1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 170 الى 175

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً (173) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (۱۷٤)
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (۱۷٥)


بعد ما بيّن سبحانه و تعالى أنّ جميع الرسل و الأنبياء وحدة متكاملة و على سنّة واحدة، و هي الوحي من اللّه تعالى، و أنّ ما انزل الى الرسول صلّى اللّه عليه و آله هو من سنخ ما انزل على سائر الأنبياء العظام عليهم السّلام، و احتجّ على أهل الكتاب بحجج دامغة، و ردّ على سؤال أهل الكتاب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تنزيل كتاب من اللّه تعالى بأنّ رسوله جاء بالحقّ و انزل عليه ما فيه من الحجج القاطعة الّتي لا يحتاج بعدها الى تنزيل كتاب، ثمّ عنّف على المنكرين من أهل الكتاب.
ففي هذه الآيات الشريفة يوجّه الخطاب الى الناس جميعا بعد وضوح الحجّة بشأن بعثة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله، فإنّ الحجّة إذا قامت على أهل الكتاب بشهادة من اللّه تعالى و شهادة الملائكة و وجب عليهم الإيمان، فبالأولى تقوم على غيرهم، و بعد ظهور صدق التسوية فإنّه تصحّ دعوة الناس كافّة الى الرسول و الى ما انزل إليه، ثمّ يوجّه الخطاب الى أهل الكتاب مرّة اخرى؛ ليكفّوا عن انحرافاتهم، و يخاطب النصارى منهم بالخصوص لنبذ الغلو في دينهم و يلحقوا بالموحّدين و يؤمنوا بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و بالرسل جميعا على استقامة، و يقرّوا بعيسى عليه السّلام بما أقرّوا به في غيره من الأنبياء و الرسل عليهم السّلام بأنّهم عباد اللّه و رسله الى خلقه. و يقيم الحجّة على بطلان ما اعتقدوه في عيسى عليه السّلام بأسلوب واضح رصين.
و يختم عزّ و جلّ الآيات المباركة بنداء ربوبي رقيق للناس جميعا بالإيمان باللّه جلّ شأنه و الاعتصام به، فإنّه عزّ و جلّ سيدخلهم في رحمة منه و فضل، و يهديهم الى ما يسعدهم في الدنيا و الآخرة.
و من الإعجاز القرآني أنّ هذا النداء الربوبي يشتمل على أسلوب رقيق يحبّب الإيمان الى قلوب الناس، بعد تلك الجولة الطويلة مع المؤمنين و الزائغين و الكافرين.
و ممّا زاد في تأثير هذا النداء أنّه يتضمّن الوعد فقط، و لم يذكر فيها جزاء الكافرين؛ لأنّه نداء التحبّب و العطف، و ليس نداء الإنذار و العنف، و من حسن الختام أنّه كان في آخر هذه السورة.
و قد نزل في ختام تلك الجولة الطويلة الّتي كانت مع الناس و تناولت العقيدة و الإيمان و السلوك و المشاعر، و قد اشتملت على جميع سبل التربية الإسلاميّة لأهمّ قضية في حياة الإنسان، و هي قضية الإيمان باللّه تعالى و ما يترتّب عليها من المقتضيات.
فكانت هذه السورة من أمهات السور القرآنيّة الّتي تناولت العقيدة بجميع جوانبها بأحسن أسلوب و أتمّ وجه، فاشتملت على جميع التوجيهات الّتي تعدّ الامة المؤمنة لتحمل الأمانة الكبرى.
و تضمّنت من الأحكام العمليّة الفرديّة و الاجتماعيّة الّتي تجعل الامة المسلمة سعيدة و مطمئنة. و هذه السورة و إن طالت و تعدّدت موضوعاتها إلّا أنّها ذات وحدة شاملة تربط بين موضوعاتها بصورة واضحة، و لها شخصيتها المميّزة و إن تشابهت موضوعاتها مع غيرها من السور.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ.
خطاب عامّ لجميع الناس، فإنّه بعد وضوح الحجّة و ظهور صدق الرسول صلّى اللّه عليه و آله و شهادة اللّه تعالى على نبوّته و ما انزل إليه، فقد صلحت الدعوة إلى كافّة الناس و لزمت الحجّة كلّ الأفراد لعموم رسالته صلّى اللّه عليه و آله.
و إنّما ذكر الرسول معرّفا؛ لأنّه هو الرسول الكامل المعروف لدى أهل الكتاب الّذي بشّر به، أو أنّه هو الّذي أقيمت الحجّة على صدقه و شهد تبارك و تعالى على بعثته آنفا، و أنّه قد ذكر موصوفا بالرسالة لتأكيد وجوب طاعته، و قد جاء بالحقّ من عند اللّه جلّ شأنه الّذي هو ربّكم و يريد من بعثته إليكم تربيتكم و إرشادكم الى الكمال اللائق بكم، فهذا تأكيد آخر و ترغيب للامتثال بعد الأمر بالإيمان به.
قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.
أي: إذا عرفتم ذلك و ظهرت الحجّة لكم فآمنوا به، فإنّ الإيمان خير لكم؛ لأنّه يزكّيكم و يطهّركم من الذنوب و الآثام و يؤهّلكم الى السعادة.
و اختلف العلماء في إعراب هذه الآية المباركة، و سيأتي في البحث الأدبي ما يتعلّق بذلك.
و في الآية الشريفة الترغيب الى الإيمان و تحبيب الناس إليه، فإنّ الإنسان بفطرته يسعى الى الخير و يطلبه في أي مورد كان.
قوله تعالى: وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
أي: أنّ اللّه تعالى إنّما يأمركم بالإيمان لأنّه خير لكم، و إن عرضتم و كفرتم فإنّ اللّه غني عنكم و لا ينقص بكفركم منه شي‏ء، فإنّ له كلّ شي‏ء في السموات و الأرض- خلقا و ملكا و تصرّفا- فلا يتضرّر بالكفر كما لا ينتفع بالإيمان، فلا يخرج الإنسان بكفره عن ملكه و عبوديته، فهو القادر على جزائه بما يقتضيه كفره.
و تدلّ الآية الكريمة على أنّ الكافر مكابر لفطرته و عقله، فإنّه كيف يتأتّى منه الكفر مع علمه بأنّ له تعالى ما في السموات و الأرض.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
أي: أنّه تعالى عليم بجميع الأمور و محيط بمخلوقاته إحاطة علميّة لا يخفى عليه إيمان أحد و لا كفر آخر، حكيم في أفعاله، فلم يخلق عباده عبثا، فإذا أمر الإنسان بالإيمان، فلعلمه بأنّه خير له، و إنّه يعذّب الكافر لأنّه استكبر و لم يؤمن.
قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.
آيات خاصّة نزلت في محاجّة النصارى بعد محاجّة اليهود الّذين كانوا على طرف النقيض مع النصارى في شأن المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام، فإنّه- كما حكى عنهم عزّ و جلّ- عرفوا بتحقيره و إهانته و رميه بما يمسّ كرامته، و الكفر به، فكانوا في أعلى درجات التفريط في حقّه عليه السّلام.
و أمّا النصارى فقد غلوا في تعظيمه و تقديسه و تجاوزا حدود اللّه تعالى فيه، فأفرطوا كلّ الإفراط، فلما أبطل عزّ و جلّ شبهات اليهود عقبه بإبطال شبهات النصارى و تفنيد مزاعمهم.
و إنّما وصفهم بأهل الكتاب مع أنّه خطاب عامّ يشمل اليهود أيضا؛ إرشادا لهم بعدم تجاوز الحقّ في شأن المسيح، و زجرا لهم عمّا هم عليه من الضلال البعيد.
و يمكن القول بأنّ الخطاب لهم جميعا، فإنّ اليهود كالنصارى غلوا في الدين و تجاوزوا الحقّ في شأن المسيح عليه السّلام، فالاولى غلت فيه ففرّطت كلّ التفريط، و الثانية غلت أيضا فأفرطت كلّ الإفراط، فيكون قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ‏ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ تخصيصا بعد تعميم بتجريد الخطاب و تخصيص له بالنصارى بعد معلوميّة حكم اليهود من الآيات السابقة، و مثل ذلك كثير في القرآن الكريم و كلمات البلغاء.
قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.
بيان لنفي الغلو في الدين، و إرشادهم لهم بعدم نسبة أمر الى اللّه تعالى إلّا الحقّ؛ لأنّه حقّ و لا يصدر منه إلّا الحقّ، فيجب عليهم التماس الحقّ في جميع أمورهم.
و المراد من الحقّ هنا هو المعارف الإلهيّة و الحقائق الواقعيّة و التشريعات الربوبيّة و التوجيهات السماويّة الّتي أنزلها عزّ و جلّ على أنبيائه العظام عليهم السّلام، و ثبتت في القرآن الكريم.
كما أنّ المراد من القول هنا الأعمّ من الاعتقاد و الذكر اللساني، أي: لا تعتقدوا و لا تذكروا إلّا الحقّ الثابت، فليس لكم أن تزعموا في دينكم ما لم يقم عليه برهان و تنسبوه الى اللّه تعالى، فتكون الآية الشريفة تمهيدا لنبذ ما زعموه في المسيح و إلزاما لهم بأنّهم أهل الكتاب، فيجب عليهم قول الحقّ و ابتغاؤه في جميع أمورهم، فتدلّ الآية الكريمة على بطلان ما اعتقدوه في عيسى بن مريم من الحلول و الاتّحاد و غير ذلك من الأباطيل.
قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
تخصيص بعد تعميم الخطاب لأهل الكتاب تطبيقا لما بيّنه عزّ و جلّ من نفي الغلو و عدم نسبة شي‏ء إلى اللّه جلّ شأنه إلّا الحقّ، و الخطاب موجّه للنصارى الّتي غلت في المسيح عليه السّلام و اعتقدت فيه الأباطيل.
و المسيح كلمة غير عربية قرئ مخفّفا- و هو المعروف- و مشدّدا بكسر الميم و تشديد السين كالسكّيت. و معناه المبارك.
و إنّما صرّح عزّ و جلّ باسمه و اسم الام؛ للدلالة على كونه إنسانا مخلوقا تكوّن في رحم امرأة كأي إنسان آخر. و حينئذ لا يقبل التفسير و التأويل بأي‏ وجه كان، و هي تدلّ على بطلان ما زعموه فيه من البنوّة له جلّ شأنه.
قوله تعالى: رَسُولُ اللَّهِ.
بيان لشأن المسيح عنده عزّ و جلّ، الّذي يجب أن يعتقدوه فيه عليه السّلام، و هو الحقّ، و غيره باطل لا يجوز نسبته إليه تعالى.
و هذه الصفة تدلّ على بطلان الألوهيّة في حقّه، و إنّما قدّمها على ما سيأتي تعظيما لشأنه عليه السّلام؛ و لبيان أنّ نفي الحلول و الاتّحاد و البنوّة عنه لا يوجب الانتقاص منه، فإنّه رسول اللّه، و لعلّ الوجه في تأخيرها لبيان أنّه لا يخرج بالرسالة عن كونه إنسانا، فهو فرد تولّد من رحم امرأة و يصيبه ما يصيب غيره من سائر أفراد الإنسان.
قوله تعالى: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ.
بيان للحقّ الّذي لا بدّ أن يقال على اللّه تعالى، و ردّ لما زعموه فيه من الألوهيّة و البنوّة بتوضيح خلق المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام.
و المراد من الكلمة هي كلمة «كن» الدالّة على التكوين بمحض قدرته التامّة و إرادته الفعليّة الّتي تعلّقت بخلق عيسى عليه السّلام، و جملة: أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ تفسير لمعنى الكلمة.
و الإلقاء: هو الطرح و الإيصال، و يستعمل في الأمور الماديّة و المعنويّة، قال تعالى: وَ أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [سورة النحل، الآية: 87]، و قال تعالى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [سورة النحل، الآية: ۸٦]، و هو و إن كان مطلقا في المقام إلّا أنّه عزّ و جلّ بيّنه في موضع آخر أنّه كان بواسطة الملك على نحو البشارة، قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [سورة آل عمران، الآية: ٤٥].
قوله تعالى: وَ رُوحٌ مِنْهُ.
الروح: لها معان متعدّدة، و يجمعها أنّها من أمر اللّه تعالى، قال عزّ و جلّ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: ۸٥].
و المعنى: أنّه روح مخلوقة للّه تعالى؛ بسبب كلمة (كن) التكوينيّة الّتي أودعت في مريم الطاهرة، لا بواسطة نطفة و توالد.
و الآيات المباركة جميعها تدلّ على أنّ خلق عيسى عليه السّلام كان معجزة، و قد تحقّق بكلمة (كن) التكوينيّة، من غير دخل للأسباب العاديّة الّتي يجب أن تتحقّق في خلق سائر أفراد البشر من الأب و النكاح و غيرها، قال تعالى: إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* [سورة آل عمران، الآية: ٤۷].
إن قلت: إنّ ما سواه تعالى من المخلوقات هي كلمات اللّه تعالى، فليكن خلق عيسى عليه السّلام أيضا كذلك، و إنّما خصّه بالذكر تشريفا.
قلت: كون مصنوعاته تعالى كلماته عزّ و جلّ صحيح لا ريب فيه، إلّا أنّه لا ينافي أن تكون مختلطة بالأسباب العاديّة القريبة و البعيدة المترتّبة في سلسلة التكوين، فإنّ اللّه تعالى أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها. بخلاف خلق عيسى عليه السّلام، فإنّه كان أمرا خاصّا به تكوّن بسبب كلمة (كن) التكوينيّة الخالصة من الأسباب العاديّة القريبة و البعيدة الّتي يجب تحقّقها في تولّد الإنسان، فكان خلق عيسى عليه السّلام آية من آيات اللّه تعالى أودعها في رحم مريم العذراء عليها السّلام.
إن قلت: إذ كان خلق عيسى عليه السّلام معجزة و خارق العادة، فلما ذا لم يخلقه عزّ و جلّ من دون رحم امرأة و بشارة الملك لها، فإنّ اللّه تعالى على كلّ شي‏ء قدير.
قلت: نعم، و لكن ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة أنّ الأمور الخارقة للعادة الّتي تتحقّق بسبب كلمة (كن) التكوينيّة و المعاجز الّتي تقع على يد الأنبياء و الأولياء بإذن منه عزّ و جلّ، اقتضت سنّته تعالى فيها أن يجريها في موضوع من الموضوعات الماديّة و يخرجها في هذا العالم- عالم الملك و المادّة- بالصورة المناسبة لهذا العالم، ففي خلق عيسى عليه السّلام مثلا هو قادر على أن يخلقه من غير أم و لا نفخ الملك، و لكنّه عزّ و جلّ خلقه من أم بواسطة بشارة ملك و نفخ منه؛ ليكون بمنزلة الأب و نفخه بمنزلة التلقيح، كما أنّ خلق ناقة صالح إنّما كان من الجبل ليكون بمنزلة الام، و كذا تسبيح الحصى في يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هكذا بقية المعاجز. هذا إن لم‏ يكن بعضها خارجة عن قانون الأسباب و المسبّبات، و إن كانت بظاهرها فاقدة لها إلّا أن الأسباب تارة: تكون واضحة و معروفة، و اخرى: تكون خفيّة و غير معلومة لأحد إلّا من علّمه عزّ و جلّ، فيجريها الرسول أو الولي بالسبب الّذي علّمه عزّ و جلّ به. و البحث نفيس نذكره في الموضع المناسب إن اقتضى الحال إن شاء اللّه تعالى و ساعدنا الزمان بعد ما نستمد منه العون و التوفيق.
و ذكر جمع من المفسّرين أنّ المراد من الروح هو النفخة، أي: أنّه خلق بنفخ الملك المعبّر عنه بالروح، و روح القدس في مريم عليها السّلام بأمره سبحانه و تعالى، و قد جاء تسمية النفخ روحا في كلامهم، كما قال ذو الرمة في إضرام النار:
فقلت له ارفعها إليك و أحيها بروحك و اجعلها لها فيئة قدرا

و قالوا: إنّ الّذي يحيا به الإنسان مأخوذ من اسم الريح، و إنّ أصل الريح روح (بالكسر) فقلبت الواو ياء لتناسب الكسرة، و جمعه أرواح و رياح، و إن كان أصل هذه الرواح.
و لكنّه ليس بشي‏ء، فإنّ الروح و إن استعمل في غير المقام في النفخ، لكن لا يصير دليلا على كونه في المقام كذلك، لا سيما بعد دلالة القرائن الكثيرة على أنّ المراد به غير ذلك، فإنّ العطف بين الأمرين في المقام يقتضي المغايرة بينهما.
و الحقّ أن يقال: إنّ كلّ واحد من الأمرين يمثّل جانبا من جوانب هذا النبي العظيم الّذي ظهرت آيات اللّه تعالى فيه من قبل ولادته الى حين رفعه الى السماء و بعده أيضا، فإنّ الكلمة الّتي ألقاها الى مريم عليها السّلام من دون أب، و أمّا الجانب الروحاني منه عليه السّلام فيكون في أنّه خلق بروح منه، أي بأمر صادر منه عزّ و جلّ، و هو أمر قدسي و سرّ إلهي يفيضه اللّه تعالى على من يشاء من خلقه و يختصّ به بعض عباده المخلصين، منهم آدم عليه السّلام أبو البشر كما عرفت؛ و لذا كان خلق كلّ واحد منهما خلاف السنّة في خلق الناس، قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة آل عمران، الآية: ٥۹]، و بهذا الأمر فاق على جمع كثير من الأنبياء عليهم السّلام، و يشهد لهذا أنّ الناس إذا وصفوا شيئا في غاية الطهارة و النظافة قالوا: إنّه روح، و لما كان عيسى لم يتكوّن من نطفة الأب، بل كان بأمر صادر منه عزّ و جلّ و نفخة من روح القدس، وصف بأنّه روح منه.
و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما قاله بعض المتكلّفين من النصارى، حيث تمسّك بقوله تعالى: وَ رُوحٌ مِنْهُ؛ لإثبات دعواهم في المسيح عليه السّلام من كونه جزءا منه عزّ و جلّ، جاعلا (من) للتبعيض و الجزاء الآخر هو روح القدس الّذي انبثق من الأب، بل إنّه عينه، و يستدلّون على ذلك بقول يوحنا حكاية عن المسيح: «و متى جاء المعزى الّذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الّذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي»، و بعضهم عبّر عن الانبثاق بالخروج.
و كيف كان، فإنّ الآية المباركة بمعزل عن ما ذكروه، و إنّ (من) في المقام لا تكون تبعيضيّة، بل هي للصدور، و نظيره ما ورد في شأن آدم عليه السّلام، قال تعالى: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي* [سورة ص، الآية: 72].
قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ.
تفريع على صدر الكلام، أي: فإذا عرفتم أمر عيسى بن مريم عليه السّلام فآمنوا باللّه وحده الّذي اختصّ بالالوهية، و جمع جميع صفات الكمال و تنزّه عن جميع صفات الجلال. و آمنوا برسله كلّهم بوصف كونهم رسل ربّ العالمين، و لا تخرجوا واحدا منهم الى ما يستحيل وصفه من الألوهيّة و نحوها، فهم عبيد مأمورون خصّهم عزّ و جلّ بالفيض و أنزل إليهم الوحي.
قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ.
و لا تقولوا: الآلهة ثلاثة، و هي المعرفة عندهم بالأقانيم- و هم الأب، و الابن، و روح القدس- فاللّه عندهم واحد بالجوهر و ثلاثة بالأقانيم، أي: أنّ كلّ واحد منها عين الآخر، و كلّ منها إله كامل، و مجموعها إله واحد.
و يمكن أن يكون المراد من الثلاثة هي الّتي حكى عزّ و جلّ عنها في قوله‏ تعالى: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة المائدة، الآية: ۱۱٦]، فيكون الثلاثة اللّه، و عيسى، و مريم، و لعلّ هذا الاعتقاد هو الأساس للاعتقاد الأخير في الأقانيم الثلاثة. و سيأتي في البحث العقائدي تفصيل الكلام إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ.
أي: انتهوا عن مقالتكم الدالّة على الشرك و اتّصاف اللّه تعالى بصفات المخلوقين أو اتّصافهم بصفات الخالق، فإنّ هذا الانتهاء خير لكم في الدنيا و الآخرة، و إنّ الخير أن تؤمنوا باللّه الواحد الأحد المنزّه عن مجانسة المخلوقين و عمّا لا يليق به، و تؤمنوا برسله المبعوثين لهداية البشر.
قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ.
بعد أن نفى مقالة النصارى و بيّن الإيمان الصحيح و ردف عزّ و جلّ ذلك بالنهي عن ما يوجب الشرك و ما يصادم المعقول، أكّد ذلك بأنّ اللّه تعالى واحد ليس له أجزاء، فهو واحد بالذات منزّه عن التعدّد مطلقا. و في ذلك ردّ على مقالتهم الّتي تدلّ على التعدّد.
قوله تعالى: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.
السبحان مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: «أسبحه تسبيحا و سبحانا»، و يتعدّى ب (من) و (عن)، و هو منصوب بنزع الخافض.
و المعنى: تنزّه و تقدّس عن أن يكون له ولد، كما تقوله النصارى في المسيح إنّه ابنه، فإنّه ليس كمثله شي‏ء، و لم يكن له جنس يقترن به ليكون زوجا له، فتلد له ابنا.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ لفظ الولد دون الابن الّذي يذكرونه في كلماتهم؛ للدلالة على أنّ الولد إنّما يكون مولودا من أب و أم و اقتراب منهما بالنكاح، و كلّ ذلك محال على اللّه تعالى.
الآية المباركة تدلّ على التعظيم و التنزيه. و ذلك يستلزم التقديس.
قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ.
جملة استينافيّة مسوقة للتعليل و الاحتجاج على وحدانيّة تعالى و نفي الولديّة منه و تنزّهه عن مجانسة مخلوقاته، فإنّ كلّ ما في السموات و الأرض مخلوق له و مملوك له في أصل ذاته و جميع آثاره، فتدلّ على وحدانيّته و مظاهر صفاته، فهو القيوم على جميعها، و لا يمكن أن يكون الأثر مماثلا للمؤثّر ليتّخذ صاحبة و ولدا- و قاعدة: «سنخيّة العلّة مع المعلول» المبحوث عنها في الفلسفة شي‏ء آخر و لا ربط لها بالمماثلة، كما هو واضح.
قوله تعالى: وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا.
دليل آخر على ثبوت جميع ما ورد في الآيات السابقة. و الوكيل من أسمائه الحسنى، أي: أنّه الولي لما سواه و الحافظ له، يدبّر أمره و يرعى شؤونه، فهو الكافي و لا يكفي منه غيره، و أنّه يهديكم الى ما هو خير لكم و يدعوكم الى ما يسعدكم في الدنيا و الآخرة، و يراقب أعمالكم و أقوالكم فيحاسبكم عليها، إن خيرا فخيرا و إن شرّا فشرّا.
قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ.
تقرير لما سبق من التنزيه، و تأكيد على نفي الوهيّة المسيح مطلقا و لو فرض كونه ولدا له، و قد أخذ عزّ و جلّ على النصارى بما هو معترف به لديهم، فإنّهم لا ينكرون كون المسيح عبدا للّه و لن يستنكف عن عبادته، كما صرّحت به الأناجيل الدائرة عندهم أنّه كان يعبد اللّه تعالى.
منها: ما نقلناه في البحث السابق عن مرقس: «قال يسوع: إن نفسي حزينة حتّى الموت، ثمّ خرّ على وجهه يصلّي للّه تعالى، و قال: أيّها الأب كلّ شي‏ء بقدرتك، أخّر عني هذا الكأس، لكن كما تريد لا كما أريد، ثمّ خرّ على وجهه يصلّي للّه تعالى»، و لا وجه لعبادة الولد الّذي يكون من سنخ الوالد الّذي يكون إلها، و لا معنى لعبادة الشي‏ء لنفسه أو عبادة أحد الثلاثة لثالثها الّذي يكون هو المجموع، و كلّ واحد هو إله كما عرفت، و هذا من أحسن الحجج و أتمّها، حيث يذكر في‏ الاحتجاج ما هو المعترف به لدى الخصم، فيحاج به و يسمّى في علم المنطق ب دليل الاقتناع.
و مادّة (نكف) تدلّ على الامتناع عن الشي‏ء و الانقباض منه أنفا و حميّة، يقال: نكفت الشي‏ء نحيّته، و يقال: بحر لا ينكف، أي: لا يبلغ آخره، و غيث لا ينكف، أي: لا ينقطع، و منه الاستنكاف و هو التكبّر الّذي يكون الترك عن أنفة، و يتعدّى ب (من) و (عن).
و المعنى: لن يستكبر المسيح عن أن يعبد اللّه تعالى، و لن يأنف أبدا أن يكون عبدا له عزّ و جلّ؛ لأنّ العبوديّة للّه العظيم شرف له، و إنّما المذلّة في غيرها ممّن ادّعى الألوهيّة لنفسه الّتي لا يستحقّها. و لا بدّ أن يستنكف عن عبوديّة غيره تعالى.
و إنّما ذكر عزّ و جلّ العبوديّة دون غيرها من الألفاظ المرادفة؛ لأنّ الكلام مع الكفرة الّذين ادّعوا الألوهيّة فيه و رفعوه عن مقام العبوديّة؛ و لهذا قال عزّ و جلّ: أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، و لم يقل: عن عبادة اللّه، و نحو ذلك.
و تدلّ الآية الشريفة على كمال نزاهته و عدم استنكافه بالكليّة؛ لأنّها تدلّ على العليّة، أي: علّة عدم استنكافه هي كونه عبدا للّه، بخلاف التعابير الاخرى الّتي لا تدلّ أكثر من اتّصافه بها و لو كانت مرّة واحدة، و لا تدلّ على الدوام و التجدّد.
و بعبارة اخرى: أنّ اتّصاف الشخص بالعبادة يكفي فيه أن يكون مرّة واحدة و تحقّقها فيه كذلك، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عدم الاستنكاف عن دوامها، و يدلّ على ذلك أيضا التعبير عن عيسى عليه السّلام بالمسيح الدالّ على العبوديّة؛ لأنّه مبارك و لا ريب في أنّ عبادة من يعلم عظمة اللّه تعالى و يقرّ بأنّه عبد للّه أفضل من كلّ عبادة.
قوله تعالى: وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
عطف على المسيح، فإنّهم لا يستنكفون عن أن يكونوا عبيدا له عزّ و جلّ، و توصيفهم بأنّهم مقرّبون فيه العلّية على كونهم عبيدا للّه تعالى؛ لأنّهم مقرّبون، فلو كانوا يستنكفون لما كانوا مقرّبين.
و يمكن أن ترجع هذه العلّة إلى المسيح أيضا؛ لأنّه عزّ و جلّ وصفه بأنّه مقرّب أيضا في موضع آخر، قال تعالى في شأنه: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [سورة آل عمران، الآية: ٤٥]، فهو يستنكف عن أن يكون عبدا لغيره لأنّه مبارك و مقرّب.
و على هذا، لا تدلّ الآية الشريفة على أفضليّة الملائكة من الأنبياء، كما زعمه بعض المفسّرين، مع أنّها غير ناظرة الى هذه الجهة أصلا، و البحث مذكور في علم الكلام، نذكره في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ.
الاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق، بمعنى أن يجعل نفسه كبيرة فوق ما هي عليه؛ غرورا و إعجابا، لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله.
و الاستكبار: مذموم بل هو أم المهالك، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، فقال رجل: يا رسول اللّه، إنّ الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة، قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّ اللّه جميل و يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ و غمط الناس»، أي: أن يجعل ما جعله اللّه تعالى حقّا- من توحيده و عبادته و قوانينه- باطلا، أو يتجبّر عند مطلق الحقّ، فلا يقبله و لا ينقاد له. و غمط الناس، أي: استهانة بهم و استحقارهم، فالحديث يفسّر الكبر المذموم بأحسن وجه.
و المستفاد من الآيات الشريفة و الأحاديث الواردة في ذمّ الكبر أن للكبر درجات، أعظمها الّتي تمنع صاحبه عن دخول الجنّة، و هو الكبر على اللّه تعالى، و ذلك بعدم دخول الشخص في طاعته عزّ و جلّ كما مرّ، و أمّا سائرها فإنّها تشترك في أنّ الصدّ عن نيل الكمال، و تمنع السعادة و تؤدي بصاحبها إلى الخسران.
و ذكر بعض أنّ الاستكبار هو الاستنكاف، و لكنه ليس بشي‏ء، فإنّ الاستكبار دون الاستنكاف كما عرفت آنفا، مع أنّ الأخير يستعمل حيث لا استحقاق مطلقا، بخلاف التكبير، فإنّه قد يكون باستحقاق كما هو في اللّه تعالى.
و كيف كان، فالآية الشريفة في موضع التعليل لما سبق، أي: كيف يستنكف المسيح بل الملائكة المقرّبون عن عبادته عزّ و جلّ؟! و الحال أنّ من يستكبر عن عبادته و يرجع عنها أنفة و حمية فسيحشرهم إليه جميعا.
و إنّما ذكر سبحانه و تعالى الاستنكاف و الاستكبار كليهما؛ لاختلاف درجات العباد في العلم و الجهل، فيشمل جميع الأفراد، سواء كان ترك العبادة عن استنكاف أم استكبار، فإنّ الاستنكاف قد لا يوجب السخط الإلهي إذا لم يكن عن استكبار كما في الجهلاء و المستضعفين، و أمّا الأنبياء و الملائكة، فإنّ استنكافهم لا يكون إلّا عن علم و التفات، فيكون تركهم عن استكبار، لكونهم عالمين بمقام ربّهم؛ و لهذا اكتفى بذكر الاستنكاف فقط في المسيح و الملائكة و لم يذكر الاستكبار، و في المقام ذكرهما معا ليشمل جميع عباده من الإنس و الجن و الملائكة.
قوله تعالى: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً.
أي: فسيحشرهم اللّه تعالى إليه جميعا، سواء أ كانوا صالحين أم ظالمين و سيحاسبهم على أعمالهم و يجزون عليها، و الملائكة و المسيح يعلمون بذلك، فيكون تركهم للعبادة عن استكبار، فهذه الآية الشريفة تكون بيانا للآية المباركة السابقة.
أي: أنّ استنكافهم إنّما يكون عن علم، فتدلّ على نفي ذلك بالكليّة عنهم، فهذا تأكيد آخر على عبوديّتهم له تعالى.
قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ.
تفصيل بعد إجمال لبيان الجزاء المترتّب على كلّ واحد من الفريقين المستنكفين المستكبرين عن عبادته، و غيرهم الّذين آمنوا و عملوا الصالحات و لم يستنكفوا عن عبادة اللّه تعالى، و إنّما قدّمهم تعظيما لجزائهم و تنويها بشرفهم.
قوله تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ.
التوفية هي الاستيفاء تامّا من غير نقص. أي: يعطيهم أجورهم من غير أنّ ينقص منها شيئا أصلا، جزاء لإيمانهم و أعمالهم الصالحة.
و إنّما عبّر عزّ و جلّ عن الجزاء بالأجر لبيان أنّ أعمالهم محفوظة لديه جلّت عظمته، و قد استوفاها منهم تامّا، فسيجدون عوضها عنده سبحانه و تعالى كذلك، و هذا يدلّ على كمال عطفه و رعايته للمؤمنين.
قوله تعالى: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
فيزيد المؤمنين العاملين في أجورهم بتضعيفها أضعافا مضاعفة؛ لأنّه الجواد الكريم ذو المن العظيم، و إطلاق الزيادة يشمل جميع أنحائها كما و كيفا و مدّة، و في جميع العوالم، فلا يعلم مقدارها و لا كنهها أحد إلّا اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
بيان لجزاء الفريق الآخر الّذين استنكفوا و استكبروا عن عبادة اللّه تعالى، فيعذبهم عذابا مؤلما لا يحيط به الوصف كما يستحقّون، و لم تكن هنا زيادة؛ لأنّ الجزاء لا بدّ أن يكون على قدر العمل، فإنّ كان خيرا فالزيادة فيه إنّما تكون فضلا و امتنانا منه عزّ و جلّ، و أمّا الزيادة في الشرّ فلا تجوز؛ لأنّهم لا يستحقّونها، فهو يجازي المسي‏ء بالعدل فقط و يجازي المحسن بالعدل و الفضل كليهما.
قوله تعالى: وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.
أي: لا يجدون لهم من غير اللّه تعالى وليا يلي أمورهم و يدبّرها و يرعى مصالحهم، و لا نصيرا ينصرهم من بأس اللّه تعالى و ممّا هم عليه من العقاب.
و إنّما ذكرهما عزّ و جلّ في المقام إبطالا لما زعموه في المسيح من الألوهيّة و التخليص من العذاب.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
نداء ربوبي الى الناس كافة يحبّب إليهم الإيمان بعد الجولة الطويلة مع الزائغين و الكافرين، إنّه نداء يرشدهم الى الكمال المنشود الّذي أعدّه اللّه تعالى لهم، إنّه نداء توجيه و تربية تعدّ الامة إعدادا كاملا لتحمّل الأمانة الكبرى، و تحتل الصدارة بين الأمم، إنّه نداء للتحبّب و ليس للإنذار و التخويف، فقد تضمّن هذا الخطاب العطف و الرحمة من ربّ رؤوف رحيم، يعلم جميع مصالح عباده و يدعوهم فيه إلى ما يسعدهم في الدنيا و الآخرة، و لأجل ذلك كان هذا الخطاب من المواضع المعدودة القليلة جدا في القرآن الكريم الّتي يذكر فيها جزاء المؤمنين وحدهم دون أن يذكر في مقابلها جزاء الكافرين المعاندين.
و الآية المباركة تدلّ على أنّ الحجّة قد تمّت على الناس و لزمتهم، فلم يبق بعد ذلك عذر لمتعذّر، و لا علّة لمتعلّل، قال تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [سورة الانعام، الآية: ۱٤۹]، و تقدّم قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [سورة النساء، الآية: ۱٦٥].
و البرهان: هو بيان الحجّة يأتي مصدرا كما في المقام، و يأتي بمعنى الفاعل في ما إذا اطلق على نفس الدليل و الحجّة، و منه إطلاقه على النبي صلّى اللّه عليه و آله.
و المعنى: أنّه قد جاءكم من قبل ربّكم الّذي تكفّل تربيتكم و تزكية نفوسكم ما فيه الحجّة القاطعة الّتي يبيّن فيها حقيقة إيمانكم و جميع ما تحتاجون إليه في أمر دينكم و دنياكم و آخرتكم و يتضمّن سعادتكم، و هو عامّ يشمل جميع ما يكون من قبله عزّ و جلّ ممّا له دخل في هداية الإنسان- كالأحكام الشرعيّة، و التوجيهات الربوبيّة، و الحقائق الواقعيّة- و نفس الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله فإنّه برهان عظيم، و مظهر الحقّ، و مصداق العدل و القسط بين حقيقة الشريعة و واقعها بسيرته العمليّة، فهو معلّم البشريّة حقائق العلوم الإلهيّة و التوجيهات الربوبيّة، و مظهر صفات الخالق العظيم، و معجزة الدهر، فهو خير برهان و أتمّ دليل، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [سورة الأحزاب، الآية: 21].
قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.
تأكيد لما سبق إذا كان المراد من النور هو البرهان، فإنّه نور بيّن في نفسه‏ و مبيّن للآخرين، فتتجلّى لكم الحقائق، و أمّا إذا كان المراد به القرآن الكريم فيكون من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ، فإطلاق البرهان عليه لأنّه أقوى دليل و أتمّ حجّة على صدق ما جاء به الرسول الكريم، و أمّا كونه نورا فإنّه بيّن بنفسه و حقّ واضح لا يحتاج الى إثبات كونه من عند اللّه تعالى، فهو معجزة خالدة في أسلوبه و بلاغته و حقيقته، و قد تضمّن من المعارف الإلهيّة و الحقائق الواقعيّة و التوجيهات الربوبيّة و الأحكام التشريعيّة ما يبهر منه العقول، و هو مبيّن لغيره بإخراجهم من الظلمات الى النور و إرشادهم الى الحقّ.
قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ.
بيان لثواب من اتّبع برهان ربّه و آمن بالنور الّذي أنزله على الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و ذكرنا أنّ هذه الآية الشريفة من المواضع المعدودة في القرآن الكريم الّتي يذكر فيها جزاء المؤمنين الصادقين و إيمانهم، و لم يذكر فيها جزاء الكافرين و المعاندين؛ لأنّ أسلوب الخطاب أسلوب التحبّب و الرأفة، و لأنّه عزّ و جلّ ذكر جزاءهم في الآيات السابقة، و قد كان معهم جولة طويلة في هذه السورة، و لأنّه جلّ شأنه أراد أن يكون ختام هذه السورة باستثناء آية الكلالة بالذكر الجميل و الثواب الجزيل و العطف و الرحمة دون الخوف و الخيبة.
و الآية الشريفة تبيّن حقيقة الإيمان المطلوب من الناس، و هي الإيمان باللّه العظيم وحده لا شريك له، حسبما أوجبه البرهان الذي جاءهم دون ما يقترحه أهل الزيغ و الضلال.
قوله تعالى: وَ اعْتَصَمُوا بِهِ.
الاعتصام: التمسّك بما يعصم و يحفظ، و هو مأخوذ من العصام و هو الحبل الّذي تشدّ به القربة و الإداوة لتحمل به، و قد تقدّم في قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [سورة آل عمران، الآية: 103] ما يتعلّق باشتقاق هذه الكلمة.
و الاعتصام به عزّ و جلّ هو الأخذ بكتاب اللّه عزّ و جلّ و اتّباع رسوله‏ الكريم صلّى اللّه عليه و آله، فمن أطاعه عزّ و جلّ فيهما فقد اعتصم به تعالى و حصّن نفسه من زيغ الشيطان و مكائده و شبهات أهل الضلال و أكاذيبهم.
و هذه الآية الشريفة تبيّن الجانب العملي من الإيمان، فإنّ الاعتصام لا يتحقّق إلّا بالعمل بكتاب اللّه و اتّباع رسوله العظيم صلّى اللّه عليه و آله، و إطاعتهما حقّ الطاعة.
كما أنّ الآية المباركة الاولى تبيّن الجانب العقائدي، و هو الإيمان باللّه الواحد الأحد الّذي اتّصف بجميع صفات الكمال و تنزّه عن جميع صفات الجلال، و الّذي ليس كمثله شي‏ء، فاستجمع الإيمان ركيزتيه الّتي بهما يتمّ، و هما العقيدة و العمل، كما أكّد عزّ و جلّ عليهما في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، و لا فائدة في الإيمان الّذي فقد فيه إحداهما؛ و لذا كان الجزاء عظيما بقدر عظمة الإيمان المطلوب.
قوله تعالى: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ.
بيان لجزاء المؤمنين الّذين آمنوا حقّ الإيمان، بل إنّ ما ورد في هذه الآية المباركة آثار الإيمان الصحيح، و هي الدخول في رحمة منه عزّ و جلّ و هي الثواب العظيم الّذي لا يعرف كنهه إلّا اللّه تعالى جزاء لإيمانهم و طاعتهم له عزّ و جلّ.
قوله تعالى: وَ فَضْلٍ.
هو الإحسان الزائد على الجزاء، و هو أيضا لا يقدّر قدره و يمكن أن يكون بيانا؛ لقوله تعالى آنفا: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
قوله تعالى: وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
أثر خاصّ مترتّب على الاعتصام باللّه تعالى كما بيّنه عزّ و جلّ في موضع آخر، قال تعالى: وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة آل عمران، الآية: 101]، و الهداية الى الصراط المستقيم من أعظم عنايات اللّه تعالى على من يشاء من خلقه، و قد خصّ بها الأنبياء العظام عليهم السّلام و الأولياء الكرام و بعض الخلّص من عباده.
و المراد بها التوفيق للطاعة و العبادة الّتي توصلانه الى اللّه تعالى و يبلغ بها الغاية من القرب و الزلفى لديه عزّ و جلّ و نيل جزائه العظيم و الدخول في رحمته، و قد تقدّم ما يتعلّق بالصراط المستقيم في سورة الفاتحة فراجع.
و ذكر الهداية إليه عزّ و جلّ في المقام إنّما هو للتأكيد على رعايته عزّ و جلّ للمؤمنين، و مقابلة لقوله تعالى في جزاء الكافرين المعاندين: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً* إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [سورة النساء، الآية: ۱٦۹].

خيرا في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ منصوب بفعل محذوف وجوبا تقديره: افعلوا أو نحوه. و ذهب الفراء الى أنّه نعت لمصدر محذوف، أي: إيمانا خيرا لكم، فيكون صفة مؤكّدة لا للتبيين حتّى يستلزم أن يكون الإيمان منقسما الى خير و غيره، مضافا إلى أنّه لا اعتبار بمفهوم الصفة، بل لا مفهوم لها أصلا.
و قيل: إنّه خبر كان مضمرة، و التقدير: يكن الإيمان خيرا لكم. و ضعّف بأن (كان) لا تحذف مع اسمها دون خبرها إلّا في مواضع معدودة.
و جملة: «ألقاها الى مريم» إمّا حال من الضمير المجرور في «كلمته»، بتقدير: قد، و العامل فيها معنى الإضافة.
و قيل: حال من ضميرها عليهما السّلام المستكن في ما دلّ عليه (و كلمته) من معنى المشتق الّذي هو العمل فيها.
و قيل: حال من فاعل (كان) مقدّرة مع إذ المتعلّقة بالكلمة، و التقدير: إذ كان ألقاها الى مريم.
و (من) في قوله تعالى: وَ رُوحٌ مِنْهُ متعلّقة بمحذوف صفة لروح، و هي لابتداء الغاية كما عرفت.
و قوله تعالى: أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ حرف الجر المقدّر إمّا (عن)، أو (من)، و الجملة دالّة على الاستمرار بما يقتضي وظيفة العبوديّة.
و إفراد فعل (يستنكف) و ما عطف عليه في قوله تعالى: وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ مراعاة للفظ (من).
و أمّا الجمع في فَسَيَحْشُرُهُمْ، فإنّه مراعاة لمعناه من صيغ العموم، و قرئ فَسَيَحْشُرُهُمْ بكسر الشين كما قرئ: (فسنحشرهم) بنون العظمة، و فيه التفات من الغيبة الى التكلّم.
و أمّا التفصيل في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقد وقع فيه الكلام، فقيل: إنّه تفصيل للمجازاة لا الفريقين، فلا حاجة الى المطابقة مع آخر الآية الكريمة الّتي قبلها؛ لأنّ الجزاء لازم الحشر فبيّنه عقيبه. و ردّه بعضهم بأنّ (اما) يدخل على الفريقين، لا على قسمي الجزاء.
و قيل: إنّه لحشر الفريقين، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه؛ و لأنّ الإحسان للمطيعين العابدين يعمّ الفريق الآخر، فكان داخلا في التنكيل بهم.
و قوله تعالى: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ، فإن كان المراد من الرحمة الثواب فيكون تجوّزا في الجار، لتشبيه عموم الثواب و شموله بعموم الظرف، و إن كان المراد منها الجنّة، فيكون تجوّزا في المجرور دون الجار.
و لكن لا فائدة في هذا النزاع، فإنّ كليهما يدلان على العموم و الشمول، و إنّ الجار للظرفيّة.
و أمّا «صراطا» في قوله تعالى: صِراطاً مُسْتَقِيماً إمّا منصوب على أنّه مفعول ثان لفعل محذوف مقدّر، أي: يعرفهم، أو مفعول ثان ليهديهم لتضمّنه معنى يعرفهم.
و قيل: إنّ الهداية تتعدّى إلى مفعولين حقيقة، فلا حاجة الى التضمين.
و قيل: إنّه بدل من (إليه) المتعلّق بمقدّر، أي مقرّبين إليه.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل: يدلّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ على أنّ ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله هو الحقّ الّذي يجب الاعتقاد و العمل به، و أنّ العقل ينكر الابتعاد أو التعدّي عنه؛ لأنّ ما هو المخالف له يكون باطلا و يجب تركه، و أنّ دعوته صلّى اللّه عليه و آله عامّة لجميع الناس من دون استثناء.
و إطلاق الحقّ يشمل جميع ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله من المعارف الإلهيّة، و التوجيهات الربوبيّة، و الأحكام التشريعيّة، و ما جاء به في شأن الأنبياء و المرسلين، فتكون الآية المباركة توطئة لردّ ما اعتقده النصارى في المسيح عليه السّلام، و الى هذا يشير قوله تعالى في ما يأتي: وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فإنّ الحقّ في الموردين يرمز الى أمر واحد، و هو الّذي أنزله على الرسول و ما جاء به من عند اللّه تعالى.
الثاني: يدلّ قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ على أنّ الإيمان الّذي بيّنه عزّ و جلّ في ما سبق من الآيات المباركة، و ذكر فيها أصوله و ركائزه هو الوسيلة الوحيدة الّتي تجلب الخير و توصل الى السعادة، و أنّ حقيقة الخير تكمن في الإيمان باللّه إيمانا صحيحا على النحو المطلوب، و أنّ ما سواه- و هم و سراب- لا حقيقة له، و إطلاقه يشمل جميع الأنحاء الخير الدنيوي و الاخروي، المادي و المعنوي. و هو يدلّ على أنّ الإيمان مطلوب بالفطرة، كما أنّ الإنسان يطلب الخير بفطرته و طبيعته.
الثالث: يدلّ قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ على النهي في الغلو في الدين مطلقا من أي ملّة كان؛ لأنّ وصفهم بأهل الكتاب إنّما هو تذكير لهم بأنّ من كان كذلك لا بدّ أن يلزم بما جاء في الكتاب و لا يتعدّى عنه، و هذا المناط موجود في أهل القرآن أيضا، فيجب عليهم الاعتقاد بما جاء فيه و يحرم عليهم الغلو في دينهم.
الرابع: يشمل قوله تعالى: وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ على برهان قويم من البراهين الدالّة على التوحيد، و قد ذكره عزّ و جلّ في عدّة مواضع لسعة معناه و لطفه و قربه الى الفطرة، فإنّ وحدة الأثر لشاهد عظيم على وحدة المؤثّر، فهو من أتمّ الدلالة على التوحيد؛ لأنّ وحدة النظام و وحدة المسير و الغاية و الهدف في المخلوقات لدليل على أنّ لهذه المخلوقات خالقا واحدا جامعا لجميع صفات الكمال و منزّها عن مجانسة مخلوقاته، و إلّا كان كأحدها يصيبه ما يصيبها، و لعلّه الى هذا يشير قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء، الآية: 22]، فإنّ لكلّ إله أثره الخاصّ به، فتختلف الآثار و يختل النظام، و هذا خلاف ما نراه في السموات و الأرض، فوحدة النظام تدلّ على وحدة الخالق.
ثمّ إنّ إحاطة ملكه تعالى على الأشياء و آثارها و استسلامها تحت إرادته و قهّاريته و تسخيرها في المسير الّذي حدّده عزّ و جلّ بها، كلّ ذلك يعطي في الكفر و الإيمان و الطاعة و المعصية معاني لطيفة، فإنّها لا تخرج بالمعصية عن قهّاريته جلّت عظمته، و لا توجب خروجها عن مسيرها التكويني و الهدف الّذي حدّده عزّ و جلّ لها، و إنّما يكون للإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية آثارها الوضعيّة الّتي تؤثّر في الموجودات ما سواه تعالى، و هو جلّ شأنه منزّه عن تلك الآثار، فهو المالك لأمرها و يدبّر شؤونها و يحيط بها، يثيب المحسن بإحسانه و يعاقب المسي‏ء بآثامه.
الخامس: يدلّ قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ على النهي عن التقوّل على اللّه تعالى إلّا بما أذن به عزّ و جلّ، فلا يجوز نسبته (تعالى) الى ما لا يرضيه، و يستفاد منه أنّ نسبة ما لا يليق بشأن الأنبياء إليهم هو تقوّل على اللّه تعالى؛ لأنّهم رسله و وسائط فيضه، كما أنّ الغلو في الدين الّذي أنزله اللّه تعالى على رسله هو قول على اللّه بغير الحقّ، فهذه الآية الشريفة تشمل كلّ أمر ينسب إليه عزّ و جلّ، سواء كان متعلّقا بذاته المقدّسة، أم صفاته العليا، أم بشأن الأنبياء العظام عليهم السّلام، أم بما يتعلّق بكتبه و شرائعه المقدّسة إذا لم يكن مأذونا منه، فهو تقوّل على اللّه تعالى.
السادس: يتضمّن قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ على براهين متعدّدة تدلّ على نفي الوهية المسيح عيسى ابن مريم: الأوّل: كونه مولودا و متكوّنا في رحم امرأة و منسوبا إليها، و ينزّه الإله عن أن يكون كذلك، و يدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فإنّ المسيح مولود من امرأة و منسوب إليها.
الثاني: أنّه مخلوق حادث و كان خلقه لأجل تعلّق الأمر به، يدلّ عليه قوله تعالى: وَ كَلِمَتُهُ، و الخلق و الحدوث من صفات المخلوقين دون الإله العظيم القدير.
الثالث: أنّه مركّب من بدن مثالي خارجي تكوّن في الرحم، و روح قدسيّة أفاضها اللّه تعالى عليه في غاية النزاهة و الطهارة، و هي مخلوقة من أمر اللّه تعالى، و التركّب من صفات المخلوق الحادث، و ينزّه الإله العظيم عنه، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ رُوحٌ مِنْهُ.
و الحاصل: أنّ عيسى عليه السّلام ليس إلّا عبدا كسائر العبيد، أنعم اللّه تعالى عليه حيث جعله آية، بأنّه خلقه من غير أب كما خلق آدم عليه السّلام كذلك، و شرّفه بالنبوّة، و صيّره عبرة عجيبة، قال تعالى في شأنه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [سورة الزخرف، الآية: ٥۹].
و قد دلّت الآية الشريفة على قدسيّة المسيح عيسى بن مريم و مكانته العالية، حيث كان موردا للفيض و الإفاضة، و قد اختاره اللّه تعالى رسولا هاديا و لا يمكن أن يكون الاتّحاد و الحلول فيه، فهذه الآية الشريفة بايجازها البليغ تضمّنت من البراهين العقليّة ما يدلّ على نفي كلّ ما قاله النصارى في المسيح من الألوهية و الحلول و الاتّحاد، و كونه ابنا له جلّ شأنه.
السابع: يدلّ قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا على التوحيد و نفي الشرك، و نفي ولدية المسيح له عزّ و جلّ، و قد أشار تعالى إلى أمر فطري، و هو أنّ الإله الّذي يستحقّ العبوديّة و التعظيم يجب أن يكون مستجمعا لجميع صفات الكمال و منزّها عن كلّ النقائص، و لا يعقل أن يكون متعدّدا و إلّا استلزم الخلف، و يدلّ عليه قوله‏ تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ، و مع ذلك فقد ذكر عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة أمورا ثلاثة تدلّ على التوحيد، و نفي الشرك، و نفي كون المسيح ابنا له.
منها: قوله تعالى: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، فإنّه يدلّ على انتفاء الولد مطلقا و استحالته عليه؛ لأنّ الولد يماثل أبيه في سنخ ذاته؛ لأنّه متكوّن منه، و هذا يدلّ على الإمكان و الحدوث و نسبة صفات المخلوقين له، و هو منزّه عنها لأنّه أحد، فرد، صمد، ليس كمثله شي‏ء.
و منها: قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ فإنّه يدلّ على إحاطة ملكه على جميع ما سواء تعالى، خلقا و تدبيرا و تصريفا، و احتياجها له و استغناؤه عزّ و جلّ عنها فلا يحتاج الى الشريك و الولد، بل لا يماثله شي‏ء من الأشياء فلا ولد له.
و منها: قوله تعالى: وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا فإنّه يدلّ على احتياج الخلق إليه لتدبير شؤونهم و هدايتهم الى ما هو الخير لهم و إرشادهم الى سعادتهم، فإنّ ذلك يكفي استغناءه عن الولد و الشريك، بل إنّ التفكّر في معنى الألوهيّة و الربوبيّة يكون كافيا في الحكم بانتفاء الولد عنه عزّ و جلّ من دون احتياج الى برهان آخر، و لعلّ تذييل هذه الآية الشريفة بهذا الأمر لإرجاع الإنسان الى الوجدان و التفكّر في عظمة الباري عزّ و جلّ ثم الحكم بعد ذلك، و هذا من البراهين الاقناعيّة و الأمور التربويّة الّتي اعتمد عليها القرآن الكريم لإرجاع الإنسان الى رشده، و له الوقع الكبير في النفوس المستعصية، و قد ذكر في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم.
و كيف كان، فهذه الآية المباركة تدلّ على توحيد اللّه تعالى و تنزيهه عمّا نسب إليه النصارى. مع أنّ الديانة المسيحيّة الصحيحة ديانة مبنيّة على التوحيد الخالص، و لكن يد التحريف دخلت في كتبهم فحرّفت ما كان منافيا لعقيدتهم من التثليث و الاتحاد و الحلول، و قد نبّه القرآن الكريم الى ذلك و برّأ عيسى بن مريم من قول اليهود و النصارى، قال تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [سورة مريم، الآية: ۳٤]، و في المقام نهى سبحانه و تعالى عن قول‏ التثليث لمنافاته لملّة إبراهيم المبتنية على التوحيد الخالص، و أمرهم بابتغاء ما هو الخير لهم، فقال عزّ و جلّ: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، و لعلّ الخير هذا يشير الى ما ورد في صدر الآية الكريمة من قول الحقّ و الإيمان به، قال تعالى فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.
الثامن: يدلّ قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ على أنّ المسيح عيسى بن مريم خارج عن حقيقة الألوهيّة و داخل في حقيقة العبوديّة، فهو إنسان كسائر البشر، فاز بالنبوّة و الرسالة، و هو يستنكف عن أن يقال بأنّه ثالث ثلاثة؛ لأنّه ينافي العبوديّة الّتي يعترف بها و يعلم علما قطعيا بأنّه سيحشر إليه تعالى فيحاسبه على أعماله، فلا بدّ له من أن يعمل بمقتضى العبوديّة، فيؤمن به و يتّقيه و إلّا لم يجد وليا و لا نصيرا.
فهذه الآية المباركة برهان آخر يدلّ على نفي الألوهيّة عنه؛ لأنّ الإله لا يكون عبدا يخاف من مولاه، و لكنه يختلف عن سائر البراهين المتقدّمة في أنّه مأخوذ من اعتراف المسيح و النصارى به فيحاجّون به.
و قد جمعت هذه الآيات الشريفة على جميع أقسام البراهين العقليّة المعروفة- مضافا إلى البرهان الوجداني النابع من صميم الفطرة و واقعها- الدالّة على توحيد اللّه تعالى، و نفي الشرك، و الحلول، و الاتّحاد، و نفي الولد عنه مطلقا.
و لا تختصّ هذه البراهين بخصوص هذا المورد، فيشمل كلّ مورد يدعي فيه تلك المزاعم.
التاسع: يدلّ قوله تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا (عن عبادته) أنّ الاستكبار عن عبادة اللّه تعالى يوجب انقطاع العصمة بينه جلّ شأنه و بين المستكبرين عن عبادته، فلن يجد له وليا و لا نصيرا ليشفع و يرفع عنه العذاب و يكون واسطة لردّ العصمة بينه و بين مولاه عزّ و جلّ.
العاشر: يدلّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ على الدعوة العامّة لجميع الناس، و هو يدلّ على عصمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، فإنّه البرهان الّذي يكون منزّها عن الخطأ و الزيف و عاصما لغيره من الوقوع في الضلال.
الحادي عشر: يدلّ قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ على أنّ الحقيقة الّتي لا بدّ أن يذعن بها الناس هي الإيمان باللّه و الاعتصام به لطاعته و العمل بأحكامه الشرعيّة، و هو الخير الّذي أمرنا عزّ و جلّ بابتغائه، و غير ذلك باطل و لا يجدي نفعا. و لعلّ ذكر الآية المباركة في ختام هذه السورة لكونها جامعة لجميع الحقائق الموجودة فيها.
الثاني عشر: يدلّ قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أنّه عند اليهود ثاني اثنين، كما في قوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: 30]، و ذلك لاشتراكهما في الشرك في الجملة.
الثالث عشر: قد تكرّر كثيرا في هذه السورة مادة [خ ي ر]، و كان الغالب في ذلك الآيات المباركة الأخيرة، و لعلّ الوجه في ذلك أنّ هذه السورة تشتمل على كثير من الأحكام الشرعيّة- و هي متفرّدة من هذه الجهة- و لا شكّ أنّ الأحكام هي خير للبشرية، و لأجل ذلك كرّرت الكلمة فيها. أو لأجل المعارف المذكورة فيها، و لا شكّ أنّها خير، أي خير أسمى منها! أو لأنّ غالب آياتها في العقائد الموصلة الى الحقّ- كما في الآيات المتقدّمة و غيرها- و الكاشفة عن الحقيقة و الواقع، و ذلك هو المصداق الحقيقي للخير. و اللّه العالم.

في المجمع للطبرسي سمّي عيسى المسيح؛ لأنّه ممسوح البدن من الأدناس و الآثام كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.
أقول: المراد من الأدناس جميع أقسامها- الظاهريّة- كالجنايات، و الباطنيّة و سائر الصفات الرديئة من الجهل، و الحرص، و الشره و الأخلاق الذميمة.
كما أنّ المراد من الآثام مطلقها، سواء أ كانت من الأفعال الّتي توجب البعد عن ساحة قدسه جلّ شأنه المبطئة للثواب، أم من الأمور النفسانيّة، فإنّ قلوب الأنبياء في التوجّه الدائم معه سبحانه و تعالى، بخلاف قلوب غيرهم كما تقدّم مكرّرا.
و سمّي الدجال مسيحا أيضا؛ لأنّه مسح عنه القوى المحمودة من العلم و الحلم، و الأخلاق الجميلة، و الصفات الحميدة، و المثل السامية.
و قيل: سمّي عيسى بن مريم مسيحا لكونه ماسحا في الأرض، أي: ذاهبا فيها، فإنّ أغلب الأنبياء كانوا مشّائين و سائحين بسيرهم في الأرض- كإبراهيم و موسى، و عيسى عليهم السّلام و غيرهم، و لعلّ السرّ في ذلك أنّه أسهل في إبلاغ ما أمروا به بإفشاء الحجّة على جميع من سكن هذه البسيطة.
و قيل: سمّي عيسى بن مريم مسيحا؛ لأنّه عليه السّلام كان يمسح ذا العاهة فيبرأ و لذلك سمّي به، و قيل غير ذلك.
و المسيح بالعبرانيّة: (مشيح)، كما أنّ موسى عليه السّلام (موشي).
و في الكافي بإسناده عن حمران قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: وَ رُوحٌ مِنْهُ؟ قال: روح اللّه مخلوقة خلقها في آدم و عيسى».
أقول: إضافة الروح إليه جلّت عظمته إضافة تشريفيّة؛ لأنّها مخلوقة بإرادته عزّ و جلّ، كقوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ أو يا عِبادِيَ*، و تقدّم أنّ خلق عيسى بن مريم كان بكلمة (كن) التكوينيّة الفعليّة، و لذلك تشرّف عليه السّلام بمعجزات خاصّة كإحياء الموتى، كما تشرّف آدم عليه السّلام بنبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و بثّ النسل منه كما مرّ في أوّل السورة، و يدلّ الحديث على نفي القدم الّذي هو من صفات الألوهيّة عن عيسى عليه السّلام.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، أي: لا يأنف أن يكون عبدا للّه وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
أقول: أي: أنّ المسيح لا يمتنع أصلا عن أن يكون عبدا للّه تعالى و يخضع بالتشرّف للعبوديّة، و تقدّم معناها و مراتبها في التفسير مكرّرا.
و في الدلائل للبيهقي عن ابن مسعود قال: «بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى النجاشي و نحن ثمانون رجلا و معنا جعفر بن أبي طالب و بعثت قريش عمارة، و عمرو بن العاص و معهما هدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له و بعثا إليه بالهدية، و قالا: إنّ ناسا من قومنا رغبوا عن ديننا و قد نزلوا أرضك، فبعث إليهم حتّى دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقالوا: ما لكم لم تسجدوا للملك؟! فقال جعفر: إنّ اللّه بعث إلينا نبيّه فأمرنا أن لا نسجد إلّا للّه، فقال عمرو بن العاص: إنّهم يخالفونك في عيسى و امه، قال: فما تقولون في عيسى و امه؟ قالوا: نقول كما قال اللّه: هو روح اللّه و كلمته ألقاها الى العذراء البتول الّتي لم يمسّها بشر، فتناول النجاشي عودا فقال: يا معشر القسيسين و الرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذه، مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده، فأنا اشهد أنّه نبي، و لوددت أنّي عنده فأحمل نعليه، فانزلوا حيث شئتم من أرضي».
أقول: لا شكّ أنّ انقياد النجاشي للواقع كان من أثر تلك الحقيقة الكائنة في نفس المرسل صلّى اللّه عليه و آله، و قد تجلّى في رسوله الّذي له الأهليّة للتجلّي بها و إظهار الحقّ و بيان الواقع، و نسأل اللّه جلّت عظمته أن يتجلّى فينا بتلك الحقيقة و يرزقنا قبسا من ذلك النور لنهتدي به في عالم الدنيا و الآخرة.
و في تفسير العياشي بإسناده عن عبد اللّه بن سليمان قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً، قال: البرهان محمد صلّى اللّه عليه و آله، و النور علي عليه السّلام، قال: قلت له: صِراطاً مُسْتَقِيماً، قال: الصراط المستقيم علي عليه السّلام».
أقول: قد ثبت في محلّه أنّه من أقسام العلل العلّة المبقية للشي‏ء، و العلّة المظهرة له أو المبيتة للشي‏ء، و لا شكّ عند المسلمين بل و عند غيرهم من الّذين سيّروا التاريخ الصحيح و ساروا فيه أنّ عليا عليه السّلام بلّغ دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و بيّنه بلسانه و فعله و أخلاقه بل بوجوده، فلا غرو أن يكون صراطه و منهجه صراط محمد صلّى اللّه عليه و آله و منهجه، فيكون نورا تهتدي به الامة.
و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق و ذكر أكمل الأفراد و أجلّها، لا من باب التخصيص كما هو واضح، و قد فسّر النور بالكتاب أيضا، و ذلك من باب التطبيق أيضا.

الآيات المباركة المتقدّمة من جلائل الآيات الّتي نزلت في شأن المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام الّذي اختلف فيه اختلافا كبيرا، فقد أبغضته اليهود حتّى رموه بما لا يليق بشأنه، و قدّسته النصارى حتّى ادّعوا فيه الألوهيّة و أنّه ابن اللّه و هو ثالث ثلاثة و كلا الفريقين غلوا في دينهم كما حكي عزّ و جلّ عنهما في القرآن الكريم، لا سيما هذه السورة المباركة، و أمرهم باتّباع الحقّ في عقائدهم و أقوالهم و نهاهم عن الغلوّ في الدين؛ لأنّ الإيمان بأنبياء اللّه تعالى- بكونهم رسلا مبشّرين و منذرين، و أنّهم عباد مكرّمون خصّهم اللّه عزّ و جلّ بالفيض- أحد أركان الإيمان المطلوب، قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [سورة البقرة، الآية: 283].
و قد أشار سبحانه و تعالى في هذه السورة الى بعض ما اعتقده النصارى في المسيح، و خصّ بالذكر مسألة الصلب و الفداء و بيّن الحقّ فيها، و مسألة ألوهيته و أنّه ثالث ثلاثة و نهاهم عن القول فيها فضلا عن الاعتقاد بها، و إنّما خصّهما بالذكر لأهمّيّتهما في دينهم، و لأثرهما العميق في عقيدتهم، و لدلالتهما على بعدهم عن الحقيقة و الواقع، و شهادتهما على تحريفهم لكتبهم المقدّسة، و نهاهم عن قول ما يوجب الانحراف عن الواقع و الإعراض عن ما أنزله اللّه تعالى. و قد ذكرنا في أحد المباحث السابقة بعض ما يتعلّق بمسألة الصلب و الفداء، و تعرّضنا لما ذكره المسيحيون فيها و ناقشناهم فيها فراجع.
و في هذا البحث نذكر ما يتعلّق بمسألة الوهيّة المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام الّتي لا تقلّ أهميّة عن سابقتها إن لم تكن بأعظم منها؛ لأنّها تمسّ عقيدة التوحيد الّتي بنيت عليها الأديان الإلهيّة، و لأثرها الخطير في الأحكام الشرعيّة، و لتأثيرها في النفوس و إطفاء نور الفطرة فيها.
و قد عالج جلّ شأنه هذه المسألة في آيات محكمة ذات أسلوب بلاغي رائع، فذكر خلق عيسى بن مريم، و رسالته، و أنّه عبد من عباد اللّه تعالى لا يستنكف عن عبادته، و بيّن الحقّ فيها و أقام الحجج و البراهين عليه، و نهاهم عن القول بالتثليث، فأثبت عقيدة: «لا إله إلّا اللّه» الّتي لم ينفك القرآن الكريم عن الدعوة إليها.
و نذكر في هذا البحث الألوهيّة في القرآن الكريم و ما ذكره عزّ و جلّ في شأن هذا النبي العظيم الّذي يعد معجزة إلهيّة في جميع أحواله من خلقه و ولادته و مبعثه و رفعه الى السماء، ثم نذكر عقيدة المسيحيين و ما يتعلّق بها، كما نبيّن وجه البطلان فيها، ثم نذكر مآخذ هذه العقيدة و السبب في دخولها في المسيحيين إن شاء اللّه تعالى.
الإله في القرآن الكريم:
يعدّ القرآن المجيد من أمتن الكتب الإلهيّة و أعظمها في معالجة مسألة الألوهيّة و بيان خصائصها، فقد أثبت الإله الواحد الأحد و أشاد بعقيدة التوحيد و أسّس أسسها و قواعدها، و أقام دعائم الوحدانيّة و استدلّ عليها بأدلّ و براهين متعدّدة، الفلسفيّة منها و الوجدانيّة و الطبيعيّة و غيرها، حتّى جعلها أقرب الأمور الى النفوس و أعذبها إليها، و رفض الشرك بجميع أشكاله و عدّه من الظلم العظيم الّذي لا يغفر، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* و اعتبره أمرا مرفوضا بالفطرة، و له آثار وضعيّة جسيمة على الإنسان و بقية المخلوقات، و حاجّ المشركين بجميع أصنافهم.
و أمّا التوحيد، فقد أودعه في الفطرة الإنسانيّة و أخذ العهد من بني آدم على تثبيته اعتقادا و عملا، فصار أمرا فطريا لا يقبل الإنكار، و لا محالة يلجأ إليه الإنسان عند ما تشتدّ به الحاجة و تنجلي عنه ظلمة الجهل مهما كابر و عاند، و عظّم القرآن الكريم أمر التوحيد ببيان جميع جوانبه، فأقام أركانه بإثبات الخالق العظيم و بيان صفاته عزّ و جلّ، و ذكر قواعدها و بيّن خصوصياتها و قسّمها إلى صفات كماليّة يتّصف بها الباري تعالى، و صفات جلالية منزّه عنها سبحانه و تعالى، و ذكر من أفعاله و آثاره و إبداعه في خلقه ما يدلّ على علمه الأتمّ و حكمته المتعالية و قدرته التامّة و قهّاريته العظمى و قيّوميته الكاملة، بحيث لا يدع مجالا للشكّ في وجوده و وحدانيته و استجماعه لجميع الصفات العليا الجماليّة، فليس كمثله شي‏ء، و برّأ ساحته عن مجانسة مخلوقاته مهما بلغت من الكمال؛ لأنّها خلقه عزّ و جلّ يدبّر أمرها- إيجادا و إبقاء و إعداما- إلّا أنّ مسألة الألوهيّة مع كثرة اهتمام القرآن بها و تبسيطها الى أقرب الحدود، لكنها لا تخلوا من تعقيدات؛ لأنّها من الأمور الغيبيّة الّتي يتطرّق إليها الظنون و الأوهام، فلم تنج من شبهات الملحدين و زيغ المبطلين، فلا بدّ للمؤمن الّذي يعتقد بهذه المسألة الّتي لها الأثر الكبير في حياته الدنيويّة و الاخرويّة، كما يجب على المفكر الباحث أن يستقي المعلومات فيها من عين صافية بعيدة عن كلّ زيغ و ضلال.
و قد حدّد القرآن الكريم مصادرها، و هي إمّا الوحي من اللّه تعالى العالم بجميع الحقائق، و هذا خاصّ بمن اصطفاهم اللّه تعالى و ليس لغيرهم نصيب منه. أو يكون رسولا اصطفاه اللّه تعالى بالرسالة، و أفاض عليه من أنواع العلوم و المعارف الإلهيّة و حلّة الأمانة الكبرى لتبليغ شرائعه و تعليماته و توجيهاته إلى الناس، و أيّده بالمعجزات و خوارق العادات ما تثبت دعاويه، و هذا يختصّ بالحاضرين في عصره، فلا يشمل الغائبين المعدومين. أو يكون كتابا سماويا احتوى جميع ما يوجب رقي الإنسان و رشده الى كماله و سعادته في الدارين، و يشترط فيه أن يكون‏ مأمونا من التحريف، و هو ينحصر القرآن الكريم الّذي اتّفقت الامة على سلامته و أمنه من كلّ تحريف و بطلان، فكان معجزة إلهيّة من جميع جوانبه كما هو معلوم.
و أمّا سائر الكتب الإلهيّة، فقد ثبت تحريفها بأدلّة كثيرة مذكورة في محلّها إلّا أنّ القرآن الكريم لما لم يمكن فهم مقاصده بسهولة، فلا بدّ أن يرجع في تفسيره و بيان مقاصده إلى من نزل القرآن المجيد عليه الّذي علّمه اللّه تعالى جميع رموزه و علّمه من أسرار التأويل ما يزيل كلّ شكّ و ريب. هذا موجز الكلام في هذه المسألة المهمة العظيمة و للتفصيل موضع آخر.
و من جميع ما ذكرناه يعرف أنّ الإله في القرآن الكريم لم يكن أمرا وهميّا كما يدّعيه بعض، و لا أمرا نسبيا كما يدّعيه آخرون، بل هو حقيقة واقعيّة، فهو الإله الواحد الأحد الّذي عرّفه القرآن الكريم بأمور أربعة لا يمكن أن تتحقّق في غيره.
الأوّل: أن يكون الإله واحدا أحدا لا مثل له و لا شبيه و لا ندّ له، فلو كان غير ذلك لظهر الفساد في الخليفة، قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 22]، و لبان الاحتياج في الخالق، و هو منفي بالوجدان.
الثاني: أن يكون مستحقّا للعبوديّة؛ لكونه الخالق العظيم العليم الحكيم الغني الّذي لا يستغني عنه غيره و هو مستغن عنه، قال تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 23]، و قد ذكرنا ما يتعلّق به في سورة الفاتحة فراجع.
الثالث: أن يكون مستجمعا لجميع صفات الكمال- كالعلم و الحياة و القدرة و نحوها و إلّا استلزم الخلف، و تقدّم في آية الكرسي- ۲٥٥ من سورة البقرة ما يتعلّق بذلك.
الرابع: أن يكون منزّها عن جميع صفات الجلال- كالزمان و المكان و الجسميّة- و إلّا احتاج الى غيره، و هو ينافي الألوهيّة.
و في الآيات الّتي تقدّم تفسيرها يبيّن عزّ و جلّ جملة من الصفات الكماليّة و الجماليّة.
منها: أنّه إله واحد؛ لأنّه اللّه المستجمع لجميع الصفات الكماليّة، قال تعالى:
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ، فليس له شريك و لا نظير و لا ولد.
و منها: أنّه مالك لما في السموات و ما في الأرض- خلقا و تدبيرا و تصريفا و إبقاء و إفناء- فهو الغني عن خلقه و هم محتاجون إليه و لا يحتاج الى معين أو ولد، و يدلّ على ذلك آيات كثيرة أيضا.
و منها: أنّه الولي على خلقه يدبّر شؤونهم و القيّم عليهم؛ فإذا كان اللّه تعالى واجدا لهذه الصفات الكريمة فلا يحتاج الى ولد، و هو منزّه عن أن يكون له ولد؛ لدلالته على احتياجه و اتّصافه بصفات المخلوقين، و لا يعقل الإله أن يكون كذلك.
و قد تقدّم في التفسير ما يتعلّق بذلك أيضا فراجع، فإذا ادّعى أحد الألوهيّة، فهو يرجع إمّا إلى تنزيل مقام الألوهيّة الى مقام الخلق، و هو خلف. و إمّا رفع المخلوق الى مقام الخالق الإله، و هذا أيضا باطل.
المسيح في القرآن الكريم:
عظّم القرآن المجيد الإنسان و أسمى شأنه و ميّزه من سائر مخلوقاته و أعزّ به، فقال جلّ شأنه: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، الآية: ۱٤] و لم يعظم سائر مخلوقاته بمثل ما عظّم هذا المخلوق العجيب الّذي منحه العقل و الإرادة، و أودع فيه الأمانة الكبرى الّتي أبت السماوات و الأرض أن يحملنها و أشفقن منها فحملها الإنسان، إنّه كان ظلوما جهولا.
و قد خصّ بعض أفراد الإنسان بالفيض و جعلهم مورد الاستفاضة، و هم الأنبياء الّذين أرسلهم اللّه تعالى لهداية البشر، و أنزل إليهم الكتاب و فيه تبيان كلّ شي‏ء، و اصطفى من الأنبياء بعضا فخصّهم ببعض الفيوضات الخاصّة. منهم عيسى‏ ابن مريم الّذي يعدّ معجزة إلهية في خلقه و حياته و رفعه إلى السماء، فقد خلقه عزّ و جلّ من غير أب و أسباب عادية الّتي لا بدّ من توفرها في سائر أفراد الحيوان، فتعلّقت الإرادة الأزليّة أن يخلقه بكلمة (كن) التكوينيّة من غير سبب مادي عادي تعلّقت بمريم العذراء، فولد منها فكان محتاجا إليها حين الحمل و الولادة و الرضاعة و التربية، ثمّ خصّه بالفيض و اصطفاه بالرسالة، فكان رسولا مبلغا عن اللّه تعالى محتاجا إليه في الفيض و سائر شؤونه، و كان هذا الاصطفاء سببا في زيادة تعلّقه عليه السّلام بخالقه العظيم، فصار عبدا من عباده المخلصين الّذين عرفوا معنى العبوديّة و أدّوا لوازمها و حقوقها فلم يتخطّوا عن تلك، و إلّا خرجوا عن مورد الفيض و هبطوا عن ذلك المقام السامي، فقال تعالى فيه: وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [سورة المائدة، الآية: ۱۱٦]، فهو عبد اللّه تعالى اصطفاه و جعله مورد الإفاضة بخلقه من غير أب كما اصطفاه بالرسالة، فلم يكن له أن يقول ما ليس له فيه حقّ، فلم يدع الألوهيّة لنفسه و لا لامه الطاهرة الّتي هي مثله في الخلق و العبوديّة، و إلّا خرج عن مورد الاصطفاء و لم يف بحقوق العبوديّة، و هذا هو السبب في تعظيم شأن عيسى ابن مريم في القرآن الكريم.
و الآيات الشريفة المتقدّمة تضمّنت أمورا عديدة تدلّ على نفي كلّ ما يدّعي فيه من الألوهيّة و حلول الباري عزّ و جلّ فيه و أنّه ولد اللّه تعالى، و غير ذلك ممّا يدّعيه النصارى في حقّ هذا النبي العظيم، فيخرجونه بها من حدود الإنسانيّة و يجعلونه في مصاف الألوهيّة، فهي الّتي يبطلها القرآن الكريم بوجوه عديدة.
منها: أنّه مخلوق مبارك لم يكن قديما اختصّ بالفيض فصار خلقه معجزة إلهيّة كما عرفت في التفسير، و الإله لا يعقل أن يكون مخلوقا حادثا كما ثبت في الفلسفة الإلهيّة.
و منها: أنّه محدود، فإنّه منسوب إلى امرأة طاهرة هي امه، فهو محتاج إليها في بعض مراحله، قال تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، و تعالى اللّه أن يكون محدودا و محلا للحوادث كما عرفت.
و منها: أنّه مركّب من بدن مثالي خارجي و روح قدسيّة صارت مورد الفيض، قال تعالى: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ على ما تقدّم في التفسير، و الإله منزّه عن التركيب لدلالته على الاحتياج.
و منها: أنّه رسول اللّه تعالى تحمّل الأمانة الكبرى الى الناس يجب عليه تبليغها إليهم، و لا ريب أن جميع ذلك ينافي الألوهيّة، و الولديّة للّه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
المسيح في عقيدة النصارى:
لم يكن المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام فردا عاديا كسائر الأفراد من بني البشر، فقد خصّه اللّه تبارك و تعالى بالكرامة بأن خلقه من غير أب و جعله مورد الفيض القدسي، و أجرى على يديه المعجزات الباهرات، فكانت حياته من حين انعقاد حمله الى رفعه الى السماء معجزة إلهيّة. و لا ريب في ثبوت ما له عليه السّلام من الشرف و المكانة السامية عند المسلمين و المسيحيين على حدّ سواء، فهم جميعا يحترمونه و يجلّونه و يقدّسونه، إلّا أنّ مثل هذا الفرد لا يسلم من التقوّل عليه بما هو خارج عن حقيقته، و الغلو فيه و إخراجه عن طور الإنسانيّة و العروج به إلى مقام الألوهيّة، كما حكى عزّ و جلّ في الآيات الشريفة السابقة، قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [سورة النساء، الآية: 171]، و قد كان هذا النبي العظيم ملتفتا إلى هذه الجهة في حياته على الأرض، فكانت أفعاله و أقواله تدلّان على أنّه إنسان ولد من أنثى و هي مريم العذراء، و أنّه يبقى برهة من الزمن على هذه الأرض ثم يموت كما يموت سائر المخلوقات، و أنّه‏ عبد للّه تعالى و هو ابن الأرض- كسائر أفراد البشر- و ليست سياحته في الأرض إلّا لإعلام هذه الجهة، و قد أخذ المواثيق من حوارييه على عدم التقوّل عليه بعد رفعه كما حكى عزّ و جلّ عنه في عدّة مواضع من القرآن الكريم، و في العهد الجديد الكثير من ذلك، و قد كان أتباعه أثناء حياته على الأرض على التوحيد و لم يعتقدوا فيه إلّا ما كان حقّا، و كذلك كانوا بعد رفعه الى السماء برهة من الزمن حتّى دبّ الخلاف فيهم و اشتدّ الصراع بينهم في تفسير حياته عليه السّلام، فحصلت لهم آراء و مذاهب تشترك كلّها على الغلو فيه و تقديسه بما يقدّس الإله المعبود الحقّ، و لكنّهم مع فرقهم المختلفة في شأنه عليه السّلام مجمعون على التثليث، فيقولون: إنّ اللّه جوهر واحد ثلاثة بالأقانيم الوجود، و الحياة، و العلم، فيريدون من الأب الوجود، و من الروح الحياة، و من الابن المسيح.
و اختلفوا في تفسير هذه المقالة اختلافا فاحشا بعد اتفاقهم على أنّ اللّه تعالى جوهر- بمعنى أنّه قائم بنفسه- غير متحيّز، و لا مختصّ بجهة، و لا مقدّر بقدر، و لا يقبل الحوادث بذاته، و لا يتصور عليه الحدوث و العدم.
و لعلّ منشأ الاختلاف في المسيح عيسى ابن مريم و ادّعاء الألوهيّة فيه يرجع الى امور يعتقدونها فيه عليه السّلام.
الأول: القول بتجسّد الكلمة، أي: أنّ اللّه تعالى تجسّد في المسيح عليه السّلام، و اختلفوا في كيفيّته، فقال بعضهم: إنّ الكلمة قد تجسّدت بمعنى أنّ الإله- اقنوم الابن ثالث الثالوث- الّذي هو واحد حقيقة، و ثلاثة حقيقة قد تجسّد في الأرض و توشّح الطبيعة البشرية فأخذ جسدا من مريم عليها السّلام و بقي اقنوم الأب، و اقنوم الروح القدس في السماء، و بعد ثلاثين سنة انفتحت السماء و نزل اقنوم الروح القدس و حلّ على اقنوم الابن المتجسّد، و بقي الأب في السماء، و صار اقنوم الابن المتجسّد، و اقنوم الروح القدس الحال عليه في الأرض- الى آخر ما ذكروه في المقام.
و قال آخرون: باتّحاد الكلمة بجسد المسيح فولدت مريم العذراء عليها السّلام إلها أزليا، و انقلبت الكثرة وحدة، فالمسيح ناسوت كلّي لا جزئي، و هو قديم أزلي، و هذا القول هو المعروف بينهم باتّحاد اللاهوت بالناسوت.
و قال ثالث: بأنّ الاتّحاد كان بمعنى الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء.
و قال رابع: بأنّه كان بمعنى الإشراق، أي: أرقت كإشراق الشمس من النور و هو قول بعض حكمائهم.
و قال جمع آخر: بأنّ الاتّحاد لم يبطل الأزليّة، فالمسيح إله تامّ، و إنسان تامّ، و هما قديم و حادث و الاتّحاد غير مبطل لقدم القديم و لا لحدوث الحادث، و القتل وقع على الناسوت دون اللاهوت.
و قال جمع آخر: إنّ الكلمة انقلبت لحما و دما، فصار الإله هو المسيح، و رووا عن يوحنا أنّه قال في صدر إنجيله: إنّ الكلمة صارت جسدا و حلّت فينا.
و قال جمع منهم: إنّ اللاهوت ظهر بالناسوت بحيث صار هو هو، و ذلك كظهور الملك لمريم العذراء عليها السّلام المشار إليه في القرآن الكريم: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [سورة مريم، الآية: 17].
و قال بعضهم: بالتركب، أي: جوهر الإله القديم و جوهر الإنسان المحدث تركبا كتركب النفس الناطقة مع البدن فصار جوهرا واحدا، و هو المسيح و هو الإله، فيقولون: صار الإله إنسانا و إن لم يصر الإنسان إلها، و إن مريم ولدت إلها و القتل و الصلب وقعا على اللاهوت و الناسوت جميعا، إذ لو كان على أحدهما لبطل الاتّحاد.
و منهم من قال: بالاتّحاد بين اللاهوت و الناسوت على نحو الظهور، فلم ينتقل من اللاهوت الى الناسوت شي‏ء و لا حلّ فيه، و ذلك كظهور نقش الطابع على الشمع و الصور المرئية في المرآة، فإنّ القول بهذا النحو من التجسّد ممّا أوجب القول بالوهيّة المسيح، بلا فرق في القول بين الاتّحاد أو الحلول أو التركّب، و لشدّة ارتباط بينه عليه السّلام و بين مريم العذراء، فقد ادّعى الألوهيّة فيها، و هذا هو المحكي في‏ القرآن الكريم: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة المائدة، الآية: ۱۱٦]، و كان هذا أصل الأقانيم الثلاثة و القول بالتثليث.
الثاني: من جهة الاختلاف في صفات الباري جلّت عظمته، فقيل: إنّ الأقانيم صفات للجوهر القديم و هي الوجود، و العلم، و الحياة، و عبّروا عن الوجود بالأب، و الحياة بروح القدس، و العلم بالكلمة، و هذا القدر من التفسير لا يدلّ على الشرك، و إن كان باطلا من جهة اخرى كما لا يخفى على الخبير، فإنّ الصفات مهما كثرت، فإنّها عين ذاته المقدّسة، و كذا تفسيره بما ذكروه.
و قيل: إنّ الأقانيم غير الجوهر القديم، و إنّ كلّ واحد منها إله، فصرّحوا بالتثليث، فكلّ واحد إله قديم حقيقة، و إنّ اللّه ثالث ثلاثة تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، و هذا يدلّ على الشرك في الذات، و هو باطل كما هو معلوم.
و قيل: إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد و الأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته و لا نفس ذاته، و إنّ الاتّحاد كان بمعنى الإشراق كما عرفت آنفا، و هذا باطل و لم يعرف له وجه أبدا.
و قيل: إنّ اللّه تعالى واحد و هو الأب، و المسيح كلمة اللّه تعالى و ابنه على طريق الاصطفاء، و هو مخلوق قبل العالم، و هو خالق للأشياء كلّها، و هذا يدلّ على الشرك في الفعل و هو باطل أيضا، كما يدلّ على قدم الحادث و هو فاسد.
و المعروف بينهم أنّ اللّه تعالى هو الواحد الأب صانع كلّ شي‏ء و مالك كلّ شي‏ء و فاعل ما يرى و ما لا يرى، و أنّ المسيح ابن اللّه تعالى الواحد بكر الخلائق كلّها، الّذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها و ليس بمصنوع، إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه الّذي بيده اتّقنت العوالم و خلق كلّ شي‏ء، الّذي من أجلنا- معاشر الناس- و من أجل خلاصنا نزل من السماء و اتّحد مع روح القدس و مريم و صار إنسانا و حبلت به و ولد من مريم البتول، و هذا القول باطل، لاستلزامه انقلاب الحقائق، و تعدّد القدماء، و قدم الحادث.
الثالث: من جهة خلق عيسى عليه السّلام من غير أب و صدور المعجزات الّتي‏ تخرج عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقدّر عليها موصوفا بالإلهيّة.
هذه هي عمدة ما يمكن أن يستفاد من أقوالهم المتفرّقة و آرائهم المتشتّتة في هذه المسألة، و قد خبطوا فيها كثيرا حتّى أخرجوها عن حدود الأدلّة و البراهين، و استدلّوا عليها بأمور عاطفيّة و ادّعاء الرؤية في المقام و غير ذلك ممّا لم يقم عليه برهان، بل ادّعى بعضهم: «بأنّ الوهيّة المسيح فوق المتعقّل، و لكنه معقول»، فإذا لم يكن متعقّلا فكيف يمكن أن يكون معقولا؟! فهل يكون الوهيّة اللّه تعالى الّتي اتّفقوا عليه أمرا غير متعقّل إلّا أن يقال: بأنّ الوهيّة المسيح إنّما تكون كذلك لأنّه إنسان مخلوق حادث و يراد إخراجه عن حدود البشريّة و العروج به الى حدود الإلهيّة الّتي عرفت أنّها تختصّ بالواحد الأحد، و يستحيل أن يصل إليها أحد من المخلوقات.
و كيف كان، فنحن نتعرّض في المقام الى ما يمكن أن نذكره من المناقشات في ما ذكروه إجمالا، و التفصيل في موضع آخر إن شاء اللّه تعالى.
ما يتعلّق بعقائدهم:
ذكرنا جملة من عقائد المسيحيين في السيد المسيح عليه السّلام، و كثير منها إن لم تكن كلّها دعاوي مجرّدة لم يقم عليها دليل إن لم تكن الأدلّة على خلافها، و حاول بعضهم إقامة الأدلّة العقليّة و النقليّة عليها و لكنه لم يأت بشي‏ء جديد سوى إضافة دعاوي جديدة عليها و الاستدلال بأمور عاطفيّة أو عنايات أو بما هو أقرب الى الجدل و السفسطة، كما لا يخفى على من راجعها في كتبهم. و لظهور فسادها اعترف بعضهم بأنّ مسألة تجسّد الكلمة- الّتي هي من أمهات عقائدهم- فوق عقولنا و لكنّه معقول، و لم يعلم وجه هذا القول، فإنّ المسألة إذا خرجت عن حدود فهم البشريّة و كانت فوق عقولهم كيف يمكن أن تكون معقولة و يقام عليها الأدلّة العقليّة؟!.
و كيف كان، فنحن نذكر في المقام بعض القواعد المسلّمة عند جميع العقلاء- بما فيهم المسيحيون أنفسهم- الّتي تدلّ على فساد جملة كثيرة ممّا اعتقدوه في عيسى ابن مريم عليه السّلام، ثم نذكر ما يمكن الردّ عليها.
الاولى: اتّفق الملّيون الّذين يعتقدون بالإله الوحد الأحد أنّ اللّه تعالى ليس بجسم و لا بمتحيّز، و ليس في جهة و لم يكن محلا للحوادث، و قد أقاموا الأدلّة و البراهين القويمة العقليّة و النقليّة على ذلك، و أنّ القول بتجسّد الكلمة ينافي ذلك بلا ريب، فإنّ تجسّد الإله- سواء كان على نحو العينيّة أو الحلول أو التركب أو الإشراق و غير ذلك- يستلزم أن يكون الإله جسما و متحيّزا و في جهة، و أن يكون محلا للحوادث و مشابها لمخلوقاته، إلّا أن يراد بتجسّد الكلمة غير الّذي أرادوا فلا بدّ من بيانه.
الثانية: امتناع قلب الحقائق فإنّه ممّا أجمعت عليه العقلاء، فيمتنع قلب حقيقة الى حقيقة اخرى مخالفة للأولى إلّا بإعدامها. و القول بأنّ المسيح الّذي هو مخلوق حادث صار إلها قديما أزليا يصادم هذه القاعدة المسلّمة.
الثالثة: امتناع حلول صفات القديم بغير ذات اللّه تعالى، فيمتنع قولهم بأنّ الكلمة امتزجت بجسد المسيح و غير ذلك ممّا اعتقدوه في تجسّد الكلمة الأزليّة.
الرابعة: امتناع تعدّد الكلّي الواحد و الإشارة إليه و كونه مرئيا، كما هو مبيّن في علم المنطق، و القول بأنّ عيسى عليه السّلام إنسان كلّي باطل، فإنّ الإنسان الكلّي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي آخر، و قد اتّفق النصارى على كون المسيح مولودا من مريم عليها السّلام، فإن كانت مريم كلّيا كما يدّعيه بعضهم، فإن كان هو عين إنسان المسيح لزم أن يكون المسيح مريم و مريم المسيح، و لزم أن يولد الشي‏ء من نفسه.
و كلاهما باطل، و إن كان إنسان مريم جزئيا، فالكلّي ما كان صالحا لاشتراك الكثرة فيه، فيلزم أن يكون المسيح جزءا من مفهوم مريم و بالعكس، و هو محال.
مضافا إلى أنّ الكلّي لا يمكن أن يقع مورد الإشارة إلّا بالإشارة الى جزئي من جزئياته، أو يقع مورد القتل و التعذيب و الاضطهاد، فإنّه محال.
هذه بعض القواعد المسلّمة عند الجميع، الّتي يستلزم القول بها بطلان جملة كثيرة من معتقدات النصارى في المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام.
و أمّا القول بتجسّد الكلمة الأزليّة، فإنّه مجرّد دعوى بلا دليل، بل الأدلّة قائمة على خلافه، فإنّه إن كان المراد منه حلول الباري القديم عزّ و جلّ في المسيح الحادث و تقمّص جسده، فهو باطل بلا إشكال، و يدلّ على بطلانه ما دلّ على بطلان كون اللّه تعالى جسما، و امتناع حلول الحوادث فيه.
و إن كان المراد منه رفع المسيح الحادث الى مقام الألوهيّة، فهو من انقلاب الحقائق الّذي هو ممتنع عند الجميع، إذ كيف يمكن للمخلوق الحادث أن يكون إلها أزليا قديما.
و إن كان المراد منه إشراقا من اللّه تعالى عليه، فإن كان المراد من الإشراق إشراقا نوريّا كإشراق الشمس، فهو باطل لأنّه من لوازم الجسميّة، و اللّه تعالى منزّه عنها.
و إن كان المراد منه الفيض و نحوه، فهو لا يختصّ بالمسيح، فإنّ آدم عليه السّلام و سائر الأنبياء العظام لهم مثل تلك الفيوضات الربوبيّة، كلّ حسب استعداده.
و أمّا القول بالأقانيم، فإن كان المراد منها صفات اللّه تعالى، فلا بدّ من تطبيقها على القواعد المسلّمة الّتي ذكرت في الفلسفة الإلهيّة، من كونها عين الذات إذا كانت من صفات الذات، و إنّها أزلية أبدية لا يمكن تحديدها بحدّ كما لا يمكن تحديد الذات المقدّسة، و عدم اختصاصها بواحد أو اثنين أو ثلاثة بل المدار على ما ميّزوا به صفات الذات عن صفات الفعل و غير ذلك، فإن كان مرادهم من الأقانيم تلك، فلا مشاحة في الاصطلاح و لكنهم لا يقولون به.
و إن كان المراد تعدّد الآلهة كما يظهر من كلماتهم، فإنّ أدلّة التوحيد تنفي ذلك صريحا كما عرفت آنفا.
و أمّا القول بأنّ خلق المسيح عليه السّلام من غير أب يدلّ على كونه إلها، فإنّ آدم عليه السّلام أبا البشر أحرى بأن يكون إلها على ما يزعمون، فإنّه خلق من غير أب‏ و لا أم و هم لا يقولون بذلك، فليس الخلق من غير أب أو غير أم أو كليهما إلّا لبيان تمام قدرة اللّه تعالى على خلقه.
و أمّا القول بأنّ صدور المعجزات الباهرات و خوارق العادات منه عليه السّلام لدليل على كونه إلها، إذ لم تصدر تلك إلّا من الإله. فهو باطل أيضا، فإنّها إن صدرت منه استقلالا و من دون إقدار اللّه تعالى عليه، فكان أولى له أن يخلّص نفسه من العذاب الّذي حلّ فيه من أعدائه و لم يحتج الى التماسه من أبيه لينجيه من ذلك، كما ورد في العهد الجديد و قد تقدّم في البحث السابق، و إن لم تكن من مقدوراته، فهو عليه السّلام و جميع الأنبياء في هذه الجهة على حدّ سواء، فلم تكن ميزة له، ليدلّ على كونه إلها، و قد صدرت معجزات باهرات من موسى عليه السّلام و لم يدع الألوهيّة فيه، فإن نكروا ذلك فيحقّ لغيرهم أن ينكروا ما يدّعونه في المسيح عليه السّلام و لا يمكنهم ذلك، فإنّه لم يثبت ما يدعونه بأخبار التواتر إلّا ما ورد في القرآن الكريم، و هم ينكرونه و يكذّبون من نزل عليه.
و أمّا الاستدلال على دعاويهم بما ورد في الأناجيل المعروفة عندهم، فيردّ عليه:
أوّلا: أنّه لا بدّ من إثبات ذلك، فإن الأناجيل المعرفة لم تسلم من يد التحريف، كما نطق به التنزيل.
و ثانيا: أنّه معارض بمثله، كما ورد في الأناجيل المذكورة، و لقد كفانا مؤنة ذلك شيخنا الجليل الشيخ البلاغي (طاب ثراه)، فمن شاء فليراجع كتابه (الهدى الى دين المصطفى) و تفسيره القيم (آلاء الرحمن).
و ثالثا: أنّه يمكن تأويله بما لا يصادم القواعد المسلّمة إن أمكن التأويل، و إلّا فيردّ.
هذه خلاصة ما يمكن أن يقال في المقام، و لعلّ ما ورد في القرآن الكريم في شأن المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام بتعابير مختلفة، كنسبته الى امه العذراء الطاهرة؛ للدلالة على كونه منسوبا و مخلوقا كسائر أفراد الإنسان، و إثبات كونه رسولا، و التأكيد على أنّ ما صدر منه من المعجزات إنّما كانت بإذنه جلّ شأنه، كما في سورة آل عمران و المائدة و غيرهما من التعابير الدالّة على كونه فردا كسائر الأفراد، كلّ ذلك لنفي ما يزعمه النصارى و ما يعتقدونه فيه.
أصل عقيدة التثليث:
لا ريب أنّ الشرك و كلّ عقيدة تدلّ عليه ليس لها أصل و لا واقع في الأديان الإلهيّة المبنية على التوحيد و نبذ الأنداد، و إذا ظهر شي‏ء منها في دين إلهي أو أية عقيدة اخرى تتخذ التوحيد أساسا لها، فلا بدّ أن يكون لأحد امور على سبيل منع الخلو:
منها: فقدان المعلم المرشد الّذي يمثّل التوحيد قولا و عملا و يبيّنه بيانا واضحا لا لبس فيه لا تباعه.
و منها: احتكاك الامة مع الأمم الّتي تدين بالوثنيّة و تقليدهم فيها على عمى و جهالة.
و منها: تأويل من لا خبرة له و لا معرفة لما ورد في الكتب الإلهيّة و قول الأنبياء بما يوافق التشريك، فيكون مجالا خصبا لزيغ المبطلين و إفساد المفسدين.
و منها: إدخال الأعداء الآراء الهدّامة في الدين و دسّ الأفكار المضلّة في معارفه و أحكامه، فيكون سببا لاندراس اصول الدين و أركانه حتّى لا يبقى من الدين إلّا اسمه و لا من الكتاب إلّا رسمه، و لكلّ واحد من هذه الأمور طرق و شعب متعدّدة لا يسع المجال ذكرها.
و على ضوء ما ذكرناه تعرف أنّ عقيدة التشريك في النصرانيّة و الّتي هي دين إلهي، لا تخرج عن سائر الأديان الإلهيّة الّتي تتّخذ التوحيد أصلا من أصولها، بل أساس كلّ معتقد و فكرة فيها، ليس لها أساس و لا واقع و إنّما دخلت فيها نتيجة امور و ظروف معيّنة، و قد حكى عزّ و جلّ في القرآن الكريم عن عيسى بن‏ مريم عليه السّلام أنّه كان يأمر بالتوحيد و نبذ الأنداد، فقال تعالى: وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ [سورة المائدة، الآية: ۱۱٦- 117].
و يستفاد من هذه الآية المباركة أنّ عبادة اللّه تعالى الواحد الأحد كانت من أساسيات هذا الدين العظيم، و كان عيسى عليه السّلام يأمر بها و هو الشهيد على ذلك؛ لعلمه بأنّها كانت قائمة عند وجوده فيهم، و أمّا بعد ارتحاله و فقدان المعلم المرشد فيهم، فالأمر كان على خلاف ذلك، فقد دبّ الخلاف فيهم و تعدّدت الأناجيل و كثر المتأوّلون لآياتها، فضلّوا و أضلّوا كما حكى عزّ و جلّ في القرآن الكريم عنهم، و يدلّ عليه بعض الأناجيل أيضا، فقد روى يوحنا في الفصل السابع عشر من إنجيله قول عيسى عليه السّلام: «و هذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك و يسوع المسيح الّذي أرسلته»، و هو يدلّ على أنّ اللّه تعالى واحد، و هو الإله فقط و المسيح رسوله، و هذا هو الّذي دعا إليه القرآن الكريم كما ورد في الآيات الّتي تقدّم تفسيرها. و نقل مرقس في الفصل الثاني عشر من إنجيله أوّل الوصايا:
«فأجابه يسوع أوّل الوصايا اسمع يا اسائيل الربّ إلهنا ربّ واحد»، و هو يدلّ على أنّ عقيدة التوحيد هي المعقول و أساس هذا الدين، فإذا كان شي‏ء يخالف ذلك فلا بدّ من تأويله إن كان قابلا له، و إلّا فهم أولى بتفسير كلمات كتابهم.
و يذكر علماء تاريخ الأديان الإلهيّة أسبابا عديدة لدخول عقيدة التثليث في النصرانيّة، و المعروف بينهم أنّ النصارى كانوا على دين الإسلام برهة من الزمن بعد ما رفع عيسى ابن مريم عليه السّلام الى السماء، و لعلّ الوجه في ذلك أنّه كان بينهم بعض الحواريين الّذين اتّبعوا المسيح عليه السّلام حقّ الاتّباع، و هم الّذين نشروا تعاليمه في البلاد فكانوا أوصياءه عليه السّلام، و بعد غيابهم دخلت تلك العقيدة في النصرانيّة، فقيل: إنّ‏ السبب في ذلك هم اليهود الّذين عرفوا ببغضهم لهذا الدين، فادخلوا فيه هذه العقيدة لهدمه، و كانت لهم أساليب متعدّدة.
و ذكر بعضهم أنّه لما وقعت الحرب بينهم و بين اليهود خرج رجل يقال له بولس، فقتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السّلام، فاحتال لأن يفرّق جمعهم و يشتّت شملهم فأوقع فيهم الخلاف و أضلّهم بهذه العقيدة، على ما هو المذكور في كتب التأريخ.
و قيل: إنّ السبب هو نقل المتنصّرين الّذين دخلوا في النصرانيّة عقائدهم البدائيّة الوثنيّة، فأوّلوا آيات التوحيد و أدخلوا التحريف و التأويل فيها، و تدلّ عليه شواهد كثيرة؛ لأنّ النصرانيّة كانت محاطة بأمم تتّخذ التثليث عقيدة لهم، منهم البراهمة؛ و منهم البوذائيين، و منهم قدماء المصريين، و منهم الرومان، فقد تأثّرت النصرانيّة بعقائدهم. و قيل غير ذلك، فراجع كتب تأريخ الأديان و العقائد و اللّه العالم.

اختلف الفقهاء (قدس اللّه تعالى أسرارهم) في نجاسة الكافر الكتابي و طهارته، كما أنّهم اتّفقوا في نجاسة المشركين من الكفّار بالأدلّة المقرّرة، و إنّ المسألة بجوانبها محرّرة في الفقه مفصّلا.
و بناء على طهارة الكتابي- كما ذهب إليها جمع من الفقهاء- فهل تشمل الأدلّة الدالّة على نجاسة الكفّار من المشركين الكتابي أيضا؛ لقوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ- الى أن قال تعالى- وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة، الآية: 30- 31]، و قوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ و غيرهما من الآيات الشريفة، فيكون الكفّار مطلقا محكومين بالنجاسة أو لا تشملهم؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنّ عنوان الكتابي- من اليهود و النصارى و المجوس- غير عنوان المشرك، لما فيهم نحو إضافة الى الدين أو إليه سبحانه و تعالى و نزول الكتاب بواسطة أنبيائهم، فالكتابي و المشرك عنوانان متقابلان و إن كان بينهما عنوان مشترك- و هو الكفر- و كان بعض عقائدهم يشابه عقائد المشركين، إلّا أنّ الأحكام مطلقا تابعة لعناوين موضوعاتها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئِينَ وَ النَّصارى‏ وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [سورة الحج، الآية: 17]، فأفرد سبحانه و تعالى المشركين عن اليهود و النصارى.
و دعوى: أنّ المراد من الأمم في الآية المباركة غير المنحرفة إلى الشرك، أي دين اليهود الواقعي الّذي جاء به موسى عليه السّلام، أو النصرانيّة الّتي جاء بها المسيح عليه السّلام.
غير صحيحة: لأنّ التخصيص بذلك تخصيص بالفرد المعدوم أو القليل جدا، و إطلاق الآية الشريفة يشمل اليهود و النصارى الموجودين حال نزول الآية الكريمة و بعده، و هما لا يخلوان عن الشرك كما تنصّ الآيات المباركة الكثيرة.
أو تخصيص الأدلّة الدالّة على نجاسة المشركين بالأخبار الدالّة على طهارة الكتابي و فيها الصحيح، و تقدّم مرارا أنّ للشرك مراتب، و أنّ الأدلّة الدالّة على نجاسة الكتابي تحمل على محامل مذكورة في الكتب الفقهيّة المفصّلة.
و أنّ الشرك الّذي محكوم بالنجاسة، و عدم الغفران، و الضلال البعيد، و الحرمان عن الدخول في الجنّة، و وجوب القتل إن تحقّقت شروطه، هو الشرك العظيم الّذي هو الشرك في الذات- أي المعبود- و العبادة، و الصفات- أو إنكار المبدأ بالكليّة- فإذا لم يكن كذلك خرج عن الحكم بالنجاسة و اتّصف بحكم آخر، و لا ينافي ذلك مبغوضيّته عند الشارع.
و بالجملة: أنّ عقيدة الكتابي بالشرك لا تنافي القول بطهارتهم- لو قلنا بها- و القول بنجاسة المشركين كما عرفت من الوجوه، و حتّى لو التزمنا بنجاسة الكتابي فالاستدلال بتلك الآيات- الدالّة على شركهم- بنجاستهم مشكل، فتأمّل جيدا.
هذا كلّه لو قلنا بطهارتهم، و أمّا لو قلنا بنجاستهم فلا موضوع لهذا البحث أصلا كما هو واضح.

تقدّم في أحد مباحثنا العرفانيّة السابقة أنّ للقلب حياة و ممات، و لكلّ منهما علامات تأتي في ضمن تفسير الآيات الكريمة المناسبة لها إن شاء اللّه تعالى. فمن علامات موت القلب الغفلة عن اللّه تعالى، و إرسال الجوارح في معاصيه جلّ شأنه، و عدم المبالاة بالزلّات، و أنّ الجامع الباعث لموته حبّ ما سواه تعالى.
و حياة القلب لا تكون إلّا بمعرفة اللّه تعالى، فكلّما كانت المعرفة أكثر و أعمق تكون آثارها كذلك، و من تلك الآثار ظهور آياته جلّت عظمته بدرك القلب الّذي فيه الحياة لها، و يعبّر عنها بالتجلّي في مصطلح أهل العرفان.
و لم ترد التجلّيات إلّا على القلب الّذي سلم من يد الأغيار في حياته، و استعدّ للواردات الربوبيّة بشهود أنواره، و صار محلا لدرك الإفاضات بصفاته، و لذلك كان ظهور التجلّيات في صنف الأنبياء و الأولياء أكثر من غيرهم لكمال معرفتهم باللّه العظيم و انسهم بخالقهم، و بعدهم عن الأوهام، و خوفهم من سخطه، و تقرّ بهم الى ساحة كبريائه.
و قد فاز بالحظّ الأوفر من التجلّيات الإلهيّة سيد الأنبياء و خاتمهم نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله؛ لكمال استعداده؛ و عظيم معرفته؛ و منتهى أنسه بربّه، كما نصّت عليه الآيات الشريفة الّتي يأتي شرحها و تفسيرها و البراهين العقليّة.
و أعظم تلك التجلّيات كان لإبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام، و أسماها لموسى بن عمران عليه السّلام، قال تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [سورة الأعراف، الآية: ۱٤۳]، ففي الحديث: «انّه برز من نور العرش مقدار الخنصر، فتدكدك به الجبل و صار مستويا بالأرض» أي ترابا، و كذلك لمريم ابنة عمران عليها السّلام، فقد تجلّى ربّها لها بإرسال الأمين و تمثّل بالبشر عندها، فولد عيسى منها بلا أب، و غير ذلك ممّا ظهر لها في المحراب، و أمّا تجلياته جلّ شأنه لعيسى بن مريم فهي كثيرة، من إبراء الأكمه و الأبرص، و خلق الطير، و إحياء الموتى بإذن ربّه، و رفعه الى السماء و غيرها.
و تختلف تلك التجلّيات حسب اللياقة و الصفاء، و الزمان، و الانس بالربّ و حسب المصالح الّتي لا يعلمها إلّا هو جلّت قدرته، كما هي مذكورة في كثير من الآيات الشريفة و الكتب السماويّة المصونة من يد التحريف، و تفصيل ذلك خارج عن موضع هذا الكتاب، و يأتي ما يتعلّق بذلك في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا التجلّيات للمؤمنين، فتختلف حسب اختلاف درجات إيمانهم و حياة قلوبهم و قرب منزلتهم لديه جلّ شأنه، و إن كانت أصولها تنقسم الى أقسام ثلاثة:
الأوّل: التجلّي بعد الانتباه من الغفلة الى اليقظة، و يعبّر عنه بالإقبال، فيغيب عمّا سواه تعالى و لا ينظر إلّا الى آثاره تعالى، و هو المرحلة الاولى للسالكين إليه عزّ و جلّ، و له مراتب متفاوتة، و في كلّ مرتبة درجات.
الثاني: التجلّي بالوصال و هو مختصّ بالأوصياء و الكمّل من الأولياء، و في دعوات الصحيفة الملكوتيّة السجاديّة و دعاء كميل شواهد كثيرة على ذلك، و له أيضا مراتب و في كلّ مرتبة درجات.
الثالث: التجلّي بالفناء، بكشف الحقيقة أو بفناء النفس في جنبه، و هو مختصّ بالخلّص من الكمّل، و الغور فيه بالبحث عنه مزلّة الأقدام، فطوبى لمن نال بقبس من ذلك النور و فاز برشحة منه.
و هناك تقسيم آخر للتجلّي و هو العظيم، و الأعظم، و الأكبر كما ورد في الدعوات المأثورة، و البحث عنه موكول للآيات المناسبة له إن شاء اللّه تعالى.
و عن بعض العرفاء أنّ العوالم كلّها ساحة تجلّياته تعالى، و يدركها الإنسان إن تحقّقت المعرفة، و رفعت الحجب، و أزيلت الأستار، و انفصلت الأغيار عن النفوس، و صفي القلب عن الشوائب، و إلّا فدركها بالعقول المشوبة بالمادّة و النفوس المختلطة بالأوهام غير ممكن، كما قال الشاعر:
و للعقول حدود لا تجاوزها و العجز عن درك الإدراك ادراك‏

قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [سورة الأعراف، الآية: ۹٦]، و في بعض الدعوات المأثورة: «اللهمّ أرنا الأشياء كما هي»، و في الدعاء عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «اللهمّ لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا» هذا.
و لعلّ ما ورد في كلمات المسيحيين من حلول المبدأ جلّ شأنه في المسيح مرادهم التجلّي له، كما حصل ذلك لإبراهيم و موسى عليهما السّلام، و لمحمد صلّى اللّه عليه و آله في المعراج، و إنزال الروح الأمين على قلبه، و انشراح صدره، و تجاوزه قاب قوسين أو أدنى الى غير ذلك من تجلياته، و إلّا فإنّ الحلول محال و غير ممكن كما عرفت سابقا، و يشهد لذلك أنّ مثل هذا التعبير قد وقع في جملة من كلمات مشايخ العرفان و أكابر الصوفيّة، و مرادهم نوع من التجلّي لا الحلول الواقعي كما هو واضح و اللّه العالم بالحقائق و الشاهد على السرائر.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"