1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 15 الى 16

وَ اللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (۱٥) وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (۱٦)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض احكام اليتامى و احكام المواريث و بين شريعة الحق فيها ففي هاتين الآيتين يبين عز و جل حكما اجتماعيا يتعلق بالاجتماع و الإفراد معا، و هو النهي عن الفحشاء و التغليظ على من يأتي الفاحشة و يرتكب هذه المعصية الموبقة و إخلاء المجتمع منها لأنها توجب زوال الحياء و العفة و تستلزم إفساد النسل و الشقاء. و يبين سبحانه و تعالى لزوم اجراء الحد الشرعي على مرتكبها.
و يجمع هذه الآيات المباركة انها تشتمل على الاحكام الشرعية الإلهية التي نزلت لتكميل الإنسان و جلب السعادة له في الدارين، و هذا هو وجه الارتباط بين هاتين و ما سبقتهما من الآيات الكريمة و لا موجب لالتماس وجوه بعيدة عن السياق للتوفيق بينها.

قوله تعالى: وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ.
اللاتي: احدى صيغ جموع (التي) السماعية و هو اسم مبهم للمؤنث و لا يتم إلا بصلته و لا ينزع الالف و اللام منه، و لذا أدخل بعض‏ الشعراء حرف النداء عليه كاسم الجلالة قال:
لأجلك يا التي تيمت قلبي و أنت بخلية بالوّدعني‏

و يأتي في البحث الادبي تتمة الكلام.
و (يأتين) من الإتيان و هو المجي‏ء يكنى به عن الفعل، كما جاءت الكناية عن الفعل بالقرب في القرآن الكريم قال تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ» الانعام- ۱٥۱ و انما عبر به عنه عز و جل لمزيد التهجين، و لبيان ان الفعل صدر عنهم مع القصد و الاختيار.
و الفاحشة: اسم لكل فعل قبيح، بل لكل ما اشتد قبحه من المعاصي و هي مصدر كالعافية و العاقبة و قيل اسم وضع موضع المصدر.
و هي إما تصدر من الذكرين و تسمى باللواط و التفخيذ أو تصدر من الأنثيين و تسمى مساحقة أو بين الذكر و الأنثى و تسمى بالزنا، و قد استعملت في القرآن الكريم في جميع تلك الموارد ففي الزنا قال تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا» الإسراء- 32 و في اللواط و السحق قال تعالى: «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» العنكبوت- 28.
ثم ان المحتملات في المراد من الفاحشة في الآيتين ثلاثة:
الاحتمال الاول: ان يكون المراد منها الزنا، و هذا هو المعروف بين المفسرين و الفقهاء و استدلوا على ذلك بأمور:
منها: ان الزنا هو المعهود من اطلاق لفظ الفاحشة.
و منها: مناسبة المقام تقتضي ان يكون المراد منها الزنا.
و منها: ظهور الآية المباركة في ان الحكم فيها مؤقت و انه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور حيث قال تعالى في المقام «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» و السبيل ما ورد في سورة النور: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي‏ فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» سورة النور- 2.
و منها: الروايات المتعددة التي تدل على ان المراد منها الزنا فقد روى كبار المحدثين من الجمهور عن عبادة بن الصامت في حديث:
«ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اوحي اليه، و لما سرى عنه الوحي فقال (صلى اللّه عليه و آله): «خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا: الثيب جلد مائة و رجم بالحجارة، و البكر جلد مائة ثم نفي سنة» و مثله غيره.
و في الكافي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث: «ان سورة النور نزلت بعد سورة النساء قال اللّه تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» فالسبيل الذي قال اللّه تعالى هو: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» و في تفسير العياشي عن جابر عن الباقر (عليه السلام). «جعل السبيل الرجم أو الجلد» و غير ذلك من الروايات.
و اصحاب هذا القول اختلفوا في تعيين المراد من الآيتين فقيل ان الاولى في زنا المحصنات لتخصيص النساء بالذكر دون الرجال، و شيوع اطلاق النساء على ذوات الأزواج لا سيما إذا أضيفت إلى الرجال كما في قوله تعالى: «مِنْ نِسائِكُمْ» و الآية الثانية متعرضة لحكم الزنا من غير إحصان، فيكون الحكم المذكور في الآية الاولى مؤجلا إلى ان يجعل اللّه لهنّ سبيلا، فان المراد من السبيل الحكم الالهي المبين بالوحي أو السنة المقدسة، و لا يسمى هذا نسخا. و المراد من قوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ» ترغيب الأولياء إلى النهي عن المنكر و ردعهن عن الفاحشة و تربيتهن تربية صالحة حتى يأتي حكم‏ آخر و حينئذ فان تابت فلا حد و إلا فيجري عليها الحد.
و المراد من الإيذاء مطلق ما يوجب الاذية من الضرب و الحبس و التعبير بالقول و الاهانة و نحو ذلك و على هذا تكون الآية منسوخة ببيان الحد في سورة النور و هو الجلد.
و قيل: ان الاولى تتعرض لبيان حكم الزنا في الثيب و الثانية لبيان حكم الأبكار؛ و حينئذ يكون المراد بالإيذاء الحبس ثم تخلية السبيل مع التوبة و الإصلاح.
و قيل: ان الآية الاولى متعرضة لحكم الزانيات و الثانية متعرضة لحكم الزاني من الرجال، و جميع الاحكام الواردة فيهما منسوخة بآية النور.
و قيل: ان المراد من الآيتين شي‏ء واحد و هو بيان عقوبة الزنا و هي الإيذاء ثم نسخ بالحبس ثم نسخ بالجلد و الرجم و استقر الحكم على ذلك. و قيل غير ذلك.
و بالجملة: ان الآية الاولى تتعرض لحكم النساء الزانيات مطلقا على نحو الإجمال، و اما التفصيل فهو مذكور في آية سورة النور و السنة المقدسة سواء كن محصنات أم غير محصنات ثيبات أم أبكارا. و اما الآية الثانية فهي تتعرض لحكم من يصدر عنه الفاحشة كما ستعرف.
و لكن لا وجه للنسخ من الآية بل هي مفصلة و مشروحة بعضها في هذه السورة و البعض الآخر- و هو حكم غير المحصنات- في سورة النور.
الاحتمال الثاني: ان يكون المراد من الفاحشة في الآية الاولى خصوص المساحقة و في الآية الثانية اللواط و قد نسب هذا القول إلى أبي مسلم من الجمهور و بعض المفسرين، و أيده الاردبيلي في زبدة البيان فيكون حكم المساحقات الحبس و الإمساك في البيوت و المنع من مخالطة النساء مع المرأة التي اعتادت هذه الجريمة و الفاحشة حتى تتوب‏ أو يتوفاهن الموت. و اما اللواط فحكمه معلوم من السنة و هو القتل فيكون ما ورد في السنة تفسيرا للأذية الواردة في الآية الثانية فالآيتان غير منسوختين.
و لا دليل على تعيين هذا الاحتمال أصلا إلا ما يقال: من انه لو لم يكن المراد منها ذلك لم يذكر في الكتاب حكمهما و هو تبيان كل شي‏ء.
و فيه: انه كذلك بلا ريب و لا اشكال لكن مع شرحه في السنة المقدسة و قد ورد حكمهما فيها مفصلا و تقدم سابقا ان القرآن الكريم يتكفل اصول الاحكام و جذورها و اما الشروط و القيود بل الفروع تتكفلها السنة.
او ما يقال: من ان لفظ «اللَّاتِي» يدل على المساحقة إذ ليس بينهن فاحشة غيرها.
و فيه: ان الآية الاولى الوارد فيها «اللَّاتِي» باعتبار غلبة افراد النساء الزانيات و لا مانع منهن من ارتكاب المساحقة و غيرها و سيأتي في البحث الدلالي ما يرتبط بالمقام.
الاحتمال الثالث: ان يكون المراد من الفاحشة في الآية الاولى المعنى الأعم من الزنا و المساحقة و هو احتمال حسن أخذا بالعموم الوضعي للفظ الفاحشة فيكون الحكم المذكور في الآية الشريفة مجملا تبينه الآيات التي وردت في الحدود و ما ورد في السنة الشريفة. و اما الآية الثانية فيجري فيها ما يجري في الآية الاولى ايضا كما عرفت إلا ان المراد بالفاحشة فيها إما اللواط أو التفخيذ أو الزنا، و الاولى هو التعميم ايضا كما تقدم فيكون الحكم فيها مجملا تبينه السنة المقدسة و ما ورد في سورة النور. و احتمال اختصاصها بخصوص اللواط يبعده ظاهر الآية الشريفة فان مجرد الإيذاء لا يناسب تلك المعصية العظيمة التي ورد فيها التغليظ الشديد. فقد خسف اللّه تعالى قوم لوط لأجلها و كيف كان فالآيتان غير منسوختين.
ثم ان المراد من قوله تعالى: «مِنْ نِسائِكُمْ» هو النساء المؤمنات تشريفا لهن، و قيل ان المراد النساء ذوات الأزواج لشيوع هذا الاستعمال قال تعالى: «مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» النساء- 23 و قال تعالى: «وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً» النساء- ٤ و من هنا قال بعض المفسرين باختصاص هذه الآية بالمحصنات ذوات الأزواج.
و فيه. ان اللفظ مطلق يشمل ذوات الأزواج و غيرهن و اختصاصه بالأولى لبعض القرائن لا يوجب تقييد بقية الموارد و قد ورد في القرآن الكريم استعماله في العموم قال تعالى: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ» آل عمران- ۱٤ و قال تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» النساء- 3 و غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم و السنة المقدسة.
قوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ.
اي: أقيموا اربعة من الشهداء الرجال عليهن باتيانهن الفاحشة.
و تخصيص الفاحشة بإقامة اربعة شهداء ذكور انما هو للتغليظ على المدعي و الستر على العباد و عدم شيوع الفحشاء.
و لا يختص الزنا بإقامة اربعة شهود بل يشترك معه اللواط و السحق ايضا فلا يستفاد من هذا الحكم اختصاص الفاحشة بالزنا في الآية كما عن بعض. كما لا يستفاد من الآية المباركة وجوب تحمل الشهادة و لزوم المراقبة لهن فان ذلك أمر آخر لا ربط له بالآية المباركة، فتشمل الآية الشريفة الشهادة الاتفاقية ايضا.
قوله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ.
اي: و ان شهد الرجال الاربعة و ثبت الأمر عند الحاكم الشرعي باتيانهن الفاحشة فاحبسوهن في البيوت حائلين بينهن و بين الفاحشة.
و الظاهر ان هذا الحكم ادبي اجتماعي تربوي حيث تجعل المرأة التي اقترفت هذه الجريمة تحت المراقبة و للابتعاد عن مظان الجريمة و المواظبة على تهذيبهن و تربيتهن تربية صالحة.
و على هذا لا ينافي خروجهن من البيوت إذا تحقق المناط و هو المراقبة، و يستفاد ذلك من لفظ الإمساك ايضا حيث لم يعبر عز و جل بالحبس و السجن و نحوهما.
قوله تعالى: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ.
اي حتى يستوفيهن الموت بانتهاء أجلهن و قد تقدم في قوله تعالى: «يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ» آل عمران- ٥٥ الكلام في مادة (و ف ي).
قوله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا.
اي: أو يشرع لهن حكما غير الحبس فيه المخرج لهن، و يستفاد من ذلك ان الحكم السابق مؤقت حتى يأتي الحكم الجديد. و السبيل هو الجلد أو الرجم كما ورد في القرآن الكريم و السنة الشريفة.
و قد راعى القرآن الكريم في من اقترف الفاحشة من النساء السماحة و التسهيل فقد جعل الإمساك في البيوت عقابا مؤقتا يسائر الضمير، و لوحظ فيه تربية من اقترف الفاحشة و تهذيبه بالإصلاح و ترك الفاحشة و الحيلولة بين المقترف و بينها ثم ينتقل الى حكم آخر روعي فيه قمع مادة الفساد، فكان كلا الحكمين جاريا على حكمة متعالية وفق المصلحة العامة فان الحكم الاول بني على الفطرة و هي بعث العفة بين النساء التي طمست في الجاهلية، و اما الحكم الثاني فقد بني على المحافظة لناموس العفة و زوال مادة الفساد و هذه قرينة اخرى على عدم اختصاص الفاحشة بالزنا أو السحق، كما عرفت.
قوله تعالى: وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ.
اللذان تثنية (الذي) و التثنية إما باعتبار الزانية و الزاني تغليبا كما عليه المشهور؛ أو الرجلين في اللواط كما عليه جمع، أو الرجلين في الفاحشة مطلقا اللواط و التفخيذ و سائر الفواحش بينهما.
و الضمير في «يَأْتِيانِها» يرجع الى الفاحشة و قد ذكرنا ان الفاحشة و ان كانت مطلقة في الآيتين لكنها تختلف في الآية الاولى عن الآية الثانية فراجع. و الضمير في «مِنْكُمْ» يرجع الى المسلمين لكونهم أهلا لإلقاء الخطاب و تلقي الاحكام الإلهية.
و هذه الآية المباركة تتعرض لحكم الرجال في الفاحشة اما الآية الاولى فهي تتعرض لحكم النساء كما عرفت آنفا.
و قيل: ان هذه الآية تتعرض لحكم زنا الأبكار و ان المراد بالأذية هي مطلق الحبس ثم تخلية السبيل مع التوبة. و فيه: انه لم يقم دليل عليه.
قوله تعالى: فَآذُوهُما.
بالقول أو الفعل بما هو المعتاد للردع عن الفاحشة، سواء كان بالحبس أم الضرب أم الاهانة أم بالتوبيخ و التعيير و نحو ذلك، و الحكم و ان كان مطلقا أول الأمر الا انه ورد تفسيره في السنة الشريفة بالحد المعين لفاحشة الرجال و هو القتل في اللواط و الجلد في التفخيذ، و لو حظ في هذا الحكم ابتداء جانب التربية و روعي فيه التسهيل و السماحة و اثارة العفة و الحياء و الترغيب إليهما ثم ورد تفسيره بذلك قمعا لمادة الفساد على سبيل التدريج.
قوله تعالى: فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا.
هذه قرينة على ان الحكم كان مبنيا على السماحة و التسهيل فانه إذا تابا حقيقة و أصلحا أعمالهما بالرجوع عن الفاحشة. و عطف الإصلاح على التوبة لبيان تحقق حقيقتها دون مجرد اللفظ لو بقي في حالة معينة.
قوله تعالى: فَأَعْرِضُوا عَنْهُما.
اي: اصفحوا عنهما و كفوا عن ايذائهما بعد تحقق التوبة.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً.
اي: ان التوبة و الرحمة ثابتتان منه تعالى لعباده ازلا و ابدا.

اللاتي احدى صيغ جموع التي كما عرفت و هي «اللات» بحذف الياء و إبقاء الكسرة، و «اللائي» بالهمز و اثبات الياء، و «اللاء» بكسر الهمز و حذف الياء، و «اللا» بحذف الهمزة، و اما جمع الجمع فاللاتي تجمع على «اللواتي» و «اللاء» على «اللوائي»، و قيل: (اللوات) بحذف الياء و إبقاء الكسرة و (اللوا) بإسقاط التاء.
و تصغير «التي» اللتيا بالفتح و التشديد قال الراجز:
بعد اللّتيا و اللّتيا و الّتي إذا علتها نفس تردت‏

و اللتيا و التي اسمان للداهية. يقال: وقع في اللتيا و التي.
و اللذان تثنية الذي- كما تقدم و القياس ان يكون اللذيان كرحيان و مصطفيان و لكن قيل انه حذفت الياء تخفيفا و قيل: انه للفرق بين الأسماء المبهمة و الأسماء المتمكنة لان نون التثنية قد تنحذف فيها مع الاضافة نحو رحياك و مصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. هذا بخلاف اللذان فان النون لا تنحذف فيه.
و قرئ بتخفيف النون و بالتشديد و هي قراءة قريش.

تدل الآيتان الشريفتان على امور:
الاول‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» أطراف الفاحشة التي نهى عنها اللّه تعالى في مواضع متفرقة من القرآن الكريم و شدد النكير عليها و جعل على من ارتكبها حدا ردعا معينا عن اقترافها مرة اخرى و إصلاحا للمجتمع.
و المذكور في هذه الآية المباركة من المقومات و الأطراف هي الطرفان المرتكبان، و الفاحشة، و ثبوتها باربعة شهداء، و الحد.
و قد أجمل سبحانه و تعالى سائر الخصوصيات في هاتين الآيتين لأنهما في مقام قبح هذه الجهة (الفاحشة) و اعلام الناس بها، و بعث الضمير الانساني‏ على التجنب عنها، و هذه الآية الشريفة من اجمع الآيات الواردة في هذا الموضوع، و حملها على إطلاقها بحيث تشمل جميع اقسام الفاحشة اولى من اختصاصها ببعض الأقسام من غير دليل.
و قيل: ان الموصول في الآية الاولى «وَ اللَّاتِي» يدل على اختصاص الفاحشة بالتي ترتكبها النساء و هي المساحقة و الموصول في الآية الثانية «الَّذانِ» يدل على اختصاصها بالتي يرتكبها الرجال و هي اللواط و التفخيذ فلا اطلاق لها.
و يرد عليه: ان ذلك صحيح إذا لم يكن احتمال آخر يساويه و يمنعه عن الظهور فان اسم الموصول في الآية الاولى قد يراد به الطرف الانثوي في الفاحشة اي الإفراد منهن و الموصول في الآية الثانية يراد به الطرف المقابل لها و هو الرجل فتختص الفاحشة بالزنا كما ذكره جمع من الفقهاء و خصه عز و جل بالذكر لشيوع هذه الجريمة في المجتمع و هي ذات طرفين ذكر و أنثى فالآية الاولى تتعرض للثاني و الآية الثانية تتعرض للأولى، و انما قدم عز و جل الأنثى على الذكر في هاتين الآيتين لقوام هذه الجريمة بالمرأة نظير قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» النور- 2.
و يحتمل ايضا ان يكون إتيان اسم الموصول جمعا للمؤنث في الاولى لبيان مطلق الفاحشة الصادرة من النساء سرا و جهرا حتى انهن كن ذوات الأعلام في الجاهلية كما هو معروف، و إتيان التثنية مذكرا في الثانية باعتبار الفواحش الصادرة من الرجال و شناعتها بحيث فرض وجودها كالعدم و لم يعرف ذو علم بالنسبة إلى رجل فلا تختص الإتيان بفرد خاص من الفاحشة كما عرفت في التفسير فراجع.
الثاني‏:
يدل قوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ» على ان‏ المراد منه منع الخروج عن البيوت و الحيلولة بينهن و بين الفاحشة.
و بعبارة اخرى: ابقاؤهن في البيوت لغرض تربيتهن تربية صالحة.
و لعل ذلك هو السر في العدول عن التعبير بالسجن و الحبس. و يشهد على ان المراد من الإمساك منع الخروج قوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» الطلاق- 1 و إن كان الإمساك في الموردين يختلفان في الغاية. و كيف كان فلا ينافي ذلك كونه حدا لهن في المقام، لما يقتضيه بعض النصوص. و كيف كان فالآية الشريفة تتضمن سماحة الإسلام و سهولته كما لا يخفى.
الثالث‏:
ذكر بعض المفسرين ان قوله تعالى: «حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ» يشير الى عادة جاهلية و حمل قوله تعالى: «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» على جعل الحكم الالهي و الحد الشرعي- الفاحشة و هو ما ورد في سورة النور و السنة المقدسة فيزول الحكم الالهي لا محالة بعد التشريع.
و يمكن ان يراد من قوله تعالى: «حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ» المعنى الكنائي و هو اظهار النفرة عنها يعني ان المرتكبة لهذه الفاحشة لا يختلط و لا يعاشر معها حتى يأتيها الموت لقبيح فعلها، و لا بد ان يقيد ذلك بما قبل التوبة و اظهار الندامة و صدور العمل الصالح عنها، فيزول الموضوع لا محالة كما يدل عليه الآية الثانية.
الرابع‏:
يدل قوله تعالى: «يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ» على ان الفعل صدر عنهن بالاختيار من دون جبر و اكراه فيكون للمكرهة حكم آخر.
الخامس‏:
يدل قوله تعالى: «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» على ان الحكم مغيى بجعل حكم جديد فليس ذلك من النسخ المصطلح كما عرفت في التفسير لأنه يشترط في المنسوخ ظهوره في التأبيد.
السادس‏:
يدل قوله تعالى: «فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» على ان التوبة و الإصلاح مسقطان للحد على ما فصل في الفقه.

في تفسير العياشي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن هذه الآية: وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» قال (عليه السلام) هذه منسوخة قلت: كيف كانت؟ قال (ع) كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها اربعة شهود أدخلت بيتا و لم تحدث، و لم تكلم، و لم تجالس و أوتيت بطعامها و شرابها حتى تموت قال «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» فقال (عليه السلام) جعل السبيل الجلد و الرجم و الإمساك في البيوت».
و في تفسير النعماني عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث ذكر فيه احكام هذه الآية- الى ان قال- «فلما قوي الإسلام انزل اللّه: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» فنسخت هذه الآية الحبس و الأذى- الحديث».
و في تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ» كان في الجاهلية إذا زنى الرجل يوذي و المرأة تحبس في بيت الى ان تموت ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ».
و في المجمع: «و حكم هذه الآية منسوخة عند جمهور المفسرين و هو المروي عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه (عليهما السلام).
أقول: ليس المراد بالنسخ هنا النسخ المعروف بين الفقهاء الذي يبحث عنه في علم الأصول و علم الكلام و هو: «رفع حكم شرعي ثابت بحكم شرعي آخر» بل المراد بالنسخ هنا ابطال الحكم الجاهلي بتشريع الهي جديد و لعل المراد من قول بعض المفسرين بالنسخ هذا المعنى فلا نزاع و يدل على ما ذكرناه ما تقدم من الحديث.

ذكرنا في احد مباحثنا السابقة ان للقرآن الكريم بطونا ترتقي الى سبعة بطون كما في بعض الروايات او الى سبعين بطنا كما في بعضها الآخر، و لا بد أن يكون كذلك لأنه كلام من لا تناهي لعلمه و حكمته و تدبيره، و قد حكي عن بعض الفلاسفة الأقدمين انه كان يلقي على أصحابه كلمات الحكمة و هم يستفيدون من كل واحدة منها وجوها من الحكمة كلها صدق و صواب.
و ما يرتبط بالآيات التي تقدم تفسيرها انه ورد في بعض الروايات تفسير الفاحشة بحب الدنيا، كما ورد تفسير السفه في قوله تعالى: «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ» بحب الدنيا أيضا، و الجميع حق و صواب لقول سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله): «حب الدنيا رأس كل خطيئة» و قول سيد الأولياء و العرفاء علي (عليه السلام): «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» فإذا اجتمعا معا كانا من أفحش‏ الفواحش في إيجاب المفسدة المهلكة و الى ذلك أشار عز و جل في سورة العصر: «وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ» و هذه السورة على صغرها تعين مبدأ الإنسان و منتهاه الاختياريين، كما ان قوله تعالى: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» البقرة- ۱٥٦ يعين مبدؤه و منتهاه غير الاختياريين، مع اننا إذا لاحظنا معنى قوله تعالى: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» بالملاحظة التفصيلية في المعتقدات و الأفعال و الحركات و السكنات يكون داخلا في قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ» و كيف كان فان اكبر الفواحش حب الدنيا الذي يجتمع مع الاهوية النفسانية، و حينئذ يكون الحد لهذه الفاحشة هو إماتة النفس الامارة و إصلاحها بالتوبة و العمل الصالح و ترويضها بالملكات الفاضلة و تزيين النفس بالأخلاق الحميدة و تزكيتها بالتقوى ليحصل القرب الى اللّه تعالى و البعد عن الدنيا و ما فيها فان ذلك هو الكمال المطلق.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"