1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة النساء
  10. /
  11. الآية 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (۱) 


هذه السورة من جلائل السور التي تضمنت الاحكام الإلهية التي نزلت لصالح الناس و جلب سعادتهم في الدنيا و الآخرة فقد اشتملت على معظم احكام الأحوال الشخصية و الاحكام الاجتماعية الجارية على حقيقة العدل و ناموس الفطرة و مراعاة الحقوق كالزواج و علاقات افراد الاسرة، و امور اليتامى و احكام المواريث، و جملة من احكام المعاملات كالتجارة و نحوها، و تعرضت لبعض العبادات كالصلاة و الجهاد و غيرهما و حثت على التضامن و التكافل و التراحم، كما ذكر فيها بعض الأمور العامة كالشهادات و احوال اهل الكتاب. و لما كانت الغاية القصوى من تلك الاحكام هي حصول ملكة التقوى في كل نفس و استقامتها في الخفاء و الظاهر و هي أساس كل كمال إنساني و لا يمكن تحصيل السعادة بدونها فلأجل ذلك كله امر اللّه تعالى بها و قدمها على سائر الأمور و ابتدأ بها في هذه السورة كما اختتم بها في السورة السابقة.
ثم ان الحكمة الربانية اقتضت ترويض النفوس التي اعتادت الباطل و استحكم فيها الجور و التعسف على قبول تلك الاحكام الإلهية و إجرائها على الحقيقة، فقد اقترنت تلك الآيات بالتذكير و الموعظة و الإرشاد الى جلال اللّه و عظمته و قدرته و علمه و اطلاعه على خفايا الأمور و مراقبته لاعمال الناس.
و أسلوب هذه السورة و مضامينها تشهدان على انها مدنية نزلت نجوما حسب مقتضيات الظروف و الحاجة و تحتوي على موضوعات متعددة كما عرفت تجمعها رابطة واحدة و هي تهذيب النفس، و التخلق بأخلاق اللّه تعالى، و تثبيت العقيدة و تطبيقها في العمل و معرفة امور الدين و أحكامه.
و ابتدأت هذه السورة بخلق الإنسان و الإعلان بانه خلق من نفس واحدة تحريضا للتعاون و الايتلاف و نبذ الاختلاف و توطئة لما سيذكره عز و جل من الاحكام كالزواج و احوال اليتامى و المواريث و علاقات الاسرة و المجتمع و أكد سبحانه على ملازمة التقوى لأنها روح تلك الاحكام و الغاية منها.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ.
الآية الشريفة باسلوبها الجذاب تحتوي على رموز و بدائع أهليّتها ان تكون مفتتح هذه السورة.
منها: الاقتران بين العلة المادية و الغائية و تقديم الأخيرة على الاولى‏ في الذكر لأهمّيّتها و هي التقوى لان خلق الإنسان و إنزال الكتب و الاحكام الإلهية لم تكونا إلا لها و لأجلها، و لأنها هي الأساس الذي يجب ان يقوم عليه كل علاقة سواء بين افراد الاسرة أو بين الزوجين أو بين جميع افراد المجتمع. ثم ذكر تعالى العلة المادية و هي خلق الإنسان من نفس واحدة، فإنها صارت لجمع افراد الإنسان و دخولهم في نفس واحدة فكأنهم بجميع اشتاتهم أعضاء نفس واحدة تتحكم فيهم روابط قويمة متكاملة.
و منها: انها تشير إلى الموضوع الرئيسي في هذه السورة و هو العلاقة الزوجية و علاقات الاسرة و المجتمع، فكانت توطئة لجميع تلك الاحكام التي وردت في هذه السورة فقد ذكر فيها النفس الواحدة التي وردت في هذه السورة فقد ذكر فيها النفس الواحدة التي خلقت منها زوجها. و ذكر الرجال و النساء و الأطفال، و أخيرا الأرحام التي تنشأ من التزاوج بين الرجال و النساء.
و منها: الإشارة إلى اصل الإنسان و الأسس الثابتة التي يرتكز عليها عيشه في هذه الحياة و انه لا يخرج عن ذلك الأصل القويم مهما طال الزمن و تغيرت الحياة و بذلك تبطل نظرية التطور التي لا تجعل للحياة أساسا و قواعد ثابتة فهي تسير في اتجاهات متعددة لا يتحكم فيها ضوابط خاصة بل يحكم عليها التغير و التطور و سيأتي في البحث العلمي ما يتعلق بذلك ان شاء اللّه تعالى.
و منها: الدلالة على ان للإنسان ربا يحوطه بالتربية و العناية، و ان من رحمته بهم ان هداهم إلى ما هو الأصلح لهم الذي فيه كمالهم و ارشدهم إلى ما يجلب سعادتهم في الدارين.
و الخطاب ب (يا ايها الناس) عام إلى كل فرد من افراد البشر و ليس للمؤمنين وحدهم كما ذكره بعض المفسرين و ذلك لان الخطابات الواقعية لا تختص بطائفة خاصة، و إذا ورد خطاب يتعلق بالمؤمنين خاصة فلأجل انهم اشرف الإفراد، كما ان دين الإسلام دين الانسانية و ان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) داع الهي مرسل إلى نوع الإنسان بلا استثناء، و للاشارة إلى ان القضايا التي وردت في هذه السورة هي قضايا فطرية تشمل جميع افراد البشر، و نزلت لسعادتهم فلا تخص مجتمعا معينا، و ان الخروج عنها خروج عن الصراط السوي و النهج المستقيم.
و الناس: اسم لجنس البشر و هو اسم جمع للإنسان يشمل الذكور و الإناث على حد سواء و قيل ان أصله (أناس) فحذفت الهمزة عند دخول الالف و اللام عليه، و هو يفيد العموم و هذه قرينة اخرى على تعميم الخطاب.
و المعروف ان خطاب «يا أَيُّهَا النَّاسُ»* لأهل مكة و قد ورد في السور المكية، و خطاب «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* لأهل المدينة كما ورد في السور المدنية. و لكن ذكرنا في احد مباحثنا السابقة ان ذلك مردود لان الخطابات القرآنية خطابات واقعية تشمل جميع افراد الناس، و خطاب المؤمنين انما هو باعتبار انهم اشرف الإفراد، مضافا إلى انه قد ورد كثيرا خطاب «يا أَيُّهَا النَّاسُ»* في السور المدنية منها المقام كما ورد الخطاب الثاني في السور المكية.
قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمُ.
امر بتحصيل ملكة التقوى التي هي القضية الاولى في القرآن الكريم و الأصل الثابت الذي لا يقبل التغيير و التبديل و قد حكم بها عز و جل على جميع افراد البشر من لدن آدم (عليه السلام) إلى انقراض العالم‏ و قد تقدم الكلام في معنى التقوى مكررا.
و انما خص عز و جل اسم الرب بالذكر لتذكيرهم بانه خالقهم و يدبر أمورهم و يرعى مصالحهم، فلا بد ان يتقوه.
قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
هذه الآية الشريفة على ايجازها البليغ تتضمن وجوها من الحكم التي لها دخل في تشريع الاحكام و ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة.
الاول: الآية الشريفة تدل على ان للإنسان خالقا قديرا عليما حكيما، فان الخلق يقتضي ذلك كله فهو الذي خلقهم و يرعى مصالحهم و يرشدهم إلى الكمال فلم يكن خلق الإنسان وليد الصدفة من غير سبق تقدير، أو يكون خلقه ناشئا من التفاعل في الطبيعة كما يقول به بعض الفلاسفة الطبيعيون حيث ذكروا ان الطبيعة تخلق كل شي‏ء و لا حد لقدرتها. و بطلان ذلك أوضح من ان يخفى فان الطبيعة العمياء التي لا عقل لها و لا فكر كيف يمكنها ان يخلق هذه المخلوق العجيب و هو الإنسان المفكر العاقل الدارك، و قد أكد سبحانه و تعالى في مواضع متعددة من القرآن الكريم ان خالق الإنسان هو اللّه تعالى و بين كيفية خلقه و نفى جميع المحتملات عنه قال تعالى: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ» الطور- ۳٥.
و يستفاد من قوله تعالى: «الَّذِي خَلَقَكُمْ» انه تعالى هو الذي خلقهم و الخلق يقتضي الحياة و القدرة و العلم كما تضمن الرب الحكمة و القيمومية و الرحمة فكان الخالق مستجمعا لجميع صفات الكمال.
الثاني: ان الآية المباركة تدل على ان الإنسان خلق من نفس واحدة؛ و هي المادة الاولى لجميع افراد الناس و هذه قضية ثابتة اتفقت‏ عليها جميع الأديان السماوية و أثبتت بالأدلة القطعية فيكون للإنسان اصل واحد و هو الحقيقة الانسانية يتحد فيها جميع الإفراد و كل السلالات و الأقوام و المجتمعات بلا تفاوت بينها فهم كأعضاء نفس واحدة متفقون في الفطرة، و مشتركون في القيم و السير التكاملي، و بذلك ينفي نظرية التطور التي نادى بها بعض الفلاسفة الطبيعيون، فالإنسان نسيج وحده و هو اصل منفرد قد خلقه اللّه تعالى ابتداء و مباشرة بنفسه الأقدس و بيّن عز و جل كيفية خلقه في عدة مواضع من القرآن الكريم قال تعالى: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» السجدة- 8 و قال تعالى: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ» ص- 71 و يأتي في البحث العلمي تفصيل ذلك.
و الآية الشريفة قد جعل فيها الأمر التكويني محور التشريعات السماوية و ان جميع الاحكام الإلهية تدور على هذا الأصل و هو الاتفاق في اصل الحقيقة و ان البشر لهم وحدة نوعية منبثقة من نفس واحدة يستوي فيها الرجل و المرأة الصغير و الكبير و الضعيف و القوي و غيرها و لأجل ذلك كان الخطاب موجها لجميع الناس دون المؤمنين خاصة.
الثالث: الآية المباركة تتضمن العلة التي أوجبت الأمر بالتقوى و إنزال الاحكام الإلهية و هي تهذيب الناس و تكميلهم اي ان الذي خلق الإنسان و رباه و أنعم عليه بأنواع النعم الظاهرية و الباطنية، و تكفل امره بالتربية و التكميل لجدير بأن يتقى و يطاع و لا يخالف له امر.
و من ذلك يظهر السر في تعليق التقوى بربهم دون غيره من أسمائه المقدسة فان هذا الوصف يعم جميع الناس من غير اختصاص بطائفة خاصة.
ثم ان المراد بالنفس هي تلك الحقيقة التي يمتاز بها الإنسان عن غيره و ما به يكون الإنسان إنسانا و هو الذي تعلق به الخلق كما ان‏ المراد بالوحدة الوحدة الفردية الشخصية و هي آدم (عليه السلام) أبو البشر الذي ورد اسمه و كيفية خلقه في القرآن الكريم مكررا، لا الوحدة النوعية كما ذكرها بعض المفسرين لكونها خلاف ظواهر الآيات الكريمة و السنة المقدسة الشارحة لها، و حينئذ لا بد ان يراد بالخلق في قوله تعالى: «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» الخلق التقديري لا الفعلي من كل جهة لفرض كون الخلق قبل خلق الروح، فيصير المعنى انكم تنتهون إلى نفس واحدة كانتهاء الصور الكثيرة إلى المادة الأولية و الهيولى الاولى. و في ذلك الامتنان و التذكير بالقدرة، و نوع استعطاف للناس بعضهم على بعض بما بينهم من النسب و الرحم، و وجوب قيام العلاقات بينهم.
و انما لم يقل تبارك و تعالى من أب واحد لفرض عدم تحقق الأبوة بعد مضافا إلى ان الآية المباركة في مقام بيان اتحاد افراد الإنسان في الحقيقة و انهم تشعبوا من اصل واحد، و هناك اقوال اخرى في تفسير هذه الآية الشريفة بعيدة عن الصواب، بل بعضها لا يليق بكرامة القرآن الكريم و لذلك أعرضنا عنها.
قوله تعالى: وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها.
الزوج اسم لكل واحد من القرينين سواء كانا من الحيوانات المتزاوجة، أو ما يقترن بآخر مماثلا أو مضادا. و المراد بها هنا.
اي: و خلق من تلك النفس الواحدة زوجها و هي منشأها فتفيدانها من نوع تلك النفس الواحدة و جنسها و ان الزوجين متماثلان في اصل الانسانية و قيمها و متحدان في العبودية للّه تعالى و جميع الاحكام إلا ما يختص طبع كل جنس ببعض الحقوق و الواجبات.

و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها» الزمر- ٦ و على هذا لا فرق بين ان يكون (من) نشوية أو تبعيضية فان كل واحدة منهما ترجع إلى الأخرى.

ثم إن خلق الزوج من النفس الواحدة يحتمل وجوها: الاول ان يكون خلق الزوج بعد تمامية خلق آدم (عليه السلام) و تعلق الروح به بأن يكون قد انفصل جزء من الحي فصار إنسانا آخر.
الثاني: ان يكون الخلق بمعني التقدير بأن يكون المعنى: خلق من نوعها و على طبعها زوجها و لو بعد حين فلا يكون انفصالا.
الثالث: انها خلقت من الطينة الزائدة التي خلق منها آدم (عليه السلام) قبل تعلق الروح بهما فيكون آدم (عليه السلام) و حواء موجودين مختلفين و لكنهما متحدان في اصل الطينة.
و الأولان لا وجه لهما كما يأتي فيتعين الأخير، و يشهد لذلك امور:
منها: تكرار كلمة الخلق في الآية المباركة «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» و هو يدل على تفاوت الخلقين.
و منها. التراخي في قوله تعالى في سورة الزمر: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها»- ٦.
و منها: الأحاديث الكثيرة المعتبرة التي تنص على ان حواء (عليها السلام) خلقت من فاضل طينة آدم (عليه السلام) و اما ما نقل من ان حواء خلقت من الضلع الأيسر من آدم (عليه السلام) فهو مما لا دليل له يصح الاعتماد عليه اللهم إلا ان يراد من ذلك ان الطينة الفاضلة من خلق آدم (عليه السلام) لو جعلت في بدن آدم (عليه السلام) لكان موضعها الضلع الأيسر.
و مما ذكرنا يظهر ان هذه الآية الكريمة لا ربط لها بالآيات الكثيرة التي تدل على كون الزوج من انفسكم لإثارة المودة و المحبة قال تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» الروم- 21 و غيرها من الآيات الشريفة فان ذكر «انفسكم» فيها لبيان التماثل و إثارة المحبة و الرأفة نظير قوله تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» آل عمران- ۱٦٤ فيكون المراد من النفس السنخية النوعية لا الانفصال الحقيقي من النفس.
قوله تعالى: وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً.
البث هو النشر و التفرق بالإثارة و السعة قال تعالى: «وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ» لقمان- 10 و قال تعالى في وصف الناس في يوم الحشر انهم «كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» القارعة- ٤ و قال تعالى حكاية عن يعقوب: «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ» يوسف ۸٦ فان الحزن بنفسه مبثوث يظهره الإنسان عند القادر على كشفه و رفعه.
و انما قدم الرجال على النساء لتقدمهم عليهن في الكتاب و السنة قال تعالى: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» النساء- ۳٤ بل في التكوين أيضا لأنهم الأصل في نشو الإنسان و ان كانت النساء لهن الدخل الكبير فيه.
و توصيف الرجال بالكثرة ليس من باب الخصوصية و الاحتراز بل الوصف لهما و لكن حذف الوصف من النساء لدلالة الاول عليه.
و المعنى: اتقوا ربكم الذي نشر النسل الانساني بكثرة من آدم و زوجته.
قوله تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ.
أمر آخر بالتقوى و في تكرارها دلالة على الحث عليها. و المراد بالتساؤل سؤال الناس به بعضهم بعضا- و الإقسام- باللّه تعالى في مهمات‏ الأمور كما يقال: باللّه اسألك ان تفعل كذا و كذا. و هذا يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره و نواهيه لما في المسئول به من العظمة و الجلال و الكبرياء و العزة ما ليس في غيره حتى عند المشركين و الكفار و لذا يقسم و يتساءل به.
و انما خص التساؤل به تعالى لعموم جريانه في المجتمع و ان المسئول به كامل من جميع الجهات و من هو كذلك يستحق التقوى عن مخالفة أوامره و نواهيه.
و الأرحام جمع رحم و هو مستودع الجنين في المرأة و محل نمو النطفة قال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ» آل عمران- ٦ و اطلق على من يمس الإنسان بالقرابة لانتهائه و مآله الى رحم واحد و انها عطف على لفظ الجلالة.
و المعنى: اتقوا مخالفة أوامر اللّه الذي له من العظمة و الجلال و العزة على حد تتساءلون به و اتقوا قطيعة الأرحام و ظلمها.
و الآية المباركة تدل على عظمة صلة الرحم و حقها و رفع شأنها على حد قارن تقوى الأرحام بتقوى نفسه فكما ان للّه تعالى حقوقا لا بد من مراعاتها كذلك للرحم حقوق لا بد من مراعاتها قال تعالى: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ» لقمان- ۱٤ و قال تعالى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» محمد- 22.
و قيل ان الأرحام معطوف على محل الضمير في قوله تعالى «بِهِ» فهي مجرور فيكون المعنى و اتقوا اللّه الذي تتساءلون به و بالأرحام كما كان شايعا عند الناس بقولهم «باللّه أسألك و بالرحم ان تفعل كذا و كذا».
و لكن سياق الآية الشريفة يأبى ذلك لأنها في مقام رفع شأن صلة الأرحام و مقارنتها بشأن نفسه تعالى مع ان ذلك مخالف للقواعد المرعية في الأدب لأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور و هو بغير اعادة الجار لا يجوز لأنه بمنزلة الحرف و لا يجوز العطف عليه عند الأكثر. و على اي حال فالآية الكريمة تدل على عظمة مقام الرحم سواء كان معطوفا على اسم الجلالة أو على الضمير و ان كان المتعين هو الاول.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.
الجملة في موضع التعليل للأمر بالتقوى و هي تتضمن التهديد و التوعيد لمن تمرد و عصى و خالف.
و الرقيب: هو المتفوق المطلع على الأعمال و الحركات عن كتب و عناية بخلاف الحارس.
و الإتيان بلفظ الجلالة بعد ذكر الرب في الآية الشريفة للدلالة على القدرة الكاملة و للتحذير و التهديد عن المخالفة لأنها توجب التفرق في الوحدة الاجتماعية الانسانية و بث الفساد فيها و هدم كيانها فالمخالفة عظيمة تستلزم غاية التحذير و كمال التهديد.
و المعنى: اتقوا اللّه الذي تعظمونه و تهيبونه فانه القادر الذي لا يخفى عليه شي‏ء و لا يفوته و يحاسبكم و يجازيكم في امر الأرحام.

الناس: في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ» اسم جمع للإنسان كما مر و هو يشمل كل بشر على الأرض و اللام فيه لام التعريف يفيد العموم و الاستغراق.
و التنكير في قوله تعالى: «مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» لأجل تعظيم الأمر و تجليل مقام آدم أبي البشر (عليه السلام) و التقييد بواحدة للاحتراز.
و الزوج يطلق على كل واحد من القرينين كما تقدم و ان قال الراغب أن اطلاق الزوجة عليه رديّ.
و كثيرا في قوله تعالى: «رِجالًا كَثِيراً» صفة تؤكد لما يتضمنه التكثير من العدد أو غيره في الموصوف و قيل انه نعت لمحذوف اي بثا كثيرا.
و تسائلون أصله تتساءلون حذف احدى التائين للتخفيف و هذا مطرد عند العرب و هو من باب التفاعل و يرد بمعنى الفعل إذا تعدد فاعله و انه منسلخ عن التقوم بالطرفين لو اعتبرنا ذلك في باب المفاعلة مع ان هذه الدعوى أيضا لا دليل عليها كما تقدم في احد مباحثنا السابقة.
و خلق منها زوجها: إما عطف على محذوف اي خلقكم من نفس واحدة انشأها من تراب و خلق منها زوجها و انما حذف لدلالة المعنى عليه و إما عطف على الخلق و على اي منهما يكون المعنى واحدا.
و إتيان الفعل ماضيا في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» للتأكيد و الاستمرار الدائمي في المراقبة.

تدل الآية الشريفة على امور:
الاول‏:
تعليل الأمر بالتقوى بكونه تعالى خالقا لهم يدل على‏ مطلوبية التقوى من جميع الناس لان العلة إذا كانت عامة فالحكم يكون كذلك لأنه يدور مدارها.
الثاني‏:
التعبير بالرب في قوله تعالى: «اتَّقُوا رَبَّكُمُ» للدلالة على تربيته للعباد و الإحسان إليهم و انه خالقهم و مالك أمورهم و الرءوف بهم و المنفق عليهم و من كان كذلك يجب الاتقاء منه كما تقدم؛ فالامر الاول بالتقوى للترغيب كما يدل عليه لفظ الرب و الأمر الثاني بها للترهيب كما يدل عليه لفظ الجلالة.
الثالث‏:
تقديم خلق الناس على خلق الزوجة للدلالة على اظهار القدرة و العظمة و انه تعالى هو المنظم للخليقة و تفخيما لشأن أدم (ع) و انه الأصل في انحدار النسل منه.
الرابع‏:
التقييد بالوحدة في قوله تعالى: «مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» للدلالة على أمرين:
الاول: ان خلق جميع الذرية و بثها لا يكون عند اللّه تعالى الا كخلق نفس واحدة كما يدل عليه قوله تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» لقمان- 28، فيصح ان يراد من البث البث الدنيوي و البث الاخروي و هو الحشر و المعاد فهما متلازمان.
الثاني: ان المراد بالوحدة هي الشخصية الفردية فيصير المقام من الكثرة في الوحدة التي أثبتها الفلاسفة بقسميهم و قوله تعالى: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» من الوحدة في الكثرة التي أثبتها الفلاسفة بقسميهم ايضا فيكون بث الوحدة في الكثرة و انطماس الكثرة في الوحدة نظير اتحاد الهيولى الاولى مع الصور الكثيرة غير المتناهية و اتحاد الوجود المطلق في الإفراد الشخصية الفردية، فتدل الآية الشريفة على الوحدة الاعتبارية بل الحقيقية في أدم (عليه السلام) و نسله من أول هبوطه‏ إلى آخر فنائه، فكما ان الجميع نوع واحد حقيقة فهذا النوع الواحد.
له افراد يكون بمنزلة الأعضاء للبعض الآخر فلا بد بينهم من الترابط و العناية الخاصة في جميع شئون الآدمية الحقيقية.
الخامس‏:
يستفاد من قوله تعالى: «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» لطيفة خاصة و هي ان الزوجة بمنزلة الجزء من الزوج فيحن الجزء الى الكل و يتقوم الكل بالجزء فالكل بدون الجزء ناقص و الجزء بدون الكل لا حيثية له فما أعلى شأن الزوجة في نظام التكوين.
السادس‏:
يصح ان يراد من الرجال و النساء في قوله تعالى: «رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» ذرية خاصة من نسل آدم (عليه السلام) و هم- الذين ناسبوا مقام ابوة أدم (عليه السلام) الذي هو مسجود الاملاك- يعني الأنبياء و الذين تابعوهم من الصالحين و الصالحات و يشهد لذلك ذكر التقوى في صدر الآية الشريفة، فيكون المراد من البث البث الظاهري و المعنوي و هم كثيرون في أنفسهم و ان كانوا قليلين بالنسبة إلى اصل الذرية و هم الذين حازوا مقام الانسانية الكبرى فصار من دونهم كالأنعام.
السابع‏:
الوجه في تكرار التقوى في الآية المباركة هو: ان التقوى الاولى لأجل انعامه بالخلق و بث الذرية و التقوى الثانية لأجل انه تعالى سبب التعاطف و التراحم بالتسائل بعض مع بعض.
الثامن‏:
ان التسائل الوارد في الآية الكريمة «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ» أعم من تساؤل بعض مع بعض كما تقدم و التسائل النفسي- اي ايقاظ الشعور الانساني الذي يسكن في كيان كل بشر فيهيج به لدواعي التطلع إلى اللّه العلي القدير و المسائلة فيما بينه و بين نفسه في ذاته تعالى و صفاته- فهو موجود في الفطرة و يدل عليه قوله تعالى: «وَ آتاكُمْ‏ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» ابراهيم- ۳٤.
التاسع‏:
تدل الآية الشريفة على ان تقوى الأرحام من تقوى اللّه تعالى فيجب مراعاة حقوقها و ان جميع البشر من أبوين و ان بعضهم من بعض فهم كأسرة واحدة لا عنصرية و لا عصبية بينهم لأنهم من نسل واحد و يرجعون إلى أب واحد و هذا هو منهج الإسلام و الفطرة السليمة.

اتفقت الأديان السماوية و محققوا الفلاسفة من المسلمين و غيرهم على ان الإنسان بجوهره و صورته الفعلية خلقه اللّه تعالى و انه من صنع الفاعل العليم المختار- و هو من اشرف الخليقة- و ليس وليد التطور و النشوء و قد انتشر النسل البشري على هذه الكرة الارضية من آدم و حواء و هو الذي اتفقت عليه كلمة الأنبياء و شرحه القرآن شرحا وافيا.
و ليس وجوده و تكوّنه من مجرد الصدفة و الاتفاق من دون فاعل ارادي مختار لما أثبتوه في الفلسفة ببراهين كثيرة من بطلان الصدفة و الاتفاق و تدل على البطلان الفطرة العقلية مع قطع النظر عن الكتب السماوية و مقتضيات نفس الطبيعة.
و اما انه وليد التطور و النشوء- فلا يكون منتسبا إلى الخلق بل ان صورته الفعلية حصلت من إبراد الأنواع في الخارج بالتحول كاقتضاء التكوين من بعض الحشرات السماوية ثم الارضية عند اقتضاء اسبابها- كما نسب إلى بعض علماء الغرب بابتنائه على قانون الوراثة التي هي الأساس لهذه النظرية- و ان كان قانون التنازع و بقاء الأصلح لهما المساس فيها الا ان الأصل و الأساس هو قانون الوراثة- و هي: ان‏ الصفات التي حدثت في الحيوان من اثر البيئة أو الاجتماع أو أواسط المعيشة أو غيرها قبل آلاف السنين صفات بسيطة كانت في الطبقة العليا ثم انتقلت إلى الطبقات اللاحقة لكنها اشتدت و تحولت على نحو تسببت نوعية خاصة في الحيوان و هي الإنسان فهو وليد تلك الصفات بالتحول و النشو.
و هو باطل من أساسه لان الصفات و ان كانت في هذا العالم موروثة الا انها لا تتمكن من انقلاب العرض إلى الجوهر (نوع) الا بتعدد العوالم- عالم الدنيا و الآخرة كما مر في البحث عن تجسم الأعمال- لان الجواهر أو الأنواع متباينة مع الاعراض و ان مواليد الطبيعة و متكوناتها في هذا العالم لا بد ان تكون من سنخ نفس مقتضياتها و مثل هذا الخلق البديع و الصنع العجيب كيف يعقل ان يكون من ملوّثات و دنيّاتها التي لا علم لها و لا شعور.
مع ان انقلاب النوع إلى نوع آخر بعد تحصّل النوعية غير ممكن إلا بالاستحالة و الأدوار حتى يصلح للمنقلب اليه. و هناك وجوه اخرى تثبت بطلان هذه النظرية لعلنا نتعرض لها في الآيات المناسبة ان شاء اللّه تعالى.
فالنظرية الواقعية الحقيقية هي ما تقدم من ان الإنسان مخلوق و ان البشرية انتشرت من نفس واحدة و هي آدم الذي هو من صنع الفاعل العليم القهار الغني بالذات.

الخطابات الواردة في القرآن الكريم المتضمنة ب «يا أَيُّهَا النَّاسُ»* خطاب إلى الكثرة و الجمع و هذه الكثرة و الجمع لا يعقل لها حد و لا نهاية فتكون الخطاب عام لجميع البشر من زمان صدور الخطاب- بل من زمان الهبوط- إلى زمان الخلود فهي نوع لاحد لأفراده و قد أثبتنا في علم الأصول ان الخطابات المشتملة على النداء لا يعتبر فيها وجود المنادى خارجا بل يكفي فيها الوجود العلمي الاعتباري.
و المراد من النفس المتصف بالوحدة الواردة في الآية الشريفة هو آدم (عليه السلام) كما هو معلوم من الآيات التي وردت في كيفية خلق أدم (عليه السلام) و شرح حالاته فما عن بعض المفسرين من التشكيك في ذلك غير صحيح و لا ينبغي ان يعتني به.
و لا شك ان القرآن و غيره من الادلة تثبت ان النسل الاول من الإنسان انحدر من أدم (عليه السلام) و لكن في تكثر الذرية من بعدهما و في أولادهما يتصور وجوه:
الاول: ان يكون التناسل و التكاثر من نكاح كل ولد ذكر مع امه.
الثاني: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر مع أخته.
الثالث: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر بروحاني متجسّد. و لا يتصور اكثر من ذلك.
و الاول باطل بالضرورة للاستقباح الفطري عند كل ذي شعور حتى الحيوانات. و كذا الثاني لان نكاح الاخت من المحرمات النظامية التي لا يختص بشريعة دون اخرى كقبح السرقة و قبح شرب الخمر و غيرهما مع ما كشفه العلم الحديث من ان نكاح المحارم يستعقب مفاسد كثيرة في النسل فيكون قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ» النساء- 23 قضية حقيقية تكوينية أبرزها اللّه تعالى على صورة التشريع كقوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ‏ بِالْباطِلِ»* النساء- ۲٤ و قوله تعالى: «يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» الأعراف-۱٥۷ فان جميع ذلك من القضايا التكوينية أبرزت بصورة التشريع توافقا بين النظامين.
و اما ما نسب إلى المجوس من تزويج الأخ مع لاخت و غيرها من المحارم فليس ذلك مستندا إلى كتابهم السماوي و انما هو من افتعالاتهم.
ان قيل: وضع الفقهاء مباحث في كتاب الميراث لإرث المجوس فلو كان مفتعلا يصير من الزنا و لا ارث لأولاد الزناء.
قلت: الافتعال الاول حصل بالجعل الاولي منهم و تبعه عوامهم فيصير كالوطى بالشبهة- جهلا بالحكم- فيتحقق موضوع الميراث.
و ما عن بعض المفسرين من ان قبح نكاح الأخ مع الاخت ليس من الفطريات الأولية بل من القبائح العرضية التي تزول لغرض الأهم و لذا لم يكن قبيحا لأجل بث النسل و الذرية.
غير صحيح لأن قبح نكاح الأخ مع الاخت مسلّم في الجملة و هذا مما لا شك فيه كما تقدم و مع إمكان رفع هذا القبح بأمر آخر لا قبح فيه أصلا كيف يتوسل بما هو قبيح و لو في الجملة. مع انا لا نسلم ان ذلك قبيح عرضي و انما هو قبيح ذاتي كما في بعض الروايات الآتية كالنكاح مع الام و اللواط و غيرهما.
و يصح ان يقال ان التجسد الروحاني كان بمثال الاخت في نظر الأخ لتحقق التناسب حسب هذه الطبيعة قال تعالى في قصة مريم العذراء: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا» مريم- 17 و قال تعالى: «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» الانعام- 9.
و اما ما قيل انه يستفاد من الآية الشريفة: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» انحصار البث فيهما فلا بد من تزويج الأخ مع الاخت لأجل هذا الانحصار.
قلت: انه لا مفهوم للقب كما هو متفق عليه و قد أثبتناه في علم الأصول فراجع [تهذيب الأصول‏].
فتلخص من جميع ما تقدم ان بدو انتشار النسل كان بطريق معقول مشروع من غير تدخل ايّ منقصة في ذلك و هو التجسد روحاني و شروع النسل منه و من ولد آدم (عليه السلام) و لا فرق في تجسد الروحاني بين ان يتجسد بالذكر للأنثى كما في قصة مريم (عليها السلام) أو العكس كما في المقام و ان كان فرق بينهما في الجملة و لكن في الأصل التجسد و تهيج القوة الفاعلة و المنفعلة لا فرق بينهما.

و فيه نذكر الروايات الواردة في خلق حواء، و كيفية بث الذرية من نسل أدم و حواء، و ما وردت في شأن الأرحام.
في نهج البيان عن الشيباني: «سئل الصادق عن التقوى؟ فقال هي طاعته فلا يعصى و ان يذكر فلا ينسى و ان يشكر فلا يكفر».
أقول: هذا بيان بعض مراتب التقوى.
ما وردت في خلق حواء:
عن الصدوق باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «سميت حواء لأنها خلقت من حي قال اللّه عز و جل «خَلَقَكُمْ‏ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها».
أقول: هذه الرواية لا تدل على تبعض انفصال عضو من آدم (ع) و صيرورته حواء به باذن اللّه تعالى لان المراد من الحي هو مادة لها اقتضاء الحياة لا الحياة الفعلية من كل جهة إذ لو كان الحياة من كل جهة لاستلزم ان تكون حواء أختنا و أمنا لأنها متفرعة منه. و قد ذكرنا سابقا ان «من» لبيان الجنس كما في قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» التوبة- 128 لا للتبعيض و على فرض ان يكون للتبعيض هو التبعيض في الجملة بحيث لا يكون بطريق التوليد.
عن الصدوق أيضا باسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: «سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء».
أقول: المراد من المرء الشخص و الكلام فيه عين الكلام في سابقه بل هو أهون كما لا يخفى.
و في نهج البيان عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام): «انها خلقت من فضل طينة آدم عند دخول الجنة».
أقول: هذه الرواية شارحة لمعنى التبعيض المستفاد من لفظ «من» ان قلنا انها تبعيضية.
العياشي باسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «خلقت حواء من قصير جنب أدم و القصير هو الضلع الأصغر و أبدل اللّه مكانه لحما».
أقول: المراد من هذه الرواية طينة آدم (عليه السلام) قبل ان يجعل له ضلعا لا بعد تحقق الضلعية و نفخ الروح و الانفصال عن آدم (عليه السلام) بقرينة الرواية السابقة.
و عن العياشي أيضا باسناده قال (عليه السلام): «خلقت حواء من‏ جنب آدم و هو راقد».
أقول: معنى الرواية خلقت من طينة أدم بحيث لو كانت موضوعة في آدم (عليه السلام) لكانت في جنبه و هو راقد اي كان خلق حواء في حال رقود آدم (عليه السلام).
عن عمرو بن أبى المقدام عن أبيه قال: «سألت أبا جعفر (ع) من اي شي‏ء خلق اللّه حواء؟ فقال اي شي‏ء يقولون هذا الخلق؟
قلت يقولون ان اللّه خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال كذبوا أ كان اللّه يعجزه أن يخلقه من غير ضلعه؟ قلت جعلت فداك يا ابن رسول اللّه من اي شي‏ء خلقها؟ فقال اخبرني أبى عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان اللّه تبارك و تعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه و كلتا يديه يمين فخلق منها آدم و فضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء».
أقول: ذيل الرواية «كلتا يديه يمين» كناية عن القوة و الفعالية و الاستيلاء لان اليمين كناية عنها و البسيط الحقيقية بالوحدة الحقيقية تكون جميع جهاته الملحوظة كذلك فهو جلّ شأنه مستول و قوي و فعّال لما يريد فلا يعقل بالنسبة اليه يسار إن كان اليسار كناية عن جهة النقص كما هو كذلك.
و هذه الرواية معتبرة و شارحة لجميع روايات الباب و مفصلة لها فلا بد من رد جميعها إليها و هي مطابق لقانون العقل الذي قلناه.
عن أبى علي الواسطي قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان اللّه خلق آدم من الماء و الطين فهمة ابن آدم من الماء و الطين و ان اللّه خلق حواء من آدم فهمة النساء من الرجال فحصنوهن في البيوت».
أقول: حيث كانت طينة حواء قبل ان يخلق منها مقتضية لأن‏ يجعل في آدم فهذه الاقتضاء باقية للمرأة إلى الأبد فهي تهم إلى ما اقتضته منها.
ما وردت في كيفية بث النسل منهما:
عن أبى بكر الحضرمي عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «ان آدم ولد له اربعة ذكور فاهبط اللّه إليهم أربعا من الحور العين فزوج كل واحد منهم فتوالدوا ثم ان اللّه رفعهن و زوج هؤلاء الاربعة أربعا من الجن فصار النسل فيهم فما كان من حلم فمن آدم (عليه السلام) و ما كان من جمال فمن قبل حور العين و ما كان من قبح أو سوء خلق من الجن».
أقول هذه الرواية تبين ما شرحناه في كيفية بث النسل. و يستفاد منها ان الإنسان بجميع ألوانه و صفاته كالبيض و السود و الحمر و الصفر و القصير و الطويل أو الجميل و القبيح و غيرها ينتهي إلى آدم (عليه السلام) و زوجته و لا دخل للصفات و الألوان في انحدار النسل منه و ما ورد في الرواية من قوله (عليه السلام): «فما كان من حلم فمن آدم (عليه السلام) و ما كان من جمال فمن قبل حور العين و ما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجن» يمكن مثالا لكل تغير نوعي لونا كان أو غيره من الصفات فلا مجال للتشكيك في ان بعض الألوان لا ينحدر إلى آدم (عليه السلام) لأنه كان من غير ذلك اللون.
و عن العياشي عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال لي ما يقول الناس في تزويج آدم ولده؟ قلت يقولون ان حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما و جارية فتزوج الغلام الجارية التي من البطن الآخر و تزوج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني حتى توالدوا فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليس هذا كذلك يحجكم المجوس و لكنه لما ولد آدم هبة اللّه و كبر سأل اللّه ان يزوجه فانزل اللّه له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولدت له اربعة بنين ثم ولد لآدم (ع) ابن آخر فلما كبر امره فتزوج الى الجان فولد له اربع بنات فتزوج بنو هذا بنات هذا، فما كان من جمال فمن حور العين و ما كان من حلم فمن قبل أدم و ما كان من حقد فمن قبل الجان فلما توالدوا صعدت الحوراء إلى السماء».
أقول: هذه الرواية تبين بعض ما ذكرناه في التفسير و يمكن حمل الاختلاف على تعدد الواقعة.
عن الصدوق باسناده إلى زرارة قال: «سئل أبو عبد اللّه (ع) كيف بدأ النسل من ذرية آدم؟ قال عندنا أناس يقولون ان اللّه تبارك و تعالى اوحى إلى أدم (عليه السلام) ان يزوج بناته من بنيه و ان هذا الخلق كلهم أصله من الاخوة و الأخوات قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سبحان اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا من يقول هذا؟! ان اللّه عز و جل جعل اصل صفوة خلقه و احبائه و أنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال!! و قد أخذ ميثاقهم على الحلال و الطهر الطاهر الطيب و اللّه لقد نبئت ان بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها و تزل كشف له عنها و علم انها أخته اخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتا قال زرارة ثم سئل عن خلق حواء و قيل له ان أناسا عندنا يقولون ان اللّه عز و جل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى قال سبحان اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا يقول من‏ يقول هذا ان اللّه تبارك و تعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه و جعل للمتكلم من اهل التشنيع سبيلا إلى الكلام يقول ان آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم اللّه بيننا و بينهم ثم قال ان اللّه تبارك و تعالى لما خلق آدم من طين امر الملائكة فسجدوا له و القى عليه السبات ثم ابتدع له خلقا ثم جعلها في موضع النقرة التي بين ركبتيه و ذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها فلما انتبه نوديت ان تنحى عنه فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير انها أنثى فكلمها فكلمته بلغته فقال لها من أنت؟ فقال خلق خلقني اللّه كما ترى فقال أدم (ع) عند ذلك يا رب من هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه و النظر اليه فقال اللّه هذه أمتي حواء أ فتحب ان تكون معك فتؤنسك و تحدثك و تأتمر لأمرك؟ قال نعم يا رب و لك بذلك الشكر و الحمد على ما بقيت فقال اللّه تبارك و تعالى فاخطبها اليّ فإنها امتي و قد تصلح أيضا للشهوة فالقى اللّه عليه الشهوة و قد علم قبل ذلك المعرفة فقال يا رب اني اخطبها إليك فما رضاك لذاك؟ قال رضاي ان تعلمها معالم ديني، فقال ذلك يا رب ان شئت ذلك فقال عز و جل قد شئت ذلك و قد زوجتكها فضمها إليك فقال اقبلي، فقالت بل أنت فاقبل اليّ فأمر اللّه عز و جل لآدم ان يقوم إليها فقام و لو لا ذلك لكان النساء هن يذهبن الى الرجال حتى خطبن على انفسهن فهذه قصة حواء صلوات اللّه عليها».
أقول: هذه الرواية المعتبرة تتضمن أمورا هامة:
الاول: ان اصل التزويج الذي في شرع الإسلام هو من الميثاق الذي اخذه اللّه تعالى على جميع الأنبياء و المرسلين.
الثاني: ان ما يقال لخلق أدم (عليه السلام) من دون الرجوع‏ إلى السنة الوحي المبين هو لسان التشنيع على الدين فلا ينبغي الإصغاء اليه بوجه من الوجوه.
الثالث: لم يرد فيها ذكر انها خلقت من ضلع أو من فضالة طين آدم (عليه السلام) للاستغناء عن ذلك بقوله (عليه السلام) «ثم ابتدع له خلقا».
الرابع: ان تبعية المرأة للرجل تكوينية من بدء الخلقة إلى اخرها.
و عن الصدوق باسناده إلى زرارة قال: «سئل أبو عبد اللّه (ع) عن بدء النسل من آدم كيف كان و عن بدء النسل من ذرية آدم (عليه السلام) فان أناسا عندنا يقولون ان اللّه تبارك و تعالى اوحى إلى آدم ان يزوج بناته من بنيه و ان هذا الخلق كله أصله من الاخوة و الأخوات؟!! فقال أبو عبد اللّه: تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا يقول من قال هذا بأن جل و عز يخلق صفوة خلقه و احبائه و أنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال و قد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب؛ فو اللّه لقد نبئت ان بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها و نزل كشف له عنها فعلم انها أخته اخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتا و أخر تنكرت له امه ففعل هذا بعينه فكيف الإنسان في انسيته و فضله و علمه غير ان جيلا من هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم بيوتات أنبيائهم و أخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما قد ترون من الضلالة و الجهل بالعلم. كيف كانت الأشياء الماضية من بدأ فخلق اللّه ما خلق و ما هو كائن ابدا، ثم قال ويح هؤلاء اين هم عما لم يختلف فيه فقهاء اهل الحجاز و لا فقهاء اهل العراق فان اللّه عز و جل امر القلم فجزى على‏ اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق آدم بألفي عام و ان مما كتب اللّه كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الأخوات على الاخوة مع ما حرم، و هذا نحن قد نرى منها هذه الكتب الاربعة المشهورة في هذا العالم- التوراة و الإنجيل و الزبور و القرآن- و أنزلها اللّه من اللوح المحفوظ على رسله صلوات اللّه عليهم أجمعين منها التوراة على موسى و الإنجيل على عيسى و الزبور على داود و الفرقان على محمد (صلى اللّه عليه و آله) و على النبيين (عليهم السلام) ليس فيها تحليل شي‏ء من ذلك حقا أقول ما أراد من يقول هذا و شبهه الا تقوية حجج المجوس على موسى فما لهم قاتلهم اللّه- ثم انشأ يحدثنا كيف كان بدأ النسل من آدم و كيف كان بدأ النسل من ذريته- فقال ان آدم ولد له سبعون بطنا في كل بطن غلام و جارية إلى ان قتل هابيل فلما قتل قابيل هابيل جزع آدم (عليه السلام) على هابيل جزعا شديدا قطعه عن إتيان النساء فبقى لا يستطيع ان يغشى حواء خمسمائة عام ثم تجلى ما به من الجزع عليه فغشى حواء فوهب اللّه له شيثا (ع) وحده ليس معه ثان و اسم شيث هبة اللّه و هو أول وصي اوصى اليه من الآدميين في الأرض ثم ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان فلما أدركا و أراد اللّه عز و جل ان يبلغ بالنسل ما ترون و ان يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرم اللّه عز و جل من الأخوات على الاخوة انزل اللّه بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنة اسمها بركة (نزلة) امر اللّه عز و جل أدم ان يزوجها من شيث فزوجها منه ثم نزل بعد العصر حورا من الجنة اسمها بوكة (منزلة) فأمر اللّه عز و جل آدم ان يزوجها من يافث من ابن شيث ففعل ذلك فولد الصفوة من النبيين و المرسلين من نسلهما و معاذ اللّه ان يكون ربك على ما قالوا من‏ الاخوة و الأخوات».
أقول: هذه الرواية من مفصلات الروايات الشارحة فتكون حاكمة على جميع ما تقدم و موافقه لحكم الفطرة.
و عن الصدوق باسناده عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) لاي علة خلق اللّه عز و جل آدم من غير أب و أم و خلق عيسى من غير أب، و خلق سائر الناس من الآباء و الأمهات؟ فقال ليعلم الناس تمام قدرته و كما لها و يعلموا انه قادر على ان يخلق خلقا من أنثى من غير ذكر كما هو قادر على ان يخلقه من غير ذكر و أنثى، و انه عز و جل فعل ذلك ليعلم انه على كل شي‏ء قدير».
أقول تبين هذه الرواية كمال قدرته تعالى و انه على كل شي‏ء قدير و صد عن السنة من يقول بغير علم ففي مثل هذه الرواية دقايق و اشارة لا يفهمها إلا من تأمل فيها حق التأمل.
و عنه أيضا باسناده عن عبد الحميد بن الديلم عن الصادق (ع) في حديث طويل قال: «سمي النساء نساء انه لم يكن لآدم (ع) انس غير حواء».
أقول: هذه الرواية تبين وجه الاشتقاق.
و في الاحتجاج عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث له مع قرشي: «يصف فيه تزويج هابيل بلوزا اخت قابيل و تزويج قابيل باقليما اخت هابيل فقال له القرشي فأولداهما؟ قال: نعم فقال له القرشي فهذا فعل المجوس اليوم فقالوا إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من اللّه ثم قال له: لا تنكر هذا انما هي شرائع اللّه جرت أليس اللّه قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم انزل اللّه التحريم بعد ذلك».
أقول: هذه الرواية مضافا إلى قصور سندها و معارضتها بما هي اكثر منها لما تقدم ان المراد من الاخت الواردة فيها الروحانية المتجسدة بشباهة اخت قابيل و كذا تزويج قابيل اخت هابيل. و اما قول القرشي نحو توهم و قول الامام (عليه السلام) للقرشي جواب إسكاتي له و ذيل الرواية محمول كما تقدم مع ان متن الرواية يشهد بعدم صدوره عن المعصوم (عليه السلام) فلا بد من طرحها.
ما وردت في تعدد خلق آدم طولا:
في التوحيد للصدوق عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «لعلك ترى ان اللّه لم يخلق بشرا غيركم؟ بلى و اللّه لقد خلق ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين».
أقول: لم يدل دليل عقلي على ان أبانا آدم (عليه السلام) هو أول خلق آدمي في الممكنات، فمقتضى اصالة الإمكان جواز تعدد الآدميين قبله. و ما عن بعض المفسرين من سوء المقال في المقام ظاهر في انه غير مطلع على القواعد العقلية و لا على الشواهد الخارجية.
و في الخصال عن الصادق (عليه السلام) قال: «ان اللّه تعالى خلق عشر ألف عالم كل عالم منهم اكبر من سبع سماوات و سبع ارضين ما يدرى عالم منهم ان للّه عز و جل عالما غيرهم».
أقول: لا ريب في الإمكان الذاتي بالنسبة إلى هذه العوالم كما لا ريب في قدرة اللّه تبارك و تعالى غير المتناهية بالنسبة إلى خلق هذه العوالم و لا دليل من عقل أو نقل على امتناع وقوعها بل الشواهد الكثيرة تدل على وقوعها و انكار بعض المفسرين يدل على قصور فهمه و عدم‏ دركه بما جعله الفلاسفة من الأوليات من قولهم: «كل ما قرع سمعك من العجائب و الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يمنعك عنه قائم البرهان» مع ان جمعا كثيرا من قدماء الفلاسفة اثبتوا الأدوار و الأكوار في هذا العالم، و تسالم الكل على قدم الهيولى و الصور المتوالية المتتابعة.
و في الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام): «لقد خلق اللّه عز و جل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه ثم خلق اللّه عز و جل آدم أبا البشر و خلق ذريته منه».
أقول لا تنافي بين هذه الرواية و بين الروايات السابقة لان الروايات السابقة لم تبين كيفية المخلوقات في تلك العوالم. و الحصر في هذه الرواية اضافي لا ان يكون حقيقيا حتي يحصل التنافي. مع انه يمكن ان تكون الرواية الاولى بالنسبة إلى نوع آخر.
ما وردت في شأن صلة الرحم:
في الكافي عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع): عن قول اللّه عز ذكره: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» فقال يعني أرحام الناس ان اللّه عز و جل امر بصلتها و عظمها ا لم تر ان اللّه جعلها معه».
أقول: هذه الرواية تدل على تعظيم صلة الأرحام و نظيرها كثيرة:
و في الكافي أيضا عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) صلوا أرحامكم و لو بالتسليم يقول اللّه تبارك و تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ‏ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً».
أقول لصلة الرحم مراتب كثيرة أدناها التسليم.
و عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: «اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال: «هي أرحام الناس ان اللّه امر بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».
عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال: «هي أرحام الناس امر اللّه تبارك و تعالى بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».
أقول تقدم ما يتعلق بهما.
في الكافي باسناده عن محمد بن الفضيل الصيرفي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «ان رحم آل محمد الائمة المعلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني ثم هي جارية في المؤمنين ثم تلا هذه الآية: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ».
أقول: لا ريب في ان رحم آل محمد (صلوات اللّه عليهم أجمعين) هي المتيقنة مما ورد في صلة الأرحام من الكتاب و السنة و الادلة العقلية. و معنى التعلق بالعرش كونهم بوجودهم النوراني موجودين في هذا المقام العظيم يدعون لمن وصلهم و على من قطعهم.
و في الدر المنثور اخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله تعالى «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال ابن عباس قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «يقول اللّه تعالى صلوا أرحامكم فانه أبقى لكم في الحياة الدنيا و خير لكم في آخرتكم».
أقول: قريب منه غيره من طرقنا و ما ذكره (صلى اللّه عليه و آله) من الآثار الوضعية من المقتضي لا العلية التامة.
و في الكافي باسناده عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تبارك و تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» قال هي أرحام الناس ان اللّه امر بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».
أقول: تقدم ما يدل على ذلك و لا تنافي بينها و بين ما تقدم من تفسير صلة الرحم برحم آل محمد (عليهم السلام) لان هذه الرواية تبين بعض اقسام الرحم و ليست في مقام الحصر الحقيقي حتى يتحقق التنافي.
العياشي عن الأصبغ بن نباتة قال: «سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول. «ان أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه فان الرحم إذا مسها الرحم استقرت و انها متعلقة بالعرش ينقضه انتقاض الحديد فينادى اللهم صل من و صلني و اقطع من قطعني و ذلك قول اللّه في كتابه «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» و أيما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض من فوره فانه يذهب رجز الشيطان».
أقول: لا تنافي بين هذه الرواية و بين ما دلت على ان رحم آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) متعلقة بالعرش لان مراتب التعلق متفاوتة جدا.
و معنى تعلق سائر الأرحام بالعرش حضورهن بالحضور العلمي لدى اللّه تبارك و تعالى و الدعاء لمن وصلهم و على من قطعهم.
و اما ان مس كل رحم بالرحم يوجب هبوط فوران الغضب فلما أثبته العلم الحديث من انتهائهم إلى شي‏ء واحد فتستولى الوحدة و تنطفي الغضب.
و اما ذيل الرواية فلان القعود يوجب سكون فوران الدم في الجملة فيتوجه إلى نفسه فيحصل له التعوّذ من الشيطان.
و عن ابن شهر آشوب باسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ» نزلت في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اهل بيته و ذوي أرحامه و ذلك ان كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة الا ما كان من سببه و نسبه صلى اللّه عليه و آله».
أقول: يستفاد منه ان الرحم ما كان متصلا إلى يوم القيامة و كان رحما فيها ايضا و هو مختص بنسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لان ما سواه ينسون أنفسهم في تلك الأهوال و الشدائد فضلا عن أرحامهم قال تعالى: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» عبس- 37.
و في تفسير علي بن ابراهيم قال: «تسائلون يوم القيامة عن التقوى هل اتقيتم؟ و عن الأرحام هل وصلتموها».
أقول: هذا من التفسير بأكبر المصاديق.
و عن علي بن ابراهيم في تفسيره ايضا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) «الرقيب الحفيظ».
أقول: حيث ان رقابته جلّ جلاله من الحضور العلمي الاحاطي و هذا يستلزم الحفظ بما يراه من المصالح.
و في المجمع عن الباقر (عليه السلام): «اتقوا الأرحام ان تقطعوها».
أقول: الروايات في حرمة قطع الرحم كثيرة جدا و هي من المعاصي الكبيرة كما ذكرناه في الفقه.

إطلاق الآية الشريفة و غيرها من الآيات و الروايات يشمل كل رحم‏ – ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا- نسبيا كان أو سببيا وارثا كان أو غير وارث قاطعا كان أو وصولا بل صلة القاطع أحب عند اللّه تبارك و تعالى من صلة الرحم الوصول لدلالة الروايات المتواترة على ذلك.
و المراد من الرحم ما ينتهي إلى رحم واحد بحسب الاجتماع العرفي الا إذا دل دليل من الشرع على الخلاف كما في رحم آل محمد (صلوات اللّه عليهم) الذي وسع فيه إلى يوم القيامة بل و فيها و لذا أكد في الشرع اولوية الأرحام في إيصال الصدقات و الخيرات و تقدمهم على غيرهم و هناك موارد تفضيل ذكرناها في كتاب (مهذب الاحكام).

في خلق أدم (عليه السلام) جهتان: الاولى: الجهة النورانية المعنوية و تستفاد هي من قوله تعالى: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»* و هي من ارفع الجهات و أعلى الدرجات و ليس في الممكنات ما يفوقها.
الثانية: الجسمانية و هي الطين و الصلصال و الحمأ المسنون و قد اعتنى سبحانه و تعالى بكل منها اعتناء بليغا لم يعتن بشي‏ء من الممكنات بمثله لأنه أول خليقته و أب الأنبياء.
اما الجهة الاولى فيكفيك قوله تعالى: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»* ص- 72 و بأي معنى لوحظ ذلك لا يدرك كنه عظمته و رفعته.
و اما الجهة الثانية فيكفى فيها قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» ص- ۷٥ و اظهر منها إسجاد الاملاك لهذا الخلق‏ العجيب الذي تحير الأفكار في مغزى درك حقيقته و درك واقعيته.
و الجهتان متلازمتان في الجملة في هذا الموجود العظيم في اي مرتبة من مراتب ظهوره و بروزه.
و هذه المراتب غير محدودة و ان أمكن تحديد كلياتها في الجملة، فالاولى مرتبة العلم الازلي و هي أعلى المراتب و أسماها.
الثانية: مرتبة المشيئة الكلية و هي: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ» ص- 71.
الثالثة: مرتبة الارادة الفعلية الحتمية و هي: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»* ص- 72.
الرابعة: مرتبة الإيجاد بالأمر و هي: «وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» البقرة- 117.
الخامسة: مرتبة تعليم الأسماء و هي: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» البقرة- 31.
السادسة: مرتبة التقصير و هي: «فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» طه- 121.
السابعة: مرتبة الهبوط: «وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» البقرة- ۳٦.
الثامنة: مرتبة التوبة و قبولها و هي «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ»: الأعراف- 23 و قال تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» البقرة- 37.
التاسعة: عالم الاصطفاء قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ» آل عمران- 33.
العاشرة: عالم الذر بقسميه في السماء و في الأرض في بطحاء بمكة قال تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» الأعراف- 172.
الحادية عشر: مرتبة انتشار النسل و بثه بالتدرج الزماني.
الثانية عشر: مرتبة أصلاب الآباء و أرحام الأمهات و ادوارها.
الثالثة عشر: مرتبة خروج الروح و تحقق الموت.
الرابعة عشر: عالم البرزخ قال تعالى: «وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» المؤمنون- 100.
الخامسة عشر: عالم الخلود.
هذه كليات ما يرد على هذه اللطيفة الربانية. و ان قيل ان هذا الموجود العظيم أعظم عمل رباني لا بأس به و يأتي تتمة المقال في مستقبل الكلام.

الخطابات الواردة في القرآن الكريم المتضمنة ب «يا أَيُّهَا النَّاسُ»* خطاب إلى الكثرة و الجمع و هذه الكثرة و الجمع لا يعقل لها حد و لا نهاية فتكون الخطاب عام لجميع البشر من زمان صدور الخطاب- بل من زمان الهبوط- إلى زمان الخلود فهي نوع لاحد لأفراده و قد أثبتنا في علم الأصول ان الخطابات المشتملة على النداء لا يعتبر فيها وجود المنادى خارجا بل يكفي فيها الوجود العلمي الاعتباري.
و المراد من النفس المتصف بالوحدة الواردة في الآية الشريفة هو آدم (عليه السلام) كما هو معلوم من الآيات التي وردت في كيفية خلق أدم (عليه السلام) و شرح حالاته فما عن بعض المفسرين من التشكيك في ذلك غير صحيح و لا ينبغي ان يعتني به.
و لا شك ان القرآن و غيره من الادلة تثبت ان النسل الاول من الإنسان انحدر من أدم (عليه السلام) و لكن في تكثر الذرية من بعدهما و في أولادهما يتصور وجوه:
الاول: ان يكون التناسل و التكاثر من نكاح كل ولد ذكر مع امه.
الثاني: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر مع أخته.
الثالث: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر بروحاني متجسّد. و لا يتصور اكثر من ذلك.
و الاول باطل بالضرورة للاستقباح الفطري عند كل ذي شعور حتى الحيوانات. و كذا الثاني لان نكاح الاخت من المحرمات النظامية التي لا يختص بشريعة دون اخرى كقبح السرقة و قبح شرب الخمر و غيرهما مع ما كشفه العلم الحديث من ان نكاح المحارم يستعقب مفاسد كثيرة في النسل فيكون قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ» النساء- 23 قضية حقيقية تكوينية أبرزها اللّه تعالى على صورة التشريع كقوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ‏ بِالْباطِلِ»* النساء- ۲٤ و قوله تعالى: «يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» الأعراف- ۱٥۷ فان جميع ذلك من القضايا التكوينية أبرزت بصورة التشريع توافقا بين النظامين.
و اما ما نسب إلى المجوس من تزويج الأخ مع لاخت و غيرها من المحارم فليس ذلك مستندا إلى كتابهم السماوي و انما هو من افتعالاتهم.
ان قيل: وضع الفقهاء مباحث في كتاب الميراث لإرث المجوس فلو كان مفتعلا يصير من الزنا و لا ارث لأولاد الزناء.
قلت: الافتعال الاول حصل بالجعل الاولي منهم و تبعه عوامهم فيصير كالوطى بالشبهة- جهلا بالحكم- فيتحقق موضوع الميراث.
و ما عن بعض المفسرين من ان قبح نكاح الأخ مع الاخت ليس من الفطريات الأولية بل من القبائح العرضية التي تزول لغرض الأهم و لذا لم يكن قبيحا لأجل بث النسل و الذرية.
غير صحيح لأن قبح نكاح الأخ مع الاخت مسلّم في الجملة و هذا مما لا شك فيه كما تقدم و مع إمكان رفع هذا القبح بأمر آخر لا قبح فيه أصلا كيف يتوسل بما هو قبيح و لو في الجملة. مع انا لا نسلم ان ذلك قبيح عرضي و انما هو قبيح ذاتي كما في بعض الروايات الآتية كالنكاح مع الام و اللواط و غيرهما.
و يصح ان يقال ان التجسد الروحاني كان بمثال الاخت في نظر الأخ لتحقق التناسب حسب هذه الطبيعة قال تعالى في قصة مريم العذراء: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا» مريم- 17 و قال تعالى: «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» الانعام- 9.
و اما ما قيل انه يستفاد من الآية الشريفة: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» انحصار البث فيهما فلا بد من تزويج الأخ مع الاخت لأجل هذا الانحصار.
قلت: انه لا مفهوم للقب كما هو متفق عليه و قد أثبتناه في علم الأصول فراجع [تهذيب الأصول‏].
فتلخص من جميع ما تقدم ان بدو انتشار النسل كان بطريق معقول مشروع من غير تدخل ايّ منقصة في ذلك و هو التجسد روحاني و شروع النسل منه و من ولد آدم (عليه السلام) و لا فرق في تجسد الروحاني بين ان يتجسد بالذكر للأنثى كما في قصة مريم (عليها السلام) أو العكس كما في المقام و ان كان فرق بينهما في الجملة و لكن في الأصل التجسد و تهيج القوة الفاعلة و المنفعلة لا فرق بينهما.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"