1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآيات 101 الى 104

وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى‏ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (۱۰٤)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض ما يتعلّق بالجهاد و الهجرة إلى سبيله عزّ و جلّ و حثّ عليهما بأتمّ وجه و أكمل بيان أراد جلّ شأنه أن يبيّن حكم المجاهدين مع أعداء اللّه تعالى في العبادات إذا أحاطهم الخوف و مانع عن ذكره جلّت عظمته، و حكم صلاة الخوف و بيان الصورة الّتي يؤدى بها.
و بمناسبة الهجرة من دار الكفر و الشرك و الضلال إلى دار الإسلام بيّن سبحانه و تعالى حكم الصلاة في السفر من القصر فيها، بعد بيان الحكمة في تشريع القصر فيها.
و يأتي ذكر الصلاة بعد الحثّ الشديد إلى الجهاد و الترغيب الأكيد إلى الهجرة؛ للأهميّة العظمى بها في شريعة الإسلام، حتّى أنّ الخوف من الأعداء و فتنتهم و تحمّل أهوال السفر و مشاقّه و متاعبه، لا تحول كلّ ذلك عن أداء الصلاة في أوقاتها. و إنّما تكون على قصر في كلتا الحالتين، و بالكيفيّة الّتي ذكرها عزّ و جلّ في هذه الآيات بالنسبة إلى صلاة الخوف و المطاردة.
و يبيّن عزّ و جلّ أنّ الصلاة الّتي هي الصلة بين الإنسان و خالقه لا يمكن أن يكون الخوف المحيط به و هول السفر و متاعبه مانعا عن أدائها مع شدّة احتياج الإنسان في لحظة الخوف إلى ذكر اللّه تعالى ليطمئن قلبه، ثمّ تنتهي الآيات المباركة بالترغيب إلى ملاحقة أعداء اللّه تعالى و تعقيب المشركين و مقاتلتهم، فكانت هذه الآية الكريمة ختام آيات الجهاد الّتي بدأت بالقتال و أخذ الحيطة و الحذر، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [سورة النساء، الآية: 71]، فكان الختام بالآية المباركة الّتي لخّصت الموقف كلّه، و هو الدعوة إلى القتال و ملاحقة المشركين حتّى يكفّ بأس الكافرين و يدفع أذاهم عن الإسلام و المؤمنين.
و تتضمّن الآية الكريمة حقيقة من الحقائق الّتي يكون لها الأثر الكبير في حسم الموقف و تحريض المؤمنين و تهيئتهم.

قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.
الضرب في الأرض: هو السفر و السير على ما تقدّم. و الجناح الإثم المائل بالإنسان عن الحقّ، و هو مأخوذ من الجناح الّذي في الطير، و منه قوله تعالى: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [سورة الأنفال، الآية: ٦۱]، أي: مالوا إلى الصلح.
ثمّ سمّى كلّ إثم جناحا. و نفي الجناح لا ينافي وجوب القصر لو تحقّقت شروطه المذكورة في السنّة، فإنّه تعالى جرى على طريقة المخاطبات العرفيّة، و من آداب الملوك نفي البأس و الحرج عن الشي‏ء و إرادة الأمر به و طلب الإلزام، لو كان في مقام التشريع أو دفع توهّم الحظر كما يأتي.
و القصر- بالفتح- كعتب خلاف المد، يقال: قصرت الشي‏ء إذا جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، و منه قوله تعالى: مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ [سورة الفتح، الآية: 27]، و قوله تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ [سورة الصافات، الآية: ٤۸]، و هي الّتي لا تمدّ نظرها إلّا إلى زوجها، فلم يطمحن النظر إلى غيرهم، و التعبير بنقص بعض ركعات الصلاة بالقصر من اللغة العالية الّتي جاء بها الكتاب العزيز.
و المفعول محذوف تقديره (شيئا)، و مِنَ الصَّلاةِ صفة و بيان له.
و المعنى: فإذا سافرتم فلا حرج و لا مانع من أن تنقصوا شيئا من الصلاة، و قيل: الصلاة مفعول تقصروا و (من) زائدة. و المراد من الصلاة جنسها، فيشمل كلّ صلاة إلّا ما خرج بالدليل، كصلاة الصبح و صلاة المغرب، و يختصّ القصر بالصلاة الرباعيّة بتنصيفها. كما أنّ إطلاق الأرض يشمل كلّ أنحائها من البر أو البحر أو الجوّ، كما أن عموم الضرب يشمل كلّ سفر إلّا ما خرج بالدليل كسفر المعصية، فتشمل سفر الطاعة و سفر المباح و غيرهما.
و تقدّم أنّ نفي الجناح الدالّ على الجواز بوحده لا ينافي الوجوب إذا كان في مقام التشريع أو دفع توهّم الحظر، كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [سورة البقرة، الآية: ۱٥۸]، فإنّه كما عرفت أنّ الطواف واجب و التعبير بنفي الجناح- مع أنّ المقام مقام فرض و وجوب- لأجل أنّ الإتمام لما كان عادة عندهم و قد ألفوه و اعتادوا عليه، كان مظنة لأنّ يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في السفر، فنفي عنه الجناح لتطيب به نفوسهم، و قد ذكرنا ما يتعلّق بهذا التعبير في آية الطواف أيضا فراجع.
و إرادة الوجوب بهذا التعبير من أسمى لغة الفصاحة و البلاغة الّتي يمتاز بها القرآن الكريم.
و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا: «قلنا لأبي جعفر عليه السّلام: ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي؟ و كم هي؟ فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا إنّما قال اللّه تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ و لم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟! فقال عليه السّلام: أو ليس قد قال: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ ذكره في كتابه، و صنعه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله، و كذا التقصير في السفر صنعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و ذكره اللّه في كتابه، قالا: قلنا: فمن صلّى من الصلاة أربعا، أ يعيد أم لا؟ قال عليه السّلام: إن كان قد قرأت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه، و الصلاة كلّها في السفر الفريضة ركعتان كلّ صلاة إلّا المغرب، فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير، تركها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في السفر و الحضر، ثلاث ركعات- الحديث-»، إلى غير ذلك من الأخبار الّتي وردت في هذا المضمون الدالّة على الوجوب، و مقتضاها كون التقصير في صلاة السفر لو تحقّقت شروطه عزيمة لا رخصة، فلا يجزيه الإتمام، و ممّا ذكرنا يعلم فساد جملة ممّا ذكروه في المقام، و سيأتي في البحث الفقهي تتمة الكلام إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
الفتنة: هي الاختبار بالمكروه و الأذى، و في الحديث: «انّكم تفتنون في القبور»، أي: تمتحنون و تختبرون، و يراد بها مسألة المنكر و النكير، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «فبي يفتنون و عني تسألون»، أي: تمتحنون بي في الدنيا و الآخرة، و يتعرّف على إيمانكم بتصديق نبوّتي، و تقدّم الكلام في اشتقاق هذه الكلمة، و قد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ كثر حتّى استعمل بمعنى الإثم و الكفر و القتال و الصرف عن الشي‏ء، و يراد بها في المقام الإيذاء بالقتل و الضرب و التعذيب و نحوها.
و الجملة شرط لنفي الجناح في قصر الصلاة، أي: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم الأذيّة و التعذيب من الّذين كفروا. و مفهوم الشرط و إن كان حجّة إلّا أنّه يعتبر فيه أن يكون الشرط علّة تامّة منحصرة للجزاء، و إلّا فلا مفهوم له كما في المقام، فإنّ الشرط إنّما هو لبيان الواقع، إذ أنّ في بدء التشريع الغالب كان على المسلمين الخوف في الأسفار، فتكون الآية الشريفة لبيان أحد مصاديق القصر، و أمّا السنّة الشريفة فقد بيّنت بقية المصاديق و دلّت على شمول القصر لجميع الأقسام و الصور.
بل يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الأدلّة الواردة في هذا المقام أنّ السفر مستقلّ في وجوب القصر من غير مدخليّة الخوف فيه، كما أنّ الخوف بنفسه مستقلّ في القصر أيضا، كما سيأتي. و بناء على ذلك لا وجه لما عن بعض من اشتراط القصر في السفر بالخوف؛ لظاهر الآية الشريفة الّذي عرفت أنّه لا حجّية فيه. على أنّه معارض بما هو أقوى حجّة على عدم الاشتراط، و سيأتي في البحث الروائي و الفقهي ما يتعلّق بذلك.
و الحاصل: أنّ الخوف من الفتنة و القتل من قبيل بيان إحدى حكم تشريع القصر في السفر، لا أن يكون شرطا فيه، و هو أيضا من باب الغالب في الأزمنة القديمة، لا سيما عصر نزول الآية الشريفة.
قوله تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً.
العدو يستوي فيه الواحد و الجمع، و قيل: هو مصدر على وزن فعول‏ كالقبول. و الجملة في موضع التعليل لتوقّع الفتنة. أي: أنّ من شأن الكافرين يكونوا لكم أعداء لا يضيعون فرصة في إيذاء المسلمين.
و قد وصف سبحانه و تعالى عداوتهم بكونها واضحة لا خفاء فيها، كما وصف عداوة إبليس لبني آدم عليه السّلام بذلك أيضا، حيث قال عزّ و جلّ: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً [سورة الإسراء، الآية: ٥۳]، فيعرف أنّ الكافرين من أولياء الشياطين.
قوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ.
بيان لكيفيّة صلاة الخوف. و الخطاب للرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله باعتباره إماما للمسلمين و رئيسهم، فيكون من قبيل إيراد المثال و إرادة الجميع بطريق التجريد، لكونه أوجز و أبلغ.
و إقامة الصلاة لهم أي: ايتانها جماعة و الايتمام به صلّى اللّه عليه و آله، و ذكر بعضهم أنّ المراد بها إقامة الصلاة المأتي بها بعد الأذان لتعدّيها باللام، و هو خلاف سياق الآية المباركة، بل المنساق ما ذكرناه، و هو الدعوة إلى أدائها جماعة، و كان هو الإمام لهم.
و المعنى: و إذا كنت فيهم يا رسول اللّه فصلّيت بهم جماعة و كنت أنت الإمام لهم، و الحال حال الخوف و الزمن زمن فتنة الكفّار الّذين هم عدو لكم.
و ذكر بعضهم أنّ ظاهر الآية الشريفة اختصاص الخطاب بالرسول صلّى اللّه عليه و آله فيكون شرط صلاة الخوف هو وجوده صلّى اللّه عليه و آله فيهم، فتكون من خواصه. و لكن هذا القول موهون لما عرفت؛ و لقيام الدليل على ثبوت صلاة الخوف بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا.
قوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ.
الطائفة الجماعة، و ربما تطلق على الواحد أيضا، أي: أقسمهم إلى طائفتين، فلتقم إحداهما معك يقتدون بك في الصلاة، و تبقى الأخرى تجاه العدو و تراقبه، و لم يذكر عزّ و جلّ هذه الطائفة غير المصلّين، لدلالة ظاهر الكلام عليه.
قوله تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ.
السلاح: اسم لما يدفع الإنسان به عن نفسه، و يختلف ذلك باختلاف العصور. و الظاهر توجّه الخطاب إلى الطائفة القائمة معه صلّى اللّه عليه و آله في الصلاة، فليأخذوا أسلحتهم و لا يدعوها وقت الصلاة.
و قيل: بتوجه الخطاب إلى الطائفة الأخرى المراقبة للعدو المستفاد من سياق الكلام. و قيل: إنّ المأمور بأخذ السلاح هو الجميع، الطائفتين- المصلّين و المراقبين- معا. و لا يخفى ما في كلا القولين، فإنّ أخذ السلاح في مثل هذه الحالة أمر ضروري إلّا في حال الصلاة الّتي لا قتال فيها و لا نزال، و قد ورد النهي عن حمل السلاح حال الصلاة، فاحتاج إلى الأمر بأخذه حالها، و لا يوجد مثل هذه القرينة في الاحتمالين الآخرين.
ثمّ إنّ ظاهر الأمر هو وجوب حمل السلاح حال الصلاة مع العذر و الخوف.
قوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ.
أي: فإذا فرغ المصلّون من السجود، فيصبروا بعد فراغهم من الصلاة إلى وراء القوم يحرسونهم، و تأتي الطائفة المراقبة و تأخذ أمكنتها للصلاة.
قوله تعالى: وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى‏ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ.
أي: و لتأت الطائفة الّذين لم يصلّوا لاشتغالهم بالحراسة و المراقبة، فليصلّوا معك كما صلّت الطائفة الأولى، و هذه الآية المباركة تحتمل وجهين.
الأوّل: أن يفرّق الإمام أصحابه فرقتين، يصلّي بإحداهما الصلاة ركعتين و يسلّم بهم، و الثانية تحرسهم ثمّ يصلّي بالثانية ركعتين يعيدها معهم، فتكون لهم فريضة و له نافلة، و هذه هي صلاة بطن النخل، صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأصحابه هناك، و هذه الصلاة لا مخالفة لها مع صلاة المختار إلّا بالكيفيّة المذكورة؛ و لذا ذكر بعض الأصحاب بجواز صلاتها في الأمن أيضا، و لكنّه مشكل كما هو مذكور في الكتب الفقهيّة.
الثاني: أن يفرّق الإمام أصحابه فرقتين يصلّي بكلّ فرقة منهم ركعة إن كانت الصلاة ركعتين، فيصلّي بالأولى ركعة و ينتظر الإمام قائما في الركعة الثانية، حتّى يصلّوها انفرادا و يتشهّدون و يسلّمون و يذهبون إلى وجه العدو و مكان الفرقة الّتي لم تصلّ، فتأتي الأخرى فيؤمّهم الإمام بهم للركعة الثانية و ينتظرهم قاعدا حتّى يتمّوا صلاتهم و يسلّم بهم، فتكون للطائفة الأولى تكبيرة الافتتاح، و للثانية التسليم، و هذه هي صلاة ذات الرقاع الّتي صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و يشترط لها شروط مذكورة في كتب الفقه فراجع (مهذب الأحكام)، و قد وردت هذه الصلاة في أخبار أهل العصمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
قوله تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ.
أي: و لتأخذ الطائفة الأخرى- الّتي تصلّي كالطائفة الأولى- حذرهم و أسلحتهم، و يمكن توجيه الأمر إلى الطائفتين معا، أي: و لتأخذ الطائفتان حذرهم و أسلحتهم سواء في الصلاة أو في الحراسة، و يؤيّده ذيل الآية الشريفة: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ.
و زاد تعالى في المقام الحذر، و هو التيقّظ و جعل الحذر آلة الدفاع الّتي يتحصّن بها كالأسلحة، و هو من الاستعارة اللطيفة، حيث أثبت له الأخذ و هو أمر معنوي لا يتّصف به تخييلا، و زاده عزّ و جلّ في المقام لشدّة الحيطة و التحرّس؛ لأنّ العدو قد يميل إذا ما تنبّه أنّ المسلمين في الصلاة بعد غفلته في ابتداء الأمر عنهم، فينتهزون الفرصة و هم في حال الركوع و السجود فيهجمون عليهم.
قوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً.
تعليل للحكم المزبور، و الخطاب للفريقين، و الأمر إرشادي إلى ما تحكم به الفطرة من وجوب أخذ الحيطة و الحذر عمّا يخاف منه.
و الميلة الواحدة، أي: جملة واحدة مستأصلة لا يحتاج إلى حملة ثانية، و هي مبالغة في تمنّيهم إزالة المسلمين و محو آثارهم.
و المعنى: يتمنّى الّذين كفروا غفلتكم عن السلاح الّتي بها تدفعون عدوكم، و عن الأمتعة الّتي بها بلاغكم في أسفاركم و أنتم متشاغلون بالصلاة، فيحملون عليكم حملة واحدة مستأصلة.
قوله تعالى: وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
تخفيف إلهي و ترخيص لهم في وضع السلاح و التأهّب للعدو إذا ثقل حمل السلاح عليهم إن كانوا يتأذّون من مطر ينزل عليهم، أو كان بعضهم مرضى، لكن يجب عليهم الحذر و التيقّظ و لا يغفلوا عن أعدائهم الّذين يودّون القضاء عليهم.
قوله تعالى: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ.
أمر إرشادي كما عرفت، و هو وجوب اتّخاذ الحذر في جميع الأحوال حين وضع السلاح و حمله؛ لئلّا يهجم عليهم العدو.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
وعد منه عزّ و جلّ للمؤمنين بالنصر على الّذين كفروا لتقوية قلوبهم و بعث الطمأنينة في نفوسهم بعد أمرهم بالحذر؛ لئلّا يشعروا بالضعف و وعيد للكافرين الّذين يريدون إذلال المؤمنين و القضاء عليهم.
و يستفاد من الآية المباركة مناسبة العذاب للفعل، فإنّ الكافرين يريدون إذلال المؤمنين، فاللّه تعالى أوعدهم العذاب المهين الّذي يذلّ فيه كلّ كافر، سواء في الدنيا بالنصر عليهم، أو في الآخرة في نار جهنّم خالدين فيها.
قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ.
أي: فإذا فرغتم من الصلاة و اديتموها على ما قرّرها اللّه عزّ و جلّ، فداوموا على ذكره عزّ و جلّ في حال القيام و القعود و على جنوبكم، و المراد منها الذكر المستوعب لجميع الأحوال.
و تبيّن الآية المباركة مراتب القدرة و العجز في الصلاة، فيصلّي الأصحاء و القادرون على القيام قياما، و قعودا إذا كانوا مرضى لا يقدرون على القيام، و على جنوبهم إذا لم يقدروا على القعود، فيصلّون مضطجعين كما فسّر في بعض الأخبار، و هو الاضطجاع على الأيمن، و إلّا فعلى الأيسر، و إلّا فمستلقين، و قد وردت في هذا الاحتمال روايات متعدّدة.
و ذكر جمع أنّ الآية الكريمة في مقام بيان مراتب الخوف و شدّته. و قال آخر: يعني اذكروه على كلّ حال تكونون عليها من قيام، و لكن إطلاقها يشمل جميع ذلك كما يشمل حال الحرب و حال السلم.
و كيف كان، فالآية الكريمة تدلّ على لزوم المراقبة و ذكر اللّه تعالى و عدم الغفلة عنه عزّ و جلّ في جميع الأحوال، كما يدلّ عليه قوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأنفال، الآية: ٤٥]. و المداومة على ذكر اللّه من أقوى السبل على تربية النفس و ترويضها على الاستكمال و بعد الغفلة عنه؛ و لذا ورد التأكيد على كثرة الذكر في القرآن الكريم و السنّة الشريفة.
قوله تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.
المراد من الاطمئنان هو الاستقرار و سكون النفس، أي: إذا زال الخوف و قدرتم على إتيان الصلاة على ما يعتبر فيها من الشروط و الواجبات الاختياريّة، فيجب إتيان الصلاة تامّة على الوجه المأمور به مع الحفظ على أركانها و شرائطها و سائر واجباتها.
و يمكن إرجاع الآية الكريمة إلى ما قبلها، فتكون قرينة على إرادة شدّة الخوف منها، كما يمكن أن تجعل مقابلا لقوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فيكون المراد هو الاستقرار في الأوطان. و يمكن الحمل على الأعمّ بحيث يشمل‏ الاستقرار في الأوطان الموجب لإتمام الصلاة، أو الاستقرار في النفس الناشئ من زوال الخوف، فيأتي بالصلاة على ما هي عليها من الأجزاء و الشرائط، فيوجب رفع القصر من الصلاة كمية و كيفيّة كلّ بحسب حاله.
قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.
تعليل لما سبق و تأكيد للأحكام السابقة، و اعتناء بشأن الصلاة اعتناء بليغا، أي: إنّما شرّع حكم تلك الأقسام و الأطوار لأجل أنّ الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة، و كانت من الواجبات الوقتيّة، كما حدّدها عزّ و جلّ في آيات كثيرة و بيّنتها السنّة الشريفة.
و الكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض، و تقدّم اشتقاق هذه الكلمة في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [سورة البقرة، الآية: 183].
و إنّما خصّ عزّ و جلّ المؤمنين دون سائر الناس مع أنّ الصلاة فرض على الجميع حتّى الكفّار- لتكليفهم بالفروع كتكليفهم بالأصول- اهتماما بهم و لأنّهم المستعدّون لقبول الفيض و الاستكمال، و هم الّذين يعرفون أهميّة الصلاة في تهذيب النفس و القرب لدى جنابه عزّ و جلّ، فيكون من باب ذكر أشرف الأفراد، لا التخصيص في التكليف، و سيأتي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [سورة النساء، الآية: ۱۳٥] بعض ما يتعلّق بالمقام.
قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ.
أمر بالعزيمة و الثبات في طلب أعداء اللّه تعالى و عدم التواني في دركهم بعد الأمر بأخذ الحذر و الاستعداد، فإنّ الأمر عظيم و الشوط طويل و يحتاج إلى بذل التضحيات كما يحتاج إلى الصبر و العزيمة، و من المعلوم أنّ الآلام و التضحيات ليست وقفا على المؤمنين وحدهم، فإنّ الناس كلّهم معرّضون لها، و يتألم منها الكافر كما يتألم المؤمن. و لا شك أنّ ممّا يزيد في عزيمة المؤمن المجاهد إذا علم أنّه أحدث في العدو جرحا و خسائر، فيشعر أنّه ليس الوحيد الّذي يتألم بل قد أحدث‏ في عدوه الألم في ذات الوقت، إلّا أن الفارق الأعظم بين الألمين أنّ ألم المؤمن ذاهب به إلى الجنّة يغسل به خطاياه و ذنوبه و يزيل العذاب و يزيد له في الدرجات كلما زاد، و يعوّض له النعيم الأبدي الّذي لا ينغصه شي‏ء ممّا في الدنيا، بخلاف ألم العدو الكافر الّذي يزيد في بلائه و شقائه و عذابه.
و الآية الشريفة من الآيات المعدودة الّتي تعالج الجانب النفسي في الجهاد، حيث تبعث الطمأنينة في النفوس إذا أصابها الوهن و الضعف و تتكاسل إذا تألمت من الجراح و المرض، فتزيلها بأسلوب تربوي نفسي رصين، فتشرح لها أولا بأنّ المقام يستدعي التضحية و تلقّي الآلام و المصائب، ثمّ تزيد في الهمّة و التشجيع بأنّ الطرف الآخر المقابل أيضا أصابه بمثل ما أصاب المؤمنين، ثمّ تنشط العزيمة بإثبات الفرق بين الألمين، الألم الّذي يصيب المؤمنين فإنّ عاقبته الجنّة و يزيد الثواب و يرفع العذاب، بخلاف الألم الّذي يصيب الأعداء الكافرين فإنّه محيط لهم و منغص لعيشهم و يحرمهم من نعيم الدنيا و يوردهم البوار و الهلاك في الآخرة، فلا ينبغي الوهن و الضعف في طلب القوم الّذين ناصبوا لكم العداء و يريدون القضاء عليكم.
قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ.
تسكين النفس عند إصابتها بالجراح و المرض و التعب و تشجيع لها، فإنّها إذا علمت بأنّ الأعداء أصابهم مثل ما أصابها تتشجّع و تصبر على البلاء، فليس الجراح و الآلام مختصّة بهم، بل هي مشتركة بين الفريقين؛ لأنّهم بشر أيضا، و الألم لا بدّ أن لا يكون مانعا عن خوض اللجج و قتال أعداء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ.
بيان للفرق بين الفريقين الأشقياء الّذين ليس لهم أمل إلّا العيش في هذه الحياة، فلا رجاء له في الآخرة فإذا أصابه الألم و الموت انقطعت آماله و خابت أمانيه و يئس عن الحياة، و فريق السعداء الّذين يرجون اللّه تعالى الظفر و الفتح و المغفرة و الثواب الجزيل؛ لأنّهم يعلمون من اللّه تعالى ما لا يعلمه غيرهم، و هذا هو مبعث الأمل و منبت الصبر و منفاة لليأس و القنوط، و هو الّذي ينشّطهم على العمل و يسوقهم إلى الهدف، و الرجاء يبعث الهمّة و اليأس يميتها، فما أبعد ما بين الفريقين، و ما أكثر ما يدعى إلى الصبر و تحمّل المشقّة في المؤمن، بخلاف العدو الكافر.
قوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
أي: أنّ اللّه تعالى عليم بالمصالح و بجميع أعمالكم و نواياكم، حكيم في تدبير خلقه و تشريع أحكامه، فجدّوا في الامتثال، فإنّ فيه عواقب حميدة، فإنّ في أوامره و نواهيه مصالح بالغة تامّة فاطلبوها، و الآية المباركة بمنزلة التعليل لما قبلها.

تدلّ الآيات الشريفة على أمور:
الأوّل:
يدلّ قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ على ثبوت القصر في الصلاة، و القصر إمّا متعلّق بالكميّة، و هو مختصّ بالمسافر الجامع للشروط المقرّرة في السنّة، أو بالكيفيّة و هو الّذي في صلاة الخوف، و إمّا فيهما معا و يتحقّق في شدّة الخوف، و تسمّى بصلاة المطاردة حين الحرب و اشتداد الحال، على التفصيل المذكور في كتب الفقه، و قد ذكرنا في التفسير أنّ الآية المباركة مع القرائن المنضمة إليها تدلّ على كون القصر في السفر عزيمة، لا أن تكون رخصة، و نفي الجناح أعمّ من الرخصة. و سيأتي مزيد بيان في البحث الفقهي إن شاء اللّه تعالى.
و يستفاد من الآية المباركة أنّ القصر في السفر مشروط بأمرين:
الأوّل: المسافة، و لم تبيّن الآية الكريمة مقدار المسافة و لكن حدّدتها السنّة الشريفة.
الثاني: الخوف، فلا قصر في الأمن، إلّا أنّ استفادة ذلك إنّما يكون من ناحية المفهوم الشرطي، و قد ذكرنا في التفسير ما يتعلّق به فراجع.
و استدل بالآية الكريمة بعضهم على اشتراط الجماعة و السفر و الخوف في صلاة الخوف، فلا قصر فيها إذا انتفى أحد هذه الشروط، و لكنّه مردود كما هو مذكور في كتب الفقه.
الثاني:
يدلّ قوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ على أنّه يشترط أن يكون الضرب مقرونا بالقصد و العزم إلى المسافة المبيّنة في الشرع، سواء كان‏ مجبورا على السير مع علمه بانتقاله إلى المسافة الشرعيّة أو لم يكن كذلك، فالذاهل و المتردّد و فاقد القصد و العزم لمنتظر الرفقة و نحوهما لا يترخّصون في القصر، و إطلاق الآية المباركة يدلّ على ثبوت الرخصة عند حصول الضرب و التلبّس بالسير، إلّا أنّه مقيّد بخفاء الأذان أو الجدران بأدلّة خاصّة، كما هي مذكورة في الفقه.
الثالث:
يدلّ سياق قوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ على فضل الجماعة و الحثّ العظيم على إقامتها، كما استفاضت به الأخبار.
الرابع:
تدلّ الآية الكريمة على وجوب اتّخاذ الحذر من الكافرين الّذين هم أعداء اللّه تعالى و دين الحقّ، و الآية المباركة ترشد إلى أمر فطري، و هو حكم الفطرة باتّخاذ الحذر ممّا يخاف منه.
الخامس:
يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أنّ الصلاة من الأمور الثابتة الّتي لا تتغيّر و لا تقبل الفدية و البدل، و لا تقبل الإسقاط، و لعلّ ما ورد في بعض الآثار: «انّ الصلاة لا تسقط بحال»، مأخوذ من هذه الآية الشريفة.
السادس:
يدلّ قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ على وجوب اتخاذ الحيطة و الحذر و التهيؤ للقتال، حتّى يكفّ بأس الّذين كفروا و يدفع أذاهم عن الدين الحقّ و أهله، و تدلّ الآية الشريفة على الجهاد الطويل المرير و شدّة العزيمة.
و تتعرّض الآية الشريفة إلى أهمّ الأمور النفسيّة الّتي تؤثّر في هذا الميدان، و هو جانب الوهن في العزيمة و تأثّر النفس بما يرد عليها من الآلام و المحن و الأمراض، و تبيّن الفرق الكبير بين الفريقين و بعد الشقّة بينهما، كما عرفت.
السابع:
تدلّ الآية المباركة: وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ على وعد اللّه تعالى بالنصر للمؤمنين لمكان إيمانهم و ثباتهم عليه، و أنّ النصر حليفهم إن‏ تحقّق منهم العمل و الثبات و عدم الوهن في ابتغاء القوم، و إلّا فلا نصرة. و رجاء المؤمنين منه تعالى أعمّ ممّا يفيض عليهم في الحياة الدنيا و الآخرة.
الثامن:
يدلّ قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ على لزوم ذكره تعالى في جميع المواطن، و مراقبة النفس و الاعتماد عليه عزّ و جلّ و التوسّل به في نجح المقاصد و إنجاز المطالب، لا سيما في ميدان الجهاد و القتال مع أعداء اللّه تعالى.
التاسع:
يستفاد من تكرار الصلاة في الآيات الشريفة أهميّتها، و أنّها من السبل القربيّة الّتي يتوسّل إليه تعالى في إنجاح المقاصد، و قد ورد في بعض الأحاديث: «انّ الصلاة قربان كلّ تقي».

في التهذيب بإسناده عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن صلاة الخوف و صلاة السفر، تقصّران جميعا؟ قال: نعم، و صلاة الخوف أحقّ أن تقصّر من صلاة السفر، فإنّ السفر ليس فيه خوف».
أقول: المراد من الأحقيّة أفعل التفضيل، فيقتضي اشتراك غيره معه، أي تشترك صلاة السفر و صلاة الخوف في القصر و إن كان القصر في الخوف آكد لذكره في الآية الكريمة من باب ذكر إحدى حكم التشريع، كما ذكرنا في التفسير، لا أن يكون من باب الاختصاص من غير مشاركة، نحو: زيد أحقّ بماله.
و في التهذيب بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعد هما شي‏ء إلّا المغرب».
أقول: متعلّق الاستثناء صدر الرواية كما هو واضح، و ليس قبل الركعتين المفروضتين شي‏ء واجب، و كذا ليس بعدهما. نعم يستحبّ بعدهما التسبيحات‏ الأربع و ثلاثين مرّة، كما هو مذكور في الجوامع الفقهيّة، فراجع صلاة المسافر من (مهذب الأحكام).
و في الكافي بإسناده عن حريز عن الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «في الركعتين تنقص منها واحدة».
أقول: قريب منها غيرها، و هذه الروايات إمّا تحمل على صلاة المطاردة، أو على التقيّة؛ لمخالفتها لما هو المشهور بين الإماميّة و موافقتها لغيرهم.
و في تفسير العياشي عن إبراهيم بن عمر عن الصادق عليه السّلام قال: «فرض اللّه على المقيم أربع صلوات، و فرض على المسافر ركعتين تمام، و فرض على الخائف ركعة، و هو قول اللّه: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول من الركعيتن فتصير ركعة».
أقول: ما ذكرنا في الرواية السابقة يجري في هذه الرواية أيضا، و أنّ المراد من الخائف شدّة الخوف، أي: الخائف المطارد.
و في الدرّ المنثور عن عليّ عليه السّلام قال: «سأل قوم من التجار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلّي؟ فأنزل اللّه: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، ثمّ انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصلّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد و أصحابه من ظهورهم، هلّا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم مثلها أخرى في أثرها، فأنزل اللّه تعالى بين الصلاتين: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً* وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فنزلت صلاة الخوف».
أقول: لا بدّ من حمل التاجر على الّذي لا يدور في تجارته، بقرينة ما تأتي من الرواية، و أنّ المراد بقطع الوحي في شأن المورد- كما هو الظاهر- لا مطلقا. و أنّ‏ ما نزل في الغزوة من تمام الآية الكريمة يكون من باب تعدّد النزول أو من باب التطبيق.
و في الكافي بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال: «سبعة لا يقصّرون الصلاة: الجابي الّذي يدور في جبايته، و الأمير الّذي يدور في إمارته، و التاجر الّذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، و الراعي، و البدوي الّذي يطلب مواطن القطر و منبت الشجر، و الرجل الّذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الّذي يقطع الطريق».
أقول: لا بدّ من تحقّق شرائط القصر من المسافة الشرعيّة، و استمرار القصد، و قطع المسافة و عدم قصد الإقامة، و مع ذلك لا يقصّر هؤلاء، فالرواية في مقام التخصيص لا التخصّص كما هو واضح، و قد ذكرنا التفصيل في صلاة المسافر من (مهذب الأحكام) فراجع.
و في تفسير القمّي نزلت- أي: آية صلاة الخوف- لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى الحديبيّة يريد مكّة، فلما رفع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائة فارس ليستقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فكان يعارض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق و حضرت صلاة الظهر أذّن بلال و صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنّا حملنا عليهم و هم في الصلاة لأصبناهم، فإنّهم لا يقطعون الصلاة، و لكن تجي‏ء لهم الآن صلاة أخرى هي أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئيل بصلاة الخوف بهذه الآية، ففرّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أصحابه فرقتين و وقف بعضهم تجاه العدو و قد أخذوا سلاحهم، و فرقة صلّوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائما و مروا فوقفوا موقف أصحابهم، و جاء أولئك الّذين لم يصلّوا فصلّى بهم رسول اللّه الركعة الثانية و لهم الأولى، و قعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قاموا أصحابه فصلّوا هم الركعة الثانية و سلّم عليهم».
أقول: الحديبية قرية بينها و بين مكّة مرحلة واحدة، و يقال: إنّ بعضها من‏ الحلّ و بعضها من الحرم، و سمّيت بذلك لبئر فيها تسمّى الحديبيّة. و يستفاد من هذه الرواية اهتمام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المسلمين بالصلاة، حتّى أنّ ذلك كان معروفا عند أعدائهم، كما يستفاد منها الكيفيّة الخاصّة في صلاة الخوف، كما تقدّم في التفسير.
و في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، ففرّق أصحابه فرقتين، أقام فرقة بإزاء العدو، و فرقة خلفه، فكبّر و كبّروا فقرأ و انصتوا فركع و ركعوا فسجد و سجدوا ثمّ استمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قائما و صلّوا لأنفسهم ركعة، ثمّ سلّم بعضهم على بعض ثمّ خرجوا الى أصحابهم فقاموا بإزاء العدو، و جاء أصحابهم فقاموا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فصلّى بهم ركعة ثمّ تشهّد و سلّم عليهم، فقاموا و صلّوا لأنفسهم ركعة ثمّ سلّم بعضهم على بعض، و قد قال اللّه تعالى لنبيّه: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً* وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ- إلى قوله تعالى- إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً، فهذه صلاة الخوف الّتي أمر اللّه عزّ و جلّ بها نبيّه، و قال: من صلّى المغرب في خوف بالقوم صلّى بالطائفة الأولى ركعة و بالطائفة الثانية ركعتين- الحديث».
أقول: ذات الرقاع هي من إحدى غزواته الّتي حضرها بنفسه صلّى اللّه عليه و آله و كان بينها و بين الهجرة أربع سنين و أيام، و خاف الجمعان بعضهم بعضا، فصلّى رسول اللّه بالمسلمين صلاة الخوف، و ذات الرقاع موضع بنجد، و كانت قوّات أعدائهم من بني محارب و بني ثعلبة من غطفان، و كان قوات المسلمين اربعمائة راكب و راجل، و انهزم بنو ثعلبة و بنو محارب فيها، و كان هدف الأعداء فيها القضاء على المدينة و غزوها.
و سمّيت الغزوة بذات الرقاع لوجوه كثيرة، أهمّها أنّهم كانوا يشدّون على أرجلهم الخرق من شدّة الحرّ، أو يعصبونها حتّى يسهل عليهم المشي. و قيل: إنّها اسم جبل قريب من المدينة فيها رقع سود و حمر و بيض. و قيل: إنّ الأرض كانت‏ كذلك. و قيل: رقّعوا راياتهم كذلك. و قيل: هي اسم شجرة كانت في موضع الغزوة.
و كيف كان، تتضمّن الرواية الكيفيّة الخاصّة لصلاة الخوف، و هي المعروفة بين الإماميّة و الموافقة للقواعد العامّة، كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام).
و عن ابن عباس في تفسيره أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غزا محاربا ببني أنمار فهزمهم اللّه تعالى و أحرزوا الذراري و المال، فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون و لا يرون من العدو واحدا، فوضعوا أسلحتهم و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليقضي حاجته و قد وضع سلاحه، فجعل بينه و بين أصحابه الوادي، فإلى أن يفرغ من حاجته و قد درأ الوادي و السماء ترش، فحال الوادي بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين أصحابه، و جلس في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد صلّى اللّه عليه و آله قد انقطع من أصحابه، فقال: قتلني اللّه إن لم اقتله، و انحدر من الجبل و معه السيف و لم يشعر به رسول اللّه إلّا و هو قائم على رأسه و معه السيف قد سلّه من غمده، و قال: يا محمد من يعصمك منّي الآن، فقال رسول اللّه: اللّه، فانكب عدوّ اللّه لوجهه فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأخذ سيفه، و قال: يا غورث من يمنعك منّي الآن؟
قال: لا أحد، قال: أتشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّي عبد اللّه و رسوله، قال: لا، و لكنّي أعهد أن لا أقاتلك أبدا و لا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سيفه فقال له غورث: و اللّه، لأنت خير منّي، قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّي أحقّ بذلك، و خرج غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه، قال: اللّه، أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من زلّخني بين كتفي فخررت لوجهي و خرّ سيفي و سبقني إليه محمد و أخذه. و لم يلبث الوادي أن سكن فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر و قرأ عليهم: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
أقول: ذكر صاحب المجمع الرواية عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره.
و كيف كان، انّ الزلخ وجع يأخذ في الظهر لا يتحرّك الإنسان من شدّته.
و ذكر الواقدي في المغازي أنّ المشركين في غزوة ذات الرقاع كانوا من بني أنمار و ثعلبة. إذا ما ورد فيها تكون نفس غزوة ذات الرقاع. و يمكن الجمع بين ما تقدّم و بين ما ذكره الواقدي بأنّ المشركين كانوا في غزوة ذات الرقاع من قبائل متعدّدة أكثرها ثعلبة و بنو محارب و منهم بنو أنمار أيضا، فلا تنافي حينئذ. و على أيّة حال لا يهمّنا ذلك.
و إنّها تدلّ على عنايته جلّت عظمته برسوله الكريم و دوام إمدادته الخاصّة به بحفظه عن المشركين الّذين هم كانوا أعداء له صلّى اللّه عليه و آله، و لعلّ الوجه في عدم قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الرجل لإتمام الحجّة عليه، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله ليس في مقام الانتقام أو التشفّي، و أنّ الآية الشريفة المذكورة فيها إمّا من باب التطبيق، أو من باب تعدّد النزول.
و في الدرّ المنثور بإسناده عن ابن عباس قال: «صلّينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين مكّة و المدينة و نحن آمنون لا نخاف شيئا، ركعتين».
أقول: تدلّ الرواية على أنّ القصر في الصلاة في السفر الشرعي لا يناط بالخوف، و ما ذكر في الآية المباركة من إحدى حكم التشريع لا العلّة المنحصرة بها الحكم، كما في مثل الإسكار على ما تقدّم في التفسير.
و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في ما رواه البخاري و غيره عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صلّيت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الظهر و العصر بمنى أكثر ما كان الناس و آمنه ركعتين»؛ فإنّ السفر الشرعي تحقّق سواء كان ذلك بمنى أو غيرها، و هو موجب لقصر الصلاة.
و في الكافي بإسناده عن داود بن فرقد قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً؟ قال: كتابا ثابتا، و ليس إذ عجّلت قليلا أو أخّرت قليلا بالّذي يضرّك ما لم تضع تلك الإضاعة، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا».
أقول: يستفاد من هذه الرواية أمور:
الأوّل: أنّ الصلاة ثابتة فلا تسقط بحال، فتكون الرواية دليلا على القاعدة المتّفق عليها الفقهاء من أنّ «الصلاة لا تسقط بحال» إلّا إذا دلّ الدليل على سقوطها، كما في الحائض و النفساء و المجنون و الصبي المميز و غيره.
الثاني: مشروعيّة القضاء فيها؛ لأنّ معنى الثبوت هو البقاء، ما لم تؤد بالكيفيّة الخاصّة الّتي قرّرها الشارع، كما ذكر ذلك في الكتب الفقهيّة.
الثالث: أنّ الصلاة يعمّ تكليفها الناس جميعا، و التخصيص بفرقة خاصة ينافي إطلاق قوله عليه السّلام: «كتابا ثابتا»، فلا بد من إقامة دليل خاصّ على التقييد، و أنّ ذكر المؤمنين في الآية المباركة من باب ذكر أشرف الناس و أحبّهم إليه جلّت عظمته، مع أنّ للإيمان مراتب.
الرابع: يستفاد منها أنّ وقت الصلاة موسّع؛ لأنّ في الضيق شدّة و حرجا، و هما ينافيان رحمته الّتي وسعت كلّ شي‏ء، و يدلّ قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج، الآية: 78]، و تدلّ على ذلك أيضا روايات كثيرة.
و في الدرّ المنثور عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أمّني جبرئيل عند البيت مرّتين، فصلّى بي الظهر حين زالت الشمس و كانت قدر الشراك، و صلّى بي العصر حين كان ظلّ كلّ شي‏ء مثله، و صلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، و صلّى بي العشاء حين غلب الشفق، و صلّى بي الفجر حين حرم الطعام و الشراب على الصائم، و صلّى بي الغد الظهر حين كان ظلّ كلّ شي‏ء مثله، و صلّى بي العصر حين كان ظلّ شي‏ء مثليه، و صلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، و صلّى بي العشاء ثلث الليل، و صلّى بي الفجر فأسفر ثمّ التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا الوقت وقت النبيّين قبلك. الوقت ما بين هذين الوقتين».
أقول: الشراك أحد سيور النعل الّتي تكون على وجهها، و التقدير به ليس‏ على وجه التحديد، أي: إذا استبان الفي‏ء في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال، فصار في رؤية العين قدر الشراك، و هذا أقلّ ما يعلم به الزوال، و إنّما يتبيّن ذلك في مثل مكّة المكرّمة و البلاد الّتي حولها ممّا يقلّ فيها الظلّ، فإذا كان أطول النهار و استوت الشمس فوق الكعبة لم ير شي‏ء من جوانبها ظل، فكلّ بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء و معدّل النهار، يكون الظلّ فيه أقصر، و كلّ ما بعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظلّ أطول.
و يمكن أن يستدلّ بالرواية على جمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بين الصلاتين، و المراد من (مرّتين) يومين، بقرينة ذيل الرواية. و لم يؤم جبرئيل لسوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الأنبياء العظام، و هذا من مختصاته صلّى اللّه عليه و آله، كما تدلّ على شرف البيت و كرامته أيضا.
و في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال: «في صلاة المغرب في السفر لا يضرّك إن تأخّرت ساعة ثمّ تصلّيها إن أحببت أن تصلّي العشاء الآخرة، و إن شئت مشية ساعة إلى أن تغيب الشفق، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صلّى صلاة الهاجرة و العصر جميعا، و المغرب و العشاء الآخرة جميعا، و كان يؤخّر و يقدّم، إنّ اللّه تعالى قال: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً، إنّما عنّى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره، إنّه لو كان كما يقولون لم يصل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هكذا و كان أعلم و أخبر، و كان كما يقولون، و لو كان خيرا لأمر به محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قد فات الناس مع أمير المؤمنين عليه السّلام يوم صفّين صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، و أمرهم عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام فكبّروا و هلّلوا و سبّحوا رجالا و ركبانا؛ لقول اللّه: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً، فأمر عليّ عليه السّلام فصنعوا ذلك».
أقول: الهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحرّ أو من عند الزوال إلى العصر، و سمّي بها لأنّ غالب الناس يسكنون في بيوتهم، فكأنّهم قد تهاجروا، و صلاة الهجرة صلاة الظهر، و في الدعاء: «أتراك معذبيّ و قد أظمأت لك هواجري»، أي: حصل لي شدّة العطش في هواجري لأجل عبادتك و الخضوع لك.
و كيف كان، فتدلّ الرواية على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع بين الصلاتين، و كان يقدّم و يؤخّر، و ذلك يدلّ على الاستمرار.
و المراد بقوله عليه السلام: «إنّما عنّى وجوبها على المؤمنين»، أي: الوجوب الخاصّ و هو إتيان الصلوات في الأوقات الخمسة المعينة؛ لأنّ فيه عناية خاصّة لا تشمل كلّ أحد، فلا ينافي ما ذكرناه في رواية داود بن فرقد من شمول الوجوب لجميع الناس حتّى الكافر.
و الرواية لا تدلّ على فوت الصلاة عن عليّ عليه السّلام، بل فوت الصلاة عن الناس الّذين كانوا معه، كما هو المنساق منها.
و في الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً قال: يعني مفروضا، و ليس يعني وقت وقتها ان جاز ذلك الوقت ثمّ صلّاها لم تكن صلاته هذه مؤدّاة، و لو كانت كذلك لهلك ابن داود عليه السّلام حين صلّاها لغير وقتها، و لكنّه متى ذكرها صلّاها».
أقول: يستفاد منها أنّ الصلاة واجبة، و أنّ التوقيت الزمني في الصلاة المفروضة من باب تعدّد المطلوب. و أمّا صلاة ابن داود عليه السّلام الّتي صلّاها في غير وقتها يمكن أن يكون ذلك لمصلحة فيها، كتشريع القضاء عملا أو غير ذلك تحفّظا على العصمة في الأنبياء عليهم السّلام.
و في الدرّ المنثور بإسناد متّصل عن يعلى بن أمية قال: «سألت عمر بن الخطاب قلت: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، و قد أمن الناس؟ فقال لي عمر: عجبت ممّا عجبت منه فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ذلك فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
أقول: تقدّم أنّ الخوف من باب إحدى حكم التشريع، و كانت الأسفار القديمة- خصوصا في صدر الإسلام- مقرونة بالخوف من الكفّار الّذين كانوا أعداء المسلمين. و المراد بالصدقة هو أنّ تشريع القصر في الصلاة في السفر عطيّة إلهيّة أعطاها اللّه لنا فنتشرّف بها بالتقرّب إليه، و ذلك شأن جميع الأحكام.
و يستفاد منها أنّ القصر فيها عزيمة لا رخصة.
و في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ، أنّه معطوف على قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، و قد ذكرنا هناك سبب نزول الآية.
أقول: لعلّ المراد العطف من حيث وحدة المعنى و سياق الآيات الكريمة، لا العطف المصطلح، و يشهد لما ذكرنا ما روي عن ابي سفيان، قال عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال صلّى اللّه عليه و آله: إن شاء اللّه، فلما كان القابل ألقى اللّه الرعب في قلبه فندم على ما قال، فبعث نعيم بن مسعود ليخوّف المؤمنين من الخروج إلى بدر، فلما أتى نعيم المدينة وجد المؤمنين يتجهّزون للخروج فقال لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ففتر المؤمنين فقال صلّى اللّه عليه و آله: لأخرجنّ و لو لم يخرج معي أحد، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ.
و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ قال: «توجعون، وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ قال: ترجون الخير».
أقول: الوجع أعمّ من الوجع الجسدي و النفسي، كما أنّ الخير أعمّ من الخير الدنيوي و الأخروي، فيشمل الحياة و الرزق و العلم و الجاه و مآرب الدنيا الّتي فيها رضاؤه جلّ شأنه و منازل الآخرة الّتي تنال بالشهادة.

استدلّ فقهاؤنا الأبرار (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) بقوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ على ثبوت قصر الصلاة في السفر، و كذا استدلّوا بها على قصر صلاة الخوف سفرا و حضرا، و كذا صلاة المطاردة.
و الآية المباركة و إن كانت مجملة من حيث بعض الشروط و بيان الكيفيّة، إلّا أنّ السنّة الشريفة بيّنت خصوصيات الموضوع بيانا شافيا.
و تختصّ القصر بالصلاة الرباعيّة في السفر بالشروط المذكورة في الكتب الفقهيّة، و هي أمور:
الأوّل: أن لا يكون السفر سفر معصية، كالسفر لأجل شرب الخمر أو السرقة أو قطع الطريق و غيرها من الفواحش، و لا يجب أن يكون طاعة، كالسفر للجهاد أو الحجّ المفروض، و لو كان مباحا كسفر التجارة وجب القصر؛ و لذا لم يقيّد في الآية المباركة الضرب بكونه في سبيل اللّه تعالى كما في الآية السابقة.
الثاني: أن تتحقّق المسافة الشرعيّة، و هي ثمانية فراسخ- أو أربعة فراسخ إذا رجع في نفس يومه- أو (٤٤) كيلو متر على التفصيل المذكور في الكتب الفقهيّة.
و قد اختلفت المذاهب في هذا الشرط، فقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيّام و لياليها بسير الإبل و مشي الأقدام بالاقتصاد في البرّ، و جري السفينة و الريح معتدلة في البحر. و قال الشافعي: التقدير بيوم و ليلة. و المشهور بينهم التقدير بالفراسخ، و اختلفوا، فقال بعضهم: إنّه أحد و عشرون فرسخا، و قال آخرون: ثمانية عشر و آخرون خمسة عشر.
الثالث: أن يكون المسافر قاصدا للسفر، فلا قصر على الذاهل و المتردّد، و يستفاد هذا الشرط من ظاهر الآية المباركة: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ كما عرفت.
الرابع: استمرار القصد، فلو عدل عن قصده قبل بلوغ المسافة الشرعيّة، أو تردّد، أتمّ للأدلّة الّتي ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).
الخامس: أن لا يكون ممّن بيته معه، كأهل البوادي الّذين ينزلون البراري في محلّ العشب و الكلأ و مواضع القطر و اجتماع الماء؛ لعدم صدق المسافر عليهم، و كذا لا يكون من الّذين اتّخذوا السفر عملا و شغلا لهم، كالمكاري و السائق و الساعي‏ و الراعي و نحوهم، فإنّ هؤلاء يتمّون في سفرهم الّذي هو عمل لهم؛ لعدم انقطاع سفرهم؛ و لنصوص كثيرة مذكورة في الكتب الفقهيّة.
السادس: الوصول إلى حدّ الترخص، و هو المكان الّذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد و يخفى عنه آذانه؛ لصدق التلبّس بالسفر عرفا؛ و لأدلّة أخرى مذكورة في الكتب الفقهيّة. و هناك قواطع للسفر ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).
و اختلف علماء الجمهور في القصر في السفر، فقال الشافعي: عدم وجوب القصر و أفضلية التمام، و استدلّ بقول عائشة: «انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقصر في السفر و يتمّ»، و بما رواه النسائي و الدار قطني: «انّ عائشة لما اعتمرت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قالت: يا رسول اللّه قصّرت و أتمت و صمت و أفطرت، فقال صلّى اللّه عليه و آله:
«أحسنت يا عائشة»، و قال مالك: إنّه يجب القصر وجوب عزيمة لا رخصة فيه، و استدلّ بما رواه النسائي و ابن ماجة عن عمر أنّه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيّكم عليه الصلاة و السلام»، و بما رواه الشيخان عن عائشة أنّها قالت: «أوّل ما فرض اللّه تعالى الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر و زيدت في الحضر»، و ذهب جمع إلى أنّ القصر في الآية الشريفة ليس هو قصر الرباعيّة في السفر المبيّن بشروطه في كتب الفقه، فذلك مأخوذ من السنّة المتواترة، و أمّا ما في المقام فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة، و الشروط فيها على ظاهرها.
و لكن، عرفت في التفسير بطلان ذلك. و أمّا ما ذهب إليه الشافعي فهو مخالف لسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مذهب أهل البيت و عمل الصحابة، و أمّا رواية عائشة فهي مردودة من جهات كثيرة، قد ذكرها علماء الجمهور في كتبهم.
و أمّا صلاة الخوف، فهي مقصورة سفرا و حضرا، جماعة و فرادى، إلّا في الصبح و المغرب؛ لما تقدّم من الآية المباركة و السنّة المعصوميّة. و المراد من الخوف: الخوف الّذي يكون مقتضيا لتخفيف الصلاة، سواء كان ذلك من عدو أو لص أو سبع أو ظالم، لا كلّ خوف و لو لم يقتض ذلك، و يستحبّ فيها الجماعة، و لها كيفيات ثلاثة، كما تقدّم في التفسير و ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).
و أمّا صلاة المطاردة- و تسمّى بشدّة الخوف و المراماة و المسايفة، أي: التضارب بالسيف- فتصلّى بكلّ وجه أمكن، فهي تابعة للقدرة، و يبدل كلّ ما لا يقدر عليه بالأبدال الاضطرارية، كما ذكرناه مفصّلا في محلّه.

من أسباب تزكية النفس و رقيّها الصلاة، بل هي من أهمّها و أسماها- لما علم اللّه تعالى من وجود الشره المؤدّي إلى الهلاك و الخسران في الإنسان، جعل الطاعات و العبادات- خصوصا الصلاة صونا للنفس و حفظا لها عن الهلاك و الخسران، بل لرقيّها إلى مراتب الكمال، ففي الحديث: «ما افترض اللّه على خلقه بعد التوحيد شيئا أحبّ إليه من الصلاة، و لو كان شي‏ء أحبّ إليه من الصلاة تعبّد به ملائكته، فمنهم راكع و ساجد و قائم و قاعد»، فبها يزول الدنس كما في بعض الروايات، و إنّها مطهرة للقلوب من المساوئ و العيوب، و بها تفتح أبواب الغيوب، و بها تطمئن القلوب، و بها ترفع الدرجات، و فيها المناجاة برفع الأستار، و تتسع فيها ميادين الأسرار، و بها تشرق شوارق الأنوار، و بها تزال الحجب و الأستار بالقرب إليه، و بها تصفو المحبّة من كدر الجفاء و يتّصل المحبّ مع حبيبه في محلّ الصفا.
و لقد علم اللّه تعالى ضعف الإنسان و وساوس الشيطان، فقلّل أعدادها و فرض في ليلة المعراج خمس صلوات في خمس أوقات بشفاعة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله، و هذا لعوام الخلق، و إلّا فالعارفون من الخواص: الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [سورة المعارج، الآية: 23]، منحهم ديمومة الصلاة من الأزل إلى الأبد، و هذا لا يدرك بالعقول القاصرة المشوبة بالمادّة الزائلة، فلا يعقلها إلّا العالمون باللّه تعالى.
و إنّ المقصود و الأثر المطلوب من إقامة الصلاة معنويّتها، لا مجرّد وجودها و شبحها، فإنّ الإقامة هي الإكمال و الإتقان، يقال: (فلان أقام داره)، أي: أكملها و جعل فيها كلّ ما يحتاج إليه. و إنّ إقامة الصلاة تعديلها من جميع الجهات- بالتوجّه فيها إليه تعالى و التقرّب بها لديه جلّ شأنه و حفظ أركانها و شرائطها حتّى تترتّب آثارها- فليس كلّ مصلّ مقيم، و كم من مصلّ ليس له من صلاته إلّا التعب، و في بعض الأحاديث: «من لم تنه صلاته من الفحشاء و المنكر، لم تزده من اللّه إلّا بعدا»، و عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «إذا صلّى العبد فلم يتم ركوعها و لا سجودها و لا خشوعها، لفت كما يلف الثوب الخلق ثمّ يضرب بها وجهه»، فالمصلّون كثيرون و المقيمون قليلون و أهل الأشباح كثير و أهل القلوب و أرباب المعرفة قليل.
و التعبيرات الواردة في القرآن الكريم في مدح المصلّين أكثرها و أغلبها جاء بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [سورة البقرة، الآية: 3]، و قال تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه أفضل الصلاة و السلام): رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ [سورة إبراهيم، الآية: ٤۰]، و قال تعالى: وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ [سورة الحج، الآية: ۳٥]، و قال تعالى: وَ أَقامَ الصَّلاةَ* [سورة التوبة، الآية: 18]، و لما ذكر المصلّين بالغفلة قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [سورة الماعون، الآية: ٥]، و لم يقل سبحانه و تعالى: فويل للمقيمين الصلاة، و في الحديث: «انّ العبد إذا قام الى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه و بينه و واجهه بوجهه و قامت الملائكة من لدن منكبه إلى الهويّ يصلّون بصلاته»، إلى غير ذلك من الروايات و الأحاديث.
و التوجّه أو الخشوع فيها على مراتب:
الأولى: خشوع خوف و إذلال و انكسار لعظمته و قهّاريته، و هي للعبّاد الزهاد.
الثانية: خشوع تعظيم و هيبة و إجلال، و هي للمتّقين الأبرار.
الثالثة: خشوع فرح و سرور و إقبال، و هي للمقرّبين العارفين، و يسمّى هذا المقام بقرّة العين، قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الم سجدة، الآية: 29].
الرابعة: الجمع في مقام الجمع، و هذه تختصّ بالأولياء و المقرّبين، فيها تتمّ التصفية و تظهر المحبّة و تفتح الأبواب و يرتفع الحجاب، فتخرج الروح من ضيق الأشباح إلى فضاء الكمال في عالم الأرواح، أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت.
و لا شكّ أنّ إمداداته و إفاضاته جلّت عظمته غير محدودة بحدّ و لا بزمان معين؛ لصدورهما عن ذات غير المتناهي.
نعم، ترد على العبد حالات خاصّة و ظروفا معيّنة يكون التوجّه فيهما إليه أشدّ و أكثر، فلها آثار مخصوصة لنجح المقاصد و إنجاز المطالب، منها حالة الصلاة، خصوصا عند الانقطاع إليه تعالى كالسفر و الخوف و المرض و غيرها، و لأجل ذلك ورد الاستعانة بها و قالوا: إنّ الصلاة لا تسقط في أي حال؛ لأنّه لا بد للعبد من حفظ الصلة بينه و بين ربّه، و بها تتمّ المحبّة و تحصل المودّة.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"