1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة المائدة
  10. /
  11. الآيات 1 الى 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (۱) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لا الْهَدْيَ وَ لا الْقَلائِدَ وَ لا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (۲)


هذه السورة المباركة نزلت في حجّة الوداع فيما بين مكّة و المدينة و هو صلّى اللّه عليه و آله على ناقته، فبركت من ثقلها كما في بعض الأخبار.
و عن بعض المفسّرين أنّها مدنيّة إلّا آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فإنّها نزلت بعرفة عام حجّة الوداع.
و كيف كانت، فإنّها- كسائر السور القرآنيّة- اشتملت على جملة من المعارف الإلهيّة، و الإرشادات الربوبيّة، و التوجيهات السماويّة، و عالجت قضية القرآن الرئيسة، و هي قضية: «لا إله إلّا اللّه»، و إثبات رسالة خاتم الأنبياء و المرسلين صلّى اللّه عليه و آله، و الدعوة إلى الإيمان الصحيح، فكان القسم الأعظم من هذه السورة في محاجّة اليهود و النصارى مع ذكر المنافقين و المشركين، و لم تخرج عن الغرض العظيم الّذي يهدف إليه القرآن الكريم، و هو إرشاد الإنسان إلى الكمالات الواقعيّة، و بيان طرق‏ استكماله، فذكرت كثيرا من الأحكام العمليّة الفرديّة و الاجتماعيّة و التربويّة الّتي لها الأثر الكبير في تهذيب النفوس و إصلاحها و تزيينها بالأخلاق الفاضلة.
و يمكن بحقّ أن تسمّى هذه السورة بسورة الأحكام و المواثيق؛ لأنّها اشتملت على أمهات التكاليف في الأصول و الفروع، و يكفي شاهدا على ذلك أنّه ذكر فيها أهمّ موضوع بعد التشريع، و هو الاعتناء ببقاء الشريعة و دوامها، فذكرت بأسلوب رصين له وقع كبير في النفوس.
كما سمّيت السورة بسورة الأحبار؛ لقوله تعالى فيها يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ، و هم العلماء.
و لعلّ الابتداء بالدعوة إلى الوفاء بالعهود و حفظ المواثيق، و تخصيص الخطاب بالمؤمنين و ذكرهم في مفتتحها و فوزهم بشرف النداء الربوبي؛ لأنّهم استعدّوا بعد الجولة الطويلة معهم له و عرفوا عظيم هذا الأمر في بقاء الشريعة الختميّة و حفظها من كيد الأعداء و الضياع.
مع أنّ ذلك من أجمل براعة الاستهلال المعروفة في علم البديع؛ لأنّ فيها تلقين النفوس و ترويضها على قبول هذا الحكم الإلهي؛ لأنّه من كمال الدين و إتمام النعمة.
و الآيات الاولى منها تشتمل على جملة من الأحكام العمليّة الّتي تتعلّق بالنظام العامّ و الحجّ، و ابتدأ عزّ و جلّ بالدعوة إلى الوفاء بالعقود الّتي هي أساس كلّ تكليف إلهي، فإنّ التكاليف عهود و مواثيق بين اللّه تعالى و بين عباده، و من جملتها العقود الدائرة بين الناس، فيجب الوفاء بها.
كما أنّه سبحانه و تعالى أمرهم بالتعاون على البرّ و التقوى، الّذي هو من الدعائم القويمة في الإسلام، و أساس كلّ خير و فضيلة، و حذّرهم عزّ و جلّ من التهاون بهذا الأمر، و أمرهم بالتقوى بالايتمار بأوامر اللّه تعالى و الانتهاء عن مناهيه، فإنّه شديد العقاب لا يغفل عن عقاب العاصين.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
تقدّم الكلام في هذا الخطاب الربوبي في سورة النساء، و ذكرنا أنّه يتضمّن كلّ معاني الإسلام و الطاعة و الإخلاص، فهو يدلّ على عظيم شرف المؤمنين و استعدادهم لتلقي الفيض من العزيز العليم.
و افتتاح السورة به لبيان أنّ العمل بما ورد فيها يجعل الفرد مؤمنا مستسلما للّه تعالى مطيعا له عزّ و جلّ.
و من الجدير بالذكر أنّ هذا النداء يذكر في كلّ مورد يبيّن عزّ و جلّ حكما عمليّا، أو شرطا من شروط الإيمان المطلوب، أو ما يتعلّق بتهذيب النفس و مكارم الأخلاق، و قد ذكرت جميع ذلك في هذه السورة المباركة.
قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
مادّة [وفي‏] تدلّ على أخذ الشي‏ء وافيا و الإتيان به تامّا لا نقص فيه، و أوفينا الكلام في قوله تعالى: بَلى‏ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ وَ اتَّقى‏ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [سورة آل عمران، الآية: ۷٦]، و قوله تعالى: وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة آل عمران، الآية: ۱۸٥].
و الوفاء بالعقد: هو حفظ ما يقتضيه العقد و إتيانه تامّا بالقيام لموجبه، يقال: وفي و وفيّ و أوفى، و جميعها وردت في القرآن الكريم، قال تعالى: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم، الآية: 37]، و قال تعالى: وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ [سورة الفتح، الآية: 10]، و قال تعالى: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [سورة الحج، الآية: 29].
و مادّة (عقد) تدلّ على الربط و الشدّ محكما، بحيث يصعب انفصال أحد الأطراف عن الآخر، و تستعمل في الأمور المحسوسة، كعقد الحبل و عقد البناء، و غير المحسوسة كعقود المعاملات من البيع و الإجارة و الصلح و نحوها، و منها عقد النكاح، قال تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [سورة البقرة، الآية: 237]، و في دعاء الصحيفة الملكوتيّة: «و أسألك بمعاقد العزّ من عرشك»، أي: بالصفات الّتي استحقّ بها المجد و العزّ للعرش، فيها انعقد و بوجودها تشرّف، فلا يمكن الانفصال بينهما، و لعلّ تلك الخصال أو الصفات تجليات خاصّة من ربّ العزّة استحقّ العرش بها المجد و العظمة.
و الوفاء بالعقد: هو الالتزام بلوازمه و عدم نقضه، و إطلاق الكلمة يشمل جميع العهود و المواثيق الخالقيّة، و الخلقيّة، ما لم يرد نهي عن الشارع المقدّس عن الوفاء به؛ لأن في كلتيهما يتحقّق معنى الاستيثاق و الشدّ، و أنّ ذكر بعضهم بأنّ العقد يختلف عن العهد في أنّ الأوّل ما كان انشاؤه بين اثنين، بخلاف الثاني فإنّه قد ينفرد به واحد، و لكنه لا يضرّ بأصل المعنى الّذي اشتركا به.
و ربّما يستفاد من موارد استعمال المادتين أنّ العهد أشدّ من العقد، فإنّ الأخير ربط بين شيئين، بحيث يلزمه و لا ينفكّ عنه بينما يكون الأوّل ربطا بين العاهد و المعهود له فيه تمكين من النفس. فلا يمكن للعاهد أن ينقضه، و لعلّه لأجل ذلك كان استعمال العهد أكثر من العقد في القرآن الكريم، فقد ورد العهد فيه ما يقرب من خمسين موضعا و لم يبلغ العقد العشرة، و أكّد القرآن على الوفاء بالعهد فقال تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [سورة الإسراء، الآية: ۳٤].
و هو يشمل كلّ مصاديق العهد و جميع معانيه من الفرديّة و الاجتماعيّة، و العقود الدائرة في المجتمع، و النذور، و هذه الثلاثة هي ركائز الحياة و لا غنى للإنسان عنها، فإنّ جميع الحقوق الفرديّة و الاجتماعيّة مبنيّة على الوفاء بها، و في نقضها هدم للكيان الإنساني فلا تقوم له قائمة، و يكفي في ذمّه أنّه إبطال للعدل الاجتماعي الّذي هو الركن الأساسي في حياة الإنسان، و هو مأواه من الظلم و الطغيان، و به ينتظم سلك الاجتماع و تتحقّق السعاة، ففي العقد و العهد بجميع معانيهما قوام حياة الإنسان في كلّ علاقاته مع خالقه و مع نفسه و مع الآخرين؛ لأنّه الوسيلة الوحيدة في اكتساب المزايا و الحظوظ الدنيويّة و الاخرويّة؛ و لذا أكّد القرآن الكريم على الوفاء بهما و مدح الموفين بعهودهم و عقودهم، و شدّد النكير على نقضهما و عدم الاعتناء بهما و ذمّ الناقضين لهما ذمّا بالغا، و السرّ في ذلك واضح؛ لأنّ الإسلام يعتبر الوفاء بالعقد و العهد من مكارم الأخلاق و مظهرا من مظاهر صفاته عزّ و جلّ، مضافا الى أنّ فيه حياة الامة، و أنّه أساس كلّ عدل فردي و اجتماعي، بلا فرق بين أن ينتفع العاقد من العقد أم لا، إلّا أن يتضرّر منه، و ينقض كلّ عقد يستلزم الظلم و يوجب سلب الحقّ عن الآخرين.
و بعبارة اخرى: أنّ الإسلام يجعل العقد و العهد و الوفاء بهما خدمة للحقيقة و وسيلة لرعاية الحقّ، لا أن يكون لهما موضوعيّة خاصّة فقط، و بهذا افترق في احترام العهد و العقد عن سائر الأمم و القوانين الوضعيّة، فإنّها إنّما تحترم العقود و العهود إذا جلبت المنافع، أو استلزم منها تثبيت حقّ، أو كانت وسيلة لابتزاز حقوق الآخرين و السيطرة على المحرومين.
و بتعبير أوضح أنّ الأمم إنّما تحترم العقد و العهد إمّا لأنّهما تجلب المنفعة أو تدفع المفسدة، و كلاهما لا يكون غاية في احترام العهود و العقود في الإسلام كما عرفت.
إن قلت: إنّ العقود و العهود في أدلّة وجوب الوفاء هي المتداولة بين أعراف العقلاء، فلا وجه للتفاوت و التفصيل بينها.
قلت: البحث في الدافع لاحترامها و المحفّز للالتزام بها، فتارة: يكون لأجل رعاية الحقّ و حفظ الحقيقة و لا يراعي الجوانب الاخرى- مثل المنافع أو المفاسد- و غيرهما و هذه نظرية الإسلام.
و اخرى: يكون الدافع أو المحفّز المنافع أو دفع المفاسد، و هذه نظرية الأمم أو القوانين الوضعيّة، فلا وجه للإشكال كما هو واضح.
ثمّ إنّ العقود من الأمور العقلائيّة الدائرة في المجتمع، و لا تختصّ بالإسلام، و إن احترامها من الأمور الفطريّة؛ لأنّ البشر من أوّل وجوده على هذه البسيطة- مع قطع النظر عن الديانات- كان يحترمها، فيكفي في اعتبارها عدم ورود المنع في‏ الشريعة، و لها مصاديق كثيرة مثل البيع و الإجارة و الصلح و غير ذلك، سواء أ كانت فرديّة أم اجتماعيّة.
اللهمّ إلّا أنّ في احترام العهود الاجتماعيّة بسط العدل على وجه الأرض و انتظام شؤون الناس و تحقيق سعادتهم، و في نقضه هدم كيان الامة و السبب في شقائها، و حرمانها عن الترقي بالوصول الى الكمال، و على أية حال يحرم نقض العهد مطلقا إلّا ما أذن الشارع- الّذي هو عالم بالمصالح و المفاسد- في نقضه.
و ممّا ذكرنا يظهر وجه الضعف في كثير ممّا نقله المفسّرون في المقام، فقد قال بعضهم: إنّ المراد من العقود الّتي كانت في الجاهليّة يعاهد بعضهم بعضا على النصرة و المؤازرة على من يبغي عليهم أو يقصدهم بسوء، و نقل بعض أرباب التواريخ أنّها كانت كثيرة جدا، و لعلّ تكرار ذكره في القرآن الكريم لأجل أنّه كان شائعا في عصر نزوله.
و قال آخرون: إنّ المراد بها هي الّتي يتعاقدها الناس- كعقد البيع و الإجارة، و المضاربة، و النكاح، أو ما يعقدها الإنسان على نفسه، كعقد اليمين و النذر و العهد.
و قال ثالث: إنّ المراد بها المواثيق المأخوذة من أهل الكتاب بالعمل بالتوراة و الإنجيل، و غير ذلك ممّا ذكره أرباب التفاسير.
و الحقّ أنّ جميع ذلك خلاف ظاهر الآية الكريم، و تخصيص لها بغير دليل يقنع العقل به أو يكون منقولا شرعيا.
و استظهر الزمخشري و تبعه آخرون: أن يكون المراد عقود اللّه تعالى عليهم في دينه من تحليل حلاله و تحريم حرامه؛ لما فيه من براعة الاستهلال، و من التفصيل بعد الإجمال.
و لا يخفى أنّ ما ذكره و إن كان وجيها، إلّا أنّه لا ينافي التمسّك بعموم اللفظ و الحكم بأنّه يعمّ جميع ما ألزمه اللّه تعالى على عباده و عقد عليهم من التكاليف و الأحكام و ما يعقدونه بينهم من العقود و العهود و غيرهما مما يجب الوفاء بها، فإنّ به يجمع بين ما يقتضيه اللفظ من الوجه الأدبيّة البلاغيّة، و من المقصود الظاهر من الكلام.
قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ.
حكم امتناني إلهي يبيّن ضروريات الإنسان في معاشه، و هو من العهود الّتي أمر اللّه تعالى بالوفاء بها؛ لما له من الأهميّة في حياة الناس، و فيه تفصيل بعد إجمال فقد ذكر عزّ و جلّ القاعدة العامّة في ما يحل أكله من الطعام، ثمّ استثنى ما يكون محرما، و ذكر بعض الحالات الّتي يحرم فيها الصيد و أكله.
و الإحلال: الإباحة، و في الحديث المشهور عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «انّ الصلاة تحريمها التكبير و تحليلها التسليم»، أي: صار المصلّي بالتسليم يحلّ له ما حرّم عليه فيها بالتكبير من الكلام و الأكل و سائر المنافيات، كما يحلّ للمحرم بالحجّ بالتقصير و طواف النساء ما كان حراما عليه، و قد تقدّم الكلام في اشتقاق هذه الكلمة في قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا [سورة البقرة، الآية: ۲۷٥].
و مادّة (بهم) تدلّ على الغمض و الإغلاق و عدم التمييز، و منه باب مبهم، أي: مغلق، و ليل بهيم أو بهمة، للشجاع الّذي لا يدري من أين يؤتى له، و في الحديث: «يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة بهما»، و معناه: يحشر الناس و ليس فيهم شي‏ء من العاهات و الأعراض أو الأمراض الّتي تكون في الدنيا كالعمى، و العور، و العرج، و إنّما هي أجساد مصحّحة للخلود إمّا في الجنّة أو في النار، و لكنّهم لا ينطقون لهول المحشر و ما سيطر عليهم من الغلق و الرعب فأبهموا عن البيان، و ممّا ذكرنا ظهر معنى ما ورد عن ابن عباس: «أبهموا ما أبهم اللّه».
و البهيمة: اسم جنس لكلّ ذات الأربع من دواب البرّ و البحر، سمّيت بها لعدم تمييزها و إبهام الأمر عليها، و الجمع بهائم و بهم، و في الدعاء: «و البهم الصافين الحافّين حول عرشك» و المراد بهم الملائكة، و لعلّ الوجه في تسميتهم بها؛ لأنّ أحوالهم و سائر شؤونهم قد ابهمت على غالب الخلق، أو لأنّهم شاهدوا التجلّيات و ظهرت لهم الحقائق، فلم يتمكنوا من بيانها و إظهارها و لذلك أبهموا، و إفراد البهيمة لإرادة الجنس.
و الأنعام: جمع النعم، و هي الدواب المعروفة، و اللفظ يشمل جميع الأنواع ممّا يحلّ أكله- كالأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام كما يأتي- و ألحقت بها الظباء و بقر الوحش بدليل السنّة، و كذا الحمار و الفرس و غيرهما، إلّا إذا ورد في الشريعة ما يدلّ على حرمة أكله أو كراهته.
و إضافة البهيمة الى الأنعام بيانيّة كثوب الخز، أي: أحلّ لكم البهيمة من الأنعام، و هي الأزواج الثمانية الّتي ذكرت في سورتها، و تدلّ عليه بعض الروايات كما يأتي.
و اعترض عليه بأنّه من قبيل إضافة الجنس الى النوع منه، فإنّ البهيمة اسم جنس و الأنعام نوع منه، و لا فائدة في مثل هذه الإضافة، بل هي مستقبحة كإضافة الحيوان الى الإنسان.
و يردّ عليه: بأنّ مثل هذه الإضافة شائعة و ليست من إضافة الجنس الى أنواعه، بل إضافة النوع الى أصنافه، مضافا الى ذلك أنّ إضافة الجنس الى النوع لا يكون مستقبحا إذا كانت فيها فائدة مستحسنة كما في المقام، فإنّها لإزالة الإبهام من البهيمة و تعميمها للأزواج الثمانية، و رفع الحظر الّذي فرضه أهل الجاهليّة على بعضها.
و قيل: المراد من الآية المباركة جنين الأنعام، فتكون الإضافة لامية و ورد، فيه بعض الروايات.
و قيل: إنّ المراد من البهيمة غير الثمانية ممّا يشابهها- كالظباء، و بقر الوحش، و نحوهما ممّا يماثل الأنعام في بعض صفاتها كالاجترار و نحوه، فتكون إضافتها للأنعام لملابسة المشابهة بينهما، و جوّز بعضهم أن تكون الإضافة في مثل ذلك إمّا بمعنى اللام إن أريد منها الاختصاص بين المشبّه و المشبّه به، أو بمعنى (من) البيانيّة إن أريد الاتّحاد بينهما.
و كيف كان، فالحقّ أن يقال: إنّ الظاهر من الآية الكريمة هو العموم الشامل لكلّ ما يصدق عليه عنوان الأنعام المعروف عند اللغة و العرف، من غير اختصاص بصنف خاصّ و إن كثر إطلاقه عليه- كما في الإبل- فإنّه لا يصير سببا للتخصيص كما هو المعروف في علم اصول الفقه، فيشمل الجنين أيضا لأنّه من الأنعام عرفا، و لا فرق فيه بين أن تكون وحشية- كبقر الوحش و الظباء- أو أليفة؛ لصدق العنوان عليها جميعا، إلّا إذا خرج صنف عن هذا العنوان، فلا تشمله الآية الشريفة، أو ورد دليل على التحريم- كالموطوءة و كالجلال- و الكراهة و البحث مذكور في الفقه، و من شاء فليرجع الى كتابنا (مهذب الأحكام).
و المراد من الحليّة هي حليّة أكل لحومها، لمناسبة الحكم و الموضوع الّتي هي من القرائن المعروفة الّتي يعتمد عليها العلماء، و تقدّم مثلها في سورة البقرة آية (۱٦۸) أيضا. و لأنّ الأكل هو الّذي حرّمه أهل الجاهليّة على أنفسهم لبعض الأنعام، كما هو مذكور في سورة الأنعام.
قوله تعالى: إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ.
استثناء من الحليّة، أي: يحلّ أكل لحوم بهيمة الأنعام إلّا ما حرّمه عزّ و جلّ في ما يأتي من الآيات الكريمة، و ما ورد في السنّة الشريفة.
قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ.
حال من ضمير الخطاب في قوله عزّ و جلّ: أُحِلَّتْ لَكُمْ، و الصيد يحتمل المصدر و المفعول أي: المصيد، كقوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ [سورة المائدة، الآية: ۹٥].
و قيل: لا يقال للشي‏ء الصيد حتّى يكون ممتنعا، حلالا، لا مالك له، و لكن ذلك كلّه من الشروط و القيود الشرعيّة، و إلّا فإنّ الصيد هو أخذ الحيوان الممتنع بحيلة و دهاء.
و تبيّن الآية الشريفة قيدا من قيود الحكم المزبور، فيكون تخصيصا لعمومه، فتحرم بهيمة الأنعام الممتنع إذا كان اصطيادها في حال الإحرام، و تبقى الحلّية في سائر الأحوال، و المراد من محلّي الصيد أي: لا تجعلوه حلالا باصطياده أو الأكل منه.
و قيل: إنّ الجملة حال من قوله: «أوفوا»، أو حال من ضمير الخطاب في قوله تعالى: يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ. و لا يخفى بعدهما.
قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ.
حال من الضمير في «محلي»، و حرم- بضم الحاء و الراء- جمع محرم، و بكسر الراء الرجل يحرم للطواف حول البيت الشريف.
و المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام في غير حال امتناعكم من الصيد و أنتم محرمون؛ لئلا تقعوا في مشقّة و حرج. و قال بعضهم: إنّ المراد منه الدخول في الحرم، يقال: أحرم دخل في الحرم، فيحرم صيد الحرم، و لكن التخصيص للصيد في حال الإحرام أولى.
و للقوم في تفسير الآية المباركة وجوه و أقوال لا تخلو من المناقشة، بل هي بعيدة عن سياقها.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
أي: أنّ اللّه تعالى يقضي ما يريد من الأحكام حسب ما تقتضيه حكمته البالغة و علمه الأتمّ، و لو كان الحكم خلاف المعهود عند الناس.
و (يحكم) يتعدّى بالباء، و لكن ضمن معنى يفعل فعدّى بنفسه.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ.
خطاب مجدّد للمؤمنين تشريفا لهم و تكريما بهم و تعقيبا لما بيّنه عزّ و جلّ- من حرمة إحلال الصيد في حال الإحرام الّتي هي من شعائر الحجّ- ذكر تعالى النهي عن إحلال سائر الشعائر، و فيه التأكيد على شدّة العناية بحرمات اللّه تعالى و تهويل الأمر في إحلالها.
و الإحلال: الإباحة بغير مبالاة بمنزلة المأتي به و حرمته في الدين، و هتك كلّ شعيرة إنّما يكون بحسبها، فإحلال شعائر اللّه تعالى هو عدم احترامها و التهاون بها و إباحة العمل لها، و إحلال الشهر الحرام عدم حفظ حرمته بالقتال بعد ما منع القتال فيه.
و الشعائر: جمع شعيرة على وزن فعيلة، و هي ما جعله اللّه تعالى شعائر الدين و معلما من معالمه كشعائر الحج و غيرها، و تقدّم الكلام في اشتقاق هذه الكلمة في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: ۱٥۸]، و في‏ الحديث أنّ جبريل عليه السّلام قال له: «مر أمتك حتّى يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنّها من شعائر الحج»، و منه إشعار البدن، أن يجعل لها علامة من شقّ أحد جنبي سنام البدنة حتّى يسيل دمها.
و إضافتها الى اللّه تعالى في الآية المباركة لتشريفها و تهويل الخطب في إحلالها.
و المعنى: يا أيها الّذين آمنوا لا تتهاونوا بحرمات اللّه عزّ و جلّ و تهتكوا شعائر اللّه تعالى فتجعلوها حلالا تعملون فيها كما تشاؤن. و خصّ بعض المفسّرين الآية الكريمة بشعائر الحجّ، و لكنه تخصيص لها بغير دليل.
قوله تعالى: وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ.
أي: و لا تستحلّوها بالقتال و الغارة و هما محرمان عليكم، و أشهر الحرم في الإسلام أربعة، واحد فرد و هو شهر رجب، و ثلاثة سرد و هي ذو القعدة، و ذو الحجّة، و المحرم الحرام. و إفراده في المقام لإرادة الجنس.
قوله تعالى: وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ.
أي: و لا تحلّوها، و الهدي واحدة هديّة. و المراد بها ما يساق للحجّ من الغنم، و البقر، و الإبل.
و القلائد جمع قلادة، و هي ما يقلّد به الهدي من نعل و نحوها؛ ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له، و هي سنّة إبراهيميّة بقيت حتّى الإسلام. و إحلالهما هو عدم التعرّض لهما بالغصب و المنع من دخول محلّه.
و التعرّض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرّض لذواتها، كما قوله تعالى: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [سورة النور، الآية: 31]، فإنّ النهي عن إظهار الزينة نهي عن إظهار محلّها بالأولى.
و إنّما خصّهما بالذكر تعظيما لهما و لكونهما من شعائر الحجّ، فتعظيمهما يكون تعظيما له، كما أنّ ذكر الخاصّ (القلائد) بعد العامّ (الهدي)؛ للتنبيه على فضلها و شرفها.
قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ.
يعني: القاصدين له، اسم فاعل من أمّ إذا قصد، يقال: أممت كذا، أي: قصدته. أي: و لا تستحلّوا القاصدين للبيت الحرام بأن تمنعوهم من دخوله، و لا يختصّ ذلك بخصوص الشهر الحرام، بل هو عامّ يشمل جميع الأزمنة، بل و حتّى المشركين الّذين يقصدون البيت لولا منعه تبارك و تعالى عن دخولهم الحرم.
و يختلف الأمّ عن القصد في أنّ الأوّل هو التوجّه الى الشي‏ء و قصده قصدا مستقيما لا يعني الى غيره، بخلاف القصد.
قوله تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً.
الجملة إمّا في موضع الحال من ضمير (آمين)، أو صفة لآمين، و حينئذ يكون المراد منهم المسلمين؛ لأنّهم هم الّذين يطلبون ذلك، فتكون الآية الشريفة غير منسوخة، كذا قيل.
و في الآية المباركة إشارة الى تعليل النهي و استنكار المنهي عنه، لما ذكر فيها من اسم الربّ من التشريف لهم، و كونهم قاصدين البيت الحرام الّذي من قصده كان من الآمنين.
و الفضل هو الأجر و المال، أي: منهم يبغي و يقصد البيت للتجارة و الربح، و منهم من يطلب رضوان اللّه تعالى.
و في الآية المباركة لطف من اللّه عزّ و جلّ لمن يقصد البيت الحرام، و استئلاف منه جلّ شأنه لغير المسلمين؛ لتنبسط النفوس فيردون الموسم فيستمعون القرآن و يدخل الإيمان في قلوبهم.
و خصّ بعض المفسّرين الحكم بالمشركين، ثمّ قال: إنّه نسخ بقوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [سورة التوبة، الآية: 28]، و لقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة، الآية: ٥]، و أيّده بما رواها جمع في سبب نزول الآية الشريفة و كونها في المشركين.
و الحقّ أنّ الآية المباركة على إطلاقها و عمومها كما تقدّم، و أنّها تدلّ على عدم التعرّض لحرمات اللّه تعالى، و أنّ المؤمن لا بدّ له من التسليم و العمل بما أنزله‏ اللّه جلّ شأنه، و أنّ التعليل المزبور يشمل كلا الفريقين فيكون النهي عن استحلالهم و منعهم عن حجّ البيت، إلّا إذا حصل المنع منه جلّ شأنه عن دخول حرمه.
بل إنّ الآية الشريفة ترشد الى التحلّي بخلق كريم، و هو نبذ الاعتداء و الإصرار على أخذ الثأر بما فعله المشركون بالمسلمين قبل الفتح، فيمنعوهم عن المسجد الحرام كما تشير إليه الآية التالية.
قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.
رفع للحظر المفروض على الاصطياد في حال الإحرام، فيفيد الإباحة، و الحلّ و الإحلال بمعنى الخروج من الإحرام، أي: يباح لكم الصيد بعد الإحلال من الإحرام.
و الآية المباركة تدلّ على أنّ غاية حرمة الصيد هي الإحلال من الإحرام المستفاد من قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ. و إنّما خصّه بالذكر لشدّة ابتلائهم به و حرصهم عليه.
قوله تعالى: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا.
تأكيد للحكم السابق من عدم التعرّض لحرمات اللّه تعالى و عدم هتك شعائر الدين و معالمه، و بيان لخلق كريم من مكارم الأخلاق الّتي أمر بها الإسلام و قد بعث رسوله صلّى اللّه عليه و آله لا تمامها، كما قال صلّى اللّه عليه و آله: «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
و مادّة (جرم) تدلّ على القطع، يقال: جرم يجرم جرما إذا قطع، و في الحديث: «لا تذهب مائة سنة و على الأرض عين تطرف، يريد تجرم ذلك القرن» أي: انقضاؤه و انصرامه، و أصله من الجرم، أي: القطع. و منه الحمل على شي‏ء، يقال: جرمني كذا على بغضك، أي: حملني عليه، قال الشاعر: و لقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

فإنّ في الحمل على شي‏ء قطعا عن غيره، كما أنّ منه جرم بمعنى كسب؛ لانقطاعه إلى الكسب، يقال: فلان جريمة أهله، أي: كاسبهم، و أجرم فلان، أي: اكتسب الإثم، و منه قول الشاعر: جريمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا أي: كاسب قوت. و (ناهض) اسم لفرخ العقاب، (و نيق) أرفع موضع في الجبل، و (الصليب) الودك، و هو أسلم اللحم.
و (جرم) بمعنى حقّ؛ لأنّ الحقّ يقطع عليه، قال تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ أي: حقّ لهم العذاب و قطع عليه، و منه الجريمة لمعصية؛ لأنّها مقطوعة على صاحبها فيحتمل و بالها، و في الحديث: «أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شي‏ء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته».
و يفترق الجرم عن الكسب أنّ الأوّل يستعمل غالبا في كسب ما لا خير فيه بخلاف الكسب، و لعلّه هو السبب في إيثاره في المقام، و لكنّهما يتّفقان في التعدّي إلى مفعول واحد و إلى اثنين، يقال: جرم ذنبا، نحو: كسبه، و جرعته ذنبا، نحو: كسبته إيّاه، و قد يتعدّى إلى مفعولين بالهمزة، كما يقال: أكسبته ذنبا.
و مادّة (شنأ) تدلّ على البغض و العداوة، يقال: شنئت الرجل أشنؤه، شنأ، و شنأة، و شنآنا، و شنآنا بسكون النون إذا أبغضه، و في الحديث عن علي عليه السّلام: «و مبغض يحمله شنآني على أن يبهتني».
و شنآن- بفتح النون. و قرئ بالسكون- إمّا أن يكون مصدرا على وزن فعلان (بالفتح) مصدر ما يدلّ على الحركة، و هو بعيد؛ لأنّه لا دلالة له على الحركة، مضافا إلى كونه متعدّيا في المقام، مع أنّ هذا الوزن لا يكون لفعل متعدّ.
أو يكون مصدرا على وزن فعلان (بسكون اللام)، و لكن هذا الوزن قليل في المصادر، نحو: لوّيته ليانا إذا مطلته، كما ذكر في الكتب الأدبيّة.
أو يكون صفة على وزن فعلان (بالسكون) الّذي هو كثير في الصفات كسكران، أو يكون (بالفتح) و هو قليل في الصفات كحمار قطوان، أي: عسر السير، و تيس عدوان، أي كثير العدو، فإن كان مصدرا، فهو مضاف إلى المفعول، أي: أن تبغضوا قوما، و احتمل بعضهم أن تكون الى الفاعل، أي: أن يبغضكم قوم، و لكنّه بعيد، فإن كان وصفا فهو بمعنى بغيض، و تكون الإضافة بيانيّة.
و المعنى: و لا يحملنكم عداوة قوم لكم بأن صدّوكم عن المسجد الحرام‏ و منعوكم عن إتيان الحجّ و الزيارة أن تعتدوا عليهم انتقاما منهم، بعد ما أظهركم اللّه عليهم.
و عموم الآية الشريفة يشمل المشركين و غيرهم، فإنّ مضمونها يرجع الى النهي عن الاعتداء على سبيل الانتقام و البغي و جعلهما من صفات النفس، و لما كان لذلك أسباب و مبادئ، فالنهي عنها نهي عنه بالأولى، كما هو معلوم في العلوم البرهانيّة، و في المقام نهي عن البغض و الشنآن، فهو يرجع الى النهي عن الاعتداء و البغي، فلا ينفي ذلك الاعتداء بالمثل إذا كان في سبيل الحقّ، كما في قوله تعالى:
وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [سورة البقرة، الآية: 191].
و استشكل بعضهم بأنّ الآية المباركة نزلت بعد فتح مكّة، و لم يكن يتوقع صدّ من أحد.
و يمكن الجواب عنه بما تقدّم آنفا من أنّ الآية المباركة لا تختصّ بالمشركين، و أنّها في مقام بيان خلق كريم من مكارم الأخلاق الّتي دعا إليها الإسلام، و لنفي توهّم المماثلة في هذا الاعتداء فيصدّ المسلمون المشركين عن المسجد الحرام كما صدّوهم عنه انتقاما منهم.
أو يقال: إنّ المقصد من هذا الحكم هو احترام الشعائر و تعظيمها و المحافظة على حرمات اللّه تعالى، كما هو ظاهر سياق الآية الشريفة الّتي ذكرت بعد نهي المؤمنين عن إحلال شعائر اللّه تعالى، فلا تختصّ بالمشركين.
قوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ.
هذه الآية المباركة من جوامع الكلم الّتي تبيّن قاعدة من القواعد الّتي تبتني عليها سعادة المجتمع الإنساني، و ركن من أركان الهداية الاجتماعيّة الّتي تقوم على التعاون بما ينفع الناس في دنياهم، و أساس مهم من أسس الاجتماع الإنساني.
و قد بنى الإسلام هذه القاعدة الاجتماعيّة المهمّة على ركيزتين، هما: التحلية بالتقوى و الطاعة و العمل الصالح، ممّا يجعل المجتمع وحدة متكاملة له هدف معين‏ و نظام واحد قويم، فأمر بالتعاون على البرّ. و التخلية عن أضدادها، و أكّدها بالنهي عن إعانة الإثم، أي: المفاسد كالبغضاء و العدوان و مساوئ الأخلاق و غيرها من الصفات السيئة؛ و نهى عن كلّ ما يعوق عن تنفيذ هذا الحكم و يكون مانعا من تأثيره و سببا في الشقاء و الحرمان، و هو العدوان الّذي يجعل أفراد المجتمع أعداء متباغضين ليس لهم هدف و نظام، بل يفكّك عري المجتمع و يهدّد كيانه و يفسد سعادته.
و الآية الشريفة على ايجازها البليغ و اسلوبها البديع تبيّن نظرية الإسلام في الاجتماع و تتضمّن خلقا كريما من مكارم الأخلاق، و لأهمّيّته في الحياة الاجتماعيّة و دخله في سعادة الفرد و المجتمع و كرامتهما، ذكر عزّ و جلّ فيها جميع ما يتطلّب هذا الحكم، من الدعوة الى التضامن بالتعاون و موضوعه و مورده و آثاره في المجتمع و ضمان هذا الحكم و الغرض منه و ترغيب الناس إليه و التأكيدات عليه.
و التعاون على وزن التفاعل من أعان يعين إعانة و تعاون يتعاون تعاونا، و لا يخفى تقوّم هذه الصيغة في المقام بالطرفين، فيكون هذا خطابا لكلّ اثنين بأن يعين كلّ فرد غيره في البرّ و التقوى، كأن يعين زيد عمرا على البرّ و التقوى، و يعين عمرو زيدا كذلك، و كذا النهي عن التعاون على أسباب الإثم و العدوان. و منه يعلم حكم الإعانة من طرف واحد أيضا، فإن كانت على البرّ و التقوى فهي محبوبة، و إن كانت على الإثم و العدوان فهي مبغوضة.
و البرّ معروف، و قد ورد في القرآن الكريم في عدّة مواضع، و تقدّم الكلام في اشتقاقه في قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [سورة البقرة، الآية: 177]، و قد بين عزّ و جلّ فيه أهمّ أركانه، و له مصاديق كثيرة يجمعها الإيمان- إيمانا صحيحا صادقا- و الإحسان في جميع الأمور، فيدخل فيه العفو و الإعفاء و غير ذلك ممّا ذكر في المقام.
و التقوى: هي مراقبة اللّه تعالى في أوامره و نواهيه، فيكون المراد من التعاون على البرّ و التقوى هو الاجتماع على الإيمان و الإحسان و الطاعة، مع مراقبة اللّه تعالى فيها بأن لا يتخطّى تشريعاته و توجيهاته عزّ و جلّ.
و الإثم معروف، و هو كلّ ظلم و معصية، و العدوان هو التعدّي على حقوق الناس و مجاوزة حدود اللّه تعالى مطلقا، و هما من أهمّ العوائق الّتي تصدّ عن السعادة و الكمال، سواء أ كان فرديا أم اجتماعيّا، و تورث الشقاء و الحرمان، و بهما يزول الوئام و يختلّ النظام، و تسود روح الانتقام بين الأنام، فيفسد الضمائر و ينطمس نور الفطرة و تخور داعية العقل، فلا يأمن أحد على نفسه أو عرضه أو ماله، و لا يكون العيش إلّا نكدا و الحياة إلّا برما.
قوله تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ.
تأكيد آخر على مراعاة حدود اللّه تعالى و مراقبته في جميع الأمور، و منها اتّقاء مخالفته في أوامره و نواهيه الّتي ذكرت آنفا. و فيه الدلالة على أنّ الغرض من جميع التشريعات و التوجيهات الربوبيّة هو تحصيل هذه الملكة، فإنّها الغاية القصوى من الشرائع السماويّة- خصوصا الإسلام- و بدونها لا يمكن تحصيل الهدف المنشود منها، فهي روح تلك الأحكام الإلهيّة.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
تعليل لما سبق و بيان لعظيم قدرته، أي: أنّ من أعرض عن تلك الأحكام، فيستحقّ عقابه و هو شديد العقاب، فإنّ انتقامه أشدّ لمن لم يتقه و لم يراع سنّته في خلقه.

الآيات الشريفة المتقدّمة بإيجازها البليغ و اسلوبها البديع ممّا جعلتها في أعلى درجات الفصاحة، فقد تضمّنت خمسة أحكام مهمّة لها دخل كبير في حياة الإنسان الفرديّة و الاجتماعيّة، الدنيويّة و الاخرويّة، و تعتبر قواعد عامّة يتفرّع منها فروع كثيرة ذكرها الفقهاء في كتبهم الفقهيّة.
يحكى أنّ أصحاب الكندي قالوا له: «اعمل لنا مثل القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما ثمّ خرج فقال: و اللّه ما أقدر و لا يطيق هذا أحد، إنّي فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء و نهى عن النكث، و حلّل تحليلا عامّا ثمّ استثنى استثناء بعد استثناء، ثمّ أخبر عن قدرته و حكمته في سطرين، و لا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلّا في أجلاد».
و (أوفوا) من أوفى و هو و وفّي لغتان بمعنى واحد، و قد جمعهما الشاعر في قوله: أما ابن طوق فقد أوفى بذمّته كما وفى بقلاص النجم حاديها و ذكرنا في التفسير أنّهما وردا في القرآن الكريم.
و البهيمة: اسم جنس يطلق على ذوات أربع، و الأنعام جمع نعمة، و المراد بها الإبل، و البقر، و الغنم، و هي الثمانية الأزواج الّتي وردت في سورتها كما ذكرنا في التفسير.
و في مفردات الراغب: «و النّعم مختصّ بالإبل، و جمعه أنعام، و تسميته بذلك لكون الإبل عندهم (أي العرب) أعظم نعمة، لكن الأنعام تقال للإبل و البقر و الغنم أو المعز، و لا يقال لها أنعام حتّى يكون في جملتها الإبل».
و الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ متّصل من بهيمة، و قيل من فاعل (يتلى).
و (غير محلّي الصيد) قيل: إنّه استثناء ممّا يليه من الاستثناء. و ذهب بعضهم إلى أنّ انتصاب (غير) على الحاليّة من ضمير (لكم)، كما تقدّم في التفسير فراجع، و ذكروا أيضا وجوها اخرى لا تخلو عن المناقشة، و «محلّي» أصله (محلّين الصيد) حذفت النون بالإضافة.
و (الهدي) في قوله تعالى: وَ لَا الْهَدْيَ قرئ مخفّفا كما هو لغة أهل الحجاز، و قرئ مثقّلا (الهديّ) كما هو لغة تميم، و قد قرئ بهما. و واحد الهدي هدية كما أنّ واحده بالتثقيل هديّة و جمع المخفّف إهداء.
و (آمين) في قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ اسم فاعل، و وجه‏ العمل فيه ظاهر. و جوّز بعضهم على حذف مضاف، أي: قتال قوم آمين، أو أذى قوم آمين و نحو ذلك.
و قرئ: (و لا آمي البيت الحرام) بالإضافة و البيت مفعول به لا ظرف.
و قوله تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ إمّا حال من المضمر في (آمين)، أو صفة. و ضعّف بأنّ اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف شبهه بالفعل الّذي عمل، لأنّ الموصوفيّة تبعد الشبه؛ لأنّها من خواص الأسماء.
و أجيب عنه بأنّ الوصف إنّما يمنع من العمل إذا تقدّم المعمول، فلو تأخّر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه.
و تنكير (فضلا و رضوانا) للتفخيم، و (من ربهم) متعلّق بنفس الفعل أو بمحذوف وقع صفة (لفضلا) مغنية عن وصف ما عطف عليه بها، أي: فضلا كائنا من ربّهم.
و أمّا قوله تعالى: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ فقد تقدّم الكلام فيه في التفسير فراجع.
و (أن) في قوله تعالى: أَنْ صَدُّوكُمْ بفتح الهمزة بتقدير اللام على أنّه علّة للشنآن، أي: لأن صدوكم، و قرئ بكسر الهمزة على أن تكون شرطيّة.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأوّل: تتضمّن الآيات الكريمة المتقدّمة على أهمّ الأحكام و التشريعات الإلهيّة الّتي لها دخل كبير في تنظيم النظام العامّ و تحسين المعاش و تحقيق السعادة، و اشتملت على أهمّ القواعد العامّة الّتي تمسّ حياة الإنسان مطلقا، فذكر سبحانه و تعالى أوّلا ما يتعلّق بالنظام العامّ و تثبيت دعائم العدالة الاجتماعيّة، و هو الوفاء بالعقود الّتي يدور عليها نظام الحياة و تتوقّف عليها جميع الحقوق الحيويّة الّتي تمسّ‏ حياة الإنسان الفرديّة و الاجتماعيّة، و لها قاعدة عريضة تشمل جميع العقود و العهود، و الوفاء بها، ممّا تدعو إليه الفطرة المستقيمة الّتي تبغي الكمال و تسعى الى الاستكمال.
ثمّ ذكر ثانيا ما يتعلّق بالمعاش و نظام الغذاء، فأحلّ أكل لحم بهيمة الأنعام الّتي هي من أطيب المأكولات.
و أخيرا أمر بالتعاون على البرّ و التقوى، اللذين هما أساس الرقي و أصل الأمن و الاستقرار الفرديين و الاجتماعيين، و هما مهمّان لمن يريد الاستكمال بالكمالات الواقعيّة و تحلية النفس بمكارم الأخلاق و تخليتها عن الرذائل.
و لأهمّيّة هذه الأحكام و التوجيهات الربوبيّة ذكرها عزّ و جلّ في إطار أخلاقي محكّم، و أكّد عليه بأشدّ التأكيدات، فأمر بالتقوى، و حرّم إحلال الشعائر، و هتك حرمات اللّه تعالى و اعتبره من أعظم الجرائم و أوعد على من يخالفها بالانتقام و شدّة العذاب.
و تبيّن الآيات المباركة أنّ الإسلام نظام دين و دنيا يكمل أحدهما الآخر، و لا يمكن الاستغناء عنهما أبدا.
الثاني: انّما ذكر عزّ و جلّ العقود في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليشمل جميع الروابط الفرديّة و الاجتماعيّة و جميع العهود و المعاملات، و تعتبر هذه الجملة البليغة المختصرة أساس العقود في الإسلام و الدليل على شرعيّتها، إلّا إذا ورد من الشرع ما يدلّ على فساد عقد خاصّ، كالعقود المبنيّة على الربا من بيع أو قرض ربوي.
و إطلاق الأمر في الآية الشريفة يدلّ على لزوم كلّ عقد، فلا يجوز نقضها إلّا إذا دلّ دليل على جوازه كما هو مذكور في الكتب الفقهيّة، فراجع كتابنا (مهذب الأحكام)، و تعرّضنا لذلك موجزا في البحث الفقهي أيضا هنا.
الثالث: يدلّ قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على أنّ وجوب الوفاء بها هو لأجل أنّها روابط اجتماعية و عهود و حقوق تجب رعايتها، و أنّ احترامها يعتبر من مكارم الأخلاق و من سبل الهداية الاجتماعيّة و إقامة العدل الاجتماعي، و لم يلاحظ القرآن الكريم النفع مطلقا، فأوجب الوفاء بها سواء انتفع منها العاقد أم لا؛ لأنّها جعلت لرعاية الحقّ كيف ما كان، و هذا بخلاف ما عليه النظرية الماديّة و القوانين الوضعيّة، و ما عليه الجاهليّة المعاصرة من أن احترامها إنّما يكون لأجل النفع أو دفع المفسدة. و بعبارة اخرى: أنّ ابتغاء المادّة من جميع العلاقات أو العقود هو الهدف عندها و إن دحض بها الحقّ.
الرابع: يستفاد من قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ وجه الحكمة في حلّية الأنعام للإنسان فإنّ اللّه تبارك و تعالى إنّما خلقها بهائم حقيرة الشأن؛ لأنّها غير قابلة للاستكمال، و لعلّ من كمالها أنّ خلقها اللّه تعالى في خدمة أشرف مخلوقاته، و في ذلك ردّ على من زعم أنّ قتلها لأجل استفادة الإنسان منها إيذاء لها، لا سيما مع عدم قدرتها على دفع الضرر عن أنفسها، و هو ممّا يرفضه الطبع، بل هو قبيح عقلا، فكيف يرضى به الإله الرحيم، فإنّ اللّه تعالى خلقها بهائم لا تشعر بما يشعر به الإنسان الّذي هو أشرف المخلوقات، فلا قبح عقلا في جعل شي‏ء منها غذاء للإنسان و مورد استفادته بعد إذن خالقها في ذلك، و انّها من نعم اللّه تعالى أنعم بها على عباده كما هو واضح.
و ما عن بعض من أنّ البهائم لا تدرك؛ و لذا يحلّ قتلها.
غير صحيح؛ لأنّها تدرك الآلام الواردة عليها كما في بعض الروايات، و إن كانت آلامها مقدّمة لكمالها بصيرورتها جزءا من الكامل- و هو الإنسان- بالغذاء له كما قلنا، و لو لا ذلك يحرم إيذاؤها بقطع بعض أطرافها أو جرحها، بلا غرض عقلائي، و يحرم شرعا كما ذكره الفقهاء في حرمة الصيد اللهوي الّذي لا يقصد منه إلّا التلذّذ بالتفريح لقتل الحيوانات.
و بالجملة: كمالها بأن تصير غذاء لأشرف المخلوقات، و لولا ذلك لم يأذن الشارع بقتلها أو إيذائها من دون مسوّغ عقلي و غرض عقلائي.
الخامس: يستفاد من قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أنّ إحلال محرّمات اللّه تعالى له دخل في تضييق التكليف و الوقوع في بعض العقوبات الدنيويّة، فإنّ اللّه تعالى أحلّ بهيمة الأنعام على المؤمنين في ما إذا لم يحلّوا الصيد حال الإحرام الّذي‏ حرّمه اللّه تعالى، فإذا أحلّوا الصيد و اصطادوا الوحش من الأنعام فيحرم عليهم أكلها كما هو مذكور في كتب الفقه، و قد تقدّم في الآيات السابقة نظير ذلك بالنسبة إلى اليهود، فإنّهم أحلّوا ما حرّمه اللّه تعالى عليهم فأوقعوا أنفسهم في المشقّة، إذ كلّفهم عزّ و جلّ ببعض التكاليف الشاقّة نتيجة جرأتهم على هتك حرمات اللّه تعالى.
و في الآية الشريفة إشعار للمؤمنين بأن لا يفعلوا شيئا يوجب وقوعهم في المشقّة و تكليفهم بتكاليف أشدّ و أصعب. و من ذلك يعرف وجه التأكيد على النهي عن إحلال ما حرّمه اللّه تعالى و هتك حرماته و تعداد جملة ممّا حرّمه اللّه تعالى في الحجّ؛ لأنّه من أعظم الشعائر و لشدّة ابتلائهم به، و أنّه ممّا امتحن به المؤمنين.
السادس: يدلّ قوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ على أنّ المجتمع الصالح ما إذا كان بين أفراده التعاون، و انحصر أن يكون ذلك على البرّ و التقوى.
و قد جمعت هذه الآية الشريفة باختصارها البليغ جميع وجوه الخير و الكمالات الواقعيّة، فلا يمكن أن نتصوّر خصلة من الخصال الحميدة، و لا خلقا كريما إلّا و هي موجودة في هذه العبارة البليغة المختصرة الّتي تشير أيضا الى أنّ الأفراد و المجتمع لا يمكن أن يصل كلّ واحد منهما الى هدفه إلّا بالعمل بما ورد فيها، فهي من أهمّ سبل الهداية الاجتماعيّة.
و تبيّن الآية الكريمة نظرية الإسلام في المجتمع، فإنّه يرى أنّه لا بدّ أن يكون إعداده إعدادا صالحا يتحمّل جميع أفراده المسؤوليّة في تنظيمه و مراقبته؛ لئلّا يخرج عن المسير الصحيح الّذي أمر به اللّه سبحانه و تعالى، فيكون المراد من التقوى في المقام التقوى الجمعي و الشعور بالمسؤوليّة و مراقبة جميع أفراد المجتمع بالتعاون بينهم على البرّ، و نبذ كلّ ما يكون مانعا عن الوصول إلى الهدف المنشود، و لا توجد عبارة مهما بلغت من الفصاحة و البلاغة تشتمل على معاني دقيقة و مطالب رفيعة متقنة مثل هذه العبارة، فسبحان من بهرت آياته، و ظهرت قدرته و لا يمكن عدّ نعمائه.

العياشي في تفسيره بإسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليه السّلام قال: «ليس في القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* إلّا و هي في التوراة يا أيّها المساكين».
أقول: إنّ الإيمان الحقيقي باللّه تعالى هو التصديق بالتوحيد و الإيمان بشرائعه و رسله، و المسكين هو الّذي خضع و ذلّ و أخبت للّه جلّ شأنه، و في دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم احيني مسكينا و امتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين»، فأراد صلّى اللّه عليه و آله من الدعاء كمال التواضع للّه تعالى و الإخبات له جلّت عظمته، و أن لا يكون من الجبّارين المتكبّرين، فكلّ هذه الصفات من أعلى مراتب الإيمان به عزّ و جلّ، إذا لا فرق في الواقع بين التعبيرين كما تقدّم ذلك مكرّرا.
و فيه: أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: «ما نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* إلّا و علي شريفها و أميرها، و لقد عاتب اللّه أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله في غير مكان و ما ذكر عليا إلّا بخير».
أقول: أمّا صدر الرواية فمن باب ذكر أجلّ المصاديق و أشرفها؛ لأنّه عليه السّلام تميّز بصفات خاصّة، فلا ينافي إطلاقها على غيره عليه السّلام من سائر المؤمنين، و في صحيفة مولانا أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: «ليس في القرآن آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* إلّا في حقّنا».
و أمّا ذيل الرواية، فإنّما يكشف عن الواقع، و يدلّ على كماله عليه السّلام و بعده عن النقائص و الأوصاف غير الممدوحة، و تقرّبه الى ساحته عزّ و جلّ بحبّ ذاته له.
و فيه: أيضا عن عبد اللّه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال: العهود».
أقول: و مثله ما عن البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس و السيوطي في الدرّ المنثور. و تقدّم في التفسير أنّ ذكر العقود في الآية الكريمة من باب الغالب‏ فتشمل كلّ الروابط الاجتماعيّة كالعهود و العقود و الإيقاعات، لفظيّة كانت أو كتبيّة حتّى الأخلاقيّة، إلّا إذا نهى الشارع عنها.
و في الحديث: «انّ عجوزا دخلت عليه صلّى اللّه عليه و آله فسألها فاحفى و قال: إنّها كانت تأتينا في زمن خديجة، و إنّ كرم العهد من الإيمان».
أقول: لا شكّ أنّ ذلك من مكارم أخلاقه و سمو صفاته و من أدبه الرفيع الّذي اختصّ به؛ لأنّه ادّبه ربّه، و بهذه السجايا الحميدة فاز على جميع الأنبياء و الرسل.
و لعلّ ذلك كان إكراما لشأن خديجة (سلام اللّه تعالى عليها)، فإنّ لها المنزلة العظيمة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هي أم الزهراء، و أم الائمة الأطهار، و أم المؤمنين، فإنّها كانت تحميه في زمن الشدّة و الكربة و الغربة، ففي صحيح البخاري و مسلم- كما في ينابيع المودّة للشيخ سليمان الحنفي القندوزي- بإسنادهما عن عائشة قالت: «ما غرت على أحد من نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله مثل ما غرت على خديجة و ما رأيتها، و لكن كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يكثر ذكرها و ربّما ذبح الشاة ثمّ يقطعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدايق خديجة (عليها و على ابنتها السلام) فقلت له: لم تكن في الدنيا إلّا خديجة؟! فيقول صلّى اللّه عليه و آله: إنّها كانت حبيبة لي و كانت عاقلة و كان لي منها ولد»، و زاد مسلم في صحيحه: «و انّي قد رزقت حبّها».
و كيف كان، فالرواية تدلّ على أنّ الوفاء بالعهد من دعائم الإيمان.
و في الدرّ المنثور في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عن قتادة قال: «بالعهود و هي عقود الجاهليّة الحلف».
أقول: مقتضى القواعد الفقهيّة أنّ عقود الجاهليّة مطلقا يجب الوفاء بها إلّا إذا أبطلها الشارع الأقدس كالعقود الربويّة مثلا أو رفع عنها الوجوب، و تساند ذلك الإطلاقات و العمومات، كما يجب على الكفّار الوفاء بها أيضا لتكليفهم بالفروع كتكليفهم بالأصول.
و في تفسير القمّي بسنده عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عقد عليهم‏ لعلي عليه السّلام بالخلافة في عشرة مواطن، ثمّ أنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الّتي عقدت عليكم لأمير المؤمنين عليه السّلام».
أقول: العشرة من باب ذكر الأهمّ و الأشهر، و إلّا فهو أكثر بكثير كما لا يخفى من سبر حياته و سيرته صلّى اللّه عليه و آله.
و كيف كان، فالرواية من باب الجري و ذكر أجلّ المصاديق، و يمكن أن يقال إنّ ذلك من باطن التنزيل و اللّه العالم.
و عن البيهقي في شعب الإيمان عن ابن حبان قال: «بلغنا في قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يقول: أوفوا بالعهود يعني العهد الّذي كان عهد إليهم في القرآن في ما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها و نهيه الّذي نهاهم عنه، و بالعهود الّذي بينهم و بين المشركين و فيما يكون من العهود بين الناس».
أقول: تقدّم في أحد مباحثنا أنّ الإيمان باللّه هو المعاهدة معه جلّ شأنه في الائتمار بأوامره و الانزجار عن نواهيه، فيجب عقلا على المؤمنين الوفاء بهذه العهود، و إطلاق الآية الشريفة يشمل كلّ عهد مطلقا، إلّا إذا نهى الشارع عنه.
و في التهذيب بإسناده عن محمد بن مسلم قال: «سألت أحدهما عليهما السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ فقال: الجنين في بطن امه إذا أشعر و أوبر فذكاته ذكاة امه الّذي عنى اللّه تعالى».
أقول: و قريب منه ما عن ابن عباس كما في الدرّ المنثور، و في المأثور:
«الأنعام كلّها حلّ»، و سيأتي في البحث الفقهي أنّ ذلك مقتضى القاعدة المستندة الى الكتاب و السنّة، و لا بدّ من توفّر سائر الشروط في الجنين كما يأتي ذكرها في ذلك البحث، و الرواية من باب التطبيق.
و عن الصدوق في الفقيه بإسناده عن جعفر بن محمد عليه السّلام «انّ عليا عليه السّلام سئل عن أكل لحم الفيل و الدبّ و القرد؟ فقال: ليس هذا من بهيمة الأنعام الّتي تؤكل».
أقول: الحكم بالحرمة في الحيوانات المذكورة من باب الخروج الموضوعي، فإنّ العرب لا تعرف معنى للأنعام إلّا الإبل و البقر و الغنم، كما مرّ في التفسير؛ فلذلك لا تكون غيرها حلالا، و هي غير صالحة للأكل شرعا.
و في تفسير القمّي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قال: «الشعائر: الإحرام، و الطواف، و الصلاة في مقام إبراهيم عليه السّلام و السعي بين الصفا و المروة، و المناسك كلّها من شعائر اللّه، و من الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في حجّ ثمّ أشعرها- أي قطع سنامها أو جلدها أو قلّدها ليعلم الناس أنّها هدي فلا يتعرّض لها أحد- و إنّما سمّيت الشعائر ليشعر الناس بها فيعرفوها، و قوله: وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ و هو ذو الحجّة و هو من الأشهر الحرم، و قوله: وَ لَا الْهَدْيَ و هو الّذي يسوقه إذا أحرم المحرم، و قوله: وَ لَا الْقَلائِدَ، قال: يقلّدها النعل الّتي قد صلّى فيها، و قوله: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قال: الّذين يحجّون البيت».
أقول: الشعائر هي المعالم الّتي أمر اللّه عزّ و جلّ بالقيام عليها أو ندب إليها، فتشمل شعائر الحجّ مطلقا كالتلبية و الوقوف، و الطواف، و الرمي، و الذبح و غيرها، كما تشمل الصلاة أيضا يقال إنّها من شعائر العبادة و الخضوع للّه جلّ شأنه، و الشعائر جمع شعيرة كما تقدّم.
و في المجمع للطبرسي: «قال أبو جعفر عليه السّلام: نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ في رجل من بني ربيعة يقال له الحطم» و نقل عن السدي أنّه قال: «أقبل الحطم ابن هند البكري حتّى أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله فدعاه فقال: إلام تدعو؟ فأخبره و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة يتكلّم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: انظرني لعلّي أسلم و لي من أشاوره، فخرج من عنده فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لقد دخل بوجه كافر و خرج بعقب غادر، فمرّ بسرح من سروح المدينة فساقه ثمّ أقبل من عام قابل حاجّا قد قلّد هديا، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ، فقال ناس من أصحابه: يا رسول اللّه، خلّ بيننا و بينه فإنّه صاحبنا، قال صلّى اللّه عليه و آله: إنّه قد قلّد! قالوا: إنّما هو شي‏ء كنّا نصنعه في الجاهليّة، فأبى عليهم فنزلت الآية فانتهى القوم».
أقول: الرواية- مع قطع النظر عن السند- من باب الجري و التطبيق لما ورد من الاختلاف في شأن النزول.
و في الدرّ المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام و يهدون الهدايا، و يعظّمون حرمة المشاعر، و ينحرون في حجّهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال اللّه تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ، و في قوله تعالى: وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني: لا تستحلّوا قتالا فيه، و في قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يعني: من توجّه قبل البيت، فكان المؤمنون و المشركون يحجّون البيت جمعا، فنهى اللّه المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحجّ البيت، أو يتعرّضوا له من مؤمن أو كافر، ثمّ أنزل اللّه بعد هذا: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.
أقول: تقدّم منّا مكرّرا أنّ شأن النزول في الآيات الشريفة لا يصير سببا للتخصيص و لا يجدي نفعا و لا ضررا؛ لما تضمّنته الآيات الكريمة من المعارف و الأحكام، و مكارم الأخلاق، و الكلّيات الّتي لها مصاديق كثيرة في مرّ الزمن، و أنّ الآية المباركة في مقام بيان قاعدة أخلاقيّة و دستور إلهي.
على أنّ ما ورد عن ابن عباس لا يصحّ أن يصير سببا لنزول الآيات الكريمة المذكورة؛ لما تسالموا عليه أكثر المفسّرين من أنّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع، و قد سبقتها سورة البراءة في النزول، فيكون قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ بعد قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، و كذا بعد قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، فلا مجال عليهم إلّا أن نقول بالنسخ، فيكون قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ منسوخا بما ورد في سورة المائدة ناسخة غير منسوخة، فيدلّ على ما ذكرنا، و تقدّم أنّ الآية الكريمة هي على إطلاقها و عمومها فلا تنافي عدم دخول المشركين الى الحرم الإلهي، و أنّها في مقام المنع و الردع عن التعرّض لحرمات اللّه تعالى من المشركين و غيرهم.
و كيف كان، فما ذكر في سبب النزول كلّه من باب الجري و التطبيق.
و عن البيهقي في شعب الإيمان عن النواس قال: «سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن البرّ و الإثم في قوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ، فقال: ما حاك في نفسك فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته و سرّته حسنته، فهو مؤمن».
أقول: المراد من صدر الرواية- مع قطع النظر عن سندها- ما كان في قلبك من الشكّ و الريب و كرهت أن يطّلع عليه الناس فدعه.
و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «البرّ حسن الخلق، و الإثم ما حك في نفسك و كرهت أن يطلع عليه الناس».
أقول: للبرّ مراتب أسماها حسن الخلق الّذي هو من غر الصفات الحميدة، و إنّ الأديان السماويّة كلّها نزلت لأجل غرس أسسه و تشييد أركانه.
و في الدرّ المنثور عن البخاري في تأريخه عن وابصة قال: «أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا لا أريد أن ادع شيئا من البرّ و الإثم إلّا سألته عنه، فقال لي: يا وابصة أخبرك عمّا جئت تسأل عنه أم تسأل؟ قلت: يا رسول اللّه أخبرني! قال: جئت لتسأل عن البرّ و الإثم، ثمّ جمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها صدري و يقول:
يا وابصة استفت قلبك استفت نفسك، البرّ ما اطمأن إليه القلب و اطمأنت إليه النفس، و الإثم ما حاك في القلب و تردّد في الصدر و إن أفتاك الناس و أفتوك».
أقول: لعلّ تنكيته صلّى اللّه عليه و آله لأجل التفاته و توجّهه لمقاله صلّى اللّه عليه و آله بارجاعه الى الفطرة، و إنّ كلّ ما قبلته الفطرة من الصفات فهو من البرّ، و ما نبذته أو شكّ فيه فهو من الإثم، و اللّه العالم.

تدلّ الآيات المباركة على قواعد فقهيّة متينة ترتبط بالحياة الفرديّة و الاجتماعيّة قد كثر الابتلاء بها و تمسّك الفقهاء بها في أكثر أبواب الفقه، خصوصا في المعاملات:
الاولى: قاعدة: «الوفاء بالعقود مطلقا إلّا ما أخرجه الدليل، و هي قاعدة قيّمة، و ركيزة في التجارات، و عبّروا عنها ب «أصالة اللزوم في العقود، إلّا إذا دلّ دليل على الخلاف»، و لا جدوى في اختلاف التعبير هنا.
و معنى القاعدة أنّ كلّ عقد جامع للشروط المعتبرة- في العقد و العاقد و العوضين- لو تحقّق في الخارج يكون ثابتا و دائما لا يجوز حلّه مطلقا، إلّا بسلطة الشرع كما في مورد الخيارات، أو برضاء الطرفين الجامعين للشرائط الشرعيّة كما في مورد الإقالة.
بل يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنشاء جامع للشرائط- عقدا كان أو إيقاعا حتّى لو كان مبايعة مع أوليائه تعالى- يجب الالتزام بمضمونه مطلقا و لا يجوز نقضه اختيارا، إلّا إذا ورد ترخيص من الشرع في ذلك، و ما ورد في الآية الكريمة من العقود إنّما هو من باب ذكر الغالب لا التقييد. فتأمّل.
و لا فرق في العقد بين أن يكون خلقيّا كأغلب العقود مثل البيع و الإجارة و غيرهما، أو خالقيّا كالنذور و الصدقات، أو مشوبا به كالنكاح، و كذا في الإيقاعات كالطلاق و العتق.
و استدلّ للقاعدة بالأدلّة الأربعة: فمن الكتاب آيات:
منها: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فاللزوم و إن كان حكما وضعيّا، و لكن منشأه الأمر التشريعي أو التقريري، و إطلاقه يشمل كلّ عقد و عهد، الجامعين للشرائط العقلائيّة، في كلّ زمان، أي: أنّ وجوب الوفاء استمراري في جميع اللحظات الزمانيّة، كما يشمل كلّ عاقد و أي نوع من أنواع الثمن أو المثمن.
و منها: قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [سورة النحل، الآية: 91]، و عهد اللّه هو ما شرّعه تعالى- عقدا كان أو إيقاعا منوطا بقصد القربة كالعبادات، أو لم يكن كذلك كالمعاملات- و هو في مقابل عهد الشيطان، أي: العهود الّتي فيها مفسدة كشف الشارع عنها بنهيه، فكلّ عهد صدر من الخلق هو من عهد اللّه تعالى ما لم يرد فيه نهي منه سبحانه، إذ أنّ التشريعيّات كالتكوينيّات ترجع إليه جلّ شأنه، و قد خصّصت الآية المباركة بموارد بيّنتها السنّة الشريفة.
و منها: قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [سورة الإنسان، الآية: 7]، الّذي هو في مقام الإنشاء و التشريع بقرينة قوله تعالى: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [سورة الحج، الآية: 29]، و ذكر النذر ليس من باب التخصيص و التقييد، و إنّما هو من باب ذكر أحد الأفراد للعقد بقرينة ما تقدّم.
و من السنّة روايات كثيرة، منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، فيستفاد منه أنّ الخيار حكم عارضي للعقد محدّد بزمان خاصّ، و إلّا فإنّ من ذات العقد اللزوم، و لولا ذلك لم يكن معنى ل (جعل الخيار) إلّا بنوع من التجوّز، و هو خلاف الظاهر، كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام) ما يتعلّق بذلك.
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الناس مسلّطون على أموالهم»، فبعد انتقال السلطنة بالعقد حلّها- أو هدمها- لا يجوز إلّا برضاء الطرفين، و قد استفيدت من هذه الرواية قاعدة اخرى، و قد عبّر عنها ب «قاعدة السلطنة»، و هي تدعم قاعدة «الوفاء بالعقود»، و سيأتي البحث عن مقدار دلالتها في المورد المناسب إن شاء اللّه تعالى.
و منها: قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه»، فجعل المناط في الحليّة طيب النفس، و ليس هذا إلّا اللزوم، فحلّ العقد من طرف واحد لا يتحقّق فيه طيب النفس، فلا يحلّ المال.
و هناك روايات اخرى ذكرت في المفصّلات، فمن شاء فليراجع إليها.
و من الإجماع ما ادّعاه غير واحد من أساطين الفقهاء، بل عدّ ذلك من المسلّمات الفقهيّة.
و من العقل اتّفاق العقلاء كافّة على قبح نقض العهد أو حلّ العقد من طرف واحد بلا رضا الطرف الآخر، و عدّ ذلك عندهم غدرا و هو مذموم عقلا و شرعا ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «لكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به».
و هذه القاعدة من القواعد الّتي لم تنلها يد الخلاف كثيرا؛ لكونها عقلائيّة قرّرها الشارع المقدس، و أنّ الأدلّة الشرعيّة ترشد الى ما قرّرته العقلاء.
و قد خصّصت القاعدة بموارد دلّت عليها الأدلّة الشرعيّة.
الأوّل: الخيارات بأقسامها و أنواعها كخيار المجلس، و الحيوان و خيار العيب، و الغبن و غيرها، كما هي مذكورة مفصّلة في الكتب الفقهيّة، و من شاء فليرجع الى كتابنا (مهذب الأحكام).
الثاني: ما إذا حكم الشارع بعدم اللزوم و جواز الفسخ، كبعض أقسام الهبة و الوكالة و الوديعة، و مثل هذه الموارد تحتاج الى دليل خاصّ.
الثالث: ما إذا اشترط من الطرفين أو كلّ واحد منهما الحلّ أو الفسخ و قرّره الشرع، لأنّ اللزوم في العقود هو الحكم الأولي، أي: الطبيعي لها، و هو قابل للرفع لو اتّفق الطرفان على ذلك، و قد دلّت على ذلك روايات كثيرة تقتضي التسهيل و التيسير على الامة المرحومة فتكون امتنانيّة.
ثمّ إنّ موارد التمسّك بهذه القاعدة كثيرة، أهمّها ثلاث:
الأوّل: عند الشكّ في اللزوم و عدمه بعد تحقّق العقد، فمقتضى القاعدة هو الحكم باللزوم.
الثاني: العقود المستحدثة إن لم يدخل في أحد العقود الّتي كانت في عصر الشرع، كما في عقد التأمين و غيره ممّا حصل في التجارات الحديثة.
الثالث: عند الشكّ في اعتبار أمر زائد على الشروط الأوليّة المتّفقة عند العقلاء في العقد المقرّرة لدى الشرع.
و بعض الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) جعل موردا رابعا في المقام، و هو الرجوع إليها إن لم يدلّ دليل على الجواز أو الخيار، لكنّه داخل في القسم الأوّل، لا أن يكون قسيما له فتأمّل.
و لا بدّ من إحراز هيكل العقد عند التمسّك بهذه القاعدة، و إلّا يكون من التمسّك بالعامّ في الفرد المردّد، فتكون الشبهة مصداقيّة، و إحراز ذلك لا يكون إلّا بتحقّق الشرائط الرئيسة المتّفقة عند العقلاء، كرضاء الطرفين و تعيين كلّ من الثمن و المثمن.
و هذه القاعدة كما تجري في العقود التمليكيّة كذلك تجري في العقود الإذنيّة، إلّا أنّ الشارع حكم فيها بالجواز كالوكالة و الوديعة، و لا شكّ أنّ الأدلّة الخاصّة- لفظيّة كانت أو لبيّة- حاكمة عليها كما ثبت ذلك في علم الأصول.
أو نقول: إنّ الجواز في العقود الإذنيّة من مقتضيات ذواتها؛ تمسّكا بقاعدة «السلطنة»، فإنّ الناس يأذنون لمن شاؤوا بما شاؤوا، فلا يكون الجواز لدليل خاصّ، و إنّ ما ورد يكون إرشادا لما عرفت.
و على أي حال أنّ الخروج في العقود الإذنيّة إمّا خروج حكمي أو موضوعي، فقاعدة اللزوم لا تجري فيها إلّا إذا ورد دليل خاصّ على اللزوم فيها، فتأمّل.
الثانية: قاعدة كلّية تختصّ باللحوم من الأطعمة، و هي: «كلّ ما في الأنعام يحلّ أكله بعد التذكية، إلّا ما خرج بالدليل»، و يلحق بالأنعام الحيوانات المحلّلة شرعا كالظبي، و الطيور، و الأسماك، فتعميم القاعدة تكون من هذه الجهة.
و استندت القاعدة على الأدلّة الأربعة، فمن الكتاب آيات كثيرة:
منها: قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ، فإطلاقها يشمل جميع أجزاء الحيوان إلّا ما أخرجه الدليل أو الاستثناء في الآية الكريمة، كما يأتي.
و منها: قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فإنّ الأمر فيها للرخصة لا للوجوب، و إطلاقه يشمل القاعدة، و هناك آيات كريمة اخرى يأتي الاستدلال بها في محالها.
و من السنّة الشريفة روايات كثيرة، منها: معتبرة داود بن فرقد عن الصادق عليه السّلام: «كلّ شي‏ء لحمه حلال فجميع ما كان منه- من لبن أو بيض أو انفحة- كلّ ذلك حلال طيب»، و ذكر الثلاثة ليست من باب الحصر، و إنّما يكون من باب الغالب، و أنّها لا تحلّ الحياة كما هو واضح، و قريب منها غيرها، و تدلّ على هذه القاعدة: «قاعدة الحلية في الأشياء» أيضا، و سيأتي في المورد المناسب البحث عنها.
و من الإجماع، فهو ممّا لا شكّ فيه كما عبّر في كلمات جمع من الفقهاء.
و من العقل، قاعدة: «قبح العقاب بلا بيان»، إذ بعد إحراز الحلّية في المذبوح لا بدّ من الشارع بيان حرمة ما فيه، و إلّا فالتكليف به قبيح.
و كيف كان، فهذه القاعدة من المسلّمات الفقهيّة، و قد خصّصت و خرجت عنها بالدليل في الذبيحة أربعة عشر جزءا، كلّها محرّمة على المشهور، و هي: الدم، و الغدد، و الطحال، و القضيب، و الأنثيان، و الفرث، و المثانة، و المرارة، و المشمية، و الفرج، و العلباء، و النخاع، و خرزة الدماغ، و الحدقة، و الظاهر أنّ جميعها من الخبائث. هذا في غير الطيور، و أمّا فيها فتكون خمسة: الرجيع، و الدم، و الطحال، و المرارة و البيضتين في بعضها.
و لعلّ تمسّك الإمام عليه السّلام بإطلاق الآية الشريفة: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ؛ لحلّية الجنين و أنّ ذكاته ذكاة امه؛ لأجل التنبيه على هذه القاعدة و إرشادنا لها، فعن أبي جعفر (سلام اللّه تعالى عليه): «أنّ المراد بقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أجنّة الأنعام الّتي تؤخذ من بطون أمهاتها إذا أشعرت و قد ذكيت الأمهات و هي حيّة، فذكاتها ذكاة أمها»، و تضمّنت هذه الرواية شروط تذكية الجنين من تذكية الام- فإذا ماتت بلا تذكية و مات الجنين في جوفها حرم أكله- و موت الجنين قبل خروجه من بطن الام- فإذا خرج حيّا و مات بلا تذكية حرم- و تمام الخلقة بأن يكون قد أشعر أو أوبر، فإذا فقد أحد هذه الشروط حرم.
و هذه القاعدة لا تجرى في الأجزاء المبانة من الحي؛ لأنّ قوامها التذكية كما ذكر في عنوانها، كما أنّها تجري في موارد الشكّ في الأجزاء إن لم يدلّ دليل على الاستثناء، و لم يحرز أنّها من الخبائث الّتي يأتي تفسيرها في الآية المباركة، كالكلى و اذني القلب مثلا، و لا فرق في منشأ الشكّ حينئذ و اللّه العالم.
الثالثة: قاعدة كلّية مذكورة في كتاب الحجّ و تختصّ به، و هي: «لا تحلّ تروك الإحرام إلّا بالإحلال منه»، و مواطن الإحلال ثلاثة: التقصير، و الهدي، و الطواف، بلا فرق في الإحرام بين أن يكون للعمرة مطلقا أو للحجّ، و إن كان الإحلال في الاولى بالتقصير و في الثاني بالحلق، على تفصيل مذكور في محلّه، و تدلّ على هذه القاعدة الأدلّة الثلاثة.
أمّا الكتاب، فآيات كثيرة مذكورة في سورتي البقرة و الحجّ، و منها هذه الآية الكريمة: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ- إلى قوله تعالى- وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا، أي: الأنعام كلّها حلّ إلّا ما كان منها وحشيا، فإنّه صيد و لا يحلّ ذلك للمحرم إ إذا أحلّ منه.
و الصيد من أهمّ تروك الإحرام كالرفث، و الفسوق، و الجدال و يلحق بها سائر التروك لأجل أدلّة خاصّة.
و من السنّة روايات كثيرة مذكورة في كتاب الحجّ، و من شاء فليرجع الى كتابنا (مهذب الأحكام).
و من الإجماع ما هو مسلّم في أصل القاعدة. و يقتضيه الأصل أيضا، فيتمسّك بالقاعدة في بعض الموارد الّتي نوقش في الأصل.
ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الشريفة أحكام:
الأوّل: أنّه يحرم على المحرم صيد الحيوان البري- طيرا كان أو غيره- و ذبحه و أكله و إمساكه و اتلافه، لإطلاق الآية الشريفة. و أمّا ذبح الحيوان الأهلي كذبح الدجاج الأهلي أو الغنم كذلك، فلا يجري عليه حكم الصيد البري، فيجوز لأنّه ليس بصيد عرفا و لا شرعا.
الثاني: يجوز قتل السباع الضاريات و كلّ حيوان خيف منها؛ لأنّه ليس بصيد موضوعا، و إنّما يكون لدفع الضرر عن نفسه، مضافا الى أدلّة خاصّة دالّة على الجواز.
نعم، لا يجوز مع الأمن عنها كما ذكرناه في كتاب الحجّ من (مهذب الأحكام).
الثالث: أنّ الأمر في قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا كالأمر في قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [سورة الجمعة، الآية: 10] للرخصة و رفع الحضر، فلا يستفاد منه العزيمة و التكليف، أي: إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل.
الرابعة: قاعدة: «كلّ صيد حلال إلّا ما خرج بالدليل»، و الصيد لا يطلق في‏ اللغة إلّا على الحيوان الممتنع؛ لأنّه أخذ الحيوان بحيلة، و في الشرع يعتبر في تملّكه امور، و هي: أن لا يكون للحيوان مالك، و أن يستولي عليه بالأخذ أو بوقوعه في شبكته أو يصير الحيوان غير ممتنع، و أن يكون قصده الصيد، فلو انتفى أحد هذه الأمور لم يتحقّق التمليك في الصيد شرعا، كما لا يطلق على الحيوان الأهلي الّذي يقدر الاستيلاء عليه كالبقر و الغنم إلّا إذا توحّش و امتنع فيكون صيدا لغة.
و كيف كان، فقد دلّت الأدلّة الثلاثة على هذه القاعدة، فمن الكتاب قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا، و إطلاقه يشمل جميع أقسام الحيوانات، و في جميع الأوقات إلّا ما خرج بالدليل، كالصيد في حال الإحرام، أو الصيد للّهو و اللعب، أو ما إذا فقد أحد الشروط المتقدّمة بالنسبة الى تمليك المالك.
و من السنّة روايات كثيرة ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام)، و التعرّض لها يوجب الخروج عن الموضوع، و من شاء فليرجع إليه.
و من الإجماع ما ادّعاه غير واحد من الفقهاء، بل هو من المسلّمات عندهم؛ لأنّه من سبل العيش و إبقاء الحياة، فكيف يمنعه الشارع؟! نعم له أن يحدّده بما يراه و بما فيه المصلحة. هذا.
و يختصّ حلّ الاصطياد بالحيوان أن يكون كلبا و معلّما و مرسلا، و المرسل مسلما، و أن يذكر اللّه تعالى عند الإرسال، و يستند الموت الى جرحه، كلّ ذلك للأدلّة الخاصّة من الكتاب- كما يأتي- و من السنّة ذكرناها في الفقه، و من أراد فليرجع إليه، فلو فقد أحد هذه الشروط انتفت الحلّية و صار ميتة. و إن حصلت الملكية إن توفّرت الشروط السابقة.
كما يعتبر في الآلة أن تكون سلاحا، و أن تكون قاطعة- أو شائكة- و أن يستند القتل الى الآلة، و أن يكون الرامي مسلما، و يذكر اللّه تعالى عند الرمي، و أن يكون الرمي بقصد الاصطياد، و تستقلّ الآلة المحلّلة في القتل، كلّ ذلك للأدلّة الخاصّة أيضا، فلو انتفى أحد هذه الأمور انتفت الحلّية.
و يصحّ التمسّك بالقاعدة في موارد:
الأوّل: عند الشكّ في اشتراط وجود شي‏ء أو اشتراط عدمه، و لم يكن دليل معتبر عليه، مثل إباحة آلة الصيد، أو أصل موضوعي كالشكّ في الإحلال من الإحرام.
الثاني: حلّية اللحم بعد تحقّق الصيد و كان الحيوان ممّا يؤكل شرعا، فمقتضى القاعدة الحليّة، و لا تصل النوبة الى أصالة عدم التذكية إلا إذا شكّ في وجود شرط من الشروط المتقدّمة، على تفصيل مذكور في الكتب المفصّلة.
الثالث: عند الشكّ في وجود زمان قابل للتذكية، فتارة: يحرز أنّ الزمان متسع للتذكية، فلا يحلّ إلّا بها.
و اخرى: يحرز أنّ الزمان غير قابل لها، كما إذا كان في اللحظة الأخيرة من حياته.
و ثالثة يشكّ في الزمان هل هو قابل للذبح فيمكن التمسّك بالقاعدة في هذه الصورة، و لكنّه مشكل. فتدبّر و إن كان الاجتناب طريق النجاة.
و لا فرق في تحقيق الذكاة بالاصطياد بين الحيوان المأكول اللحم و غيره كالسباع، فإنّها تصير ذكية به و يجوز الانتفاع بجلدها، إلّا إذا كان الحيوان نجس العين، و لكن تحقّق الذكاة بالاصطياد بالكلب المعلّم في الحيوان غير المأكول إشكال تعرّضنا له في كتابنا (مهذب الأحكام)، و هناك فروع اخرى مذكورة في الكتب المفصّلة.
الخامسة: يستفاد من الآية الشريفة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً قاعدة: «عدم جواز هتك حرمات شعائر الدين»، أو نقض إعلامه و التعدّي عن حدود اللّه تبارك و تعالى من أمره، و نهيه، و فرائضه، و أحكامه، و مواثيقه، و عهوده، و يكون عطف الأمور المذكورة في الآية المباركة من قبيل عطف الخاصّ على العامّ، أو التقييد بعد الإطلاق، و هذا شائع في الاستعمالات المحاوريّة، و تدلّ عليها روايات كثيرة مذكورة في محالها.
و ذهب جماعة منهم الشيخ أنّه لا يجوز قتل الصيد و هو يؤم الحرم و لم يدخل فيه، و تمسّكوا بإطلاق قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ و بجملة من الأخبار.
و لكن الأخبار معارضة بأخبار اخرى، فالحمل على الكراهة طريق الجمع بينهما كما ذهب إليه المشهور، و كذا الاصطياد في حرم الحرم، و هو يريد من كلّ جانب. نعم احترام حدود حرم اللّه تعالى لازم عقلا و لكن إثبات الحكم الشرعي بما تقدّم مشكل.
السادسة: تدلّ الآية المباركة: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا على قاعده كلية، و هي: «عدم جواز الاعتداء على الأشخاص الّذين ينقضون عهد اللّه و يصدّون المؤمنين من إقامة شعائر الدين»، و أنّ الانتقام منهم لأجل نقض عهد اللّه تعالى نحو اعتداء و لا يقبل الشارع به. نعم لو استلزم ذلك جناية على شخص أو على امور عامّة للمسلمين، فالضمان أو القصاص كما حكم به الشرع، و تدلّ عليها روايات كثيرة مذكورة في الأبواب المتفرّقة، و سيأتي في قوله تعالى: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏* [سورة الإسراء، الآية: ۱٥] ما يتعلّق بالمقام.
السابعة: تدلّ الآية المباركة: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ قاعدة عامّة، و هي: «قاعدة حرمة الإعانة على الإثم»، كما أنّ صدرها: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ تدلّ على قاعدة اخرى، و هي: «حسن الإعانة على كلّ خير و برّ، فالآية الكريمة بصدرها و ذيلها تدلّ على قاعدتين عامّتين مهمّتين، و الروايات الواردة فيهما فوق حدّ الإحصاء، قال الصادق عليه السّلام في المعتبر: «و ليعن بعضكم بعضا، فإنّ أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقول: إنّ معونة المسلم خير و أعظم أجرا من صيام شهر و اعتكافه في المسجد الحرام».
و قال عليه السّلام: «عونك الضعيف من أفضل الصدقة».
و عنه عليه السّلام: «اللّه في عون المؤمن ما دام المؤمن في عون أخيه»، الى غير ذلك‏ من الروايات. فإعانة المؤمن من حيث هي راجحة و مندوبة، و قد يعرض عليها الوجوب لأجل عناوين اخرى.
و لا شكّ في أن ذلك هو المتسالم عليه عند الفقهاء، بل إنّ مقتضى المرتكزات و الفطرة حسن المعاونة على البرّ و الخير و قبح الإعانة على الشرّ و القبيح، و أنّ الآيات المباركة و السنّة الشريفة إرشاد إليهما.
و لا يخفى أنّ الإعانة المبحوث عنها- سواء أ كانت راجحة أم مرجوحة- ما إذا انحصرت جهة الراجحيّة أو المرجوحيّة في مجرّد الإعانة من حيث هي، لا ما إذا كان المعان بها بذاته راجحا أو مرجوحا، فإعانة الظلمة بنفسها محرّمة في الشريعة مثل قبول الرشوة، أو الإعانة على الصدقة بنفسها راجحة يثاب كلّ يد و إن تجاوز الى سبعين، كما في بعض الروايات.
ثمّ إنّ الإعانة بكلا قسميها تتصوّر على وجوه تبلغ عشرة، ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام) مفصّلا، فمن شاء فليرجع إليه.
و تقوم الإعانة بأمور:
الأوّل: العلم بتحقّق المعان عليه، فإذا لم يعلم لم تتحقّق الإعانة.
الثاني: القصد في الجملة و لو كان حاصلا من العلم، سواء قصد التوصّل أم قصد غير ذلك.
الثالث: تحقّق الفعل خارجا، و لا فرق في ما ذكرنا بين الإعانة الراجحة أو المرجوحة.
و أمّا قاعدة: «حرمة الإعانة على الإثم» فتدلّ عليها- مضافا إلى ما مرّ- روايات كثيرة، منها ما عن جعفر بن محمد عليهما السّلام في الصحيح: «من أعان ظالما على مظلوم، لم يزل اللّه ساخطا عليه حتّى ينتزع عن معونته».
و عنه عليه السّلام: «العامل بالظلم، و المعين له، و الراضي به، شركاء ثلاثتهم»، و تقدّم مكرّرا أنّ المناهي الشرعيّة مطلقا ظلم.
و لا بدّ من إحراز عنوان الإعانة للحرام من القصد، و التحقّق، و العلم كما مرّ، فإذا انتفى أحد هذه الأمور أو تحقّق الحرام بعد وسائط كثيرة و لم تكن من العلّة التامّة أو جزء العلّة- كما في بيع العنب و التمر لمن يعلم أنّه يعمله خمرا- لم تتحقّق؛ للشكّ في صدق الإعانة حينئذ، فلم تكن محرّمة، و الروايات الواردة الدالّة على الجواز- كما هي مذكورة في المكاسب المحرّمة من كتاب البيع- ليس من باب التخصيص، و إنّما هي من باب التخصص كما عرفت.
و لا فرق في الحرام الّذي تكون الإعانة عليه حراما بين أن يكون من الكبائر أو الصغائر، معلوما تفصيلا أو بالإجمال، مسلما كان العامل أو كافرا بناء على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأصول، كما هو المشهور، كلّ ذلك للعموم و الإطلاق. و إنّ الإعانة على الإثم تابعة للإثم المعان عليه، فإن كان كبيرة فهي كبيرة و إلّا فصغيرة.
و هناك فروع للقاعدة تعرّضنا لها معها في كتاب الاجتهاد و التقليد من (مهذب الأحكام)، و من أراد فليرجع إليه و اللّه العالم.

يمكن أن تكون الآيات الشريفة إشارة إلى معاني عرفانيّة، تتشوّق النفوس إليها و تنشط الأرواح بها و تزيل التعب عنها و تتوجّه الى خالقها و تستعين منه، و لعلّ الآية المباركة: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إشارة الى عهود العشّاق المنقطعين عن ما سواه و العاكفين على أبواب فيضه و رحمته، فعقدوا معه جلّ شأنه على بذل وجودهم لنيل مقصودهم- و هو رضاه- و تحمّلوا ألم الفراق و عذابه لأجل لقاء جماله، و صبروا على المكاره حتّى يتقرّبوا إليه بالشوق الى دنوّه، فأنت الّذي وهبت لهم من فيضك قدر ما يستحقّون، و أنعمت عليهم من آلائك قدر ما يتأهّلون باختيارهم، و جعلت في قلوبهم شوق لقائك، فهم منك، و إليك، و لك، و معك تعاهدوا و تعاقدوا إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111]، و قال تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [سورة البقرة، الآية: 207].
أو إشارة الى أنّ ما تفضّل به على الإنسان و وهب له أعضاء يستخدمها في حياته، فكلّ عضو- نعمة وهبة- له عقد معه جلّ شأنه بأن لا يصرفه في معاصيه و نواهيه، فلا بدّ من الوفاء بهذه العقود الّتي عقدت معه تعالى، و يدلّ عليها روايات كثيرة ذكرها علماء الأخلاق في كتبهم.
أو إشارة إلى ما بذلوا من الجهد في هداية خلقك، و مهّدوا السبيل لهم للفوز إلى القرب من حضرة جمالك، و تعاقدوا ببذل أغلى و أعلى ما عندهم بقبولك بالدخول مع عبادك.
أو إشارة الى إماتة الإنسيّة للنيل الى المقامات العالية و العقد على مخالفة الهوى و طرد الشيطان؛ لتلقّي أنوارك.
و كيف ما كان، فمن أوفى بعهوده و دام على عقوده و صبر على بلائه و نجح في امتحانه، فقد فاز بمقصوده و تلقته السعادة، و تمثلته الإنسانيّة، و دخل الجنّة بعد ما أزلفت له.
و لعلّ المراد من قوله جلّ شأنه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ احلّ ذبح بهيمة النفس الّتي هي كالأنعام بل أضلّ سبيلا، و قتل الأهواء الشريرة حتّى تنكشف الحقائق و تزيل الأوهام، فعن علي عليه السّلام: «المؤمن ينظر بنور اللّه»؛ لأنّه من اللّه تعالى و الى اللّه تعالى، و هو في نور اللّه و يرى بنور اللّه، إن عرف اللّه و أزال الحجب بينه و بين اللّه تعالى، و هذه الأنوار غير محدودة، كما تقدّم في أحد مباحثنا السابقة، و لكن الاستعداد و اللياقة بل الأهليّة لها دخل فيها.
و لعلّ الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ يشير الى الخلّص من عباده، و هم النفوس المطمئنة الثابتة الّتي فازت بالقرب الى ساحة جماله، و تشرّفت بالخطاب الأبدي الربوبي، فسمعت باذن نقية داعية قوله تعالى: ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَ ادْخُلِي جَنَّتِي؛ لأنّها أحرمت بالتنفّر عن الدنيا و ما فيها و توجّهت الى كعبة الوصال بتلبية الشوق، و تمسّكت بعرى العشق لحضرة الجمال، و آنست مع الطائفين‏ حول بيت الحقيقة و الأمان، و أوت الى الركن خوفا من الأغيار، و تجرّدت عن ما سواه، و انفردت عن كلّ محبوب و مطلوب بالتوجّه الى المقام؛ و لذلك كلّه يرى في كلّ شي‏ء جماله جلّت عظمته كما عن سيد العرفاء و إمام الموحّدين عليه السّلام.
و لا شكّ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بترقي النفوس اللائقة و بذبح النفس إن اتّصفت بصفات البهيمة، و رعت في مراتع الحيوانات السفليّة، و رفثت كما ترفث الحيوانات البريّة، و تشبّهت بالحيوانات السبعيّة حتّى تنال طعمة من المآكل الدنيّة.
ما يُرِيدُ كما يشاء و يريد، فإنّه رؤف كريم يحبّ أن يرى آثار نعمه على عباده، و في الحديث: «انّ اللّه جميل و يحب الجمال»، الأعمّ من الظاهري و المعنوي، و لا يحبّ القيود و السلاسل «و يبغض العبد القاذورة». أي: الصفات الذميمة المتوطنة في النفس أو الأوساخ الظاهرة على الجسد.
و لعلّ المراد من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ لا تقطعوا السبل عمّن أراد وجهه تعالى؛ لأنّ الجهة عظيم لا السالك شريف- إلّا إذا كان مؤمنا- فإنّ القلوب تتسارع الى الفضائل إن انكشفت لها الحقائق و تؤمن باللّه العظيم و ملائكته و رسله؛ لأنّ العبرة بالخاتمة، فلا تتهاونوا بحرمات اللّه تعالى بصدّ السير للسالك الى المنازل و الصعود من المواقف الدنيّة إلى التجرّد للقائه تعالى.
كما أنّ بعض النفوس المؤمنة تشرّفت بالقرب لساحته جلّ شأنه و فازت بنيل رضاه بالإفاضة عليها، كذلك بعض الأمكنة أشرق عليه نور ربّه جلّ شأنه فتشرّف و سمى على غيره، و كذا بعض الأزمنة فضّل على غيره لتجلّيه تعالى فيه، و هو تعالى فضلّ الأشهر و الأيام و الأوقات و الأمكنة بعضها على بعض، كما فضّل الرسل و الأمم بعضها على بعض؛ لتتسارع النفوس المستعدّة لشوق اللقاء بعد تطهيرها عن الرذائل و الأغيار، ثمّ التحلية بصفات الأخيار، فقال تعالى: وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ، أي: لا تستحلّوا المآثم فيه و قدّموا التخلية بإزالة الصفات الذميمة حتّى تنالوا شرف التحلية فيه، فإن للزمان و المكان و الصاحب و الأستاذ الدخل الكبير في تأثير النفس للايصال إلى المقصود بها، و في تحلية النفوس فيها.
و لا تمنعوا قوما أرادوا التشرّف الى كعبة الآمال و ساقوا الهدي للقربان‏ لأجل التوصّل لما يوجب الغفران من الآثام، حيث قال تعالى: وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ، أي: لا تحلّوا الهدي الّذي يريد صاحبه التقرب به، و لا القلائد الّتي أسعرت بالشدّ لفكّ الشدّة.
و لعلّ المراد من قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أنّ كلّ مخلوق من حيث إضافته الى خالقه جلّ شأنه حسن، مع قطع النظر عن كونه سعيدا أو شقيا؛ لأنّه تعالى خلقه بيديه و من روحه و هو على صورته كما في بعض الأخبار، و إن لم يرض المولى بكفره- فإحسانه لخلقه لا لكفره- و إذا قصد بيت الأمن و الأمان و أراد التوجّه إليه بالمقام، فلا تصدّوه عنه علّه يتحلّى بمكارم الأخلاق و محاسن الأفعال و يتشرّف بهدي الإسلام؛ لأنّهم كسائر العباد يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً من التجارة في العاجلة أو الرضوان في الآخرة حسب زعمهم، و اللّه يهدي لرضوانه من يشاء حسب لياقته و شأنه، فلا يجوز تحقيرهم بمنعهم عن الوصول الى حرم الأمان، إلا إذا خبثت ضمائرهم، فخرجت عن قابلية الصلاح و الإصلاح، فحينئذ لا يؤم البيت الحرام.
و يحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا الوصول الى مرحلة التطهير بتمييز الحقّ عن الباطل بالعيان؛ لأنّه إذا حلّيت النفوس بعد التخلية و قربت الى ساحة جماله بأداء شعائره، و رقّت الأرواح حتّى وصلت الى شهود أنواره، و خلت للأجسام النظر الى صفاته و الأخذ من رياض بهجته و بهائه، و استعدّت القلوب بعد ترويض النفوس و تزكيتها للمقام الرفيع، فحينئذ نالت مرحلة: «كلي و اشربي و قرّي عينا»، فأحاط التعظيم بها من كلّ جانب و شاهدت ما شاهدت و ميّزت الخبيث من الطيب، و ذاقت النفس طعم الحبّ و ألم الفراق، و قال بعض العرفاء:
لا محبّة إلّا بأصول و لا وصول إلّا غالي‏
و لا شراب إلّا مختوم و لا مقام إلّا عالي‏

و لعلّ المراد من قوله تعالى: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا أن لا يصدّكم عن السير نحو الكمال بالوصول الى مقام‏ التسليم و الرضا بعد الخلع بالبعد عن مساوئ نفوسكم الّتي هي الأغيار في جنوبكم، أو لا تمنعكم الصفات الذميمة في غيركم- الّذين هم في زيّ الصادقين و عملهم عمل المعرضين- عن إصلاح سرائركم و تنوير قلوبكم و النيل بالأحبّة و الفوز بمقام الخلّة بالتحلّي بصفات الغرّة، و قال شاعرهم:
أمّا الخيام فإنّها كخيامهم و أرى نساء الحي غير نسائها
لا و الّذي حجّت قريش بيته مستقبلين الركن من بطحائها
ما أبصرت عيني خيام قبيلة إلّا بكيت أحبّتي بفنائها

قال تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [سورة الأحزاب، الآية: 8]، فإذا سأل الصادقين عن صدقهم أ يترك المدّعين من غير سؤال؟! فإنّ البعد عن الحقّ و الحقيقة، و النيل من العزّ بذلّ العبوديّة بالأهواء ظلم و اعتداء؛ لأن الادّعاء أعمّ من الواقع و الحقيقة، فلا تحملنّكم الصفات الذميمة على الاعتداء بالهبوط عن رفيع المقام و أسمى المنزلة أشرف الملكات الّتي هيّأها اللّه تعالى لكم.
و إنّ المراد من قوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ أنّ كلّ ما يشغل القلب عن ما سواه و يمنع عن الوصول الى الحقّ و الحقيقة، فدفعه إعانة على البرّ، و لا يمكن دفع ذلك إلّا بواسطة الشرع المبين. و أنّ تمكين حبّ الدنيا في النفس، و تكدير الروح بعد صفائها، و تسويد القلوب بعد جلائها هي من الإعانة على الإثم، وَ اتَّقُوا اللَّهَ في جميع الحالات، و في كلّ الأمور و عند كلّ مقام، و منزلة ف إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فاتّقوه حتّى تنجوا من عقابه الشديد و عذابه المديدة، فمن عقابه عدم الوصول الى تلك المنازل، و من عذابه عدم نيل رضاه، و عدم الظفر بالحقّ و الحقيقة. و اللّه العاصم من الزلل و الخطأ.

الاجتماع- الّذي يحتاجه الإنسان بل هو قوام حياته؛ لأنّ المودّة و المواصلة من فطرته لا يمكن العيش بدونهما- فحقيقته مركب من اصول، و أحكام، و روابط هي أسس له، يقوم الاجتماع و المجتمع عليها، فهي كلّما كانت متقنة- بمعنى كونها مأخوذة من مصادر غير قابلة للخطأ و الانزلاق- كان المجتمع أقرب الى الكمال المنشود، و هذا غير قابل للإنكار.
و أفراد المجتمع الّذين يريدون تهذيب مجتمعهم و سوقه إلى السعادة و حفظه عن التمزّق و الانهيار، يرجعون في بادئ الأمر الى أسسه و قواعده، أي: السلطة التشريعيّة، و من ثمّ الى السلطة التنفيذيّة؛ لأنّ الثانية مهما بلغت من القوة و طال زمانها لا تغيّر الاجتماع الّذي يهبط الى السوء أو منه الى الأسوء بعد فساد ركائزه و قواعده، بل هي من أهمّ الموانع في الوصول الى الكمال، فيترقّب الأفراد الفرص للنيل من المجتمع و زعزعته و إفساده.
و أمّا لو كانت الأسس و القواعد مستندة الى الفطرة الّتي كشف عنها خالق السماء، فإنّ الدوافع لحفظها كثيرة و الدواعي لمخالفتها قليلة، و إن السلطة التنفيذيّة ليست بمانعة؛ لأنّ عقاب الضمير و التأنيب النفسي و الشعور بالمسؤولية أمام العدل الواقعي- مع قطع النظر عن الجزاء- أكبر محفّز و أعظم داع لحفظ القوانين؛ و لذلك ورد في الروايات الكثيرة الحثّ على إبلاغ الأحكام، و أنّ العلماء مسؤولون أمام اللّه في علمهم الّذي يوجب الخير و السعادة، و في خطبة نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله بمنى: «ألا ليبلغن الشاهد منكم الغائب، فلعلّ من يبلغه أوعى له من بعض من سمعه»، فنشر العلم و بيان الأحكام و بثّ مكارم الأخلاق، من أهمّ الأحكام الاجتماعيّة الّتي أراد اللّه تعالى الاحتفاظ بها، و من أسمى مصاديق الإعانة على البرّ، بل إنّ إصلاح الشخص نفسه و لو بطلب العلم يكون منها؛ لأنّ حقيقة الإعانة غير متقوّمة بالاثنيّة، كما في قوله عليه السّلام: «من أكل الطين فقد أعان على نفسه»، كما تقدّم في الفقه.
و إنّ نشر الأخلاق الفاسدة و الأهواء الباطلة، و الحثّ على مخالفة الأوامر الإلهيّة، و ارتكاب نواهيه و غيرها ممّا يوجب فساد المجتمع و إيقاعه في الهلاك، هو المصداق الحقيقي للإعانة على الإثم المنهي عنها فطرة و شرعا.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"