1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة المائدة
  10. /
  11. الآيات 48 الى 50

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤۸) وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤۹) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥۰)


بعد ما بيّن عزّ و جلّ شأن التوراة و الإنجيل و أنّهما كتاب هدى و نور، و قد حتم على بني إسرائيل الحكم بما أنزل فيهما و إقامتهما، و شدّد عليهم من ترك الحكم بهما، و اعتبر ذلك كفرا و ظلما و فسقا، يذكر تعالى في هذه الآيات شأن القرآن العظيم و مكانته العظيمة بين الكتب الإلهيّة، فهو المهيمن عليهما، و أمر نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه و آله بإقامته و الحكم بما انزل فيه، و الإعراض عمّن صدّ عن الحقّ، ثمّ بيّن سبحانه الحكمة في تعدّد الشرائع و المناهج، و اعتبرها مقدّمات لهذا الدين الذي هو المقصد و النتيجة لها، فكان آخر الأديان الإلهيّة، و أمر رسوله العظيم بالاستقامة و الإعراض عن الكافرين، و حذّرهم من الصدّ عن إقامة الحقّ و اتّباع حكم الجاهلية، فإنّه سيجازيهم بأعمالهم في الدنيا و سيصيبهم عذاب الآخرة بما كسبت أيديهم.

قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ.
تعظيم لشأن القرآن الكريم، و تنويه بعظيم فضله و تفوّقه على سائر الكتب الإلهيّة، و بيان بأنّه الفرد الكامل الحقيق بأن يسمّى كتابا على الإطلاق، فكان هو الجدير بأن ينصرف إليه لفظ الكتاب، و تظهر أهميّته بعد التصريح باسم كتاب موسى عليه السّلام، و كتاب عيسى عليه السّلام، فيكون اللام للعهد و التعظيم. و (بالحق) حال مؤكّدة من الكتاب، أي: أنزلناه حال كونه بالحقّ، و إطلاقه يشمل نزوله و علومه و أحكامه و جميع شؤونه، فهو حقّ من حقّ و في حقّ، فلا يأتيه الباطل من أيّة جهة من جهاته.
قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ.
بيان لأحد أوصاف القرآن الكريم، و هو أنّه مصدّق لما بين يديه من الكتب الإلهيّة التي نزلت من عند اللّه، و مقرّر لما جاء فيها من الأحكام، إلّا ما نسخه الإسلام، و في الآية الشريفة الشهادة على أنّها كتب إلهيّة، و أنّ الرسل الذين جاءوا بها لم يفتروها من عند أنفسهم و لم يكذبوا في رسالتهم و تبليغهم بها.
قوله تعالى: وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ.
وصف ثان له يدلّ على عظيم شأنه بين الكتب، و مادة (همين) تدلّ على السلطة على شي‏ء لأجل القيام بشئونه، و يستلزم ذلك المراقبة و الاهتمام و الشهادة، و هذه حال القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب الإلهيّة، فإنّه القائم بشئونها و المتسلّط عليها بحفظها و مراقبتها و أنواع التصرّف فيها، فهو كتاب تبيان لكلّ شي‏ء، كما وصفه عزّ و جلّ في غير المقام، فيحفظ ما يكون قابلا للحفظ كالأصول الثابتة، و ينسخ ما يكون قابلا للتغيير و التبديل، كالفروع التي تتغيّر حسب حاجات الإنسان و ما يقع في طريق استكماله، قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ‏ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الأعراف، الآية: ۱٥۷]، فالقرآن مصدّق لما ورد فيها أنّها من عند اللّه تعالى و مبيّن لها، و له حقّ التصرّف فيها بما يشاء من النسخ و التكميل، هذا ما يمكن أن يستفاد من هذه الكلمة بمعونة القرائن المتعدّدة الواردة في مواضع متفرّقة، و قد ذكر العلماء و المفسّرون لها معاني متعدّدة ربّما تبلغ خمسة، و المتمعّن فيها يرى أنّها من لوازم المعنى، و ليست هي المعنى الحقيقيّ لها، و كم لهم خلطا بين المعنى الحقيقيّ و لوازمه، و من هنا جاء المشترك و المترادف، و يحقّ لنا القول إنّ كثيرا من المعاني المترادفة أو المعاني المشتركة ترجع في حاقّ الواقع إلى معنى واحد، لكنّه مبهم في ضمن لوازم متعدّدة، و على الباحث أن يستخرج ذلك المعنى منها و يجهد في ذلك، نظرا لدقّة الموضوع، و قد سبق منّا بعض الموارد فراجع.
قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ترتّب هذا على سابقه كترتّب المعلول على العلّة التامّة، أي: إذا كان هذا شأن القرآن و منزلته، و أنّه الحقّ النازل من عند اللّه، فهو حقّ في موافقته مع الكتب الإلهيّة، و حقّ فيما خالفها، فلا بدّ أن تحكم بين الناس- و لا سيما أهل الكتاب- بما أنزل اللّه عليك من الأحكام و الشريعة، فإنّه الحقّ الذي لا محيص عنه، و ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الأمر يتعلّق بالحكم بين أهل الكتاب، و هو و إن كان صحيحا، لكن يبعده احتياجه إلى التقدير، أي: إن حكمت بينهم فاحكم بما أنزل اللّه. فإنّه عزّ و جلّ خيّره صلّى اللّه عليه و آله بين الحكم و الإعراض عنهم في قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، و يمكن القول بأنّ ذلك كان في وقائع خاصّة، أو قبل أن يأمره اللّه بالحكم بينهم بما أنزل، فإنّه القرآن المهيمن على الكتب، و شريعته ناسخة لجميع الشرائع، فلا موجب لاختصاص الضمير في (بينهم) باليهود- كما ذكره بعضهم- أو بأهل الكتاب. بل الأنسب التعميم بالنسبة إلى جميع‏ و كيف كان، فإنّ في تقديم (بينهم) الاعتناء بتعميم الحكم، كما أنّ في وضع الموصول موضع الضمير، التنبيه على علّية ما في حيز الصلة للحكم، و الترهيب عن المخالفة.
قوله تعالى: وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.
أي: بعد وضوح الحقّ فلا تتبّع أهواء الكافرين و المعاندين الزائفة بالإعراض و العدول عمّا جاءك من الحقّ الذي لا مرية فيه، و لا يجوز العدول عنه، و ذكر الحقّ للتأكيد على أنّ ما سواه باطل، و للدلالة على كمال الاجتناب عن اتّباع الأهواء، و نهي المعصوم عليه السّلام عن اتّباع الأهواء إما لأجل تعليم الغير، أو لأنّ النهي لمن لا يتصوّر منه وقوع المنهي عنه جائز لا إشكال فيه.
قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً.
بيان لحقيقة من الحقائق الاجتماعيّة.
و أساس هذه الحقيقة هو اختلاف استعداد أفراد الإنسان و لياقتهم، فإنّ اللّه تعالى لم يخلقهم شرعا سواء في القابلية و الاستعداد و الملكات، و الآية الشريفة بمنزلة التعليل لما ورد قبلها من الأمر و النهي، و فيها التأكيد على متابعة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و الانقياد لحكمه بما أنزل اللّه تعالى، لأنّ السابق و إن كان منهاجا و شريعة، إلّا أنّ الذي كلّفوا به هو ما جاء به الرسول الأعظم، فإنّه الحقّ دون غيره ممّا نسخته هذه الشريعة التي هي أكمل الشرائع و أتمّها و أجمعها، و لا وجه لأخذ الناقص، و لا سيما أنّ الإنسان لم يبق على واحدة، فهو في طريق الاستكمال و الترقّي.
و مادة (شرع) تدلّ على السبيل الموصل إلى المطلوب، و منه شريعة الماء، أي: الطريق الموصل إليه، و منه أيضا: ما شرعت فيه من شي‏ء فهو شريعة، و منه: شرع سواء، إذا تساوى القوم في أمر، و قد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ما يقرب من خمسة موارد، قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها [سورة الجاثية- 18]، و قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [سورة الشورى، الآية: 13]، و الشرع مصدر ثمّ جعل اسما للطريق النهج فقيل: يشرع و شرع و شريعة، و تطلق على المادّيات كما عرفت في شريعة الماء، و في المعنويّات، يقال: شريعة اللّه، و هي الطريقة الإلهيّة الموصلة إلى الحياة الأبديّة، و هي التي تطهّر العامل من درن المعاصي و الأوساخ المعنويّة، كما يطهّر الماء الأوساخ الظاهريّة.
و كيف كان، فقد اختلفوا في معنى الشريعة، و الظاهر أنّ المراد منها هي الطريقة العمليّة التي تهدي الإنسان إلى إقامة دين اللّه تعالى، فتختصّ بالأحكام العمليّة من الأحكام و الفرائض و الحدود، و أما الدين، فهو أوسع و أشمل من حيث يشمل جميع جوانب الحياة، و يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [سورة الشورى، الآية: 21]، فإنّه عزّ و جلّ أنكر عليهم التشريع في الدين بغير إذن اللّه تعالى، فكانت الشريعة حصّة خاصّة من الدين، بها يتديّن المرء، و لذا استعملت هذه الكلمة في خصوص تلك الأديان الإلهيّة السابقة التي شرّعت فيها أحكاما و فرائض ممّا ذكره عزّ و جلّ في قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى، الآية: 13]، هذا ما يتعلّق بالشريعة، و سيأتي مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى. و أما المنهاج فأصله الطريق الواضح البيّن، و منه طريق نهج، أي: بيّن واضح، و أنهج الأمر و نهج، إذا وضح. و منهج الطريق، و منهاجه، و قيل: هو الطريق الواضح في الحياة، فإنّ لكلّ قوم عاداتهم و تقاليدهم و سننهم في الحياة، ممّا لم تنسخه الشريعة و لم يردع عنها اللّه تعالى. و الحقّ أنّ المنهاج هو الطريق الموضح للشريعة، فيكون تابعا لها، أى: لطريقة الهداية التي يهدي سالكها إلى الصلاح و تزكية النفوس. و من هنا جاء في بعض الأخبار: «انّ المنهاج السنّة، و الشرعة السبيل، و أمر كلّ شي‏ء بالأخذ بالسبيل و السنّة»، و هما مختلفان باختلاف استعداد البشر و أحوال الاجتماع، و المراد من الجعل في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا، الجعل التشريعيّ التابع للجعل التكوينيّ كما عرفت، و المعنى: جعلنا لكلّ امّة من الناس شريعة و منهاجا لا يمكن أن تتخطّاها، و الاختلاف و إن كان في الفروع و الأحكام العمليّة، و لكن الشرائع كلّها اتّفقت على أصل الدين و جوهره، و هو المبدأ و المعاد، أي: توحيد اللّه تعالى‏ و الدعوة إليه و تسليم الوجه له، و الأنبياء مهما اختلفوا في الأحكام الفرعيّة، إلّا أنّهم اتّفقوا في ذلك، و الآية لا تدلّ على بطلان شرع من قبلنا، كما زعمه بعض المفسّرين، فإنها ليست في مقام بيان هذه الجهة، فقد تتّحد الشرائع في كثير من الأمور، و إنّما تختلف فيما يرجع إلى استعداد البشر و حال الاجتماع و الظروف التي تحيط بكلّ امّة، و قد تبادلت الشرائع فيما بينها و اختلفت في الأخذ و العطاء، فأخذت شريعة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله الملّة الحنفيّة التي جاء بها إبراهيم عليه السّلام، و أقرّت كثيرا من الأحكام التي نزلت في بقية الشرائع الإلهيّة، فإنّ طريق الهداية واحدة و إن اختلفت المسالك إليها.
قوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً.
بيان للسبب في اختلاف الشرائع، أي: و لو شاء اللّه تعالى أن يجعلكم أيها الناس امّة واحدة بأن يخلقكم مع استعداد واحد لا اختلاف في القابليات، فتتّحد جميع الشرائع و المناهج، فيكون المراد من الجعل هو الجعل التكوينيّ، بمعنى خلقهم على مستوى واحد من الاستعداد و التهيؤ و القابلية، لا أن يكون المراد منه النوعيّة الواحدة، فإنّ الناس أفراد نوع واحد، أي: لم يخلقهم كسائر أنواع الخلق يقفون عند استعداد واحد، بل اختلفت العطايا الإلهيّة و الفيوضات الربّانيّة لأفراد هذا النوع، فجعلهم على تفاوت كبير في القابلية و الاستعداد، فاقتضى ذلك أن تختلف الشرائع و المناهج، لتتمّ سعادتهم و تكون سلما لارتقائهم درجات الرقي و الكمال، و الأمم التي اختلفت الشرائع فيها قد ذكرها عزّ و جلّ في قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ … [سورة الشورى، الآية: 13].
قوله تعالى: وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ.
تعليل لما سبق و بيان لأحد وجوه الحكمة في تردّد الشرائع، أي: لما كانت العطايا الإلهيّة لأفراد نوع الإنسان مختلفة و متفاوتة لجهات كثيرة و حكم متعدّدة، فكان لا بدّ من تعدّد الشرائع طبقا لمراتب الاستعداد و القابليات، و العلّة في ذلك هي أنّ إرادته تعالى تعلّقت بأن يكون ذلك امتحانا لكم فيما أنعم عليكم من‏ الأحكام و التكاليف المجعولة، و معرفة مقدار صبركم على الطاعة و صبركم عن المعصية، و يتميّز الصالح منكم عن الطالح و المحسن عن المسي‏ء.
قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ.
بيان لحقيقة واقعيّة دخيلة في تشريع الشرائع، و دعوة إلى التحلّي بالفضائل و مكارم الأخلاق، بعد بيان وجه من وجوه الحكمة في اختلاف الشرائع التي أنزلها عزّ و جلّ في سبيل سعادة الإنسان، إلى أن وصلت إلى شريعة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله التي حازت قصب السبق على جميع الشرائع، فصارت حاوية لجميع الكمالات المعنويّة و الظاهريّة، فإذا كان أمر الشرائع هكذا فابتدروا بالالتزام بما جاء فيها من الأحكام التي في خيركم و صلاحكم، و انتهزوا الفرصة بالمسارعة بالعمل بها، فإنّ ذلك هو المقصود من تلك الشرائع، فلا تشغلوا أنفسكم بما جاء فيها من الاختلاف، فإنّه إعراض عن الهدى و اتّباع للهوى، و الاستباق أخذ مسبق، و الخيرات اسم جامع لكلّ الفضائل و المكارم و ما يرجع إلى صلاح الإنسان و سعادته و ما ينفعه في الدنيا و الآخرة، و إتيانه جمعا إما لأجل تعدّد الشرائع أو تعدّد الخير في الشريعة الختميّة، فتكون زيادة في الدعوة إلى الإيمان بها، و يؤيّد الأخير قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا … [سورة آل عمران، الآية: 133]، و تقدّم التفسير فراجع.
قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
تعليل لاستباق الخيرات، و فيه وعد للمؤمنين الذين استبقوها و بادروا إلى طلب مرضاته عزّ و جلّ، و وعيد لمن شغل نفسه بما كان سببا في شقائها، فإنّ الجميع ترجعون إليه عزّ و جلّ فينبئكم بحقيقة ما كنتم فيه تختلفون، و يحكم بالحكم الفاصل بين المحقّ و المبطل، و يجد كلّ امرئ منهم جزاء عمله، إن خيرا فخيرا و إن شرّ فشرّا.
قوله تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ.
بيان للقسم الأخير من أقسام الحكم و القضاء بين الناس التي تقدّم ذكرها، و هذا القسم يختصّ بالحكم بما أنزل اللّه تعالى، و هو الحقّ الذي لا محيص عنه، و العلم بأنّه حقّ، و منه يعلم أنّه لا تكرار في المقام، فإنّ الآيات السابقة إنّما تضمّنت بقية الأقسام، فكان الأمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى عقيبها لبيان الحكم الواقعيّ، و نفي ما عداه، مضافا إلى أنّ آية المقام تأمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى و تحذّر من اتّباع أهواء الناس، لأنّ الحق قد وضعت معالمه و استقرّت دعائمه و أركانه بنزول هذه الشريعة، فالواجب على الناس أجمعين أن يستبقوا الخيرات في تطبيقها.
و أما قوله تعالى في الآية السابقة فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، فإنّه أمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى بعد بيان نوعية المخالفة، و يبيّن أنّ توليهم عنه كاشف عن إضلال إلهيّ لفسقهم، كما قال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [سورة البقرة، الآية: ۲٦]، فيكون توطئة لهذه الآية، و هي توضح ما تضمّنته الآية السابقة و تبيّن ما أجمل فيها، فإنّ إعراضهم عمّا أنزل اللّه تعالى إنّما هو لأجل كونهم فاسقين، و قد أراد اللّه تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسّرين من تفسير الآية الشريفة، فإنّه من التطويل الذي لا طائل تحته.
قوله تعالى: وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
تحذير أكيد له صلّى اللّه عليه و آله من إضلالهم له صلّى اللّه عليه و آله بالصرف عن بعض ما أنزل اللّه إليه، و قطع لأطماعهم فيه صلّى اللّه عليه و آله، و إعادة (ما أنزل اللّه إليك) لتأكيد التحذير بتهويل الخطب. فإنّ لهم أساليب متعدّدة خفيّة و جليّة في إضلال الناس و إغوائهم، و قد حكى عزّ و جلّ جملة منها في مواضع من القرآن الكريم و كشف عن بعض أساليبهم الخبيثة التي لها تأثير كبير في هذا المجال، قد تخفى على كثير من الناس، إلّا من عصمه اللّه تعالى. و منه يظهر أنّ أمره صلّى اللّه عليه و آله بالحذر عن فتنتهم مع كونه معصوما، إما لأجل إعلامه صلّى اللّه عليه و آله بفظاعة الأمر و شدّته، فإنّ فتنتهم له بالصرف عن بعض ما أنزل اللّه إليه و لو كان أقلّ قليل، هو عظيم عند اللّه تعالى، أو لأجل التأكيد له بأنّهم جادون في إضلاله صلّى اللّه عليه و آله و لو كان في أقلّ قليل من الحكم، و لهم في ذلك أساليب متعدّدة، أو لأجل تعليم غيره صلّى اللّه عليه و آله من امّته من الحذر منهم، أو لأجل بيان أنّ‏ العصمة فيه لا توجب سقوط التكاليف عنه صلّى اللّه عليه و آله، فهو مختار في كلّ فعل، إلّا أنّ العلم الذي علّمه اللّه تعالى يمنعه من ارتكاب السوء و الفحشاء، و قد تقدّم الكلام في ذلك فراجع.
قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
تطييب لنفس الرسول الكريم و إرشاد له صلّى اللّه عليه و آله بأن لا يحزن إذا تولّوا عن الدعوة و أعرضوا عن قبول ما أنزله اللّه تعالى، فإنّهم غير معجزين اللّه تعالى، و أنّ حكمه نافذ و سيحاسبهم على ما أجرموا، و الآية الشريفة تبيّن ضلالهم بعد ما بيّنت أنّهم فاسقون قد خرجوا عن طاعة اللّه تعالى عند ما أعرضوا عن قبول حكمه، و في قوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ، إيماء إلى أنّ توليهم هذا إنّما هو بتسخير إلهيّ، لأنّهم سلبوا التوفيق عن أنفسهم بالإعراض عمّا أنزله اللّه تعالى، فلا موجب للحزن عليهم بعد ما اختاروا ذلك بأنفسهم، كما يدلّ عليه قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً. إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [سورة الكهف، الآية: ٦- 8]، فإنّه يدلّ على أنّ اللّه إنّما خلق الدنيا و ما فيها لأجل اختبار الإنسان و امتحانه في قبوله الحقّ و تمييز المحسن الذي أحسن عملا عن المسي‏ء الذي أساء في عمله، فهو الذي يختار أحد الطريقين، و قد بعث اللّه تعالى الأنبياء و المرسلين مبشّرين و منذرين، لينيروا لهم الطريق، فلا موجب للحزن عليهم، و إنّما ذكر عزّ و جلّ: بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، و هو ذنب التولّي و الإعراض الذي هو ذنب عظيم، إيذانا بأنّ لهم ذنوبا، فهذا واحد من جملتها، و إيماء بتغليظ العقاب، فإنّه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم، أيّ بعض كان، فيهلكوا أو تسوء عاقبتهم، فيكون الإبهام لتعظيم ذنب التولّي. و في الآية الإشارة أيضا إلى كمال لطفه بعباده، بأنّه لا يأخذهم بجميع ذنوبهم دفعة وحدة.
قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ.
تعليل لما سبق، أي: أنّ اللّه تعالى إنّما أضلّهم و يصيبهم ببعض ذنوبهم، لأنّهم فسقوا عن أمر ربّهم و أعرضوا عن قبول ما أنزله اللّه، و فيه التسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن‏ امتناع القوم من الإقرار بنبوّته صلّى اللّه عليه و آله و إعراضهم عن قبول الحقّ، فإنّ أهل الإيمان قليل و أهل الفسق كثير، فلا ينبغي أن يحزن و يعظم ذلك عنده، كما عرفت.
قوله تعالى: أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
إنكار و توبيخ و تعجيب من حالهم، فإنّ التولّي عن حكم اللّه عجيب، و طلب حكم الجاهلية أقبح و أعجب، و فيه إشارة إلى أنّه ليس وراء ما أنزله اللّه تعالى إلّا حكم الجاهلية، فإذا تولّوا عن حكم اللّه عزّ و جلّ فليس هناك إلّا حكم الجاهليّة الذي يبتني على اتّباع الهوى و متابعة النفس الأمّارة، و يستفاد من الآية الشريفة أنّهم يعلمون أنّ ما أنزل اللّه تعالى هو الحقّ، فإذا تولّوا عنه فإنّما يبغون حكم الجاهلية و هذا شي‏ء عجيب، و لذا جاءت الجملة تفريعا على ما سبق بنحو الاستفهام، و قد تقدّم الكلام في مادة (بغى) التي تدلّ على الطلب، كما أنّ المراد من الجاهليّة هي كلّ ملّة باطلة و حكم جائر، الذي يكون منشأها العناد و اللجاج و الإعراض عن الحكم الحقّ، اتّباعا للهوى. و قد ورد في الحديث: «انّ الحكم حكمان، حكم اللّه، و حكم الجاهليّة»، كما ستعرف.
قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً.
إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه عزّ و جلّ، فلا أحد أحسن حكما من اللّه تعالى، و لا ريب في أنّه لا يتبع حكم إلّا لحسنه.
و إنّما اطلق الحسن، لأنّ حكم اللّه تعالى يجمع حسن الدنيا و الآخرة، و يجتمع فيه جميع أنحائه.
قوله تعالى: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
تقرير لما سبق، و اللام إما بمعنى عند، أو للبيان متعلقة بمحذوف كما في هَيْتَ لَكَ [سورة يوسف، الآية: 23]، «و سقيا لك»، أي: إنّما يتبيّن حسن الأحكام و قبحها لقوم يؤمنون و يتدبّرون الأمور، و أما غيرهم فلا يعلمون ذلك.
و إنّما أخذ عزّ و جلّ صفة اليقين للإعلام بأنّهم لو صدقوا في دعواهم الإيمان باللّه تعالى، فلا بدّ أن يذعنوا لأحكامه و آياته و لا يبغوا غيرها، و ينكروا بأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم اللّه عزّ و جلّ.

اللام في الكتاب وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ للعهد و التعظيم، كما أنّ اللام في قوله تعالى: مِنَ الْكِتابِ للجنس، و يصحّ أن تكون للعهد، أي: تلك الكتب المعهودة، بِالْحَقِّ حال مؤكّدة من الكتاب.
كما أنّ قوله تعالى: مُصَدِّقاً … حال اخرى من الكتاب. و أشكل على ذلك بأنّه لا يصحّ كونه حالا ممّا ذكر، إذ لا يكون حالان لعامل واحد، و هي حال من الضمير المستكن في الجارّ و المجرور قبله.
و تقدّم الكلام في معنى المهيمن، و فعله هيمن و الهاء أصليّة، و له نظائر مثل بيطر، و خيمر، و سيطر، و زاد بعضهم: بيقر و شيطن، و حيعل و فيصل، و قيل: إنّها مبدلة من الهمزة، و مادته من الأمن، كمهراق، فقالوا: إنّ المهيمن أصله مؤمن، و هو من أسمائه عزّ و جلّ، فصغّر و أبدلت همزته هاء، و أبطله جمع آخرون، بل جعلوه كفرا، لأنّ أسماء اللّه تعالى لا تصغّر، و كذا كلّ اسم معظّم شرعا.
و تقديم (بينهم) في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، للاعتناء بتعميم الحكم لهم.
و وضع الموصول موضع الضمير في قوله تعالى: بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، تنبيها على علّية ما في حيّز الصلة، و ترهيبا عن المخالفة.
و اللام في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً، للاختصاص.
و (منكم) متعلّق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه التنوين، أي: و لكلّ امّة كائنة منكم.
و أشكل على ذلك بعضهم بأنّه لا تجوز الوصفية، لأنّه يوجب الفصل بين الصفة و الموصوف بالأجنبي، كما يوجب الفصل بين الفعل (جعلنا) و معموله، و هو (شرعة). و أجيب عنه في المطولات فراجع.
و قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، استئناف مسوق للتعليل لاستباق الخيرات بما فيه الوعد و الوعيد، و (جميعا) حال من الضمير المجرور.
و قوله تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، قيل: إنّه عطف على الكتاب، و التقدير: (و أنزلنا إليك الكتاب و قولنا احكم، و قيل: إنّها عطف على الحقّ، و لا حاجة إلى تقدير القول. و قيل: إنّها جملة مستأنفة اسميّة، بتقدير مبتدأ، أي: و أمرنا أن احكم. و الحقّ: إنّها جملة مستأنفة تفيد التأكيد على تثبيت حكم اللّه تعالى و اتّباع الكتاب و الحكم بما ورد فيه.
و الفاء في قوله تعالى: أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، أي: يتولّون عن قبول حكمك بما أنزل اللّه إليك، فيبغون حكم الجاهليّة، و قيل: محلّ الهمزة بعد الفاء، و إنّما قدّمت لأنّ لها الصدارة، و تقديم المفعول (حكم) للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار و التعجّب، و المشهور أنّ (أ فحكم) مبتدأ و (يبغون) خبره، و العائد محذوف. و قيل: الخبر محذوف و المذكور صفته، أي: حكم يبغون، و لكن استضعف حذف العائد من الخبر. و أجيب عن ذلك بأنّه جاء الحذف منه كما جاء الحذف من الصفة و الصلة.
و كيف كان، فإنّ في الآيات موارد من الالتفات يظهر للمتمعّن فيها.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل‏:
يدلّ قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، على شرف القرآن الكريم و عظيم منزلته و فضله على جميع الكتب الإلهيّة، فقد تشرّف هذا الكتاب و تعظّم بالنزول من عنده عزّ و جلّ، فقال تعالى وَ أَنْزَلْنا، و قد ذكرنا في المباحث السابقة أنّ كلّ مورد كان فيه نوع اهتمام و أراد عزّ و جلّ إظهار القدرة و المهابة و العظمة فيه أسنده إليه بنون العظمة كما في المقام، ثمّ أسنده إلى الرسول الكريم‏ الذي بان فضله على جميع الأنبياء و المرسلين، فقال تعالى إِلَيْكَ، و التأكيد على كونه بالحقّ في جميع شؤونه لا يأتيه الباطل بجميع أنحائه، ثمّ بيّن عزّ و جلّ بعض خصائصه في كونه مصداقا لما بين يديه من الكتاب، لأنّه نازل من اللّه أيضا، و فيه من الأحكام الإلهيّة و المعارف الربوبيّة، و كونه مهيمنا على جميع الكتب الإلهيّة، و لا ريب أنّ الهيمنة التي ذكرها عزّ و جلّ في صفات القرآن الكريم هي من جميع الجهات، فهي هيمنة رقابة، فما في تلك الكتب إن طابق ما في القرآن العظيم، أخذ به، و إلّا فلا يمكن الاعتماد عليه، كما أنّها هيمنة علميّة، فإنّ ما ورد في القرآن الكريم يفوق على جميع الكتب الإلهيّة، فإنّ فيه تفصيل كلّ شي‏ء، و لعلّه لهذا أمر عز و جل نبيّه الكريم بالحكم بما أنزل فيه و الإعراض عمّا سواه و الحذر منهم بأن لا يضلّوه باتّباع أهوائهم، فإنّهم ذوو أساليب متنوعة في إظلال الناس.
ثمّ إنّه عزّ و جلّ اهتمّ بالقرآن الكريم في هذه الآية الشريفة بما لم يهتم بغيره من التوراة و الإنجيل اللذين تقدّم ذكرهما، فمن جميع ذلك يستفاد أنّ الكتب الإلهيّة السابقة إنّما هي مقدّمات لهذا الكتاب العظيم، و أنّه يعتبر آخر حلقة من حلقات الكمال، فليس من المعقول الإعراض عنه و التغاضي عن معارفه و أحكامه، فلا كمال إلّا بالرجوع إليه و تطبيق أحكامه و شرائعه.
الثاني‏:
يدلّ قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، على انحصار الحكم و القضاء بين الناس بما ورد في القرآن الكريم و أنّه الحقّ، فلا يجوز الحكم بغيره و إن كان حكما في الكتب السابقة، إلّا ما قرّرته الشريعة الإسلاميّة. و يؤكّد ذلك النهي عن اتّباع أهوائهم التي لها مظاهر مختلفة، منها تحريف الكتب الإلهيّة و تغييرها و تبديلها، و غير ذلك ممّا حكى القرآن الكريم عنه في مواضع متعدّدة، و تقدّم بعض الكلام فيه.
الثالث‏:
يدلّ قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً، على حقيقة واقعيّة داخلة في صميم خلق الإنسان، و هي اختلاف أفراد الإنسان في الاستعداد و قبولهم للكمالات، فإنّ لكلّ فرد أو طائفة من الناس شرعة خاصّة و منهاجا معيّنا ينهجه في حياته العمليّة، و الظاهر أنّ الشرعة و المنهاج يشيران إلى ما تقوم به حياة الإنسان الماديّة و المعنويّة و الدنيويّة و الاخرويّة، فإنّ سعادته لا تتحقّق إلّا بتطبيقها على الوجه المطلوب.
و يستفاد من الآية الشريفة أنّ للكمال درجات متفاوتة لا يقتصر على طائفة معينة و نوع خاصّ و أمر معيّن، فلا كمال إلّا و فوقه كمال آخر حتّى يصل إلى الكمال المطلق، و هو اللّه تعالى الذي لا كمال فوقه أبدا، و أنّ اللّه عزّ و جلّ قادر على أن يجعل الإنسان امّة واحدة تقتصر على كمال معيّن خاصّ لا ترى سعادتها إلّا في الوصول إلى ذلك الكمال المعيّن، كما بالنسبة إلى الحيوانات، فإنّها لا ترى سعادتها إلّا في درك تلك اللذّة الوقتيّة، ثمّ بعد الوصول إليها تبقى جامدة حتّى تعود إليها الغريزة مرّة اخرى، بخلاف الإنسان فإنّه يختلف في خلقه و تركيبه عن سائر المخلوقات، ففيه استعداد كبير في نيل الكمالات، فإذا وصل إلى كمال استعدّ إلى نيل كمال آخر، و لا يحدّه عن ذلك إلّا الحوادث الكونيّة و صوارف الدهر. و كمال كلّ فرد بحسب استعداده اللائق به، فهذه الآية الشريفة من أعظم الآيات التي تبيّن حقيقة الإنسان من حيث حياته العمليّة، و هي من أهمّ الآيات التي تبني أهمّ أسس علم الاجتماع، و على علماء هذا العلم دراسة هذه الآية الكريمة بدقّة و تمعّن، فإنّ فيها كنوزا، و يفتح منها أبواب من العلوم و المعارف.
الرابع‏:
يدلّ قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، على أنّ الكمال الذي يسعد الإنسان إنّما يكون في الخيرات، فلا بدّ أن تكون غاية سعيه و مجده في هذه الحياة.
و هي الغاية الحميدة التي لا بدّ أن يتسابق إليها، لأنّها الجامعة لجميع الكمالات.
و إطلاق الآية يشمل كلّ خير. و قد ذكر عزّ و جلّ في القرآن الكريم مصاديق مختلفة للخير في مواضع متفرّقة، و هي تشمل جميع الأحكام الشرعيّة و الفضائل و المكارم و غيرها من الأمور التي لها المدخليّة في سعادته.
و هو يدلّ أيضا على أنّ اختلاف الشرائع لا بدّ أن يكون سببا للتنافس في الخيرات، لا سببا للعداوة و البغضاء، كما أنّه يدلّ على حرية الإرادة في الإنسان.
الخامس‏:
يستفاد من قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، أنّ آثار الاستباق إلى الخيرات إنّما تظهر في يوم القيامة، يوم الرجوع إلى اللّه تعالى و الحشر إليه و يوم الجزاء أو الحقّ، فيجزي المستبقين إلى الخيرات الجزاء الحسن، و يجازي الذين يختلفون في هذا الأمر على أفعالهم.
كما يستفاد من الآية الشريفة أنّ الاستباق إلى الخيرات هي الوحدة الجامعة لجميع الشتات التي تجتمع فيها جميع الكمالات، و تطرح فيها كلّ فرقة و اختلاف، و هو الطريق الموصل إلى اللّه تعالى، فهذه الآية الشريفة من الحقائق الواقعيّة التي لا بدّ أن يتأمّل الإنسان في خصوصياتها و يستفيد منها في حياته العلميّة و العمليّة، و لأجل أهميّة هذه الآية الكريمة في حياة الإنسان فقد ذكر فيها عزّ و جلّ الضمان على نفسه، فبيّن فيها الجزاء الفاصل بين الحقّ و الباطل الذي لا يبقى معه شكّ في أمر الدين و الدنيا.
السادس‏:
يستفاد من قوله تعالى وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، أهميّة الحكم في حياة الإنسان، فقد تكرّر الأمر منه عزّ و جلّ لنبيّه الكريم بالحكم بينهم بما أنزل اللّه تعالى، الذي يعلم مصالحهم و يعرف خصوصياتهم و جميع شؤونهم، فلا يحكم إلّا بالحقّ و لا ينزل إلّا ما يكون في صلاحهم و سعادتهم، و لأجل دقّة الموضوع و خطره، فقد نهى عزّ و جلّ عن اتّباع الأهواء التي هي أم الرذائل و أساس كلّ فساد، لا سيما في هذا الأمر الخطير الذي قلّما يسلم منه أحد إلّا من عصمه اللّه تعالى، كما يدلّ عليه قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ، و اتّباع الأهواء من موجبات الفساد، و له مظاهر مختلفة و صور متعدّدة، ذكر عزّ و جلّ جملة منها في مواضع متفرّقة من القرآن الكريم و بيّنتها السنّة الشريفة.
السابع‏:
يستفاد من قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، لطف اللّه تعالى بعباده، حيث لا يأخذهم بجميع ذنوبهم دفعة واحدة.
الثامن‏:
يستفاد من قوله تعالى: أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، أنّ ما سوى‏ حكم اللّه تعالى هو حكم الجاهليّة الذي لا يفي بالأغراض و لا يوصل إلى المطلوب، و لا يسلم من اتّباع الأهواء، و لا يرفع الخلاف، بل يوجب الفرقة و الاختلاف، كما حكى عزّ و جلّ عنه في آيات متفرّقة.

في الكافي عن هشام بن سالم بن سليمان، عن خالد، عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، قال عليه السّلام: «لا يحلف اليهوديّ و لا النصرانيّ و لا المجوسيّ بغير اللّه، إنّ اللّه يقول: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ».
أقول: و مثله ما رواه العياشي أيضا، و ما ورد في الرواية إنّما هو من باب التطبيق، فإنّه بعد أن أمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى بينهم، فلا يجوز الحلف بغيره تعالى.
و في تفسير القمّي في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً، قال: «لكلّ نبيّ شريعة و طريق».
أقول: المراد منه أنّ المنهاج هو السبيل الذي يتّخذه كلّ نبيّ في هداية قومه، و يختلف كلّ نبيّ عن آخر بما يختصّ به من مميزات شخصيّة أو نوعيّة.
و في الكافي عن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى أيضا: «و المنهاج سبيل و سنّة، قال عليه السّلام: و أمر كلّ نبي بالأخذ بالسبيل و السنّة. و كان من السبيل و السنّة التي أمر اللّه بها موسى أن جعل عليهم السبت».
أقول: تقدّم ما يتعلّق بذلك، و هذا الحديث يؤكّد ما ذكرناه من أنّ الطريق هو السبيل الذي يتّخذه كلّ نبيّ في هداية قومه الذين يختلفون كمّا و كيفا، و في سائر الخصوصيات.
و في الكافي أيضا عن الصادق عليه السّلام قال: «القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنّة، رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة»، و قال عليه السّلام: «الحكم حكمان، حكم اللّه و حكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بالجاهليّة».
أقول: في ذلك روايات متعدّدة عن الفريقين مذكورة في كتب التفسير، و الآيات الشريفة تدلّ على ذلك، فقد أمر عزّ و جلّ نبيّه الكريم بالحكم بينهم بما أنزل اللّه، فهذا يختصّ بحكم اللّه تعالى، ثمّ أمره عزّ و جلّ ثانيا بالحكم بينهم بما أنزل اللّه و نهاه عن اتّباع أهوائهم كما جاء من الحقّ، فهو يدلّ على أنّ ما سوى حكم اللّه تعالى هو من اتّباع الهوى الذي نهاه عزّ و جلّ عنه، و هو يشمل الأقسام الثلاثة، الحكم بالجور مع العلم به، و الحكم بالجور مع عدم العلم به، فإنّه جور أيضا بالملازمة، و الحكم بالحقّ مع عدم العلم به، لفقد شرط الحكم بالحقّ الذي هو العلم بكونه حقّا، و إلّا كان حكما بالجور الذي هو من اتّباع الهوى، و يشمل الجميع حكم الجاهليّة الذي هو في مقابل حكم اللّه تعالى مقابلة واقعيّة، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في كتاب القضاء من مهذب الأحكام فراجع.
و في الكافي عن الصادق عن أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليهما-: «الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم بحكم الجاهليّة، و قد قال اللّه عزّ و جلّ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ».

الآيات الشريفة المتقدّمة من أهمّ الآيات القويمة التي تدلّ على مشروعيّة القضاء و الحكم بين الناس، و تذكر دعائهما في الإسلام، و هي الحكم و القاضي و المقضي عليه، و قد أكّد عزّ و جلّ عليها و ذكر خصوصياتها، ففي الحكم قال عزّ و جلّ وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، و هو يدلّ على وجوب الحكم بين الناس بما أنزله اللّه تعالى، فيختصّ بالعالم بكونه ممّا أنزله اللّه تعالى، و هو حكم اللّه.
و يستفاد منه أنّ غير ذلك هو ممّا لم ينزله اللّه تعالى، فيكون حكما جاهليا. و هو يشمل الحكم بالجواز عالما به أو غير عالم، و الحكم بالحق مع الجهل به، و الثلاثة حكم الجاهليّة الذي أنكره عزّ و جلّ غاية الإنكار في قوله: أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
و لعلّ ما ورد في الروايات من أنّ الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة، و ما ورد في تقسيم الحكم و القضاة إلى أربعة- كما عرفت سابقا- كلّ ذلك مأخوذ من هذه الآيات الشريفة.
و في القاضي ذكر عزّ و جلّ: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، و هو يدلّ على وجوب الحكم بالحقّ الذي يثبت بالطرق الشرعيّة المعروفة، فلا يجوز اتّباع الهوى الذي هو خارج عن الطرق الشرعيّة، و يشمل ذلك جميع ما ورد في آداب القاضي و القضاوة في الإسلام. منها: وجوب الإنصاف و الإنصات و التسوية بين الخصوم و نحو ذلك. و أما الميل القلبي مع الحكم بين الخصوم بالحقّ، فالآية الشريفة لا تشمله و إن دلّت بعض الروايات على كراهته أيضا، بل و حرّمته في بعض الموارد.
و بيّن سبحانه و تعالى أنّ عدم الحكم بما أنزله اللّه يجعل القاضي كافرا أو ظالما أو فاسقا، و في المقضي له أو عليه فقد ذكر عزّ و جلّ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، و قال تعالى: أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، فإنّه يدلّ على لزوم مراعاة الحكم و وجوب الإذعان للحكم، فإنّه الحقّ الذي ينبغي اتباعه و إلّا كان ظالما لنفسه فيصيبه اللّه بذنبه، بل يدلّ قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، أنّ اليقين في الأحكام الربوبيّة من مقامات العبوديّة.

إنّ السلوك إلى اللّه تعالى و الطريق إليه عزّ و جلّ له مظاهر مختلفة و سبل‏ متعدّدة تختلف حسب استعداد كلّ فرد، و لكن لا بدّ أن يكون موافقا للشرع و حكم اللّه تعالى، و إلّا فلا يكون الطريق موصلا إليه عزّ و جلّ. و لعلّ ما ورد في الآيات الشريفة السابقة إشارة إلى ذلك، فقد نزل في القرآن الكريم من الأحكام و التكاليف و الكمالات ما استوعب جميع الجوانب الظاهريّة و المعنويّة للإنسان، ممّا جعلته مهيمنا على سائر الكتب الإلهيّة فأصبح فريد نوعه، فصار غاية للسالكين و أنيسا للمستوحشين و مجمعا للخيرات، ففيه السبق و به المسابقة، و عن طريقه تستكمل النفوس و تتخلّى عن الرذائل، و لأجل هذا أمر سبحانه نبيّه الكريم بالحكم بينهم بما أنزله فيه بعد أن حكم عليه بأنّه المهيمن على جميع الكتب، فإذا ثبتت له الرقابة الإلهيّة، فلا بدّ أن تمرّ منه الطرق و تستنير به النفوس، فإنّه و إن كان لكلّ واحد منكم شرعة لتهذيب النفوس و منهاج للوصول إلى الكمالات و اجتياز المراحل حتّى الوصول إلى الكمال المطلق، إلّا أنّها لا بدّ أن تتوجّه إلى ما أمر اللّه تعالى به، و هذا هو مطلوب العارف باللّه الذي به يختلف عن غيره، فاستبقوا الأمور الموصلة لكم إلى الكمال حتّى يستفيض كلّ بحسب استعداده و يستنير بما له من القابلية، و لا خير إلّا فيما أنزله عزّ و جلّ، فإنّه الموصل إليه، و به ترجعون إليه فينبئكم بما أوجب اختلافكم و تفرّقكم عمّا فيه الخير لكم، فيظهر لكم آثار ما اقتضاه الاختلاف، و هنالك الوعد الحق، فلا تكون مظاهرهم سببا للفتنة و لا تكون موجبة للانحراف عن جادة الصواب و الإعراض عن ابتغاء الخير و الوصول إلى الكمال، فإنّ الحكم هو حكم اللّه تعالى، و يكفي في الإعراض و النكوص أنّ اللّه يحرمه من لذّة الوصال و يحجبه عن اللقاء، و لذا كان أكثر الناس فاسقين، لأنّهم التفتوا إلى ذواتهم، فاشتبه عليهم حبّ الذات عن حبّ اللقاء، فيحكمون على أنفسهم بالمحبّة و الوصال- و شتان ما بينهما- و هذا هو حكم صادر عن النفس الأمّارة، لا عن علم إلهيّ، فصار حكما جاهليّا.
فلا تلتفت في السير غيرا و كلّ ما سوى اللّه غير فاتخذ كرهه حصنا
و كلّ مقام لا تقم فيه انه حجاب فجد بالسير و استنجد العونا
و قل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى و لا طرفة تجنى‏

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"