يعني: في الجاهلية- قبل ورود النهي، فانقضت بموت أو طلاق، فلا يتناول ما يتجدّد في المستقبل.
و قد قيل في هذا الاستثناء وجوه، و يمكن أن يكون (إلا) بمعنى (غير) صفة للموصول، أو لعلقة النكاح المدلول عليها بالنهي.
و كيف كان، فالآية الشريفة تدلّ على المبالغة في النهي و الشدّة في التنزّه عن هذه الفاحشة، و سدّ باب إباحتها حدوثا و بقاء.
قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً.
تقدّم معنى الفاحشة. و المقت: البغض، أي: أن نكاح حلائل الآباء من الفاحشة التي حكمت الفطرة بقبحها، و أنّها مبغوضة عند أرباب العقول و ذوي المروءات.
قوله تعالى: وَ ساءَ سَبِيلًا.
أي: بئس السبيل و الطريق في النكاح الذي يقيم النسل و يجلب السعادة، و قد ذمّ تعالى هذا السبيل مبالغة في ذمّ سالكه، فلا بد من اتباع السبيل الذي حدّده عزّ و جلّ، و البعد عمّا نهى عنه.
و قد تتابع الذمّ على هذا الفعل الشنيع؛ لبيان أنّه بلغ الغاية في القبح؛ و لذا أفرد عزّ و جلّ هذا النكاح بالذكر عن غيره من الأفراد التي سيذكرها.
قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الْأَخِ وَ بَناتُ الْأُخْتِ.
بيان لأنواع المحرّمات النسبيّة في النكاح، لحكمة متعالية و علّة ثابتة واقعيّة.
و قد ذكر عزّ و جلّ أنواعا ثلاثة، و هي: المحرّمات النسبيّة، و المحرّمات بالمصاهرة، و المحرّمات بالرضاع. و لكلّ نوع أصناف متعدّدة، و هذه الآية الشريفة جمعت تلك الأصناف بأسلوب لطيف و بيان واضح.
و الآية الكريمة تشتمل على المجاز العقلي، فإنها نسبت الحرمة إلى الذوات كالأمهات و البنات و غيرهن، و المراد بها حرمة نكاحهن، الأعمّ من إيجاد علقة النكاح بالعقد المقصود به ذلك، و الوطء لمناسبة الحكم و الموضوع، فإنّها من القرائن التي يعتمد عليها المتعارف في المحاورات.
و للمقام نظائر كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ [سورة المائدة، الآية: 3]، فإن المراد حرمة الأكل، و قال تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [سورة المائدة، الآية: ۲٦]، أي: سكنى الأرض و نحو ذلك.
و الخطاب و إن كان متوجّها إلى الرجال، لكنّه يشمل النساء، فيحرم عليهن آباؤهن و أبناؤهن و غير ذلك؛ للملازمة بينهما؛ و لأنّ الخطبة و الطلب إنّما يكون من الرجال عادة دون النساء.
و العموم في الموضعين في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ انبساطي بالنسبة إلى الأفراد، أي: كلّ فرد يحرم عليه نكاح امه و بنته و أخته.
ثمّ إنّه ذكر سبحانه و تعالى في الآية الشريفة المحرّمات النسبيّة في أصناف:
الأول: الأمهات. و الام هي كلّ امرأة ولدتك بلا واسطة، أو بواسطة الأب أو الام، كالجدّات من طرف الأب أو من طرف الام.
الثاني: البنات، و البنت هي كلّ امرأة ترجع نسبها إليك بلا واسطة أو معها، ذكرا أو أنثى. و بعبارة أخرى، كلّ أنثى ولّدتها أو ولدت ممّن ولدتها.
و هاتان الطائفتان هما الأصول و الفروع بالنسبة إلى الرجل. و قد أثبت علماء الطبيعة و مهرة خواص الآثار أن اتصال الفروع بالأصول أو بالعكس، يوجب حدوث مفاسد و مضار، و لهم في ذلك أدلّة و شواهد في النباتات و الحيوانات، و نسبوا بعضها إلى فلاسفة اليونان و غيرهم، و تحريم الام على الابن.
و البنت على أبيها، أو الاخت على الأخ، داخل في ما ذكروه، و لعلّ العلوم الطبيعيّة الحديثة تكشف النقاب عن بعض الآثار في القرون الآتية إن شاء اللّه تعالى.
و العموم يشمل البنت المولودة بالوجه الشرعيّ و البنت المولودة من الزنا؛ لصدق البنت عليها، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» في مقام بيان نفي آثار النسب الشرعيّ و فوائده عند الشكّ و التردّد، لا نفي الحقيقة و جميع الآثار المترتّبة على النسب.
الثالث: الأخوات. و الاخت هي كلّ أنثى ولدها شخص ولدك بلا واسطة، و العموم يشمل الاخت من الأبوين- و هي الشقيقة- و من الأب فقط أو من الام كذلك.
الرابع: العمّات. و العمّة كلّ أنثى هي اخت لذكر تنسب إليه بالولادة منه بواسطة أو بلا واسطة، بلا فرق بين أن تكون من جهة الأب أو الام أو منهما.
الخامس: الخالات. و الخالة كلّ أنثى هي اخت لانثى تنسب إليها بالولادة منها، فهي تقابل العمّة، فتدخل فيها خالة الأب أو خالة الام و هكذا. و التحريم في العمّة و الخالة يختصّ بهما أنفسهما دون بناتهما.
السادس: بنات الأخ، أي: و يحرم على الرجل نكاح بنات أخيه، سواء كن شقيقات أم من الأب فقط أم لام، و كذلك فروعهن.
السابع: بنات الاخت، سواء أ كانت أختا شقيقة أم من الأب أم الام، و كذا فروعهن.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ الأخ و الاخت مفردا إما لإرادة الجنس، أو لإضافة الجمع (بنات) إليهما.
و كيف كان، فهذه أصناف سبعة من النساء نسبية تحرم مؤبدا على الرجل، بعضهن اصول الرجل، و أخرى فرعه، و ثالثة من الحواشي القريبة، و رابعة من الحواشي البعيدة، و للفقهاء في ضبط المحرّمات النسبيّة عبارات متفاوتة، و في المقام فروع كثيرة من أراد الاطلاع عليها يراجع كتب الفقه، و قد ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام في بيان الحلال و الحرام).
قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ.
هذا هو النوع الثاني، و هي المحرّمات بالرضاعة، و إنّما ذكر سبحانه و تعالى صنفين، و هما الام و البنت، للدلالة على أن الحال في الرضاع كالحال في النسب، و يدلّ عليه‏ قول نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، و هو يدلّ على أن الرضاعة من الروابط النسبيّة بحسب التشريع، فيحرم كلّ عنوان رضاعي إذا كان مثل العنوان النسبيّ كالام و البنت و الاخت و الخالة و غير ذلك.
و ظاهر الآية الشريفة يدلّ على ترتّب الحكم على مسمّى الرضاعة كيف اتفق، و لكن السنّة الشريفة ذكرت لها شروطا، فلا يمكن الأخذ بالإطلاق مع وجود القيد.
و الرضاعة:- بفتح الراء- مصدر رضع، و مثله الرضاعة بالكسر و الرضاع، و الرضع كالكتف، و المرضع هي المرأة التي يكون لها ولد ترضعه، و المرضعة إذا وصفت بإرضاع الولد، و الرضاع مصّ الثدي بالشروط المعروفة في كتب الفقه، و قد ذكرناها في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).
و جملة: وَ أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ صفة مبيّنة لجهة التسمية بالأم، فيدور الإطلاق و شمول الحكم مدار هذه التسمية و تحقّق عنوان الام، و لا تتأتى هذه لو كانت العبارة على غير النحو المذكور في القرآن الكريم.
و المراد من قوله تعالى: وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ، أي: الأخوات التي تتحقّق بسبب ارضاعهن من لبن هذه المرضع مع وحدة الفحل.
و كيف كان، فكلّ عنوان محرم في النسب إذا تحقّق مثله بعينه من الرضاع يكون محرما، سواء كان بسيطا، كعنوان الام و الاخت أم مركبا، كعنوان بنات الأخ و نحوها من العناوين النسبيّة المذكورة في الآية الشريفة، فلا فرق بين أن يكون كلا طرفي الإضافة من الرضاعة، كالبنت الرضاعيّة للأخ الرضاعيّ، أو كان أحد العنوانين نسبيّا و الآخر رضاعيّا، و التفصيل يطلب من كتابنا (مهذب الأحكام).
قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.
بيان للنوع الثالث، و هو المحرّمات بالمصاهرة. و الأمهات جمع أمهة، يقال: أم و امهة بمعنى واحد. و قد ورد كلاهما في القرآن الكريم قال تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [سورة الزخرف، الآية: ٤].
و قيل: إن الأصل أم أمهة على وزن فعّلة مثل قبّره، و قيل غير ذلك.
و إطلاق الآية الشريفة يشمل ام المرأة التي يتزوّجها الرجل و جدّتها، سواء دخل بالمرأة أم لم يدخل، و يدلّ عليه أيضا التقييد الآتي في قوله تعالى: مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
كما أنّه يستفاد من إطلاق (نسائكم) ما يشمل المرأة المعقود عليها بالعقد الدائم أو بالعقد المنقطع، أو من يدخل بها الرجل بملك اليمين.
قوله تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
الربائب: جمع ربيبة من التربية، فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكّر و المؤنّث، و لكن لما الحق بالأسماء الجامدة جاز لحوق التاء له، و هذا هو معنى قول النحاة و الصرفيين: إن التاء للنقل إلى الاسميّة.
و الربيب ابن الزوجة من غير الزوج، و الربيبة بنت امرأة الرجل من غيره، و سمّيت بذلك لأنّها في معرض تربية الزوج غالبا، و إن لم يكن كذلك دائما.
و الحجور: جمع حجر بالفتح أو بالكسر، و هو حضن الإنسان، و استعمل في مطلق الكنف و المنعة، يقال: فلان في حجر فلان، أي: كنفه و منعته و ستره، و هذا القيد لبيان الحكمة في تشريع الحكم لا العليّة، و قد اتفق الجميع على أن الحكمة في التشريعات لا كليّة فيها، و للإشارة إلى شدّة العلقة، و أنّ التربية في غاية القرب، فتكون مشاركة لسائر القريبات و بحكم الولد، فلا يكون القيد حقيقيا احترازيا، بل جرى مجرى الغالب، فالتحريم يشمل الربيبة- سواء كانت في حجر الرجل أم لا- إذا تزوّج الرجل بأمها و دخل بها، كما هو في الآية الشريفة نفيا و إثباتا.
قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.
أي: و إن لم يتحقّق منكم الدخول بأم الربيبة فلا جناح عليكم في التزويج بها، و يستفاد من الآية المباركة أنّ الدخول شرط في تحريم الربيبة على الزوج، و إلا فلا بأس بالنكاح و لو تحقّق التربية في الحجور.
قوله تعالى: وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ.
الحلائل: جمع الحليلة، و هي الزوجة، قيل: إنّه مشتق من الحلال، فهي حليلة بمعنى محلّلة، و الزوج حليل و جمعه أحلة، كعزير و أعزّة، و قيل: هو من الحلول؛ لأنّها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فتكون فعيلة بمعنى فاعلة.
و كيف كان، فالتاء فيها لاجرائها مجرى الواحد.
و المراد من الأبناء كلّ من انتسب بالإنسان بولادة، سواء كان مباشرة من دون واسطة، أم معها، كابن الابن و ابن البنت، و هم الذين يسمّون بأولاد الصلب مقابل ولد التبنّي الذي كان شائعا في عصر نزول القرآن الكريم، فكانوا يعاملون مع الولد الدعي معاملة ولدهم الحقيقي في كلّ ما يترتّب على النسب من الآثار، كالخلطة، و الخلوة، و عدم الحجاب و نحو ذلك، و قد أبطل الإسلام هذه العادة، و ما كان تزويج الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله بزوجة زيد بن حارثة، إلا لأجل إبطال ما كان معروفا من التبني، قال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [سورة الأحزاب، الآية: 37].
و هذا القيد: مِنْ أَصْلابِكُمْ لا مفهوم له يثبت الحكم لحليلة الابن من الرضاع على الأب أيضا؛ لأنّه يلحق بالولد الرضاعيّ؛ لما تقدّم من أنّه‏
«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فتحرم حليلة الابن من الرضاع كما تحرم حليلة الابن للصلب على الأب.
قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ.
بيان لنوع آخر من الأنواع المحرّمة، و هو المحرّم بسبب عارض، و هو الجمع بين الأختين، سواء كان بالعقد أم بملك اليمين- على ما يأتي من التفصيل- أم بالاختلاف. فإن جمع بينهما بعقدين مترتّبين، يكون السابق صحيحا و اللاحق باطلا، و إن جمع بينهما في عقد واحد يبطلان معا.
و قيل: هو مخيّر في إمساك أيتهما شاء، و يدلّ على ذلك جملة من الروايات.
و المنساق من الآية الشريفة حرمة الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد، فلو زال هذا الوصف فلا بأس به، كما إذا نكح الرجل إحدى الأختين ثم فارقها بالطلاق أو الموت، فتزوّج الاخت الاخرى.
و في المقام فروع كثيرة مذكورة في كتب الفقه، فراجع (مهذب الأحكام).
قوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ.
أي: حرّم ذلك عليكم إلا ما وقع منكم في الجاهلية و زال موضوعه، فإنّه مغفور لكم و معفوّ عنكم، و نظير هذا ما تقدّم في قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، و رفع الحكم لا يستلزم رفع الآثار المترتّبة عليه، فتثبت القرابة الشرعيّة و التوارث بين القرابة المتولّدين من الجمع بين الأختين في الجاهلية.
و قيل: إنّه يمكن إرجاع هذه الجملة إلى جميع ما ورد في الآية المباركة، من غير اختصاص بالفقرة الأخيرة، فيأتي فيها ما ذكرناه آنفا، و لكنّه بعيد من ظاهر الآية الشريفة. و إن كان يناسبه ذيل الآية الشريفة من سعة عفوه و غفرانه.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
تعليل لما ذكر في المستثنى و المستثنى منه، أي: أنّ اللّه تعالى غفور لما وقع منكم في الجاهلية، و الإطلاق يشمل آثار الذنب و المعاصي.
أي: أنّ اللّه تعالى غفور لما وقع منكم في الجاهلية، رحيم بعباده، يشرّع الأحكام لأجل سعادتكم و تكميل نفوسكم، فهو رحيم بعباده؛ لأنّه أرشدهم إلى ما هو الأصلح لهم في معاشهم و معادهم.
و قد اتفق الفلاسفة المتألّهون و غيرهم على أن كلّما ينزل من السماء من الوحي المبين، له علل و مصالح واقعيّة، ربّما لا يدرك العقل تلك المصالح و العلل مهما بلغ شأنه، فجميع ما ذكره عزّ و جلّ في الآية المباركة في حرمة تلك الطوائف و الأفراد ذات مصلحة واقعيّة تكوينيّة، لا سيما في تنظيم الاسرة، و تهذيب السلوك و التخلّق بمكارم الأخلاق، و بعث روح الاحترام و التقدير في النفوس بالنسبة إلى الآخرين، و نزع روح الانتقام و البغضاء منها، إلى غير ذلك من المصالح التي قد لا يدركها العقل إلا بعد قرون عديدة.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأول: يدلّ قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سَبِيلًا، على أنّ النكاح المحرّم ممّا يوجب الدخول في الفحشاء، و يزيد الجرأة على ارتكاب المآثم، و أنّه السبيل الذي لا يهدى إلى الكمال المنشود في تكوين الاسرة و الاجتماع، و يستلزم بعث روح الانتقام و البغضاء في النفوس.
و بالجملة: أنّ النكاح المحرّم يؤثّر في النفوس و الأعقاب، و يوجب استيلاء مادة الفساد و روح الانتقام و البغضاء، و الاستهانة بالحقائق و المقدّسات، و الدخول في مسالك و سبل لا توصل الإنسان إلى الكمال.
الثاني: يستفاد من قوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، رفع الحكم الوضعيّ و التكليفيّ معا بالنسبة إلى ما وقع قبل تشريع الحكم، أي: أنّ هذا النكاح الذي حرّمه اللّه تعالى جار من حين إنشاء الحكم، لا أن يعمّ ما قبله، فلا حرمة له في ما سبق و لا أثر له من ذنب و غيره، و لكن هذا لا يدلّ على أنّ النكاح الموجود حين التشريع مباح لهم، فإنّ التشريع قد حرّمه بقاء، فتجب المفارقة فورا.
و على هذا، فلا معنى للنزاع في ان الاستثناء في الآية الشريفة منقطع أو متصل.
الثالث: قال بعض العلماء: إنّه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ الحكمة في تشريع الأحكام في هذه الآية، و هي الاختلاط و شدّة المصاحبة و المعاشرة بين هذه الأصناف من النساء المذكورات في الآية المباركة و بين الرجل، بحيث يعدّ أحدهما من الآخر، و في هذه الحالة لا وجه للنكاح.
و هو و إن كان حسنا ثبوتا، و لكن لا كليّة فيه إثباتا، بل إن ذيل الآية الكريمة: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ينافي ما ذكره من التعليل.

في تفسير العياشي في قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ عن الباقر عليه السّلام: «لا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه».
أقول: التعبير ب (لا يصلح) لا ينافي الحرمة، لاستعماله كثيرا في الأعمّ.
و في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، قال: «نزلت في أبي قيس بن الاسلت خلف على ام عبيد بنت ضمرة كانت تحت الاسلت أبيه، و في الأسود بن خلف، و كان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار، و كانت عند أبيه خلف، و في فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند امية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن امية، و في منظور بن رباب، و كان خلف على مليكة ابنة خارجة و كانت عند أبيه رباب بن سيار».
و فيه- أيضا-: أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: «كان الرجل إذا توفّى عن امرأة كان ابنه أحقّ بها أن ينكحها إن شاء، إن لم تكن أمّه، أو ينكحها من شاء، فلمّا مات أبو قيس بن الاسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته و لم ينفق عليها و لم يورثها من المال شيئا، فأتت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فذكرت ذلك له، فقال: ارجعي لعلّ اللّه ينزل فيك شيئا، فنزلت: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، و نزلت: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً.
و فيه: أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن عباس قال: «كان أهل الجاهليّة يحرّمون ما حرّم اللّه إلا امرأة الأب، و الجمع بين الأختين، فأنزل اللّه: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، و قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ.
أقول: في مضمون ذلك أخبار اخرى، و لا منافاة بينها بعد إمكان تعدّد منشأ النزول.
و في كتب الأحاديث و الفقه‏
عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه حرّم من الرضاعة ما حرّم من النسب»، و في حديث آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله: «الرضاع لحمة كلحمة النسب».
أقول: الحديثان معروفان عند الإماميّة و الجمهور، و مذكوران في كتب الحديث و الفقه.
و في الدرّ المنثور: أخرج مالك و عبد الرزاق عن عائشة، قالت: «كان في ما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هن في ما يقرأ من القرآن».
أقول: الرواية تدلّ على التحريف، فهي مطروحة. و أما نشر الحرمة بالرضاع فله شروط مذكورة في الفقه، و قد تعرّضنا لها في كتابنا (مهذب الأحكام).
و في الفقيه و التهذيب: عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «إذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأم، فإذا لم يدخل بالأم فلا بأس أن يتزوّج بالابنة، و إذا تزوّج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الام، و قال عليه السّلام: الربائب حرام، كن في الحجر أو لم يكن».
و في الاستبصار: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «سألته عن الرجل تكون له الجارية فيصيب منها، أله أن ينكح ابنتها؟ قال عليه السّلام: لا، هي كما قال اللّه تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
أقول: الروايات في هذا المعنى متضافرة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام بل يعتبر ذلك من مذهبهم، و قد ذكرنا جملة منها في كتابنا (مهذب الأحكام)، و هي‏ صريحة في اشتراط الدخول بالأم في حرمة البنت و عدم اشتراط الحجور أيضا.
و لكن، في بعض الروايات التي رواها أهل السنّة و الجماعة عن علي عليه السّلام أنّه اشترط الحجور في حرمة البنت.
و لكنّه مردود بما علمت، و مخالف لما هو المستفاد من الآية الشريفة.
و في الدرّ المنثور: أخرج عبد الرزاق، و عبد الحميد، و ابن جرير و ابن المنذر، و البيهقي في سننه من طريقين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل، و إذا تزوّج الام فلم يدخل بها ثم طلّقها، فإن شاء تزوّج الابنة».
أقول: في مضمون ذلك روايات متعدّدة.
و في الاستبصار: عن جعفر، عن أبيه: «أن عليّا عليه السّلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي دخلتم بهن، في الحجور و غير الحجور سواء، و الأمهات دخل بالبنات أم لم يدخل، فحرّموا و أبهموا ما أبهم اللّه».
أقول: صدر الحديث موافق لما هو المأثور عن الأئمة عليهم السّلام، و المعروف من مذهبهم كما تقدّم. و أما ذيل الحديث: «و الأمهات مبهمات»، أي: أمهات نسائكم مطلقات غير مقيدة بالدخول بالبنت، فهن محرّمات سواء دخل بالبنات أم لا.
و في الكافي: عن منصور بن حازم قال: «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أ يتزوّج بأمها؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: قد فعله رجل منا فلم ير به بأسا، فقلت: جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي عليه السّلام في هذا الشمخية التي أفتاه ابن مسعود أنّه لا بأس بذلك، ثمّ أتى عليّا عليه السّلام فسأله.
فقال له علي عليه السّلام: من أين أخذ بها؟ فقال: من قول اللّه عزّ و جلّ:
وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، فقال علي عليه السّلام: إن هذه مستثناة و هذه مرسلة، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أما تسمع ما يروى هذا عن علي عليه السّلام؟ فلما قمت ندمت و قلت: أي شي‏ء صنعت؟ يقول: قد فعله رجل منّا و لم ير به بأسا و أقول أنا: قضى عليّ فيها! فلقيته بعد ذلك و قلت: جعلت فداك، مسألة الرجل إنّما كان الذي قلت كان زلّة مني فما تقول فيها، فقال: يا شيخ، تخبرني أن عليّا عليه السّلام قضى فيها و تسألني ما تقول فيها؟!».
أقول: الظاهر من قوله عليه السّلام: «رجل منا»، أي: ابن مسعود كما يأتي في ما رواه الدرّ المنثور، و أما قضاء علي عليه السّلام كان في حرمة ام الزوجة مطلقا، فلا محالة لا بد من حمل الرواية على التقية، فلا يصحّ التمسّك بالرواية مقابل ظاهر الآية الشريفة و الروايات المستفيضة و إجماع الفقهاء الدالّة على حرمة ام الزوجة مطلقا.
و في الدرّ المنثور عن البيهقي في سننه: «أن رجلا من بني شمخ تزوّج امرأة و لم يدخل بها، ثمّ رأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوّج أمها ففعل و ولدت له أولادا، ثمّ أتى ابن مسعود المدينة فقيل له: لا تصلح، فلما رجع إلى الكوفة فقال للرجل: إنّها عليك حرام ففارقها».
أقول: حكم الجواز لم يصدر عن معصوم، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية.
و فيه أيضا عن علي عليه السّلام: «إنّ ام الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت، و إنّها بمنزلة الربيبة، إذا لم تكن في حجر زوج أمها لم تحرم عليه نكاحها».
أقول: هذه الرواية مخالفة المذهب أهل البيت و المأثور عنهم عليهم السّلام كما عرفت.
و في التهذيب: عن عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إذا كانت عند الإنسان الأختان المملوكتان، فنكح إحديهما ثمّ بدا له في الثانية، فليس ينبغي له أن ينكح الاخرى حتّى تخرج الاولى من ملكه، يهبها فإن وهبها لولده يجزيه».
أقول: الرواية تدلّ على حرمة الجمع بين الأختين في الوطء بالملك، و ما ورد في روايات اخرى من جواز الجمع بينهما في أصل الملكية، لا بد من طرحها أو حملها على عدم وطئهما أو إحداهما و غير ذلك.
و في تفسير العياشي: عن أبي عون قال: «سمعت أبا صالح الحنفي قال: قال علي عليه السّلام ذات يوم: سلوني، فقال ابن الكواء: أخبرني عن بنت الاخت من الرضاعة، و عن المملوكتين الأختين، فقال: إنّك لذاهب في التيه، سل عمّا يعنيك أو ينفعك، فقال ابن الكواء: إنّما نسألك عمّا لا نعلم، و أما ما نعلم فلا نسألك عنه، ثمّ قال: أما الأختان المملوكتان أحلّتهما آية و حرّمتهما آية، و لا أحلّه و لا أحرّمه، و لا افعله أنا و لا واحد من أهل بيتي».
أقول: هذا الحديث يفسّره ما ورد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في رواية عبد اللّه بن سنان المروية في التهذيب كما تقدّم، و يشهد لذلك‏ ما روى عن قبيصة بن ذؤيب: «ان رجلا سأله عليه السّلام عن ذلك فقال: لو كان إليّ من الأمر شي‏ء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا»، فإنها ظاهرة في أن الجمع بين المملوكتين كان شائعا في عصر الأئمة عليهم السّلام، و لكنّه عليه السّلام لم يقدر على بيان الحكم الواقعي للتقية، و التفصيل مذكور في كتب الفقه فراجع.
و في التهذيب: عن معمر بن يحيى بن سالم قال: «سألنا أبا جعفر عليه السّلام عمّا يروي الناس عن أمير المؤمنين عليه السّلام عن أشياء لم يكن يأمر بها و لا ينهى إلا نفسه و ولده، فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: قد أحلّتها آية و حرّمتها آية أخرى. فقلنا:
الأولى أن يكون إحديهما نسخت الاخرى، أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟
فقال: قد بيّن لهم إذ نهى نفسه و ولده، قلنا: ما منعه أن يبيّن ذلك للناس؟ قال:
خشي أن لا يطاع، فلو أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام ثبت قدماه أقام كتاب اللّه و الحقّ كلّه».
أقول: ظهر وجه ما تقدّم من هذه الرواية.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"