1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة المائدة
  10. /
  11. الآيات 35 الى 40

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (۳٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (۳٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (۳۷) وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (۳۸) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (۳۹)
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (٤۰)


لما بيّن عزّ و جلّ جزاء المحاربة و عظيم جنايتها لما لها من الأثر السي‏ء في النفوس و تعطيل النظام، فكان الخزي في الدنيا و العذاب العظيم في الآخرة، و في هذه الآيات الشريفة ذكر سبحانه و تعالى بعض الطرق لإصلاح النفوس و ترويضها على احترام المواثيق و العهود و نبذ الفساد و الإفساد، فأمر عزّ و جلّ بالتقوى لعظيم أثرها في تهذيب الإنسان و إصلاحه ثمّ بالطاعة و الإخلاص له لترويض النفوس على التوجّه إليه تعالى و التوسّل به في قضاء الحاجات و صرف النظر عمّا ليس بمحمود، ثمّ بيّن حال الذين كفروا في يوم القيامة و سوء منقلبهم و خلودهم في النار و العذاب المقيم، و في ذلك الموعظة و العبرة. ثمّ ذكر جزاء السارق و السارقة اللذين يختلفان عن المحاربين في أنّهما يسرقان خفية دون المحاربين، و جعل عقاب السارقين بما اجتمع فيه الوازع النفسيّ و التهذيب و الإصلاح و الخوف من العقاب و النكال و العبرة، فلم يقتصر فيه على جانب واحد و جعل الباب مفتوحا لمن يتوب و يريد الإصلاح، فإنّ اللّه غفور رحيم يقبل توبة عباده إذا صلحوا. ثمّ ختم الآيات الشريفة بإثبات القدرة التامّة و نفوذ حكمه في مخلوقاته، زيادة في المهابة و تحقيقا للهداية و الموعظة التي ما برح القرآن الكريم عنهما بأساليب متعدّدة متميّزة لا تبلى جدّتها و لا تملّ قراءتها، فإنّ كلّ أسلوب منها يتضمّن من الأمور البلاغيّة الأدبيّة، و يتخلّله من أسماء اللّه و صفاته العليا، و يشتمل على المعارف و التوجيهات و طلب تقواه تعالى و التوجّه إليه و الإخلاص له، ما يجعل الكلام محبّبا للنفوس، و لذلك ترى أنّ القرآن و إن اشتمل على أهداف معينة و أغراض معلومة قد ذكرت في مواضع متعدّدة، لكنّها ليست من التكرار المملّ، و هذا من معاجز هذا الكتاب العظيم.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ.
بيان لأحد الكمالات الواقعيّة التي لا بدّ من السعي إليها، و تقدّم الكلام في هذا النداء الربوبيّ الذي يتضمّن من اللطف و التذكير و الموعظة ما لا يتضمّنه أي خطاب آخر، و قد أمر تعالى المؤمنين بالتقوى لما لها الأثر العظيم في تهذيب النفوس و تكميلها بالكمالات الواقعيّة و إزالة الموانع و الحجب و ما يوجب سخطه عزّ و جلّ، فيكون ترتّب ما يأتي على هذا الحكم كترتّب المعلول على العلّة التامّة.
قوله تعالى: وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.
مادة (وسل) تدلّ على التقرّب و التوصّل إلى أمر بشي‏ء. يقال: وسل إلى كذا، أي: تقرّب إليه بشي‏ء، و الوسيلة فعيلة بمعنى ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى و يتوصّل إليه عزّ و جلّ، من ترك المعاصي و فعل الطاعات مع الرغبة إلى من يتقرّب إليه و ما يتقرّب به، و قال الراغب: إنّها أخصّ من الوصيلة، لتضمّنها معنى الرغبة، و حقيقة الوسيلة إلى اللّه تعالى مراعاة سبيله بالعلم و العبادة و تحرّي مكارم الشريعة.
أقول: لا ريب أنّ التقرّب إليه تعالى و التوسّل به إلى ثوابه و الزلفى منه، إنّما يشترط أن يكون موافقا لما ورد في الشرع المبين، كما أنّ فعل الطاعات و ترك المعاصي لا بدّ أن يكون مع العلم و تحرّي مكارم الشريعة، و قد ورد في بعض الأخبار: «انّ اللّه لا يقبل دعاء قلب ساه أو لاه»، فالعلم و موافقة الشرع المبين من مقوّمات التقرّب إلى اللّه تعالى. و من هنا كان ابتغاء الوسيلة إليه عزّ و جلّ من شؤون العبوديّة للّه تعالى، التي لا تتحقّق إلّا بإيجاد الرابطة بين العبد و ربّه، فيكون المراد من ابتغاء الوسيلة ابتغاء الطاعة للّه تعالى التي لا يمكن أن تتحقّق إلّا بذلّ العبوديّة و توجيه المسكنة و الفقر إليه عزّ و جلّ و التضرّع لدى جنابه و الخشية منه تعالى، و لا يمكن الوصول إلى ذلك إلّا باتّباع الشريعة و التقوى، فكانت التقوى هي العلّة و الغاية، و هذا يدلّ على أهميّة التقوى، فإنّه قلما اجتمع في شي‏ء العلّة الفاعليّة و الغائيّة. و لعلّه لأجل ذلك أمر بالتقوى أوّلا، ثمّ بابتغاء الوسيلة إليه، و هذه الآية الشريفة على إيجازها البليغ تتضمّن جميع الكمالات الواقعيّة، فهي الذريعة لكلّ خير و سعادة، و منجاة من كلّ شقاء و عذاب، و فيها تظهر حقيقة العبوديّة و تزول الحجب و الأغيار، فإنّه لا منجى إلّا بالتوسّل إليه عزّ و جلّ و الإعراض عمّا سواه، و ابتغاء الوسيلة إليه تبارك و تعالى لا يختصّ بطريقة معينة، بل كلّ ما يوجب التوسّل به إليه فهو صحيح، ففي الحديث: «انّ الطرق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق»، إلّا ما ورد النهي عنه في الشريعة الغرّاء كما في عبادة الأصنام و الذبح لغير اللّه تعالى و غيرهما ممّا حكاه عزّ و جلّ في القرآن الكريم و ما ذكر في السنّة الشريفة، و ليس من الأخير التوسّل بالأنبياء و الأولياء كما يزعمه بعض، فإنّ اللّه تعالى جعلهم أبواب رحمته في الأرض، و قد قال تعالى: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [سورة البقرة، الآية: 189]، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام إن شاء اللّه تعالى.
قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ.
كمال آخر من الكمالات الواقعيّة، و ترتّبه على سابقه من قبيل ترتّب المقتضى (بالفتح) على المقتضى (بالكسر)، فيكون المراد من الجهاد الأعمّ من الأصغر و الأكبر، كما أنّ المراد من سبيله هو الجهاد في ما يرتضيه تبارك و تعالى.
فيكون المعنى: جاهدوا أنفسكم بحملها على اتّباع الحقّ و ابتغاء الوسيلة إليه عزّ و جلّ، و كفّها عن الأهواء، و جاهدوا أعداء اللّه تعالى الذين يصدّون عن الحقّ، و احتمل بعضهم أن يكون المراد منه هو الجهاد مع الكفّار، نظرا إلى تقييده بكونه في سبيل اللّه تعالى، الذي إذا ذكر مع الجهاد يكون المراد منه القتال، بخلاف ما إذا أريد الأعمّ فإنّه يكون خاليا عن التقييد، كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [سورة العنكبوت، الآية: ٦۹].
و على هذا، يكون ذكره بعد الأمر بابتغاء الوسيلة إليه من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ لأهمّيّته. إلّا أنّه ممّا يبعد هذا الاحتمال سياق الآية الشريفة و القرائن المحفوفة بها، التي تدلّ على أنّ المراد منه الأعمّ، و التقييد بكونه في سبيل اللّه لا يصرفه عن المعنى العامّ، لا سيما بعد كون الجهاد مع النفس من أصعب الأمور، و تتداخل فيه كثير من الأوهام و الظنون، و هو مزلّة الأقدام و ممتحن الرجال، فلا بدّ من تحديد مسلكه و تعيين طريقه بكونه في سبيل اللّه، لئلّا يكون مرتع الشيطان، و نظير هذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: 218].
قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أي: إذا تحقّق ذلك كلّه منكم فهو السبب للفوز بالفلاح، الذي هو أقصى الغايات و أبعدها، فإنّه الوصول إليه عزّ و جلّ و الفوز بكرامته و السعادة في المعاش و المعاد، و هذا هو الكمال الذي يسعى إليه الإنسان في سعيه و تحمّله الجهد و المشقّة في ابتغاء مرضاة اللّه تعالى و التقرّب إليه.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
تعليل لمضمون ما قبله، و تأكيد على وجوب مراعاة الأحكام السابقة، و ترغيب في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عزّ و جلّ، و بيان إلى بطلان ما توسّل به الكفّار يوم القيامة للنجاة من العذاب. و الآية تدلّ على أنّ سبب الفلاح و النجاة كامن في نفس الإنسان و لا يجديه شي‏ء خارج إذا لم يكن راجعا إلى كسب الإنسان و فعله، و قد أكّد عزّ و جلّ ذلك في عدّة مواضع من القرآن الكريم، قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [سورة الشمس، الآية: 9- 10].
و معنى الآية: أنّ الذين كفروا لو افتدوا جميع ما في الأرض لينجيهم من عذاب يوم القيامة لم ينفعهم ذلك، و لا يكون بدلا عمّا ذكره عزّ و جلّ في صدر الآية من التقوى و ابتغاء الوسيلة و المجاهدة في سبيله، فإنّ تلك هي التي تصرف العذاب عن أنفسكم. و إنّما اقتصر عزّ و جلّ على الفدية بما في الأرض، لأنّها أقصى ما يقدر عليه ابن آدم من الملك الدنيويّ عادة.
قوله تعالى: وَ مِثْلَهُ مَعَهُ.
زيادة في الرغبة و تأكيد على كينونة ما في الأرض، و المثل على طريق المعيّة لا بطريق التعاقب، لبيان فظاعة الأمر و هول الموقف.
قوله تعالى: لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ.
أي: ليجعلوه فدية لأنفسهم من عذاب يوم القيامة.
قوله تعالى: ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
أي: لا يتقبّل اللّه ذلك منهم و لا ينقذهم من العذاب الذي استحقّوه بسبب أعمالهم و لا سبيل لخلاصهم منه، بل هم في عذاب مؤلم في كمال الإيلام لهم، لأنّ من سنّته عزّ و جلّ أنّ الذي ينجيهم من العذاب إنّما هو الإيمان و العمل الصالح. و تقدّم أنّه إنّما يتقبّل اللّه من المتّقين، فلا تنفع الكافرين الفدية، و لا ترفع عنهم العذاب الذي استحقّوه بكفرهم و سيئات أعمالهم.
قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها.
بيان لحالهم في النّار، و هو يدلّ على كمال إحساسهم بالعذاب، و أنّ الفطرة الأصليّة التي كانت تتألّم من العذاب في الدنيا لم تتغيّر و لم تنتف عنهم، بل تتأثّر بالنّار و يتألّمون و يريدون الخلاص من العذاب و الخروج من النار، فإنّها دار العذاب و الشقاء و ما هم بخارجين منها البتة، و الجملة تدلّ على الثبوت و الدوام، و الآية الشريفة تدلّ على عدم قبول الشفاعة و العدل و الفدية منهم.
قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ.
تعليل لما سبق، و هو يدلّ على عدم تناهي العذاب كما و كيفا و مدة، أي: لهم عذاب ثابت لا يزول و لا يفارقهم أبدا.
قوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.
جملة مستأنفة و الواو للاستئناف، و دخول الفاء على الخبر يدلّ على أنّ الكلام في مقام التفصيل.
و التقدير: و أما السارق و السارقة … إلخ. و السرقة هي أخذ الشي‏ء في خفية، و منه استراق السمع، و سارقة النظر، و منها السرقة في الفقه الإسلامي، أي: أخذ مال الغير خفية. و السرق و السرقة (بكسر الراء فيهما) اسم للشي‏ء المسروق، و المصدر من سرق يسرق سرقا (بفتح الراء)، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس، و مستلب، و منتهب، و محترس الذي يسرق حريسة الجبل، يشمل الجميع الغصب.
و قد تستعمل السرقة في مطلق النقص، كما في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «و أسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته، و قيل: و كيف يسرق من صلاته؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: لا يتمّ ركوعها و لا سجودها».
و القطع هو الإبانة و الإزالة، و الآية الشريفة و إن كانت مطلقة، إلّا أنّ السنّة الشريفة بيّنت شروط الحكم، فلا يصحّ إجراء الحدّ إلّا إذا توفّرت جميع الشروط المعتبرة في السارق و الشي‏ء المسروق و المسروق منه، فليس كلّ سرقة يجري عليها الحكم المزبور، كما هو مذكور في الفقه. راجع كتانا مهذب الأحكام.
و اليد هي الجارحة المعروفة، و تطلق في الإنسان على المحدود من المنكب إلى أطراف الأصابع، و قد يطلق على الأبعاض أيضا كما عرفت في آية الوضوء. و المراد منها في المقام جزء معين، و هو الأصابع كما دلّت عليه الروايات المتعدّدة، و سيأتي نقل بعضها.
و ذهب الجمهور إلى أنّ القطع من الرسغ، و قيل: من المنكب، و المسألة محرّرة في الفقه.
و استعمال الجمع (أيديهما) مع أنّ المراد منه التثنية، إما لأجل ما قيل من أنّه استعمال شائع في أعضاء الإنسان المزدوجة، كالقرنين و الأذنين و اليدين و الرجلين و القدمين، فكلّ شي‏ء يوجد في الإنسان إذا أضيف إلى مثنى جمع، تقول: أشبعت بطونهما و هشّمت رؤوسهما، قال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [سورة التحريم، الآية: ٤].
أو لأجل أنّ كلّ مفرد إذا أردت به التثنية قد يجمع، كما حكي: وضعا رحالهما، يريد به رحلي راحلتيهما، و قيل غير ذلك.
و الظاهر أنّ الآية الشريفة ترمز إلى معنى أدق من تلك، و هو أنّ الموضوع لما كان من الأمور الاجتماعيّة التي تضرّ بالاجتماع و يفسد أخلاق أفراد المجتمع، فإذا قام أحد منهم بالسرقة فالمجتمع هو المسؤول عن تقويمه و تهذيبه، و إلّا كانوا مقصّرين، يشترك كلّ واحد من أفراده في هدم كيان المجتمع، و لعلّه لذلك استعمل لفظ الجمع لإلقاء المسؤوليّة على المجتمع في الحفظ و التربية و الإصلاح.
و كيف كان، فالمخاطب في قوله تعالى: فَاقْطَعُوا من له أهليّة إقامة الحدود، كالأنبياء و الأوصياء و حكّام الشرع المبين، فليس لكلّ أحد إقامة الحدّ، إلّا إذا رجع إليهم و أذنوا له بإقامة الحدّ. و التصريح بأنّ الحدّ يشترك فيه الرجال و النساء كما في حدّ الزنا، لأنّ كلّ واحد من الذنبين يقع من كلّ منهما، فأراد اللّه تعالى زجرهما معا و التأكيد على قبحه، و إن كانت النساء تشترك مع الرجال في الأحكام. و إنّما قدّم السارق في آية السرقة، و قدّم الزانية في آية الزنا، لأنّ السرقة في الرجال أشيع منها في النساء، لأنّها مبنيّة على القوّة، و هي في الرجال أكثر، كما أنّ الزنا في النساء أشيع منه في الرجال، لأنّه مبنيّ على الشهوة، و هي في النساء أشدّ.
قوله تعالى: جَزاءً بِما كَسَبا.
تعليل لما سبق، و هو منصوب إما لكونه مفعولا لأجله. أو حالا من القطع الفهوم من قوله سبحانه فَاقْطَعُوا. و الباء للسببية، أي: فاقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما الشنيع و كسبهما السي‏ء، و إنّما ذكر الكسب لبيان أنّ السرقة إنّما تباشر بالأيدي فتقطعان لما باشراه من الكسب.
قوله تعالى: نَكالًا مِنَ اللَّهِ.
مادة (نكل) تدلّ على الحجز و المنع، و استعملت في العقوبة لأنّها تمنع الناس عن الذنب، و منه النّكل (بالكسر) لقيد الدابة.
و لا ريب في أنّ قطع اليد من أجدر العقوبات لمنع السرقة، فإنّه يفضح صاحبه و تكون علامة من علامات الذلّ و العار، ليكون منعا له عن ارتكاب الجرم، و عبرة يعتبر بها غيره من الناس فيكونوا في مأمن من أموالهم و أرواحهم.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
أي: و اللّه غالب على أمره لا يقهره أحد، حكيم في أفعاله و تشريعاته.
قوله تعالى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ.
تفريع على ما ذكره عزّ و جلّ من كون الحدّ جزاء بما كسبا و نكالا، فإنّ الهدف من تشريعه هو المنع من السرقة و رجوع المنكول به عن معصيته. فمن تاب من السرّاق من بعد ظلمه على نفسه و على الآخرين، و رجع عن ذنبه رجوع ندم على ما فعل، و عزم على الترك، و أصلح نفسه بالتزكية، و أرجع ما سرقه إلى أصحابه، و تفصى من تبعاته، و قد عرفت في بحث التوبة أنّ ما اجتمع فيه حقّ اللّه تعالى و حقّ الناس لا تتمّ التوبة إلّا بأداء الحقّين، و يكفي في حقّ اللّه تعالى الندم و العزم على الترك. و أما حقّ الناس فيعتبر فيه الإصلاح، و هو يختلف باختلاف الموارد، ففي السرقة يجب ردّ المسروق إلى مالكه و الاسترضاء منه.
قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
أي: يقبل اللّه تعالى توبته، فلا يؤاخذه بالجريرة و يغفر له و يسقط عنه العذاب. و إطلاق الآية الشريفة يقتضي سقوط الحدّ عنه، كما يدلّ عليه بعض الروايات أيضا.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
تعليل لما سبق، أي: أنّ ذلك من مقتضى رحمته، و هو الغفور الرحيم، و الآية تدلّ على أنّ التوبة و المغفرة تفضّل منه تبارك و تعالى.
قوله تعالى: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
تعليل يبيّن وجه الحكمة في التشريع السابق، و الخطاب لنبيّه الكريم إرشادا لمن له أهليّة الخطاب، و فيه إيماء إلى أنّ السارق الذي يريد من السرقة جمع المال فهو مخطئ في ذلك، فإنّ اللّه له ملك السماوات و الأرض، يهب لمن يشاء و يمنع عن من يشاء، فهو القادر على كلّ شي‏ء.
قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ.
بيان لبعض شؤون ملكيته لما سواه، فإنّ له أن يحكم في مملكته و رعيته بما يشاء و يريد من عذاب و رحمة. و في الآية التعليل أيضا على قبول توبة السارق و السارقة إذا تابا و أصلحا من بعد ظلمهما. و إنّما قدّم العذاب على الرحمة خلافا لما هو المعهود من تقديم الأخيرة على الأوّل، لمراعاة الترتيب في صدر الآية الشريفة، حيث ذكر جزاء السارق و السارقة ثمّ ذكر التوبة، فلا ينافي سبق رحمته على عذابه.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.
تقرير لمضمون ما سبق، و تعليل لقوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، فإنّ من شؤون الملك هو القدرة التامّة، التي هي من مظاهر قيوميته المطلقة. و قد تقدّم في آية الكرسي من سورة البقرة بعض الكلام فراجع.

الظرف في قوله تعالى: وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، متعلّق ب (الوسيلة) قدّم عليها للاهتمام، و هي صفة لا مصدر حتّى يمتنع تقدّم معموله عليه، و قيل: متعلّق بالفعل قبله. و قيل: بمحذوف وقع حالا منه. و (لو) في قوله تعالى: لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ، خبر (ان) في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، و جوابها ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ. و (مثله) في قوله تعالى: وَ مِثْلَهُ مَعَهُ، معطوف على (ما) في قوله تعالى: ما فِي الْأَرْضِ، الذي هو اسم (أن) و (لهم) خبرها. و قيل غير ذلك. و إنّما ذكر (لو) لتهويل الأمر و تفظيع الحال. و (جميعا) توكيد للموصول، أو حال منه. و قال بعضهم: إنّ (الواو) في وَ مِثْلَهُ مَعَهُ بمعنى (مع)، فيتوحّد المرجوع إليه. و قد فصّل الكلام في المقام بما لا تستدعيه الحال، و من شاء فليراجع الكتب المفصّلة.
و لم يذكر عزّ و جلّ الافتداء المفهوم من الكلام، إيذانا بأنّه أمر محقّق الوقوع غني عن الذكر، و للمبالغة في تحقّق الرد. و ذكر بعضهم أنّ الجملة: «ما تقبّل منهم» تتضمّن التمثيل، و يقصد منها تنزيل التفصي عن العذاب منزلة من يكون له ذلك الأمر العظيم و يحاول التخلّص من العذاب فلا يتقبّل منه، و قال بعضهم: إنّه لا يراد منها الاستعارة التمثيليّة، بل إيراد مثال و حكم يفهم منه لزوم العذاب لهم.
و (يريدون) في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ، ظاهر في المعنى الحقيقي، و قيل: محمول على معنى: يكادون يخرجون منها لقوّتها و شدّة عذابها.
و كيف كان، فإنّ في ذكر هذه الحكمة الدلالة على شدّة الحاجة. و الإتيان بالجملة الاسمية: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها، المصدّرة ب (ما) الدالّة على تأكيد النفي لدخول الباء في خبرها، فيه الدلالة على سوء حالهم باستمرار عدم خروجهم‏ منها، فإنّها تدلّ على دوام الثبوت. أما قوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ، فالقراءة المعروفة فيهما هي الرفع على الابتداء و الخبر محذوف، و التقدير حكمهما، و قيل: الخبر هو جملة (فاقطعوا). و ردّ بأنّ الفاء لا تدخل إلّا في خبر المبتدأ الموصول بظرف أو مجرور أو جملة صالحة لأداة الشرط. و قرئ بالنصب على تقدير اقطعوا السارق و السارقة … فيكون النصب على الاشتغال. و ردّ بما هو مذكور في الكتب المفصّلة فراجع.
و الجار و المجرور في قوله تعالى: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، خبر مقدّم، و مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مبتدأ، و الجملة خبر (أن)، و هي مع ما في حيزها سادة مفعولي (تعلم).

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل:‏
تعتبر الآية الشريفة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، من الآيات المعدودة التي اشتملت على أهمّ المعارف الربوبيّة، و هو علم المبدأ و المعاد، و السبيل الموصل إليه تعالى و الفوز بكرامته في الآخرة، و التوجيهات السامية و الإرشادات القيّمة التي تعدّ المؤمن إعدادا علميّا و عمليّا و عقائديّا للفوز بالسعادة و الفلاح. فقد احتوت من المعارف على أسماها، و من الكمالات على أعلاها، و من المكارم على أشرفها و أغلاها، و عالجت أهمّ قضية من قضايا المؤمن بأسلوب موجز فصيح. فأمر عزّ و جلّ أوّلا بالتقوى لأنّها أساس كلّ كمال، و أصل التخلية عن الرذائل و التحلية بالفضائل، و هي المعدّة لابتغاء الوسيلة إليه عزّ و جلّ، و المقتضية لامتثال التكاليف الإلهيّة و الجهاد في سبيله، ثمّ إنّ ابتغاء الوسيلة إليه عزّ و جلّ من أعظم غايات خلق الإنسان، فهو العلّة للدخول في رضوان اللّه تعالى و الفوز بكرامته، و سيأتي في البحث الروائي ما يدلّ على أنّ الوسيلة هي أعلى درجة في الجنّة، فاجتمعت العلّتان الفاعليّة و الغائيّة في هذا الأمر، و هو يدلّ على أنّه من الأهميّة بمكان عظيم، فإنّ فيه تظهر العبوديّة و تتحقّق الطاعة المطلوبة، و هو الطريق الموصل إلى اللّه تعالى و الصراط المستقيم، و به يستعدّ و يتهيّأ لنيل الفيوضات الربانيّة و الواردات الإلهيّة، و هو الملجأ القويم في التخلّص من مكائد الشيطان و وساوسه، و هو المنجاة من سخط اللّه تعالى و عذابه، و هو الركن الوثيق الذي تركن إليه النفس الإنسانيّة عند تزاحم الصوارف و توارد الهموم و الغموم. و بالجملة: فهو الكمال الذي ينشده الإنسان و يسعى إليه، بل هو الجامع لجملة من الكمالات الواقعيّة.
و لم يبيّن عزّ و جلّ في هذه الآية الشريفة كيفيّة الابتغاء، و لا خصوصيات الوسيلة، و لعلّ السرّ في ذلك واضح، فإنّ فطرة كلّ مخلوق تدعو إلى التوجّه إلى خالقه و التوسّل إليه بكلّ ما أمكنه من الوسائل و العلل لنيل مقصوده، فكلّما صفت الفطرة و خلصت النية من الشواغل الماديّة و الصوارف الشيطانيّة، كانت الوسيلة أنجح و أدلّ على المطلوب، و قد ذكر في الكتاب و السنّة التأكيد على بعض الوسائل، منها: العبادات، و أعظمها الصلاة التي تنهى عن الفحشاء و المنكر. قال عزّ و جلّ من قائل: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [سورة البقرة، الآية: ٤٥].
و منها: الدعاء الذي هو من أعظم الوسائل إليه عزّ و جلّ، قال تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ [سورة الفرقان، الآية: 77]، و في الحديث: «الدعاء سلاح المؤمن، و عمود الدين، و نور السماوات و الأرض»، و تقدّم في بحث الدعاء ما يتعلّق به.
و منها: الصدقات الواجبة و المندوبة، ماليّة كانت أو غيرها، التي حثّ الشرع المبين و أكّد عليها تأكيدا بليغا. قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [سورة البقرة، الآية: ۲٤٥]، و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: 217].
و منها: إقامة الشعائر كالحجّ و زيارة المساجد و القبور و غيرها ممّا ندب إليه الشرع، قال تعالى: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [سورة الحج، الآية: 32].
و منها: التوسّل بخاتم الأنبياء و المرسلين و ذرّيته الطاهرين عليهم السّلام، و زيارة قبورهم و الاعتناء بشأنهم، فإنّهم مظاهر رحمته و مورد لطفه و عنايته، قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [سورة النساء، الآية: ٦٤]، و قد ورد في السنّة الشريفة روايات متواترة تدلّ على استحباب زيارتهم و التوسّل بهم إلى اللّه تعالى لقضاء الحاجات و نجح المهمات، من شاء فليراجع الكتب المعدّة لذلك.
و منها: الالتزام بإتيان المندوبات و ترك المكروهات، فإنّها من حمى اللّه تعالى، كما في الحديث.
و منها: ذكر اللّه تعالى، كما ندب إليه القرآن الكريم و السنّة الشريفة، قال تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [سورة الأحزاب، الآية: ٤۱]. و من ذكره عزّ و جلّ ذكر النبيّ و الأئمة الطاهرين بالصلاة عليهم و بيان فضائلهم، فإنّ ذكرهم من ذكر اللّه كما ورد في أحاديث كثيرة.
و يمكن القول بأنّ الوسيلة بمعناها الوسيع يشمل كلّ أمر حسن، فإنّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق، إلّا ما ورد النهي عنه في الشرع المبين، كعبادة الأوثان و الشرك باللّه تعالى و المحرّمات الشرعيّة.
و منها: التنزيه عمّا حثّ الشارع على تركه، كالمكروهات. و يستفاد من قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، أنّ التقوى و ابتغاء الوسيلة لا يتّمان إلّا بالجهاد و الصبر على الطاعة أو عن المعصية، و هو محفوف بالمكاره و الصعاب.
الثاني‏:
يدلّ قوله تعالى: وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، على أنّ الوسيلة التي شرّعها اللّه تعالى للوصول إلى مرضاته و الفوز بكرامته، ما كانت سببا لتزكية النفوس، و ما يعدّ إليها هو العمل المشروع كما عرفت آنفا، و يدلّ على ذلك كلمة (الابتغاء) الدالّة على التحمّل المكرّر و الجهاد المرير، و ما ذكر من الجزاء الذي أعده لمن يبتغي الوسيلة و هو الفلاح و النجاة.
الثالث‏:
يدلّ قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، على أنّ المجاهدة إنّما تكون بعد التوسّل بالوسيلة، و أما قبله فلا سبيل له حتّى يجاهد، فيستفاد منه أنّ الجهاد لا بدّ أن يكون بأمر من الإمام المعصوم و تحت إرشاده.
الرابع‏:
يدلّ قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ على أنّ الفلاح هو الغاية القصوى من عمل الإنسان، لأنّه الجامع لجميع الكمالات الواقعيّة، و لذا نرى أنّه لم يذكره عزّ و جلّ إلّا بعد بيان جملة من الإرشادات و التعليمات التي تعدّ المؤمن لتلقّي هذا الجزاء العظيم، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة آل عمران، الآية: 200] و غيرها من الآيات الكريمة.
الخامس‏:
يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ، أنّ الخلاص من العذاب منحصر في التوسّل بالوسيلة و المجاهدة في سبيله، و أنّ من كفر فلا طريق له إلى الخروج من العذاب و لا منجى له من سخطه عزّ و جلّ و عقابه.
السادس‏:
يدلّ قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ، على أنّ الاختيار ثابت في الآخرة أيضا، فلو كان مسلوبا عن الناس يومئذ لما صحّت الإرادة من أهل النار بالخروج منها، فهم يقصدون ذلك و يطلبون المخرج منها، و لكنّهم مقهرون فيها، لأنّه سبقت كلمته عزّ و جلّ أن يعذّب الظالمين بالنار. ففي الحديث: «يقال لأهل الجنّة: لكم خلود و لا موت، و لأهل النّار: يا أهل النّار خلود و لا موت».
السابع‏:
يدلّ قوله تعالى: جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ، على أنّ الحدود التي شرّعها اللّه تعالى في هذه الدنيا إنّما هي جزاء على الأفعال التي اكتسبها الناس، و يطابق الجزاء مع العمل، كما أنّها حدود تربويّة إصلاحيّة لإصلاح النفوس‏ و تزكيتها و تطهير لهم من الذنب الذي ارتكبوه، فليست هي انتقاما من فرد لصالح أفراد أو مجتمع.
الثامن‏:
يدلّ قوله تعالى: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، على تمام قدرته و نفوذ سلطانه في مملكته بأبلغ أسلوب و أتمّ وجه.
التاسع‏:
يدلّ قوله تعالى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ، على أنّ التوبة في المقام لا بدّ أن يظهر أثرها على المذنب بأن يكون عليه سيماء الصالحين التائبين، و قد تقدّم أنّ الصلاح في كلّ ذنب يناسب ذلك الذنب.
العاشر:
يدلّ قوله تعالى: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ، على أنّ العذاب هو الأصل القريب من الإنسان، و إنّما يصرفه عنه الإيمان و التقوى و ابتغاء الوسيلة، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [سورة مريم، الآية: 71- 72]، و قد ذكرنا ما يتعلّق بذلك في قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [سورة آل عمران، الآية: ۱۸٥].

في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة الوسيلة: «أنّها أعلى درجة في الجنّة».
أقول: يستفاد من الحديث أنّ الوسيلة اسم لأعلى درجة في الجنّة، و لعلّه من باب إطلاق السبب على المسبّب.
و في مجمع البيان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «سلوا اللّه لي الوسيلة، فإنّها درجة في الجنّة لا ينالها إلّا عبد واحد، و أرجوا أن أكون أنا هو».
أقول: بعد ما دلّ على أنّ الوسيلة هي أعلى درجة في الجنّة، فلا تكون إلّا لمن نال الشرف العظيم و الدرجة الرفيعة و حاز قصب السبق على جميع الأنبياء و المرسلين، فينحصر في الفرد الواحد و هو خاتم الأنبياء و المرسلين، و يلحق به الأئمة الطاهرون، فإنّهم الوسيلة إلى اللّه تعالى.
و أما طلبه من امّته أن يسألوا اللّه له هذه الدرجة، فإنّما هو لأجل تعليمهم الدعاء و التضرّع لديه عزّ و جلّ، فإنّه لم ينل أحد الدرجة إلّا من أفاضها اللّه تعالى عليه.
و في العيون عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قوله تعالى: وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، قال: «الأئمة من ولد الحسين من أطاعهم فقد أطاع اللّه، و من عصاهم فقد عصى اللّه، و هم العروة الوثقى و الوسيلة إلى اللّه».
أقول: الروايات في مضمون ذلك متعدّدة، و هي من باب بيان أجلى المصاديق و أهمّها، بل يستفاد من ظاهر الآية الشريفة الآمرة بالتقوى و الجهاد في سبيله أنّ الوسيلة منحصرة فيهم عليهم السّلام، فلا يمكن أن تتحقّق في غيرهم، فإنّ بهم يكمل الإيمان و تتمّ التقوى و يتحقّق الجهاد، و من ذلك يظهر الوجه فيما رواه العياشي عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها، قال: أعداء عليّ عليه السّلام هم المخلّدون في النار أبد الآبدين و دهر الداهرين».
و أما آية السرقة، فهي من آيات الأحكام التي تمسّك بها الفقهاء في كتبهم الفقهيّة لإثبات أحكام السرقة، و نحن نذكر في المقام الروايات الواردة في السرقة، و المال المسروق، و ما ورد في حدّ السرقة و التوبة منها، و نذكر بقية الأحكام في البحث الفقهيّ إن شاء اللّه تعالى.
ما ورد في السرقة:
ففي صحيح محمّد بن مسلم عن الصادق عليه السّلام: «كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه، فهو يقع عليه اسم السارق، و هو عند اللّه السارق».
أقول: ظاهر الحديث أنّ كلّ شي‏ء كان في حرز إذا أخذ منه يعدّ سرقة، و لكنّ في رواية السكوني عن جعفر، عن آبائه، عن علي عليهم السّلام قال: «كلّ مدخل‏ يدخل فيه بغير إذن يسرق منه السارق فلا قطع عليه، يعني الحمّام و الأرحية».
أقول: ظاهره أنّ الأخذ من الموضع الذي يحتاج في الدخول إلى الإذن يعدّ سرقة فهو يشمل ما إذا كان في حرز أو لم يكن، فيكون ما ورد في صحيحة محمّد ابن مسلم من باب المثال لكلّ تصرّف يتوقّف على رضا صاحب المال و الإذن منه، و يدلّ على ما ذكرناه ما رواه أبو بصير، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في من سرق من منزل أبيه فقال: «لا تقطع، لأنّ ابن الرجل لا يحجب من الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن». و كذا ما ورد في من سرق من أخيه و أخته. و في الأجير و الصنف، فإنّه لا قطع عليهم جميعا.
فالمستفاد من جميع ذلك أنّ السرقة التي توجب القطع هي الأخذ من الحرز، أو من موضع لم يكن لغير المتصرّف فيه الدخول إلّا بإذن صاحبه و حرز كلّ شي‏ء بحسبه، و المسألة مذكورة في الكتب الفقهيّة فراجع.
و من ذلك كلّه يستفاد أنّ السرقة لا بدّ أن تكون سرّا فلا تقع في العلن، و ذكرنا أنّ اشتقاق الكلمة أيضا يدلّ على ذلك.
ما ورد في المال المسروق‏:
وردت روايات كثيرة على أنّه يعتبر في القطع أن يكون المال المسروق بمقدار ربع دينار.
ففي التهذيب عن محمّد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: في كم تقطع يد السارق؟ فقال عليه السّلام: في ربع دينار. قلت له: في درهمين؟ فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ، قلت: أ رأيت من سرق أقلّ من ربع الدينار، هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ و هل هو عند اللّه سارق في تلك الحال؟ فقال عليه السّلام: كلّ من سرق من مسلم شيئا قد حواه و أحرزه فهو يقع عليه اسم السارق و هو عند اللّه سارق، و لكن لا تقطع إلّا في ربع دينار أو أكثر، و لو قطعت يد السارق فيما هو أقلّ من ربع دينار لألفيت عامّة الناس مقطعين».
أقول: هذه الرواية حاكمة على جميع أخبار الباب، لأنّها بين النفي و الإثبات، و بمضمونها روايات اخرى من الخاصّة و الجمهور عمل بها المشهور من الفقهاء.
ففي صحيح البخاري و مسلم بإسنادهما عن عائشة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعدا».
و بإزائها روايات اخرى تدلّ على أقلّ من ذلك أو أكثر، و لكنّها إما محمولة أو مطروحة، كما فصّلناه في كتابنا (مهذب الأحكام).
و يستفاد من صحيحة محمّد بن مسلم أنّ حكم القطع عن الأقلّ ارفاقي و تخفيف من اللّه تعالى، رحمة منه بعباده.
ما ورد في حدّ السرقة:
ذكرنا في آية الوضوء و التيمم أنّ اليد في الإنسان تطلق على ما هو المحدود من أطراف الأصابع إلى الكتف، و تطلق على أبعاض ذلك أيضا، إطلاق اسم الكلّ على الجزء بقرينة خاصّة حاليّة أو مقاليّة، و هذا يجري في آية السرقة أيضا و إن كانت مطلقة، إلّا أنّ الروايات دلّت على أنّ القطع مقيّد بجزء خاصّ، و يدلّ على ذلك ما رواه الكليني في الكافي عن الصادق عليه السّلام: «أنّه سئل عن التيمم، فتلا هذه الآية: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، و قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ، قال: فامسح كفّيك من حيث موضع القطع».
أقول: المستفاد منه أنّ اليد محدود فيهما، و أنّ القطع يقع على جزء من اليد التي يجب غسلها في الوضوء.
و في التهذيب عن إسحاق بن عمّار، عن موسى بن جعفر عليه السّلام قال: «تقطع يد السارق و يترك إبهامه و صدر راحته، و تقطع رجله و يترك عقبه يمشي عليها».
أقول: الرواية تدلّ على أنّ القطع يقع على أطراف الأصابع.
و في تفسير العياشي عن زرقان صاحب ابن أبي داود و صديقه بشدة قال: «رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم و هو مغتم فقلت له في ذلك، فقال: وددت اليوم أنّي قدمت منه عشرين سنة، قلت له: و لم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمّد بن علي بن موسى عليه السّلام اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم، قلت له: و كيف كان ذلك؟ قال: إنّ سارقا أقرّ على نفسه و سأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه و قد أحضر محمّد بن علي عليه السّلام، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قلت: من الكرسوع، لقول اللّه في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ. و اتّفق معي على ذلك قوم، و قال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: و ما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّه لما قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ في الغسل دلّ ذلك على أنّ حدّ اليد هو المرفق، قال: فالتفت إلى محمّد بن علي عليه السّلام فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني بما تكلّموا به، أي شي‏ء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك باللّه لما أخبرت بما عندك فيه، فقال: أما إذا أقسمت عليّ باللّه إنّي أقول: إنّهم أخطئوا السنّة، قال: القطع يجب أن يكون من مفصل اصول الأصابع فيترك الكفّ، قال: و ما الحجّة في ذلك؟ قال عليه السّلام: قول رسول اللّه عليه السّلام: السجود على سبعة أعضاء الوجه، و اليدين، و الركبتين، و الرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، و قال اللّه تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً و ما كان للّه لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ، قال ابن أبي داود: قامت قيامتي و تمنّيت أنّي لم أك حيّا. قال زرقان: إنّ ابن أبي داود قال: صرت إلى المعتصم بعد ثلاثة، فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة، و إنّي أكلمه بما أعلم أنّي أدخل به النار. قال: و ما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته و علماؤهم لأمر واقع من امور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، و قد حضر المجلس بنوه و قواده و وزراؤه و كتّابه و قد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلّهم لقول رجل يقول شطر هذه‏ الامة بإمامته و يدّعون أنّه أولى منه بمقامه، ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء؟ قال: فتغيّر لونه و انتبه لما نبّهته له، و قال: جزاك اللّه عن نصيحتك خيرا- الحديث».
أقول: الحديث يدلّ على أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا، و أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق آية مع الإعراض عن القرائن الاخرى مطلقا، كما يدلّ على أنّه لا يمكن الاستغناء عن المعصوم عليه السّلام في فهم ظواهر الآيات، فإنّهما لن يفترقا. و هناك أقوال اخرى في قطع اليد أغلبها مروية عن العامّة، و أما الخاصّة فاتّفقت كلمتهم على أنّ القطع إنّما يقع على الأصابع فقط، و التفصيل مذكور في الفقه. و الرواية تدلّ أيضا على أنّ الإقرار يوجب القطع، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.
سقوط الحدّ بالتوبة:
ذكرنا أنّ ظاهر الآية الشريفة تدلّ على سقوط الحدّ عن التائب عن السرقة، و أنه تفضّل من اللّه تعالى عليه. و الروايات و إن دلّت على ذلك أيضا إلّا أنّها خصّصت ذلك بما إذا كانت التوبة قبل الثبوت عند الحاكم.
فقد روى الشيخ في التهذيب عن الصادق عليه السّلام قال: «إذا جاء السارق من قبل نفسه تائبا إلى اللّه تعالى و ردّ سرقته على صاحبها، فلا قطع عليه».
أقول: وردت في مضمون ذلك روايات متعدّدة و قد أخذ بها المشهور (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين). و يدلّ على ذلك أيضا ما ورد من النهي عن تعطيل حدّ من حدود اللّه تعالى، و بإزاء هذه الأخبار بعض الروايات التي تدلّ على أن للإمام العفو، و قد أخذ بها جمع من الفقهاء و خصّ بعضهم بما إذا كان ثبوت السرقة بالإقرار دون ما إذا ثبتت بالبينة، و المسألة مذكورة في كتب الفقه فراجع.
و هناك أقوال اخرى منسوبة إلى غير الإماميّة من شاء فليراجع مظانها.

اشتراط الفقهاء في السرقة التي يترتّب عليها الأحكام المزبورة أمورا:
الأوّل: أن يكون الأخذ سرّا، فلا تقع السرقة علنا و إن كانت حراما و تسمّى سلبا و نهبا، كما عرفت.
الثاني: أن يكون أخذ المال بغير إذن صاحبه، كما عرفت.
الثالث: أن لا يدّعى شبهة محتملة فيه.
الرابع: أن لا يكون أمينا كالمستودع و الأجير و مثلهما الضيف، و أن لا يكون والدا و لا مملوكا، فلو سرق الأب مال ولده أو المملوك من مال سيّده، فلا قطع، و لا مكرها على السرقة.
الخامس: أن يكون المسروق بمقدار ربع دينار، فلا قطع فيما دون ذلك.
و تثبت السرقة بالبينة و الإقرار مرّتين. و هناك فروع مذكورة في الفقه من شاء فليراجع كتابنا (مهذب الأحكام).

يعدّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، من الآيات القويمة في السير و السلوك إلى اللّه تعالى، لأنّه يقوي الروابط بين العبد و خالقه و يشدّد على إظهار العبوديّة و يجعل جميع حالات العبد تحت المراقبة و المراعاة، فقد أمر سبحانه بابتغاء الوسيلة إليه عزّ و جلّ الذي هو من شؤون العبوديّة الحقيقيّة، و أكّد على ذلك بالاهتمام به و اتّخاذه مطلبا حقيقيّا و بغية له، و الإعراض عن غيره عزّ و جلّ، و لأهمّيّة ذلك في شؤون العبد فقد حفّه تبارك و تعالى بأمرين مهمّين، لهما الأثر العظيم في تحقّقه على الوجه المطلوب و ترتّب الأثر عليه، و هما التقوى، و الجهاد في سبيله تعالى، و لا ريب أنّ‏ الاستكمال و طلب الزلفى لديه عزّ و جلّ إنّما يصحّ بعد تزكية النفس أوّلا من رذائل الصفات و ذمائم الأخلاق، فإنّها من أقوى الحجب الظلمانيّة المانعة من الكمال و الاستكمال، ثمّ تحلية النفس بالصفات الحميدة و الأخلاق المرضية، ليتحقّق القرب و الاستعداد، و أخيرا أمر عزّ و جلّ بالجهاد في سبيله، فإنّ الوصول إلى تلك المرتبة لا يكون بسهولة و يسر، و إنّما يحتاج إلى جهاد و صبر و مثابرة، و لعلّ الآية الشريفة ترشد إلى أنّ المؤمن لا بدّ له من مراحل ثلاث: شريعة، و حقيقة، و فيض، فإذا تحمّل بالشريعة و توجّه إلى اللّه تعالى بابتغاء الوسيلة، اشتاقت نفسه إلى حضرة الملك و تغلّب عليها الشوق بالتوجّه إليه عزّ و جلّ، فيشتغل بمجاهدة النفس و محاسبتها، و أوّل المنازل هو ترك الدنيا و العزوف عن زخرفها و زبرجها، ثمّ إسقاط جميع الروابط بمخالفة الهوى و الاشتغال بالتوجّه إليه عزّ و جلّ، فمن خرق عوائد نفسه تحقّق سيره و وصوله، و يعرف ذلك بحبّ اللّه تعالى و ابتغاء الوسيلة إليه و جعله شغله الشاغل، فإذا جاهد الإنسان نفسه حتّى هذّبها و أظهرها من الحجب و الموانع، رجعت نفسه إلى أصلها، و هو الحضرة التي كانت فيها، فإنّه لم يكن بينها و بين محلّها إلّا الحجب الظلمانيّة، فإذا تخلّصت عادت إلى محلّها الأرفع، و لعلّ هذا هو الفلاح الذي وعد عزّ و جلّ للسالكين في طريق الحقيقة و السائرين بنور معرفته، فإنّ الروح مهما تطهّرت و صفت من كدرات الحسّ عرجت إلى عالم الجبروت، فلم يحجبها عن خالقها شي‏ء، فالآية الشريفة تبيّن الأثر العظيم لابتغاء الوسيلة، و منها يظهر أنّ المجاهدة إنّما تكون بعد التوسّل بالوسيلة، و أما قبله فلا سبيل له حتّى يجاهد، و لعلّه لذلك عقّب عزّ و جلّ على ذلك بأنّ الخروج عن تلك التعليمات كفر، و من يتبع غير ذلك السبيل لا يمكنه الوصول إلى تلك المقامات مهما حاول و بذل كلّ ما في وسعه، فإنّه لا يزيده إلّا بعدا و حجابا (ما تقبّل منهم)، فإنّ القبول إنّما ينحصر طريقه في ما ذكره عزّ و جلّ.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"