1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 127 الى 134

وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَ كانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131)
وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً (133) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (۱۳٤)


ذكر سبحانه و تعالى في الآيات الشريفة السابقة من التعاليم و الأحكام و التوجيهات ما يوصل الإنسان إلى السعادة، و ذكر من اصول الدين و من الحكمة ما يجعله حكيما مؤهّلا للوصول إلى المقامات العالية و الدرجات الرفيعة.
و في هذه الآيات المباركة يذكر عزّ و جلّ من الأحكام العمليّة لتنبيه الناس الى أنّ الكمال و السعادة لا يمكن الوصول إليهما إلّا بتطبيق الأحكام العمليّة و التعاليم الإلهيّة فإنّ حقيقة الدين عند اللّه تعالى هي الإيمان و العمل الصالح، بل أنّ في إسلام الوجه للّه تعالى هو التسليم بما جاء في القرآن الكريم كما عرفت آنفا.
و قد ذكر في هذه الآيات الكريمة موضوعا من الموضوعات الرئيسيّة في هذه السورة، أي: موضوع النساء و علاقات الزوجيّة و الأسرة و بعض ما يتعلّق بشأن اليتامى بعد أن كانوا و المرأة من الضعيفين اللذين هضم المجتمع حقوقهما، فأمر عزّ و جلّ المؤمنين بوجوب مراعاة حقوقهما و حفظها. و قد ذكر سبحانه و تعالى جملة من حقوقهما في أوائل هذه السورة من الإرث، و المهر، و التصرّف في أموال اليتيم، و بعض أحكام الزوجيّة، و في المقام وجوب العدل بين النساء إن اقتضت الضرورة بتزويج أكثر من واحدة منهن، و أمر عزّ و جلّ بالقسط بينهن و حفظ أموال اليتامى و أمر بتوريثهن.
ثمّ ذكر جلّ شأنه بعض أحكام الاختلاف بين الزوجين، و بيّن بعض الأمور الدقيقة الّتي تمسّ الحياة الزوجيّة، و اعتبر تعالى أنّ التقوى هي الضمان لحفظها، و العدل و الإحسان هما الأساس لتلك العلاقة الّتي هي من أهمّ العلاقات عند الإنسان و عليها تبتني سعادته في الدارين، و يأمر تعالى بالتقوى مكرّرا؛ لأنّها الركيزة العظمى في الشرائع الإلهيّة، و لا سيما شريعة الإسلام؛ و لأنّها الضمان لتلك الأحكام، و يشدّد عليها بالتهديد على من يعرض عنها و بوصفه بالكفر، و يهددهم بالقدرة على إذهابهم و إتيان آخرين فيتّقون و يعملون.
ثمّ يبيّن عزّ و جلّ السبب في إعراض الناس عن التقوى، و هو حبّ الدنيا و الرغبة في متاعها. و يعالج سبحانه و تعالى أخيرا الموقف بأنّ الخير إنّما يكون في ثواب اللّه تعالى الّذي يمنحه لمن أطاعه و اتّقاه في الدنيا و الآخرة، و بذلك يرشد الناس إلى أنّ التقوى هي الّتي تضمن ثواب الدنيا و الآخرة، و أنّ اللّه تعالى هو الرقيب لهم يسمع أقوالهم و يرى أفعالهم فيجازيهم عليها.
و الآيات الكريمة تشتمل على أسلوب تربوي دقيق، لها وقع خاص في النفوس المستعدة و تتخلّلها من الحكم و المواعظ و الإرشادات و التوجيهات ممّا زاد في رصانتها و قوّتها و شدّة تأثيرها.

قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ.
الاستفتاء: طلب الفتيا، و هي الجواب عمّا يشكل من الأحكام و ما دقّ من الأمور، و قد استعمل في كلّ تبيين للحكم، يقال: استفتيته فأفتاني و لا يختصّ بما يراه الإنسان باجتهاد منه كما هو المتداول في هذه الأعصار، بل يعمّ ما إذا كان حاصلا من الوحي و الإلهام، أو ما يتحقّق بالتشريع و الأمر، كما يظهر من نسبة الفتوى إلى اللّه تعالى في المقام.
و من حذف المتعلّق في الآية الشريفة و عدم ذكر أمر خاص من أمور النساء يتبيّن أنّ الاستفتاء إنّما كان في كلّ ما أحدثه الإسلام ممّا لم يكن معهودا قبله، و لا يختصّ بالحقوق الماليّة كالإرث و المهر و نحوهما، كما ذكره جمع من المفسّرين؛ لقوله تعالى: وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ، فإنّ ذكر شأن خاصّ من شؤونهم أو ما يتعلّق بطائفة خاصّة منهن كاليتامى، لا يوجب تقييد العموم، لا سيما بعد أن كان ما أبدعه الإسلام أو ما شرّعه في النساء غريبا عليهم، لما اعتادوا عليه فيهن من استضعافهن و حرمانهن من كثير من الحقوق الاجتماعيّة و الماليّة، فكان التعميم مناسبا، و يدلّ على ذلك أيضا ذكر أحكام النشوز و الخلاف بين الزوجين و طرق الإصلاح بينهما، فتكون الآية الشريفة ناظرة إلى جميع ما بيّنه عزّ و جلّ في أمر النساء في أوّل هذه السورة و آخرها و في المقام.
قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.
الفتيا و الفتوى واحدة، يقال: أفتاه إفتاء، و أفتيت فلانا رؤياه إذا عبّرتها له.
و المعنى: يطلبون منك تبيين الأحكام الّتي أشكلت على أفهام في النساء ممّا يجب لهن و عليهن مطلقا. قل: يا محمد إنّ اللّه يفتي فيهن، فقد أنزل فيهن من الأحكام ما يعلو به شأنهن و قدرهن و ما يوجب سعادتهن و سعادة المجتمع، فإنهنّ من أحد عموديه، و لا يمكن أن يسعد مجتمع و يشقي أحد عموديه.
قوله تعالى: وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ.
التلاوة القراءة بعناية، و تقع وصفا للفظ، و قد يوصف المعنى بها أيضا كما في المقام، أي: الأحكام المتلوة.
و الآية المباركة بيان لعظمة شأن المتلو من الأحكام الّتي تتلى في القرآن الكريم في شأن النساء، و بالجملة: بيان لما سبق، أي: أنّ اللّه يفتيكم فيهن بما أنزله عزّ و جلّ من الآيات الّتي تضمّنت من الأحكام الّتي تستفتون عنها و عن غيرها.
و تبيّن الآية الكريمة أحد الأحكام المهمّة في النساء، فقد ذكر فيها حكم يتامى النساء و الازدواج بهن، و إنّما أفردهن عزّ و جلّ بالذكر لأنّهن يستحقن العطف أكثر من غيرهن ليتمهن، و لتوجّه الظلم إليهن أكثر، فإنّ أهل الجاهلية كانوا لا يرثون الصغير و لا المرأة، و كان الإرث عندهم منحصرا بمن قاتل و الحريم لا قتال عليهن.
و جملة: «اللاتي لا تؤتونهن» وصف ليتامى النساء اللواتي كن يعانين من الحرمان و الشقاء، فقد كان لأهل الجاهليّة عادات سيئة و أحكام جائرة فيهن، فكانوا يحتفظون بيتامى النساء و أموالهن، فإن كانت ذات جمال و حسب تزوّجوا بهن و استمتعوا بجمالهن و مالهن، و إن كانت دميمة شوهاء عضلوها عن الزواج‏ مطلقا طمعا في مالها، فأنزل اللّه تعالى فيهن من الأحكام الّتي وضعت عنهن القيود و أبطلت تلك السنّة الباطلة الّتي عليهن.
و الآية المباركة في مقام التوبيخ لهم في ترك ما سنّة اللّه تعالى و شرّعه من الأحكام، و لعلّ قوله تعالى: لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ إشارة إلى تلك الأحكام و الى ذلك الحرمان الّذي كانت النساء يكابدنه نتيجة تلك العادات السيئة الّتي استحكمت في نفوسهم، فلم يسهل عليهم قبول تغييرها.
و يحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى: ما كُتِبَ الكتابة التكوينيّة، أي ذلك التقدير الّذي قدّره عزّ و جلّ على الإنسان في أنّه إذا بلغ حدّ الكمال و النضج كان له حقّ التزويج و التصرّف في ماله، و لا يحقّ لغيره أن يمنعه عن هذا الحقّ الإلهي، فإنّه خلاف ما كتب اللّه عزّ و جلّ عليه و الخلقة الّتي خلقها و قدّرها على الإنسان، و الكتابة التكوينيّة تتضمّن الكتابة التشريعيّة، فإنّها لم تكن على خلاف تلك الكتابة أبدا.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّ الجار المحذوف في قوله تعالى: وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ هو (عن)، أي: الرغبة عن نكاحهن اتّباعا لتلك العادة الجائرة و السنّة الباطلة، و هو المناسب لسياق الآية الكريمة، و يحتمل أن يكون التقدير (في) و (عن) كليهما على سبيل البدل؛ ليشمل كلا طرفي تلك العادة الباطلة، فإنّهم كانوا يرغبون في النكاح إذا كانت ذات جمال و مال، و يرغبون عن نكاحهن إذا لم تكن كذلك و كان لها مال فلا يناكحوهن و لا ينكحوهن غيرهم.
قوله تعالى: وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ.
عطف على يتامى النساء، أي: و يفتيكم في المستضعفين في الولدان في تنفيذ ما يتلى عليكم من الأحكام و إعطاء حقوقهم و ترك تلك السنّة الجائرة فيهم، فإنّهم كانوا يحرمون يتامى الصبيان أيضا من الإرث و يستضعفونهم كما تقدّم آنفا، و توصيفهم بهذا الوصف لإثارة العطف في النفوس.
قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ.
عطف على ما سبق، أي: يفتيكم في أن تقوموا لليتامى مطلقا بالقسط في أنفسهم و أموالهم.
و الآية الشريفة في مقام بيان إعطاء قاعدة عامّة تشمل المقام و غيره؛ لأنّ المورد لا يكون موجبا لتخصيص الحكم العامّ، فإنّ القسط و العدل محبوبان في كلّ حال و في جميع الموارد، و إنّما خصّ اليتامى بالذكر لما عرفت آنفا أنّ حالهم ادعى للرحمة و العطف، و لوقوعهم مورد الظلم و العدوان كثيرا لضعفهم، كما وصفهم عزّ و جلّ في الآية الكريمة السابقة.
و في الآية الشريفة التأكيد على مراعاة العدل، فإنّ القيام بالشي‏ء مراعاته حالا بعد حال، و ذلك بتنفيذ كلّ ما أنزله اللّه تعالى من الأحكام و التشريعات و التوجيهات، و الخطاب عامّ يشمل الأولياء و غيرهم.
قوله تعالى: وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً.
تأكيد لما سبق و تحريض إلى مراعاة تلك الأحكام بدقّة و عدم الهوادة فيها فإنّها خير، و الخير مرغوب فيه عند جميع الناس، و بيان بأنّ حال اليتامى و المستضعفين تحتاج إلى عطف أكثر، و أنّ الكمال فيهم هو المعاملة معهم بالفضل، لا مجرّد العدل و القسط، فإنّ كلّ خير يصدر منكم في شأن النساء و اليتامى من دون أن يعلمه أحد، فاللّه تعالى يعلمه و لا ينساه و يعد لمن آثر الخير بالوعد الجميل.
و الخير عامّ يشمل كلّ فضل و زيادة في القسط، و في الحديث: و إذا أحسن إليهم كافؤوه بمثله أو فضل منه، و قد ورد عنه صلّى اللّه عليه و آله أيضا «خيركم خيركم لأهله»، و لعلّه إشارة إلى صلة الرحم و الحثّ عليها و أنّ الفضل يعود إلى فاعل الخير مطلقا.
و قد ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآيات المباركة ثلاث مراحل لإرجاع حقوق النساء و اليتامى مترتّبة متدرّجة في العمل و التنفيذ، و لا يمكن الوصول إلى الهدف بدون ذلك، فتكون هذه الآية الكريمة مضافا إلى اشتمالها على الأحكام‏ تتضمّن درسا تربويّا تهذيبيّا لإصلاح النفوس المعتادة على هضم الحقوق، و ارتكاب الظلم:
فالمرحلة الأولى: ترك الظلم عليهم و الإعراض عن العادة الجائرة و السنّة الباطلة الّتي كانت في الجاهليّة، و التحذير من اتّباعها.
الثانية: مراعاة القسط و العدل بدقّة فيهم، و على أتمّ الوجوه و أكملها.
الثالثة: الزيادة على ذلك بفعل الخير فيهم، و ذلك بإكرامهم و الفضل عليهم، و قد ذكر عزّ و جلّ الضمان على هذه المرحلة بقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً، فإنّه يتضمّن الترغيب للعمل بتلك الإرشادات و التوجيهات الربوبية، فإنّها خير لهم، بل و أنّ خيرهم فيه، كما يشتمل على التحذير على المخالفة فاللّه تعالى يعلم جميع أفعالكم و نواياكم و سيحاسبكم عليها.
قوله تعالى: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً.
حكم اجتماعي يعالج الخلاف الواقع بين الزوجين و ما يهدّد العلاقات الأسريّة بكاملها، و يبيّن تعالى طرق الإصلاح فيها.
و ممّا يلفت النظر في هذه الأحكام أنّه يتكرّر الأمر بالتقوى أكثر من مرّة، و لعلّه لأجل أنّ هذه الأحكام لا يمكن تطبيقها و لا يكمل معها الصلاح إلّا مع التقوى، فإنّها الركيزة الأولى في جميع الأحكام، و القاعدة الأساسيّة الّتي تنطلق منها جميع التوجيهات؛ لأنّها الأصل في كلّ سعادة مرجوة، و الضمان للعدل و الإحسان المطلوبين في هذه الحياة الخاصّة الّتي تحفّها أمور كثيرة قد يوجب واحد منها سلب سعادتها و إيقاعها في شقاء مستمر، فتكون له عواقب مؤلمة تؤثّر في المجتمع و حياة الأفراد، و لأجل ذلك كان التشديد في الأمر بالتقوى حتّى وصل الحال إلى التهديد و التوعيد في عدم تنفيذها، ممّا يبيّن أهميّة هذه الأحكام، و لأنّ الموضوع له الأثر العظيم في سعادة المجتمع و شقائه.
و الآية المباركة لا تخلو عن ارتباط بالآيات الشريفة السابقة لاشتمالها على‏ أحكام النساء أيضا و العلاقات الأسريّة، سواء قلنا إنّها داخلة في ما استفتوا فيه- و هو الحقّ؛ لأنّه المستفاد من سياق الآية الكريمة و عمومها- أم كانت خارجة عنه.
و الخوف: توقّع المكروه بظهور بعض أماراته و أسبابه، و إنّما اعتبر عزّ و جلّ خوف النشوز و الإعراض دون نفسهما؛ لأنّ موضوع الصلح يتحقّق من حين ظهور العلامات و الأمارات الّتي يتعقّبها الخوف.
و مادّة (نشز) تدلّ على الارتفاع يقال: أرض ناشزة، أي: مرتفعة، و في حديث خاتم النبوّة: «بضعة ناشزة»، أي: قطعة لحم مرتفعة عن الجسم، و النشاز هو الأمر المنقطع عن غيره لسبب من الأسباب، فيقال: زوج ناشز، إذا ترفّع و استعلى على زوجته و ترتّب عليه سوء المعاملة و التكبّر، و يتّصف به كلّ واحد من الزوجين.
و الإعراض هو الميل و الانحراف عن الشي‏ء، و للنشوز و الإعراض مظاهر مختلفة متفاوتة، و لا يمكن الأخذ و الحكم شرعا بكلّ مظهر إلّا إذا ورد من قبل الشارع أنّه نشوز أو إعراض. و لكن المتّفق عليه أنّ النشوز يتحقّق بترك المضاجعة و النفقة، و الإعراض بترك الكلام و الأنس و الانحراف بالوجه عن الزوجة و سوء المعاشرة، و سيأتي في البحث الفقهي تتمة الكلام إن شاء اللّه تعالى.
و البعل: الزوج، و أطلق على المأذون شرعا أيضا من باب الملازم الغالب، كما في حديث التشريق: «انّها أيام أكل و شرب و بعال» و جمعه بعولة، كالفحل و الفحولة، و بما أنّ الذكر من الزوجين- الّذي هو البعل- له استعلاء على المرأة كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [سورة النساء، الآية: ۳٤]، سمّى كلّ مستعل على غيره؛ و لذا سمّى العرب معبودهم الّذي يتقرّبون به إلى اللّه تعالى بعلا، قال تعالى: أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [سورة الصافات، الآية: ۱۲٥].
و المعنى: و إن خافت امرأة بأن ثبت لها من بعض الأمارات، و تحقّق لها ذلك‏ من بعلها نشوزا، كترك مضاجعتها و لا يرغب في مباعلتها، أو إعراضا بأن لا يتحدّث إليها و ينصرف بوجهه عنها في المضجع.
و من أسلوب الآية الشريفة و إيجازها البليغ حيث جعل الفعل المذكور فيها:
«خافت» مفسّرا لفعل محذوف مثله، و ذكر الزوج بالخصوص و تعليق الخوف عليه فقط دون غيره، و اختصاص لفظ البعل بالذكر دون غيره من الألفاظ المستعملة في هذا المقام لتذكيرها بأنّ الزوج إنّما يكون بعلها و رئيسها، فلا بدّ و إن تحسن المعاشرة معه، و على الزوج مضاجعتها و إدارة شؤونها بالعدل و الإحسان، كلّ ذلك لأجل تنبيه المرأة بأنّه لا بدّ لها أن لا تكتفي بالوهم و الوسوسة اللتين تكثران في النساء، فلا يعتمّدن عليهما في هدم كيانهن و تقويض صرح الأسرة الّتي أكّد الشرع على إقامتها بأفضل وجه، و قد أخذ من الزوجين العهود و المواثيق على إشادتها بالعدل و الإحسان، فيجب أخذ الحيطة و التثبت و التبيين في ما يظهر لها من أمارات النشوز و الإعراض، و تحقّق الخوف الفعلي عندها فإذا ظهر لها ذلك، فحينئذ يأتي الإصلاح.
قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً.
أي: فلا حرج و لا إثم على المرأة و بعلها أن يصلحا على النحو الّذي يتّفقان عليه بينهما، فإذا أرادت أن تغض النظر عن بعض حقوقها في حياتها الزوجيّة، جلبا للأنس و الألفة أو استعطافا له أو احترازا عن شدّة التباغض و الشحناء و دفعا للمفارقة و الطلاق، جاز لها ذلك و لا حرج عليهما.
و إنّما عبّر عزّ و جلّ بالجناح للتنبيه على أنّه لا يجب على الزوجة، بل ليس لأحدهما جبر الآخر و إلزامه، و إنّما هو أمر احترازي أدبي و أن المقصد هو المعاشرة بالمعروف و التراضي بالإحسان؛ أو لنفي ما يتوهّم أن ما تعطيه المرأة للزوج من المال- مهرا كان أم غير ذلك- إنّما هو محرّم و لا يحل له أخذه.
قوله تعالى: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ.
جملة معترضة تبيّن حكما اجتماعيّا عامّا ترشد إلى أنّ الصلح في جميع الأحوال خير و حسن، خصوصا في مورد الخصومة و التباغض و التباعد بالافتراق و غيره؛ لأنّ في الصلح سكون النفس و هدوء البال و راحة الضمير، و به تتحقّق السعادة و تزول النفرة و الاختلاف، و على هذا تكون كلمة «خير» لبيان خيريّة الصلح لا لبيان الأفضليّة، فإنّ الصلح و الوئام خير في حدّ نفسه، سواء كان هناك خلاف و تباغض فيرفعان بالصلح أم لم يكن.
و الإسلام يدعو إلى المصالحة و إنّ دينه دين الصلح و السلام، و قد شرّع عزّ و جلّ من الأحكام و السنن و الآداب و التوجيهات ما يتحقّق به العدل و المساواة في هذه الحياة المليئة بالاضطراب و هضم الحقوق و التباغض بين الأفراد.
قوله تعالى: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ.
جملة اعتراضية أيضا يذكر فيها عزّ و جلّ واقع الإنسان و كمونه، و تتضمّن السبب الّذي يوقعه في البغضاء و الشحناء و الشقاق و السبب الّذي يحول من الصلح و العيش بسلام.
و تبيّن الآية المباركة أنّ الشحّ و البخل غريزة من الغرائز النفسانيّة لا يخلو منها إنسان؛ لأنّ به يحفظ منافعه و يصون نفسه من الضياع، فإذا أطلقت هذه الغريزة و خرجت عن صون العقل و الحكمة صارت رذيلة مهلكة، و إن هذّبت صارت سببا للضبط على المعتقدات و الإرادة، أو تكون سببا لحصن النفس في الوقوع في منزلق الرذائل و سفاسف الأمور، بل قد يصير موجبا لحفظ الأموال من التبذير و الإسراف، فالافراط في هذه الغريزة مذموم كالتفريط، قال تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* [سورة الحشر، الآية: 9]، فالشحّ موجود في كلّ نفس، و لكن الإنسان عرضة له و هو يحضر عند ظهور المقتضي له إلّا إذا ملك زمام هذه الغريزة بما يريده اللّه تعالى لها من الصلاح و السعادة، فإن تبع كلّ‏ واحد من الزوجين الشحّ المكنون في نفسه، آل إلى التباغض و الشحناء أو المفارقة و الطلاق فحينئذ لا جناح عليهما أن يصلحا بينهما بكسر سورة هذه الغريزة و تهذيبها بالإرشادات الربوبيّة و التعليمات الإلهيّة، فيغمض كلّ واحد من الزوجين عن بعض حقوقهما. و لا بدّ أن يتذكّر كلّ واحد منهما- بل كلّ فرد- أنّ الشحّ و البخل يرجع إلى الحرص و هو ينشأ من ضعف النفس، و يجب علاجه بالبذل و التسامح و التفكّر في أنّ الشحّ من المهلكات و ممّا يضرّ النفس و يصدّها عن الكمال.
و من أقبح البخل و أمضه أن يبخل أحد الزوجين على الآخر بعد أن ارتبطا بالميثاق العظيم، فكانت رابطتها أحقّ بالحفظ و أجدر بالوفاء، بل لا بدّ أن يكون التسامح أوسع و أعظم، كما أمر عزّ و جلّ في الآية التالية.
قوله تعالى: وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
إرشاد إلى أنّ المقام لا بدّ من أن لا يقتصر فيه على مراعاة الميثاق و العهد الّذي أخذه كلّ واحد من الزوجين على الآخر، فإنّ مراعاته أمر مفروغ عنه، و إنّما تتطلّب هذه العلاقة إلى الإحسان زيادة على الوفاء بالعهد، فإنّه أجلب للقلوب و ادعى للتوفيق في العشرة و التقوى، فإنّها الضمان لتثبيت العدل و الإحسان المطلوبين في هذا الموقف و إرساء أسس السعادة و استمرار هذه العلاقة آمنة مطمئنة بعيدة عن ما يكدر صفوها و ما يوجب انفصام عراها، كالنشوز و الإعراض؛ و لأنّ في التقوى الموعظة للرجال و النساء بأن لا يتعدّوا حدود اللّه تعالى.
و في الآية الكريمة الذكرى للمؤمنين بأنّ اللّه تعالى خبير بما يعملون، لا يخفى عليه خافية، و سيحاسبهم عليه فيجزى الّذين اتّقوا و أحسنوا الحسنى و يثيبهم عليه و يعاقب المسي‏ء الّذي ظلم في معاشرته مع النساء و أكرههن على إلغاء حقوقهن الّتي جعلها اللّه تعالى لهن.
قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ.
حكم آخر من أحكام النساء، و هو لزوم العدل بينهن بتطبيق ما شرّع اللّه تعالى لهن على الرجال في أوّل هذه السورة، قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [سورة النساء، الآية: 3].
و تبيّن الآية الكريمة حقيقة اجتماعيّة، و هي أنّ العدل بالمعنى الحقيقيّ، و هو التساوي بين الطرفين في جميع الجهات بحيث لا يقع ميل إلى جانب في شأن من شؤون الحياة الزوجيّة كالقسمة أو النفقة، و التعهّد، و النظر، و الميل، و الإقبال، و المؤانسة، و غير ذلك ممّا لا يكاد الحصر، فإنّه ممّا يتعذّر إقامته و لا يتحقّق و إن حرص عليه الرجل كلّ الحرص؛ لو عورة مسلكه و دقة تطبيقه و اشتباه اعلامه، فمن الصعب جدا تشخيصه، خصوصا في إقبال النفس و الميل القلبي اللذين لا يملكهما المرء و لا يتطرّق إليهما الاختيار، فلا يقدر أن يملك الآثار الطبيعيّة المترتّبة عليهما، فيبيّن عزّ و جلّ أنّ العدل بحقيقة معناه الّذي أمر اللّه تعالى بإقامته في حياته الاجتماعيّة غير مستطاع و لا يتعلّق به التكليف، و إنّما الّذي يمكن أن يملكه هو أن لا يميل إلى أحد الأطراف، كما سيأتي في البحث الروائي.
و تفسّر هذه الآية الشريفة الآية الكريمة الّتي وردت في أوّل السورة، الّتي أمرت باتّخاذ العدل بين النساء، و يكون هذا حكما تخفيفيّا امتنانيّا منه عزّ و جلّ، لرفع التحيّر الّذي أصاب الرجل المؤمن الورع نتيجة عدم إمكان تشخيص حقيقته و صعوبة مناله.
قوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ.
بيان لما يمكن تطبيقه من معنى العدل، و هو التسوية بين النساء بإتيان حقوقهن من غير تطرّف و عدم التعاسر معهن و نبذ الإساءة إليهن، فلا يجور على المرغوب عنها منهن بأن يميل كلّ الميل إلى المحبوبة و يعرض عن الأخرى المرغوبة عنها، فيذرها كالمعلّقة لا هي متزوّجة و لا هي مطلّقة، و هذا هو العدل الّذي يمكن‏ تطبيقه، و هو الأقرب إلى العدل الحقيقي الّذي نفاه عزّ و جلّ عنهم، فيكون عدلا عمليّا. و أمّا الميل القلبي الّذي لا يدخل تحت الاختيار، فهو لا يتعلّق به التكليف.
و ممّا ذكرنا يظهر أنّ صدر هذه الآية الشريفة ليس في مقام نفي مطلق العدل، بحيث إذا انضمّ إليه قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [سورة النساء، الآية: 3]، ينتج إلغاء تعدّد الأزواج في الإسلام، كما قاله بعض المفسّرين، فإنّ المنفي هو العدل الحقيقي، لا العدل العملي الّذي هو الأقرب إلى العدل المأمور به، و يستحيل أن يتحقّق تكليف منه عزّ و جلّ و لا يمكن تطبيقه.
و الحاصل: أنّ العدل المأمور به هو العدل التقريبي، و هو العدل العملي، مضافا الى ذلك أنّه عزّ و جلّ أباح التعدّد في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ– الآية [سورة النساء، الآية: 3]، و حمله على مجرّد الفرض العقلي بعيد جدا يجلّ كلامه تعالى عنه، و سيرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و بعض المؤمنين الورعين خير دليل على إمكان تطبيقه، و هو يدفع توهّم الفرض العقلي أيضا.
قوله تعالى: وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.
تأكيد و ترغيب للرجال في الإصلاح إذا ظهر منهم فساد و ظلم، و الضمان في ذلك كلّه هو التقوى الّتي هي الدعامة الأولى في تطبيق الأحكام الإلهيّة، و أنّها هي الّتي تستتبع المغفرة لكلّ ما صدر من حيف و ظلم، و الرحمة بالتفضّل عليهم. و تقدّم مكرّرا أنّ الأمر بالتقوى في هذه الآيات المباركة لدقّة تطبيق هذه الأحكام و التباس معالمها، فكان التقوى هي الضمان لها.
قوله تعالى: وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ.
حكم علاجي بعد أن لم ينفع الإصلاح و لم يتحقّق الوفاق بوجه من الوجوه، و حينئذ فإن أرادت المرأة و بعلها أن يتفرّقا بالطلاق خوفا من الوقوع في الحرام و حفظا للكرامة و صونا لأخلاقهما لئلّا يقعا في السي‏ء منها، فإنّ اللّه تعالى يغني كلا منهما بأن يجعله مستغنيا عن الآخر بسعة فضله و كرمه إن تفرّقا، و يكفيه ما أهمّه من أمور الدنيا و الدين- أي: الآخرة- و ذلك لعموم الآية الشريفة، فيغني الزوج بامرأة أخرى خيرا من الأولى، تحصنه و تؤنسه و ترضيه فتستقيم أمور بيته، كما يغني المرأة بزوج آخر خيرا من الأوّل يقوم بأمرها، يدبّر شؤونها بالنفقة و الكسوة و سائر ما تتطلبه الحياة الزوجيّة، فإنّ اللّه تعالى واسع حكيم.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً.
تعليل لما سبق أي: يغني كلا منهما؛ لأنّه واسع الفضل و الرحمة حكيم في أفعاله و أحكامه، يعلم أنّ ذلك أمر فاش في أفراد هذا النوع، فوضع حدودا و تعاليم لعلاج هذا الموقف، فلم يتركهم سدى من غير تكليف.
قوله تعالى: وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ.
تعليل آخر، أي: أنّ اللّه تعالى واسع لأنّ له ما في السموات و ما في الأرض خلقا و تدبيرا و ملكا، و هو الّذي يدبّر أمر الإنسان و ينظم شؤونه، فلا يتعذّر عليه الإغناء بعد الفرقة و لا الإيناس بعد الوحشة و لا الغنى بعد الفقر.
و الآية المباركة تدلّ على عظيم فضله و كمال لطفه وسعة رحمته و عموم فيضه.
قوله تعالى: وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ.
تأكيد جديد إلى مراعاة التقوى في جميع المواقف و كلّ الأمور. و لم تكن هذه الدعوة مختصّة بهذه الأمّة بل الدعوة عامّة لجميع الأمم، و قد أبلغت إليهم بأبلغ وجه و أتمّ أسلوب، فكان توصية منه عزّ و جلّ لهم بمراعاة التقوى و شدّة التمسّك بها؛ لأنّ بها تتزكّى النفوس و تنتظم الشؤون و يعبد اللّه تعالى و يصلح أمر الدنيا و الآخرة، و منه الحياة الزوجيّة الّتي هي أحوج من غيرها إلى مراعاة التقوى، لدقّة الأمور الّتي تمسّ بهذه الحياة كما عرفت آنفا.
قوله تعالى: وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ.
تشديد آخر لمراعاة التقوى، و تهديد على أنّ من أعرض عنها و تعدّى حدود اللّه تعالى كفرا بها، فإنّه لا يضرّ كفره بترك العمل بالأحكام الإلهيّة؛ لأنّه مالك الملك و الملكوت و له ما في السموات و ما في الأرض، و إنّما وصّاكم بما يرجع الى خيركم و مصلحتكم رحمة بكم لا حاجة إليكم، فلا يضرّه إعراضكم.
و من ذلك يعلم أنّ المراد بالكفر هو الكفر العملي و الإعراض عن طاعته عزّ و جلّ، و أنّ بالتقوى تتحقّق الطاعة.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً.
الحميد أي: المحمود بذاته لذاته، و هو من الأسماء الحسنى، و هو يدلّ على أنّ كلّ ما في الوجود يصدر منه تعالى، و إليه يرجع الحمد كلّه و هو مصدره. و الآية الكريمة تقرير لما سبق و تأكيد لاستغنائه عمّن ما سواه، فإنّه الغني بالذات و ما سواه يحتاج إليه، و هو محمود بذاته لذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمده.
كما أنّ الآية المباركة تتضمّن التهديد لمن ترك التقوى و العمل بالأحكام الإلهيّة و أصرّ على المخالفة و الشقاق، فإنّه تعالى قادر على العقوبة بما يشاء و لا نجاة عنها؛ لأنّه الغني الحميد.
قوله تعالى: وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا.
جملة استئنافية، توطئة لما يأتي من إظهار قدرته، فإنّ له التصرّف في خلقه كيفما يشاء إيجادا و إحياء و إماتة، و تأكيدا لما سبق و إيذانا بأنّ جميع ما سواه مخلوق له تعالى محتاج بذاته لذاته، و هو الوكيل عليهم يدبّر شؤونهم و يرعى مصالحهم.
و لعلّ الوجه في تكرار هذه الآية الشريفة ثلاث مرات لبيان تمام قدرته‏ و استجماعه لجميع صفات الكمال، و لإرشاد الناس إلى التفكّر لما في السموات و ما في الأرض ممّا فيها من آيات تدلّ على وحدانيّته و علمه الأتم و حكمته التامّة.
و الوكيل: من أسماء اللّه الحسنى، و المراد به القيّم على أمور خلقه و المهيمن عليهم، و استقلاله بشئون الموكل إليه، و ذكره في المقام إرشادا للناس جميعا أو لمن أراد التفرّق من الزوجين بالتوكّل عليه عزّ و جلّ و تفويض الأمر إليه، فإنّ من يتوكّل على اللّه تعالى فهو حسبه و يكفيه من كلّ ما أهمّه و يغنيه من سعته، و كفى به وكيلا فإنّه قادر على انجاز كلّ ما أوعده.
قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ.
تأكيد جديد على ملازمة التقوى و بيان لما استفيد من التهديد من سياق الآية الكريمة المتقدّمة، و تنبيه للناس إلى التأمّل في سنّته عزّ و جلّ في الأمم، و توجيه أفكارهم إلى عظيم قدرته تعالى، و تصديره بقوله: إِنْ يَشَأْ للدلالة على استغنائه و عدم الحاجة الى أحد من خلقه.
و سياق الآية الشريفة بضميمة ما ذكرناه يدلّ على أنّ المراد من إذهاب الناس و إتيان آخرين، هو إذهاب هؤلاء الّذين نكصوا عن الطاعة و أعرضوا عن التقوى بعد ما أوصاهم جميعا بملازمتها، و إتيان أناس آخرين يطيعون اللّه تعالى و يتّقون و يقومون بما يحبّه و يرتضيه عزّ و جلّ، فإنّه المالك للملك و الملكوت و القادر على كلّ شي‏ء، يتصرّف في ملكه كيفما يشاء بما يشاء و لما يشاء. و إطلاق الآية المباركة يشمل الإذهاب الدفعي و التدريجي، بأن يستبدل اللّه غير المتّقين المطيعين بإفناء الأوّلين و إهلاكهم بالمرّة و إيجاد آخرين، أو تبديلهم بآخرين متّقين على مرّ الزمن- كما يأتي في البحث الروائي- و هذا أولى من حمل الآية الشريفة على أحد الوجهين، كما ذهب إليه بعض المفسّرين؛ لعموم قدرته و سنّته في خلقه، فقد أذهب أقواما أفنى الأوّلين منهم لمّا كفروا بربّهم و استدرج آخرين حتّى أفناهم، ثمّ أقام آخرين مكانهم فآمنوا و أطاعوه و اتّقوه.
و أمّا ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ المراد من قوله تعلى: بِآخَرِينَ، أي: جنسا غير جنس الناس، فهو بعيد عن سياق هذه الآية الكريمة و إن كان يناسب قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [سورة إبراهيم، الآية: 20]، و ردّه بعضهم بأنّه خطأ؛ لمخالفته لاستعمال العرب؛ أو لأنّه من قبيل المجاز و لا يتم به المراد، فهو غير صحيح، و سيأتي في البحث الأدبي ما يتعلّق به إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً.
تعليل لما سبق، أي: أنّ اللّه تعالى إنّما يفعل ذلك و يذهبكم و يأت بآخرين مكانكم أطوع للّه تعالى و أتقى؛ لأنّه عزّ و جلّ قدير، أي: بليغ القدرة. و إنّما أبقاكم لإظهار غناه عنكم.
و القدرة من صفات الذات، و لا يعلم كنهها و لا حقيقتها- كسائر صفاته- إلّا اللّه عزّ و جلّ؛ و لذلك إذا أريد وصفها فلا بدّ أن يكون على سبيل النفي، أي: لا يعجره شي‏ء.
و إتيان الفعل الماضي (الناقص) في المقام و أمثاله؛ لبيان الثبوت و التحقّق في مثل هذه الصفات؛ و لدفع ما قد يتوهّم أنّه يحدث في ذاته و صفاته، فهذه الأفعال منسلخة عن الزمان لتنزّهه جلّ شأنه عن الزمان و الزمانيّات، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك أيضا في ما مضى من هذا التفسير فراجع.
قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا.
بيان للعلّة الّتي توجب صرف الناس عن التقوى و إعراضهم عن الطاعة، و هي الإقبال على الدنيا و الرغبة في متاعها، أي: من ترك التقوى و ضيّع وصيته عزّ و جلّ الّتي أوصاها لجميع الأمم ابتغاء ثواب الدنيا و الرغبة في متاعها، فإنّ ذلك خطأ و سوء تقدير منه؛ لأنّ اللّه تبارك تعالى مالك الدنيا و الآخرة.
قوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.
علاج لما وقعوا فيه من الخطأ و سوء التقدير، أي: أنّ اللّه تعالى عنده ثواب الدنيا و الآخرة، و هو قادر على أن يعطيكم ثواب الدنيا و خيرا منه و أشرف و هو ثواب الآخرة، فلا بدّ من التقرّب إليه تعالى و طاعته و العمل بتكاليفه حتّى ينال ما عنده، فتكون سعادة الإنسان في التقوى، و لا يمكن أن ينال شيئا من الدارين إلّا ما يفيضه تعالى، و هو منحصر بالطاعة و التقوى.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً.
أي: أنّ اللّه سميع لأقوال عباده و ما يهجس في خواطرهم، بصير لأفعالهم، لا يخفى عليه خافية. و فيه من التوبيخ- بتركهم ما عنده تعالى، و إعراضهم عن الطاعة، و الاقتصار على ما يريدونه- ما لا يخفى، فلا بدّ من مراقبته عزّ و جلّ في جميع الأمور.

ذكروا في (ما) في قوله تعالى: وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ احتمالات ثلاثة من وجوه الإعراب.
الأوّل: الرفع إمّا على أنّها مبتدأ و الخبر محذوف، أي: و ما يتلى عليكم في القرآن يفتيكم، و يكون (في الكتاب) متعلّقا ب (يتلى) أو بمحذوف وقع حالا من المستكن فيه، أي: كائنا في الكتاب.
و إمّا على أنّها مبتدأ و (في الكتاب) خبره، فتكون الجملة مستأنفة و الكلام مسوق لبيان عظم شأن المتلو.
و إمّا على أنّها معطوفة على الضمير المستتر في يُفْتِيكُمْ.
و أشكل عليه بوجهين، أحدهما: بأنّه لا يصحّ ذلك، كما هو المعروف في العطف.
و أجيب عنه بأنّه يصحّ للفصل.
ثانيهما: بأنّه يستلزم الجمع بين الحقيقة و المجاز؛ لأنّ اللّه تعالى فاعل حقيقي للفعل، و المتلو فاعل مجازي له.
و أجيب بأنّه يصحّ الجمع بينهما في المجاز العقلي، و أنّه شائع و الإسناد فيه من قبيل الإسناد إلى السبب، و لا يصحّ العطف.
و أمّا على أنّها معطوفة على الاسم الجليل قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ، و العطف فيه من عطف المفرد على المفرد كما هو المتبادر، و لكنّه بعيد لإفراد الضمير.
الثاني: النصب على أن يكون مفعولا لفعل محذوف، أي: و يبيّن لكم ما يتلى، و حينئذ تكون الجملة إمّا معطوفة على جملة (يفتيكم)، و إمّا معترضة.
الثالث: الجرّ إمّا على أنّ الواو في قوله تعالى: وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ للقسم، فتكون (ما) في محلّ الخبر على القسم الّذي ينبئ عن تعظيم المقسم به و تفخيمه، و يكون قوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ بدلا من قوله: فِيهِنَّ، و المعنى: أقسم بما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء.
و إمّا أن تكون معطوفة على الضمير المجرور «فيهن»، بتأويل الإفتاء إلى التبيين، و المعنى: قل اللّه يبيّن لكم ما يتلى عليكم في الكتاب، و هذا هو الوجه المعروف بين البصريين، فقد ردّ بأنّ فيه اختلالا معنويّا.
و إمّا أن تكون (ما) معطوفة على النساء في قوله: فِي النِّساءِ.
هذه الوجوه المعروفة بين النحويين و المفسّرين.
و الحقّ أنّ بعضها بعيد عن سياق الآية الشريفة و لا يخلو عن التعسّف، و على أغلب الاحتمالات يكون قوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ متعلّقا ب (يتلى)، أي: ما يتلى عليكم في شأنهن.
و الأولى أنّها معطوفة على قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ. و المعنى: قل اللّه يفتيكم في الأحكام الّتي تتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء.
و كيف كان، ففي إتيان صيغة المضارع: «و ما يتلى عليكم»؛ للدلالة على دوام التلاوة و استمرارها، و أنّ جملة: «اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن و ترغبون ان تنكحوهن» وصف ليتامى النساء. و أمّا قوله تعالى: وَ تَرْغَبُونَ إمّا عطف على صلة «اللاتي»، أو على المنفي وحده، و يحتمل أن يكون حالا من فاعل «تؤتونهن»، و حينئذ فإن جوّزنا دخول الواو على الجملة المضارعيّة الحاليّة فالأمر ظاهر، و إلّا فلا بدّ من تقدير مبتدأ، أي: و أنتم ترغبون، و قد ذكرنا في التفسير ما يتعلّق بحرف الجرّ المقدّر في قوله تعالى: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ.
و أمّا قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ، فالمعروف أنّه عطف على‏ ما قبله، و جوّز بعضهم الرفع على أنّه مبتدأ و الخبر محذوف، أي: خير و نحوه.
و احتمل آخرون النصب من غير عطف بإضمار فعل، أي: و يأمركم أن تقوموا.
و أمّا قوله تعالى: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ، فالمعروف أنّه من باب الاشتغال، أي: و إن خافت امرأة خافت، و احتمل بعضهم أنّ «امرأة» مبتدأ و ما بعده الخبر، و قدّر بعضهم (كانت) لاطراد حذف (كان) بعد (ان).
و الحقّ هو الأوّل لما فيه من التأكيد على تحقّق الخوف الفعلي، كما عرفت في التفسير فراجع.
و قوله تعالى: أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً فالقراءة المعروفة هي ضمّ الياء و تخفيف الصاد و كسر اللّام، و قرأ بعضهم (يصّالحا) بفتح الياء و تشديد الصاد و ألف بعدها، و أصله: يتصالحا، فبدّلت التاء صادا و أدغمت و قرأ آخرون: (يصحا) بفتح الياء و تشديد الصاد من دون ألف بعدها، و أصله يصطلحا، فخفف بإبدال الطاء المبدّلة من تاء الأفعال صادا و أدغمت الأولى فيها. و قال بعضهم: إنّه أبدلت التاء صادا ابتداء. و قرئ بعضهم: (يصطلحا).
و كيف كان، فإنّ (صلحا) منصوب على أنّه مفعول به على القراءة المعروفة، أو يكون منصوبا بفعل مترتّب على المذكور، أي: فيصلح حالهما صلحا، أو منصوب على إسقاط الخافض، أي: بصلح، يعني: بشي‏ء يقع بسببه المصالحة، أو التوسّع في الظرف لا على تقدير بينهما، و إمّا أن يكون مصدرا محذوف الزوائد.
و اللّام في الصُّلْحُ خَيْرٌ للجنس، و يحتمل أن يكون للعهد.
و (أحضرت) في قوله تعالى: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، متعدّ لاثنين، بخلاف حضر، فإنّه متعدّ لواحد، و الأوّل هو (الأنفس) القائم مقام الفاعل، و الثاني الشحّ، أي: احضر اللّه تعالى الأنفس للشحّ. و يحتمل أن يكون القائم مقام الفاعل هو الثاني، أي: أنّ الشحّ حاضر لها لا يغيب عنها أبدا، و لا يضرّ تأنيث الفعل كما هو المعروف.
و (كلّ) في قوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ منصوب على المصدريّة، و المعروف أنّها بحسب ما يضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره.
و حذف النون في فَتَذَرُوها إمّا لأجل (أن) الناصبة المضمرة في جواب النهي. و إمّا لأجل الجازم؛ لأنّه معطوف على الفعل قبله، و هو الأصحّ.
و (أن) في قوله تعالى: أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ إمّا على أنّها مصدريّة، بتقدير الجارّ، أي: بأن اتَّقُوا اللَّهَ، أو تكون مفسّرة للوصية؛ لأنّ فيها معنى القول، و هو يرجع إلى الأوّل أيضا.
و جملة: «و ان تكفروا فإن للّه ما في السموات و ما في الأرض»، إمّا جملة مستأنفة خوطب بها هذه الأمّة إكراما و تعظيما لهم. و إمّا عطف على وَصَّيْنَا بتقدير (قلنا)، أي: وصينا و قلنا: وَ إِنْ تَكْفُرُوا، فالخطاب يكون للجميع- لهذه الأمّة و لغيرها من الأمم-. و قيل: إنّه عطف على اتَّقُوا اللَّهَ.
و أمّا قوله تعالى: أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ فقد وقع الكلام في لفظ الآخر، في أنّه هل يشترط فيه الاتّحاد في الجنس أم لا يشترط ذلك، فذهب جمع من العلماء إلى الاشتراط. و قالوا بأنّ لفظ (آخر) و (أخرى) و جمعهما، لا يوصف به إلّا ما يجانس المذكور قبله، و بذلك يشبه: سائر و بقية و بعض، قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى* وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ [سورة النجم، الآية: 18- 19]، فوصف عزّ و جلّ مناة بالأخرى لمّا جانست العزى و اللات، و قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [سورة البقرة، الآية: ۱۸٦]، فإنّه وصف الأيّام بالآخر؛ لكونها من جنس الشهر؛ و لذلك خطّأوا قولهم: (ابتعت عبدا و جارية اخرى)؛ لأنّ الجارية ليست من جنس العبد؛ لأنّه مذكر و هي مؤنّثة، كما لا يقال: جاءت هند و رجل آخر.
و ذكروا في وجه ذلك بأنّ (آخر) من قبيل (افعل) الّذي يصحبه (من)، و تحذف غالبا لدلالة الكلام عليها و كثرة استعمال (آخر) في النطق، و حينئذ لا بدّ أن يجانس المذكور بعده ما قبله و إن حذف ما بعده، فإذا قيل: قال المتنبئ و آخر، أي: من الشعراء، و ذكر هؤلاء أنّه من هنا جاء الفرق بين (غير) و (آخر)، فإنّ (غيرا) تقع على المغائر في الجنس أو الوصف، و (آخر) لا يقع إلّا على المغائرة بين أبعاض جنس واحد.
و تطرّف آخرون حيث ذكروا أنّ (آخر) إنّما يقابل ما كان من جنسه تثنية و جمعا و إفرادا.
و لكنّه مردود بورود خلاف ذلك في كلام العرب، قال ربيعة بن يكدم:
و لقد شفعتهما بآخر ثالث و أبي الفرار إلى الغداة تكرمي‏

و قال أبو دحية النميري:
و كنت أمشي على ثنتين معتللا فصرت أمشي على أخرى من الشجر

و كيف كان، فقد ذهب جمع آخرون منهم نجم الأئمة الرضي إلى عدم الاشتراط و احتجّوا بأنّ الاشتراط لم يكن متّفقا عليه، و أنّه يكفي الاشتراك بين المتقدّم و المتأخّر في عنوان واحد؛ و لذلك صحّ أن يقال: جاءني زيد و آخر، على تقدير: و رجل آخر، أو يقال: اشتريت فرسا و مركوبا آخر، لاشتراكهما في عنوان المركوبيّة و نحو ذلك، بلا فرق بين التثنية و الجمع و الإفراد، و لكن ذلك يختصّ بما إذا كان حقيقتهما واحدة و إلّا فلا يجوز، فلا يصحّ أن يقال: رأيت المشتري و المشترى الآخر، تريد بأحدهما الكوكب و بالآخر مقابل البائع. و بناء عليه لا يشترط الاتّفاق في التذكير أو التأنيث، فيجوز: جاءني جاريتك و إنسان آخر، قال عنترة:
و الخيل تقتحم الغبار عوابسا من بين منظمة و آخر ينظم‏

و الحقّ أن يقال: إنّ (آخر) إنّما يؤتى به في مورد يتوهّم اتّحاد ما قبله لما بعده، فتظهر به المغائرة، و حينئذ لا تختصّ الاتّحاد في الجنس، بل يصحّ في غيره و لو على ضرب من التأويل، و بذلك يمكن الجمع بين الكلمات، فمن قال بالاختصاص- أي: في ما لم يكن التأويل- و رفضه الذوق الأدبي، و من قال بعدمه- أي: في مورد صحّ فيه التأويل-.

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:
الأوّل:
يدلّ قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ على أهميّة الأحكام المتعلّقة بالنساء و لزوم مراعاتها، فإنّ الإسلام اعتبر النساء كالرجال، فلهن من الحقوق كما للرجال، و أنّ عليهن من الحقوق للرجال مثل ما على الرجال بالنسبة إليهن، لأنّ بهما يقوم المجتمع لا يمكن نيل السعادة المنشودة إلّا بهما معا، و يؤكّد ذلك افتاؤه عزّ و جلّ لهن بعدم الاستفتاء منهم، و هذا ممّا يدلّ على عظيم شأنهن، و قد تقدّم في سورة البقرة بعض الكلام فراجع.
و الآية المباركة تدلّ على وجود عادات سيئة في النساء، و على الخصوص يتاماهن و المستضعفين من الولدان، و أنّ الإسلام ينكرها أشدّ إنكار و يضع الحلول المستقيمة و إن كانت على نحو التدريج، فقد ذكر عزّ و جلّ جملة منها في أوّل هذه السورة و بعضها الآخر في مواضع أخرى، و لم يذكرها جملة واحدة؛ لأنّ العادات كانت مستحكمة لا يمكن إزالتها و زعزعتها بسهولة. و من هنا نرى أنّ اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة يؤكّد على مراعاة الخير في هذا الموضوع المهمّ، لأنّ الخير ترغب إليه النفوس و هي مجبولة على حبّة، و لإرشاد الناس إلى أنّ تلك الأحكام و الحلول إنّما هي من الخير الّذي يعود نفعه إلى الأفراد و الى المجتمع.
الثاني:
يدلّ قوله تعالى: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ على أنّ الصلح مبارك، و هو جائز بين المسلمين في كلّ شي‏ء إلّا ما ورد من قبل الشارع ما يمنعه. و لعلّ ما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «الصلح جائز بين المسلمين إلّا ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا»، مأخوذ من هذه الآية الشريفة، و لا غرو في ذلك لأنّ اللّه تبارك و تعالى أعطاه من الذوق الرفيع و الذهن الثاقب و أفاض عليه من العلوم ما جعله يعلم أسرار كلامه عزّ و جلّ، و منحه الفصاحة حتّى جعله أفصح من نطق بالضاد، و يأتي في البحث الفقهي ما يرتبط بالمقام.
الثالث:
يستفاد من قوله تعالى: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أنّ الشح كامن في كلّ نفس، و هو من الغرائز المودعة فيها، و يكون حاضرا إذا توفّرت المقتضيات، و يؤثّر أثره عند زوال المانع، و المقتضيات كثيرة منها الشقاق، و النزاع و الإعراض و نحو ذلك. و أمّا المانع من تأثيره فإنّما هي التقوى؛ و لذا ورد التأكيد على لزومها و مراعاتها.
و أمّا معالجة هذه الغريزة إنّما تكون بالإحسان بالمعنى الأعمّ الشامل لكلّ خير و إنفاق و نحوه. و يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى في ذيل الآية الشريفة: وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
الرابع:
يدلّ قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ على وجوب القسمة بين الأزواج، و هي من المستطاع الّذي يجب مراعاته، و المنفي إنّما هو الميل القلبي، و بعض الأمور الخارجة عن الاختيار و الآية الكريمة لا تشملها. و أمّا الّذي يمكن أن يقع تحت الاختيار فهو واجب كما عرفت، و سيأتي في البحث الفقهي ما يرتبط بالمقام فراجع.
الخامس:
يدلّ قوله تعالى: وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ على أنّ الفرقة و الطلاق لم يكن مأمورا به من قبل الشارع، و إنّما هو أمر اختاره الزوجان، بقرينة إسناد الفعل إليهما بعد أن لم ينفع الصلح و الاتّفاق و عدم الرغبة من الزوجين على دوام الزوجية، و عدم إبداء الحرص منهما أو من أحدهما على استرضاء الآخر، و هذا ممّا يؤكّد على أنّ الطلاق أمر مبغوض في الشرع الإسلامي- كما عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق»- و لم يؤمر به في حالة من الأحوال‏ في القرآن الكريم، و أنّه لم يكن علاجا ناجحا إلّا إذا انسدت الأبواب في وجه الزوجين و لم يمكن الزوج العيش مع الزوجة، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في سورة البقرة فراجع.
السادس:
يدلّ قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ على وحدة الفعل الّذي يدلّ على ثبوت الفاعل و وحدته لما عرفت سابقا، و لأجل أهميّة هذا الدليل لكونه أقرب إلى الفطرة و لموافقته للطبع، أكّد عليه القرآن. و قد تكرّرت هذه الآية الكريمة المباركة في المقام أربع مرات: إحداها في ما تقدّم و سبق الكلام فيها، و لأجل دلالتها على استجماع الخالق المالك لما في السموات و ما في الأرض جميع صفات الكمال، ذكر عزّ و جلّ في ذيل كلّ آية صفة من صفاته العليا، و هي تدلّ على علمه الأتمّ و حكمته المتعالية و ربوبيّته العظمى و استغنائه عن مخلوقاته و قدرته التامّة.
السابع:
يدلّ قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ على أهميّة التقوى و عظم أثرها في المخلوقات، بل لها المدخليّة في الأمور الكونيّة- بقاء و فناء سعادة و شقاء- فهي تجلب الخير و البركة و السعادة، و أنّ في تركها زوال ذلك، بل قد يستلزم منه الفناء، و هذا ما يؤكّد عليه القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [سورة الأعراف، الآية: ۹٦]، و في هذه الآية الكريمة الدلالة على أنّ الإعراض عن التقوى قد يوجب قلب الحقيقة و اختلال النظام و فناء الإنسان، فلا بدّ من التفكّر في عواقب ترك التقوى و الإعراض عن طاعة اللّه عزّ و جلّ. و لا شكّ في أنّ ما أصاب الإنسان في هذا العصر من المصائب و المكاره ليس إلّا لأجل تركه التقوى و إعراضه عنها، فإنّه مع التقدّم في جميع الوسائل الماديّة و بلوغ أعلى درجة المدنيّة و الحضارة، و لكنّه يعيش في أسوأ حالته من الشقاء و التعاسة و الحرمان، و ما أبعد الإنسانيّة عن الكمال المنشود لها. و لعمري إنّه‏ لو بذل الإنسان هذا الجهد- بل أقلّ منه- في طاعة اللّه تعالى و تقواه، لبلغ إلى ما وصل إليه الآن و نال الزيادة و وصل إلى الكمال المنشود، و هو في راحة و اطمئنان و استقرار و أمان، فالدين هو الوسيلة الوحيدة في جلب هذه الأمور و سعادة الدارين، و في غيره الشقاء و التعب و الحرمان و البعد عن الحقيقة و الواقع.
الثامن:
يدلّ قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ على أنّ ثواب الدنيا و الآخرة و سعادتهما إنّما هو من عند اللّه تعالى، و أنّ الطريق منحصر في التقوى الحاصلة من طاعته و العمل بدينه عزّ و جلّ، و التقوى هي الّتي تهيّأ العبد لإفاضة الباري عزّ و جلّ عليه بما هو خير الدنيا و الآخرة، و هي الوسيلة للوصول إلى مقام رضاه و جنّة اللقاء.
و هذه الآية المباركة ردّ على مزاعم من يذهب إلى أنّ الوصول إلى المقامات العالية و نيل الدرجات الرفيعة و التنعّم برضاه تعالى، يكون بالمجاهدة فقط من دون دين و عقيدة، أو بالذكر المجرّد، أو بأفعال خاصّة، و نحو ذلك ممّا يقوله أهل ذلك الفن، فإنّه لا يصحّ ذلك و لا يمكن أن ينال ثوابا أو إفاضة إلّا من عنده تعالى، و إنّ اللّه هو السميع البصير العالم بجميع شؤون عباده و المهيمن على جميع خلائقه.

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ، قال: نزلت مع قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ …- فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ، فنصف الآية في أوّل السورة و نصفها على رأس المائة و العشرين آية؛ و ذلك أنّهم كانوا لا يستحلّون أن‏ يتزوجوا يتيمة قد ربّوها فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ذلك، فأنزل اللّه: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ- الى قوله- مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.
أقول: لعلّ المراد من التنزيل التشريع، أي: شرّع ما يتعلّق بالنساء من الأحكام دفعة واحدة؛ و لذلك لا يضرّ تفريق الآية الكريمة حينئذ، بعد ما كان ذلك بتقرير النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو المعصوم. و ليس هذا من التحريف؛ لأنّ الموضوع غير قابل له، و المراد من قوله عليه السّلام: «على رأس المائة و العشرين» تقريبي لا دقّي كما هو معلوم.
و في تفسير علي بن إبراهيم: «عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ، فإنّ نبي اللّه سئل عن النساء ما لهن في الميراث؟ فأنزل اللّه: الربع و الثمن».
أقول: ذكرنا في الفقه ما يتعلّق بأحكام إرثهن، فالربع إن لم يكن للزوج ولد، و الثمن إن كان له ولد، كما في الآية المباركة.
و في المجمع في قوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ عن أبي جعفر عليه السّلام: «ما كتب لهن من الميراث».
أقول: الرواية من باب ذكر بعض ما كتب لهن في الإرث، و إنّ الآية الكريمة عامّة تشمل الإرث و غيره.
و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ قال: «كان أهل الجاهلية لا يورّثون المولود حتّى يكبر و لا يورّثون المرأة، فلما كان الإسلام قال: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ- الآية».
أقول: وردت روايات كثيرة عن الفريقين في أنّ المرأة كانت محرومة عن الإرث في الجاهليّة، و الإسلام أبطل هذه العادة و رفع شأنها.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ قال: «إنّ أهل الجاهلية كانوا لا يورّثون الصبي الصغير و لا الجارية من ميراث آبائهم شيئا، و كانوا لا يعطون الميراث إلّا لمن يقاتل، و كانوا يرون ذلك في دينهم حسنا، فلما أنزل اللّه فرائض المواريث وجدوا من ذلك وجدا شديدا فقالوا: انطلقوا الى رسول اللّه فنذكره ذلك لعلّه يدعه أو يغيّره، فأتوه فقالوا: يا رسول اللّه للجارية نصف ما ترك أبوها و أخوها، و يعطي الصبي الصغير الميراث، و ليس واحد منهما يركب الفرس و لا يحوز الغنيمة و لا يقاتل العدو؟! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: بذلك أمرت».
أقول: ذكر السيوطي في الدرّ المنثور روايات أخرى قريبة لما تقدّم و إن كانت تعابيرها مختلفة، إلّا أنّ معانيها متقاربة. و المراد من قوله عليه السّلام: «و كانوا يرون ذلك في دينهم حسنا»، أي: في عاداتهم السائدة في زمان الجاهليّة؛ و لذلك شدّد الأمر عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقوله: «بذلك أمرت»، و خصّصت الرواية بموانع الإرث و الزواج المنقطع، كما ذكرنا في الإرث من (مهذب الأحكام).
و كيف كان، فإنّه يستفاد من الآية الشريفة بقرينة هذه الرواية أنّها في مقام ردع بعض العادات السيئة الّتي كانت سائدة قبل البعثة.
و في تفسير القمّي في قوله تعالى: وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ: «انّ الرجل كان في حجره اليتيمة، فتكون دميمة و ساقطة- يعني: حمقا- فيرغب الرجل أن يتزوّجها و لا يعطيها مالها، فينكحها غيره من أجل مالها و يمنعها النكاح و يتربّص به الموت ليرثها فنهى اللّه عن ذلك».
أقول: ظهر ممّا ذكرنا من أنّ الآية الكريمة في مقام ردع بعض العادات السيئة الّتي كانت سائدة عند العرب قبل البعثة، بتشريع أحكام خاصّة لهن ترجع شأنهن بقرينة هذه الروايات.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ: «انّهم كانوا يفسدون مال اليتيم، فأمرهم أن يصلحوا أموالهم».
أقول: القسط بين أن يكون في الأموال أو في الأنفس، و ذكر الأموال من باب: لا فرق في الغالب، و ليس من باب التقييد.
و في الكافي بسنده عن الحلبي عن الصادق عليه السّلام قال: «سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً، فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إنّي أريد أن أطلّقك، فتقول له: لا تفعل، إنّي أكره أن تشمت بي، و لكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت، و ما كان سوى ذلك من شي‏ء فهو لك، ودعني على حالتي، فهو قوله تبارك و تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً و هذا هو الصلح».
أقول: و في هذا المضمون روايات كثيرة تدلّ على جواز الصلح بظهور علامات الطلاق و الفراق و عزم الزوج بذلك، باختلاف الدواعي و الأسباب، و كلّها من باب التطبيق و الجري.
و في سنن البيهقي بسنده عن علي عليه السّلام: «انّه سئل عن قوله تعالى: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً، فقال: هو الرجل عنده امرأتان فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة، فيريد فراقها فتصالحه على أنّه يكون عندها ليلة و عند الأخرى ليالي و لا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوى بينهما».
أقول: الدمامة (بالفتح) القبح، يقال: رجل دميم، أي: قصير و قبيح سواء كان في الجسم أو نقص في العقل- كالحمق كما مرّ في الرواية السابقة-.
و كيف كان، فهذه الرواية من باب الجري و التطبيق أيضا.
و في الكافي بسنده عن زرارة قال: «سئل أبو جعفر عليه السّلام عن النهارية يشترط عليها عند عقد النكاح أن يأتيها ما شاء نهارا أو من كلّ جمعة أو شهر يوما و من‏ النفقة كذا و كذا، قال: فليس ذلك الشرط بشي‏ء، من تزوّج امرأة فلها ما للمرأة من النفقة و القسمة، و لكنّه إن تزوّج امرأة فخافت فيه نشوزا أو خافت أن يتزوّج عليها فصالحت من حقّها على شي‏ء من قسمتها أو بعضها، فإن ذلك جائز لا بأس به».
أقول: إنّ كلا من النفقة و القسمة واجبتان على الزوج مطلقا، و إنّ كلا منهما محدّد في الشرع، فإذا كان الشرط على خلاف ذلك يكون فاسدا- كما ثبت في محلّه- لأنّه إمّا يوجب الضرر أو الحرج أو تغيير ما حدّده الشارع، بخلاف ما لو صالحت من حقّها باختيارها على شي‏ء، كما في ذيل الرواية فلا بأس به.
و عن علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً- الآية قال: «نزلت في بنت محمد بن مسلمة كانت امرأة رافع بن خديج، و كانت امرأة قد دخلت في السن و تزوّج عليها امرأة شابة كانت أعجب إليه من بنت محمد بن مسلمة، فقالت له بنت محمد بن مسلمة: ألا أراك معرضا عني مؤثّرا عليّ؟ فقال رافع: هي امرأة شابة و هي أعجب إليّ، فإن شئت أقررت على أنّ لها يومين أو ثلاثا مني و لك يوم واحد، فأبت بنت محمد بن مسلمة أن ترضى فطلّقها تطليقة ثمّ طلّقها أخرى، فقالت: لا و اللّه لا أرضى أو تسوي بيني و بينها يقول اللّه: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ و ابنة محمد لم تطب نفسها بنصيبها و شحّت عليه، فأعرض عليها رافع: إمّا أن ترضى و أمّا أن يطلّقها الثالثة، فشحّت على زوجها و رضيت فصالحته على ما ذكرت، فقال اللّه تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ، فلما رضيت و استقرّت لم يستطع أن يعدل بينهما فنزلت: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أن يأتي واحدة و يذر الأخرى لا أيم و لا ذات بعل، و هذه السنّة في ما كان كذلك إذا أقرّت‏ امرأة و رضيت على ما صالحها عليه زوجها فلا جناح على الزوج و لا على المرأة، و إن أبت هي طلّقها أو تساوي بينهما، لا يسعه إلّا ذلك».
أقول: قريب منه ما عن الواحدي في أسباب النزول، و رواه السيوطي في الدرّ المنثور عن جمع، و عن الحاكم إلّا أنّ فيه: «فتزوّج عليها شابة فآثر عليها، فأبت الأولى أن تقرّ فطلّقها تطليقة، حتّى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك و صبرت على الأثرة، و إن شئت تركتك؟ قالت: بل راجعني، فراجعها فلم تصبر على الأثرة فطلّقها أخرى و آثر عليها الشابة، فذلك الصلح الّذي بلغنا أنّ اللّه أنزل فيه».
و عن البيهقي عن سعيد بن المسيب: «انّ ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا، إمّا كبرا أو غيره فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلّقني و اقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنّة بذلك و نزلت الآية».
و كيف كان، فالرواية من باب التطبيق و أنّ سبب النزول لا يصير مخصصا للآية الكريمة، و لا يضرّ الاختلاف في المضامين ما لم يناف القواعد الشرعيّة، و الظاهر وحدة القضية.
و عن علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، قال: أحضرت الشحّ، فمنها ما اختارته، و منها ما لم تختره».
أقول: الشحّ غريزة مطبوعة في الإنسان- فمنه الممدوح كما أنّ منه المذموم- و هو قابل للسيطرة عليه نوعا ما؛ و لذا قال عليه السّلام: منه اختياري و قابل للسيطرة عليه، و منه غير اختياري فلا يمكن السيطرة عليه.
و في تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ قال عليه السّلام: «في المودّة».
أقول: الحبّ أو المودّة أمر قلبي غير اختياري، و لا يتعلّق التكليف بأمر غير اختياري؛ و لذلك قلنا مكرّرا إنّ الخواطر القلبيّة لا يتعلّق بها التكليف، كما دلّت عليه روايات كثيرة أيضا. و كذا في المقام، فإنّ التسوية في المودّة أو المحبّة غير ممكنة، بل لا بدّ من الرجحان في أحدهما.
و في المجمع عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «انّه كان يقسم بين نسائه و يقول: اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك و لا أملك».
أقول: الرواية وردت عن طرق العامّة و الخاصّة، كما ذكرها السيوطي في الدرّ المنثور، و المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «فيما تملك و لا أملك» المحبّة أو الميل إلى إحداهن، و يستفاد منها أنّ الميل و المحبّة القلبيّة أو المحبّة الّتي لا تظهر آثارها على الجوارح، خارجة عن تحت الاختيار، فلا يعاقب عليها المكلّف لعدم القدرة على ذلك كما قلنا، و أمّا سؤال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فهو من أدب العبوديّة، نظير خطاب امرأة عمران مع اللّه سبحانه و تعالى: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ [سورة آل عمران، الآية: ۳٦]، أو يكون تشريفيّا، كما في قصة موسى عليه السّلام في سؤاله تعالى منه بقوله: وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى‏ [سورة طه، الآية: 17].
و في الكافي بسنده عن نوح بن شعيب قال: «سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم قال له: أليس اللّه حكيما؟ قال: بلى هو أحكم الحاكمين، قال: فاخبرني عن قوله عزّ و جلّ: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فاخبرني عن قوله عزّ و جلّ: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي حكيم يتكلّم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال عليه السّلام: يا هشام في غير وقت حجّ و لا عمرة؟ قال: نعم، جعلت فداك لأمر أهمّني، أنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شي‏ء، قال عليه السّلام: و ما هي؟ قال: فأخبرته بالقصة، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: أمّا قوله عزّ و جلّ: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً يعني في النفقة، و أمّا قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ يعني في المودّة، قال: فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب و أخبره، قال: و اللّه ما هذا من عندك».
أقول: في تفسير القمّي ذكر الرواية بعينها و قال: «سأل بعض الزنادقة أبا جعفر الأحول- إلى أن قال-: فرجع أبو جعفر إلى الرجل فأخبره، فقال: هذا حملته من الحجاز».
و كيف كان، فجمع الإمام عليه السّلام بين الآيتين المباركتين مطابق للواقع، فإنّهم أعرف برموز القرآن و دقائقه لأنّه نزل في بينهم.
و في المجمع للطبرسي في قوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي: «تذرون الّتي لا تميلون إليها كالّتي هي لا ذات زوج و لا أيم، قال: و هو المروي عن الباقر و الصادق عليهما السّلام».
أقول: و قريب منه ما عن ابن عباس كما في الدرّ المنثور، و تقدّم في التفسير ما يتعلّق بذلك.
و عن علي عليه السّلام: «كان له امرأتان، و كان إذا كان يوم واحدة لا يتوضّأ في بيت الأخرى».
أقول: لا بدّ من حمله على الفضل و الرجحان، و المواظبة على ذلك من مختصّات مقامه الشريف و قداسة منزلته، و في الدرّ المنثور عن مجاهد قال: «كانوا يستحبّون أن يسوّوا بين الضرائر حتّى في الطيب، يتطيّب لهذه كما يتطيّب لهذه».
و في الكافي بإسناده عن عاصم بن حميد قال: «كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فأتاه رجل فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج، قال: فاشتدّت به الحاجة، فأتى أبا عبد اللّه عليه السّلام فسأله عن حاله، فقال: فاشتدّت بي الحاجة، قال عليه السّلام: فارق، ففارق ثمّ أتاه فسأله عن حاله، فقال: أثريت و حسن حالي، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّي أمرتك بأمرين أمر اللّه بهما، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، و قال تعالى: وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ».
أقول: الآثار الوضعيّة في الآيات المباركة غير قابلة للإنكار، فإنّ وعوده تعالى حقائق فعليّة و لا نقص في قدرته عزّ و جلّ، و إنّ التخلّف لو تحقّق إنّما يكون لنقص أو وجود مانع في الطرف، كما تقدّم.
و في مصباح الشريعة قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ في هذه الآية: «قد جمع اللّه ما يتواصى به المتواصون من الأوّلين و الآخرين في خصلة واحدة و هي التقوى، و فيه جماع كلّ عبادة صالحة، و به وصل من وصل إلى الدرجات العلى و الرتبة القصوى، و به عاش من عاش بالحياة الطيبة و الانس الدمث، قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ».
أقول: تقدّم أنّ للتقوى مراتب متفاوتة و لكلّ منها درجة، فالإيمان هو التقوى و من لم يتق فكأنّه ليس بمؤمن، بل هو كافر- حسب اختلاف مراتبه- فالتقوى هي الركيزة الأولى في الانتساب العملي و القلبي (العقيدة) إلى اللّه سبحانه و تعالى، و هذا ما يستفاد من الآيات الشريفة لمن تدبّر فيها.
و عن البيضاوي في تفسير قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ قال: «و روي أنّ الآية لما نزلت ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ظهر سلمان (رضوان اللّه تعالى عليه) و قال: إنّه قوم هذا».
أقول: يستفاد من الرواية أنّ قوم سلمان لهم الأهليّة بتبديل الناس بهم للصفة اللائقة لذلك فيهم، و هي التقوى كما مرّ في التفسير و الرواية من باب ذكر المصداق.

يستفاد من الآيات المباركة بضميمة الروايات الواردة في الأحكام المستفادة منها أمور:
الأوّل:
لا يجوز لأحد التصرّف في أموال اليتامى و لا في أنفسهن، إلّا بعد مراجعة الولي على اليتيم أو اليتيمة كالجدّ- أب الأب- لو كان و إلّا فالحاكم الشرعي، على تفصيل ذكرناه في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام)، و لا بدّ في التصرّف مطلقا من المصلحة تعود لليتامى للآية الشريفة، و لقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* [سورة الانعام، الآية: ۱٥۲]، و للروايات الواردة في هذا الباب، كما لا يجوز لليتامى التصرّف في أموالهم و أنفسهم للحجر عليهم شرعا كما ذكرنا في الفقه و يرفع الحجر بذهاب اليتم بالعلامات المقرّرة شرعا، كما ذكرناها في كتاب الحجر من (مهذب الأحكام).
الثاني:
النشوز في الزوجة يتحقّق بأمور: منها الخروج عن بيت الزوج بلا إذن منه إن لم يكن خروجها واجبا شرعيا، و يدلّ على ذلك روايات كثيرة ذكرنا بعضها في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).
و منها: عدم تمكين نفسها للزوج فيما يجب عليها التمكين، و يدلّ على ذلك الأدلّة الأربعة، كما قرّرناها في محلّه.
و منها: عدم إزالة المنفّرات المضادّة للتمتع بها و الالتذاذ منها؛ للروايات الدالّة على ذلك، مضافا إلى الإجماع.
و إذا تحقّق النشوز يسقط وجوب النفقة عن الزوج في النكاح، و يستمر السقوط ما دام النشوز باقيا، للأصل. و إذا رجعت عن النشوز و تابت رجع وجوب النفقة على الزوج و تستحقّها لتحقّق المقتضي و رفع المانع، فتشمله الإطلاقات و العمومات.
و أمّا نشوز الزوج فيتحقّق بإظهار الخشونة لها قولا و فعلا، و لا يوجب نشوزه سقوط النفقة الواجبة عليه.
ثمّ إنّ مقدار النفقة من الكميّة و الكيفيّة موكول إلى العرف المتداول حسب كلّ عصر و زمان، كما ذكرنا ذلك في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).
الثالث:
يستفاد من قوله تعالى: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ قاعدة فقهيّة فيها البركة لعمومها، و هي: «جريان الصلح في جميع العقود دالا ما خرج بالدليل»، كالنكاح مثلا على ما ذكرنا في كتاب الصلح، و تدلّ عليها كلمة «خير» الساري في جميع العقود بلا تقييد و لا تخصيص، و للروايات الكثيرة، منها ما عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا حرّم حلالا و أحلّ حراما، و المسلمون على شروطهم إلّا شرطا حرّم حلالا»، و غيره من الروايات المستفيضة، مضافا الى الإجماع.
و لا يختصّ الصلح بالعقود التمليكيّة- كالبيع و الإجارة و غيرهما- بل يجري في غيرها أيضا- كما ذكرنا في كتاب الصلح من (مهذب الأحكام) و هو يفيد فائدة سائر العقود أيضا، فقد يفيد فائدة البيع أو الإجارة أو الهبة أو الإبراء و هكذا، و لا يشترط فيه أن يكون مسبوقا بالنزاع.
و الصلح: عقد لازم سواء كان مع العوض أو بدونه، لأصالة اللزوم في كلّ عقد إلّا ما خرج بالدليل، و لم يدلّ دليل فيه على الخروج، و ذكرنا في كتاب البيع من (مهذب الأحكام) ما يتعلّق بها.
و يغتفر في الصلح ما لم يغتفر في غيره من الشرائط و الأحكام المعتبرة في العقود؛ لأنّه خير، و لا قيد في الخير إن لم يقيّده الشرع.
الرابع:
وجوب التساوي في القسمة بالمبيت عند كلّ واحدة من الزوجات، و كذا في النفقة حسب لياقة الزوجة و شرفها.
نعم، لو كان الرجحان خارجا عن القدرة كالحبّ و المودّة فيسقط وجوب التعديل و التساوي، كما تقدّم في التفسير.
و عن ابن مسعود في قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ قال: «في الجماع». و لكن ذلك مجرّد دعوى منه لم تستند إلى معصوم أو دليل عقلي معتبر، مع أنّ الجماع قد يكون باستطاعة الشخص- لاختلاف الأمزجة- و لا يكون كالحبّ و المودّة، فالمناقشة فيما ذكره واضحة و اللّه العالم.
و الحمد للّه أولا و آخرا

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"