1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات ۸٦ الى ۹۱

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (۸٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى‏ بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)


الآيات الشريفة لا تخلو عن الارتباط بالآيات المباركة المتقدمة، فانه تعالى بعد ان بيّن حقيقة الدين الذي يجب اتباعه و انه الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء و أخذ عليه الميثاق، و بيّن ان غيره باطل لا يقبل منه.
ذكر عز و جل في هذه الآيات حال الكافرين به و الظالمين الذين خرجوا عن هدايته سبحانه و تعالى و اتبعوا أهواءهم و فسقوا بالخروج عن الميثاق الذي أخذ منهم، و بيّن جزاءهم بأن أوعدهم سوء العذاب‏ و سجّل عليهم لعن من في السماوات و الأرض.
و في معرض الكفر و الايمان قسّم سبحانه و تعالى الكافرين إلى اصناف ثلاثة، فمنهم من يقبل توبته إذا رجع إلى الحق و أنكر الباطل و أصلح نفسه و اتبع الإسلام، و منهم من ضل عن الصراط المستقيم و اصرّ على الكفر و توغل فيه، فهؤلاء أفلتت منهم الفرصة فان اللّه لا يقبل توبتهم و منهم من مات على الكفر و لم يؤمن به تعالى فلن تقبل منهم فدية و لو كانت مل‏ء الأرض ذهبا فإنهم مخلدون في العذاب و ما لهم من ناصرين.

قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ.
كيف لفظ استفهام يفيد الاستبعاد و الجحد و الإنكار. و يراد به استحالة الهداية نظير قوله تعالى: «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ» التوبة- 7 أي: يستحيل ان يكون لهم العهد.
و المعنى: انه لا طريق لهم يهديهم إلى الحق الا ما يريده اللّه عز و جل و قد كفروا به لأنه تعالى اقام الدلائل الواضحة و الحجج القويمة على الدين الحق و هم قد تركوه و اعرضوا عنه باختيارهم فهم قد ابعدوا أنفسهم عن الألطاف الإلهية، و التوفيقات الربانية التي هي سنة اللّه تعالى في هداية البشر إلى الحق و قد حرموا أنفسهم عن الكمال.
و الآية الشريفة و ان كانت تستعد الهداية عنهم مطلقا، و لكن‏ ذيل الآية يدل على ان الهداية تستحيل مع تلبسهم بالظلم قال تعالى: «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» فان الوصف فيه مشعر بالعلية اي لا يهديهم مع وجوده فيهم لأنه من الجمع بين النقيضين المستحيل عقلا فإذا رجعوا عنه بالتوبة الصادرة عن القلب فلا ينافي هدايته عز و جل لهم.
و في الآية الشريفة إيئاس للنبي (صلى اللّه عليه و آله) من ايمانهم لأنهم رأوا الهدي فنكبوا عنه و شهدوا الحق فاعرضوا عنه فاستحقوا جزاء الظالمين بطبيعة اختيارهم.
قوله تعالى: وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
عطف على معنى الفعل في «إِيمانِهِمْ» اي بعد ان آمنوا و شهدوا ان الرسول حق. و الواو للحال و الجملة حالية بتقدير (قد).
و المراد بهم إما اهل الكتاب فتكون شهادتهم هي الاعتراف بالدلائل الواضحة على صدق الرسول كما يدل عليه قوله تعالى: «وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ» أو اهل الردة، فشهادتهم تكون إقرارا منهم بالرسالة عن معرفة بحقيقة الرسول و صدق ما جاءتهم البينات فلا يكون إقرارهم إقرارا صوريا.
قوله تعالى: «وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ».
البينات- جمع بينة مؤنث البين- و هي الدلائل الواضحة و الحجج القويمة و البراهين الناطقة على حقية الرسول و صدقه سواء كانت هذه الدلائل هي الآيات القرآنية الدالة على صدق الرسول و صحة دعواه، أو المعجزات الباهرات، أو البشارات التي وردت في الكتب السماوية و صدقها العارفون بها فيكون كفرهم بعد وضوح الحق و قيام‏ الحجة مكابرة للحق و عنادا منهم معه و عن بغي و لذلك كانوا ظالمين و قد استحبوا العمى على الهدى و آثروا الظلام على النور.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
برهان قويم على عدم هدايتهم، و قد أقام عز و جل الوصف (الظالمين) مقام الضمير لبيان العلة في حرمانهم عن الهداية و هي الظلم الذي هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه في الاهتداء إلى الكمال المنشود، و لا يهتدي معه صاحبه إلى الفلاح و النجاح. و لكن ذلك لا ينافي هدايته عز و جل لهم بعد رجوعهم عن الظلم و تبريهم من الكفر.
ثم ان الظلم إما ان يكون قبل الدخول إلى الإسلام فيمحى بالإسلام و لا يبقى له اثر فان الإسلام يجب ما قبله. و إما ان يكون بعد الإسلام مع البقاء على الظلم و التلبس به فيكون الإسلام منه صوريا و من مجرد الإقرار اللساني و لا يترتب على هذا الإسلام اثر بل يترتب عليه آثار الكفر و النفاق، أو يكون الظلم مسبوقا بالإسلام و هو الارتداد، أو يكون مسبوقا بالإسلام ثم لا يزول حتى يموت. و قد ذكر سبحانه و تعالى هذه الأقسام في الآيات اللاحقة بعد اجمالها في هذه الآية الشريفة.
قوله تعالى: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
أولئك مبتدأ، و جزاؤهم مبتدأ ثان و جملة «أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» خبر المبتدأ الثاني، و الجملة من المبتداء و الخبر خبر للمبتدأ الاول.
و استحقاقهم هذا الجزاء و هو لعن جميع من في السموات و الأرض‏ لخبث ذواتهم و انطباع قلوبهم على الكفر، فهم آيسون من رحمة اللّه تعالى مطرودون عن هدايته و توفيقاته، و لان الخارج عن الهداية و المارق عن الانسانية الكاملة التي خلق اللّه تعالى الإنسان لأجلها يستحق لعن كل لاعن و قد تقدم في تفسير قوله تعالى: «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» البقرة- ۱٥۹ ما يتعلق بعود جميع اقسام اللعنة عليهم و المقام تفصيل لما أجمله عز و جل هناك.
و لعن اللّه تعالى لهم طردهم عن رحمته و الدخول في سخطه كما ان لعن الملائكة هو الدعاء عليهم باللعنة، و اللعن من الخلق السبّ و الدعاء عليهم، و قد اذن عز و جل للناس بالدعاء عليهم باللعنة و هم إما المؤمنون خاصة فهو واضح لأنهم يلعنون الكافرين أو المطلق فلان كل واحد من افراد الإنسان يعلم بأن من لم يتبع الحق يستحق اللعن بل يلعن نفسه في حاق الواقع أيضا لأنه يعلم ان خلاف الحق باطل و لكن جهله المركب منعه عن درك ذلك.
قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها.
اي في اللعنة و الطرد عن رحمة اللّه تعالى، و اللعنة عليهم تستلزم دخولهم النار، فيمكن إرجاع الضمير في «فيها» إلى النار المستفاد من السياق، إذ لا فرق في رجوع الضمير إلى السبب التام أو المسبب منه.
و الجملة حال من الضمير في «عليهم». و خلودهم فيها إيئاس لهم عن الهداية و التوفيق لملازمتهم للظلم.
قوله تعالى: لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ.
بيان للخلود الذي استحقوه لخبث في ذواتهم و رسوخ حب الظلم في نفوسهم فالعذاب يدوم بدوام علته.
قوله تعالى: وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ.
الانظار الامهال، كناية عن انهم لا تنالهم الرحمة و لا يؤخر عنهم العذاب يوم القيامة فان المسبب لا يمكن ان يتخلف عن السبب الذي هو الظلم و خبث الذات.
قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا.
استثناء ممن ذكر سابقا، و المراد من «بعد ذلك» من بعد الكفر و «أصلحوا» اي صاروا صالحين و أتوا بالعمل الصالح- كقولهم «أغدّ البعير اي صار ذا غدة»- بقرينة سائر الآيات التي جمع فيها بين الايمان و العمل الصالح و البقاء عليه.
و المراد من التوبة البقاء عليها قلبا و عملا، فان الذنب كبير لا يكفي فيه مجرد الندم بل لا بد من كون التوبة نصوحا يظهر أثرها على الجوارح.
قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
اي: فان اللّه يغفر لهم ذنوبهم ليزكي به نفوسهم و يرحمهم بالرضا و الثواب و الدخول في رضوانه و جنته.
و الجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء وضع فيها العلة موضع المعلول تأكيدا، و لبيان ان رحمته و مغفرته لازمتان لمن كان أهلا لهما.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً.
بيان للصنف الثاني من الكافرين و هم الذين انغمروا في الضلالة و الكفر بعد ظهور الحق و تمام الحجة، فانه لا سبيل لهم للصلاح و لا مطمع في اهتدائهم فلا يهديهم اللّه تعالى و لا تقبل توبتهم بعد الكفر لاستهزائهم بالدين و احكام الشرع المبين فهم أصروا على العناد و صدوا عن سبيل اللّه تعالى و أحلوا نفوسهم دار البوار و ازداد الطغيان في نفوسهم لممارستهم الملكات السيئة.
و من ذلك يعلم ان ذكر هذا الصنف بعد قوله تعالى: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ» يكون من تطبيق الكلي على بعض مصاديقه فلا مجال للاشكال في عدم قبول التوبة، لمنافاته للآيات الكثيرة الدالة على قبول التوبة مطلقا قال عز و جل: «وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» الشورى- ۲٥ و كذا السنة الشريفة الدالة على قبول التوبة حتى قبل حضور الموت و قد تقدم في بعض مباحثنا تفصيل ذلك.
و ملخص الكلام: ان التوبة مقبولة مطلقا الا إذا أسقط التائب نفسه عن قبولها و هذا الصنف و ما ياتي من هذا القبيل. نعم لو آمن ثم ارتد و كفر ثم تاب فعن جمع من الفقهاء تبعا لبعض الروايات عدم قبول توبته أيضا. لكن صرح المحققون منهم تبعا للعمومات و الإطلاقات بقبول توبته أيضا الا في الاحكام المختصة كقتله، و بينونة زوجته، و تقسيم تركته بين و رثته. و لكن هذا الفرد (الفطري) خارج عن مفهوم الآية الشريفة إذ ليس فيه العلة في عدم قبول توبته و هي الازدياد في الكفر، بل هو كفر واحد بعد الايمان.
قوله تعالى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ.
نفي مؤبد لقبول التوبة في المستقبل، لأنهم ازدادوا كفرا و أصروا على العناد و اللجاج و هم على ضلالة فلا تقبل توبتهم.
و انما عدل سبحانه و تعالى عن قول «لا تقبل توبتهم» إلى «لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ» للاشارة إلى ان توبتهم المستقبلة و المتأخرة لن تقبل‏ منهم ابدا. لأنها لا تصدر عن خوف من اللّه تعالى، بل هي تصدر عن نزعات النفس الامارة و الاستهزاء بالحق، و الا فان التوبة الصادقة المنبعثة عن الخوف من اللّه عز و جل و التقوى مقبولة حتى قبل حضور الموت كما هو ظاهر اطلاق الآيات الشريفة و صريح جملة من الروايات.
قوله تعالى: وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ.
الضالون المخطئون طريق النجاة و المعرضون عن الحق اي هم كذلك في مدة حياتهم، و من تحقق الحصر، و إتيان الإشارة البعيدة (أولئك) و تأكيد الجملة بالضمير المنفصل (هم) و وجود اللام في الخبر و اسميته كل ذلك يدل على تأكيد الضلال و تمكنه فيهم و هو راسخ فيهم فلا يرجى هدايتهم.
و الآية الشريفة تشمل على علة عدم قبول توبتهم و هي الضلال الناشئ من ازدياد الكفر.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ.
هؤلاء هم القسم الثالث من اقسام الكافرين و هم الذين لا تقبل توبتهم لأجل انهم ماتوا على الكفر و العناد و موتهم على الكفر كناية عن فوت التوبة عنهم في مدة حياتهم بخلاف الطائفتين السابقتين، فان الاولى ثابت عن الكفر توبة نصوحا و لم تعد اليه و الثانية تابت عن الكفر ثم رجعت إلى الكفر و ازدادت كفرا، و هذه الطائفة لم تتحقق منهم التوبة في مدة حياتهم ابدا فلا يستحقون المغفرة و الرحمة و لا يهديهم اللّه تعالى في يوم القيامة و ان حاولوا الافتداء عما فعلوه في الدنيا لتقبل توبتهم.
قوله تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً.
مل‏ء الشي‏ء (بالكسر) مقدار ما يملؤه و في الدعاء «لك الحمد مل‏ء السموات و الأرض» و معناه لو قدر ان تكون كلمات الحمد أجساما لبلغت من كثرتها ان تملأ السموات و الأرض فالمراد التمثيل لكثرة العدد و الا فالمكان ليس ظرفا للكلام و إن كان ظرفا للمتكلم.
و الملاء (بالفتح) مصدر ملأه ملأ.
و قد شبه عز و جل الأرض بالإناء الذي يملأه الذهب فتضمن الكلام استعارة بليغة، و انما ذكر عز و جل مل‏ء الأرض ذهبا لأنه غاية ما يعظم عند الإنسان فيبذله للخلاص.
و انما دخلت الفاء في خبر «إن الذين كفروا» هنا و لم تدخل في الآية السابقة مع ان الآيتين سواء في ذلك، لخروج المبتدأ- في المقام- باعتبار صلته مخرج الشرط بخلاف الآية السابقة.
قوله تعالى: وَ لَوِ افْتَدى‏ بِهِ.
اي: و لو قدم ذلك بعنوان الفداء في الآخرة، و انما ذكره سبحانه و تعالى في هذه الطائفة دون السابقة لان الفداء استنقاذ محبوب بمال و قد فاتتهم التوبة في الدنيا فلا يمكن استنقاذها في الآخرة بشي‏ء و ان بلغ في نظر الإنسان ما بلغ في العظمة، و فيه غاية التهويل و التخويف لأنه لا خلاص لهم من الوعيد.
و الواو في «وَ لَوِ افْتَدى‏» قيل انها للمصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يكون الخبر المذكور منبها عليه بالطريق الاولى، ففي المقام إن افتدائهم بمل‏ء الأرض ذهبا من اكثر الاحتمالات بقبول الفدية فإذا لم يقبل فالاحتمالات الاخرى اولى بعدم القبول، و مثل ذلك كثير في‏ الفصيح من الكلام، فتكون «لَوِ» منبّهة على ان ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء و ما بعدها يكون أقوى الوجوه بالقبول، فلا يندرج في ما قبلها. فهذا التركيب يفيد هذا المعنى الدقيق.
و قيل: ان الواو للعطف و التقدير اي التفصيل بعد الإجمال.
و يمكن ارجاعه إلى السابق. و يحتمل ان يكون هذا التركيب لبيان غاية التهويل و التخويف. و الظاهر ان بين جميع ما ذكر في المقام تلازم في الجملة.
قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
مبالغة في التحذير، و نهاية بعدهم عن التوبة و استعدادهم لها و إيئاسهم عن جميع ما يمكن ان يتوسل به لدفع العذاب.
قوله تعالى: وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.
نفي للانتفاع بالشفعاء الذين قد يتشفعون بهم في دار الدنيا و ينصرونهم فلا تلحقهم الشفاعة المعدة لأهل الذنوب و المعاصي في يوم القيامة.
و (من) تدل على استغراق النفي و عمومه لجميع افراد الناصرين لكل واحد منهم و لجميعهم بالأولى.

يبين عز و جل في قوله تعالى: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا ..» قاعدة كلية أثبتها علماء الفلسفة العملية- و ذكرها علماء الأخلاق في كتبهم- و استدلوا عليها بأدلة كثيرة عقلية و نقلية و هي ان للرذائل‏ النفسانية انما ترسخ في النفس بممارستها و مزاولتها و عدم الاعتناء برفعها و إزالتها و تطهير النفس عنها، فإذا رسخت لا تزول الا بصعوبة شديدة و متاعب مريرة بل لا يمكن زوالها في بعض النفوس و ان أمكن تخفيفها و لكنها تعود بين حين و آخر و تظهر آثارها، لكون أصلها في الذات، فإذا رسخ الكفر مثلا في النفس فانه لا ينفعه الايمان فلو آمن و شهد الحقيقة و الرسول و آياته و بيناته ثم كفر يكشف كفره هذا عن رسوخ ملكة الكفر في نفسه و لا تزول الا بالتطهير اي التوبة النصوح المقارن مع الصلاح و الإصلاح. و لأجل هذا أكد سبحانه و تعالى على الصلاح في هذه الآية الشريفة. و هي كبرى تنطبق على الأقسام التالية التي يذكرها سبحانه و تعالى في ذيل الآية المباركة، كما عرفت في التفسير، فيكون لفظ «كَيْفَ» للتعجب الانكاري اي الامتناع العادي.

في المجمع في قوله تعالى. «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- الى قوله تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا» قيل نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له الحارث بن سويد بن الصامت و كان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا و هرب و ارتد عن الإسلام و لحق بمكة ثم ندم فأرسل الى قومه ان يسألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت الآيات المتقدمة فحملها اليه رجل من‏ قومه فقال: اني لأعلم انك لصدوق و ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أصدق منك، و ان اللّه تعالى اصدق الثلاثة و رجع الى المدينة و تاب و حسن إسلامه» و قال الطبرسي و هو المروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
أقول: روى قريبا منه السيوطي في الدر المنثور.
و في الدر المنثور أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: «ارتد رجل من الأنصار عن الإسلام و لحق بالشرك فندم فأرسل الى قومه ان يسألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) هل لي من توبة فاني ندمت؟ فنزلت: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ- الى قوله تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا» فكتب بها قومه اليه فرجع فاسلم».
أقول: يمكن أن يكون سبب النزول متعددا.
و في الدر المنثور عن عطاء في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ» قال: «نزلت في اليهود كفروا بعيسى و الإنجيل ثم ازدادوا كفرا ببعثة محمد (صلى اللّه عليه و آله) و القرآن».
و في اسباب النزول للواحدي عن أبي العالية في الآية: «انها نزلت في اليهود و النصارى كفروا بمحمد (صلى اللّه عليه و آله) بعد ايمانهم بنعته و صفته ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بإقامتهم على كفرهم».
أقول: بعد كون دين اللّه واحدا في اصل التوحيد و النبوة و المعاد فلا فرق بين ان آمن بني واحد ثم كفر به أو آمن صنف بني خاص أخبر بالنبي ثم كفروا بالنبي اللاحق فتنطبق الآية الشريفة على كل منهما بعد وحدة المناط فيهما.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"