1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 69 الى 74

وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (٦۹) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَ لا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73)يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (۷٤) 


بعد أن دعا عز و جل أهل الكتاب إلى الإسلام الذي كان عليه إبراهيم و سائر الأنبياء العظام، و سجل عليهم افتراؤهم على ابراهيم بانه يهودي أو نصراني، ورد عليهم حججهم في ذلك، يبين سبحانه في هذه الآيات حالهم بالنسبة إلى الحق و المؤمنين به من الكذب و الافتراء و الإضلال، و ما يضمرونه في أنفسهم من العداوة بالنسبة إلى المسلمين و تثبت الآيات المتقدمة جملة من سجاياهم الفاسدة، و أخلاقهم الرذيلة و جهدهم في غواية المؤمنين و اضلالهم و الكيد بهم بكل وسيلة. و قد أمر اللّه تعالى المؤمنين بالثبات و متابعة هدى اللّه، و وعدهم الحسنى و الرحمة و الفضل العظيم.

قوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ.
الود هو المحبة، و يأتي بمعنى التمني أيضا إذا كان المحب مشتغلا بمقدمات ما يحبه، فيكون الود حينئذ اخصّ من التمني، و جملة (لو يضلونكم) تفسير له. و أهل الكتاب هم اليهود و النصارى. و الطائفة الجماعة، و المراد بها أهل الرأي و الجاه من الرؤساء و الأحبار و القسيسين فيكون (من) للجنس حينئذ.
و إضلال الكفار للمؤمنين هو صدهم عن الوصول إلى الكمال اللائق بهم بالغواية، و التشكيك في الدين، و إلقاء الشبهات و كل ما يوجب التزلزل في عقيدة المؤمنين، و الخروج عن ثباتهم، و ردّهم إلى الكفر.
و الآية تثبت الضلالة لهم، و حرصهم على الإضلال و الغواية.
و انما ذكر سبحانه كلمة (لو) إشارة إلى أن ودهم و محبتهم في إضلال المؤمنين لا تجاوز نياتهم الفاسدة و لا يتحقق في الخارج.
قوله تعالى: وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ.
لأن حبهم لإضلال المؤمنين، و صدهم عن الوصول إلى الكمال اللائق بهم لا يتحقق إلا بعد ضلالتهم و اعراضهم عن الحق، و بعدهم‏ عن الكمال الذي أعدّه اللّه تعالى لهم، و صرف أنفسهم عن كسب الأخلاق الفاضلة، و الفضائل الانسانية التي من أهمها حب الخير و الميل إلى الحق، و التحبب إلى أهله؛ و أن حرمانهم عن جميع ذلك و الاشتغال بالإضلال و التوجه إلى الغواية صرف للنفس عن نيل الكمال و السعادة و الهداية، و هم لا يشعرون بذلك إذ أن قصدهم و همّهم هو صدّ المؤمنين عن الإيمان و الحق، و قد استولى هذا الشرّ على نفوسهم فأوجب حرمانهم عن أهم الفضائل و مكارم الأخلاق. و مما ذكرناه يعرف وجه الحصر في الآية الشريفة.
و نفى الشعور عنهم مبالغة في ذمهم، و حرمانهم عن الحقيقة الانسانية التي بها ميّز اللّه تعالى الإنسان عن غيره.
قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ.
الاستفهام إنكاري توبيخي، و المراد بآيات اللّه الكمالات الانسانية و المعارف الحقة الإلهية، و الحقائق التي أنزلت في الكتب السماوية مثل نبوة نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله)، و البشرى به، و أن عيسى عبد اللّه و رسوله، و ان إبراهيم لم يكن يهوديا و لا نصرانيا، و أن اللّه واحد أحد لا شريك له و هو قادر على كل شي‏ء، و غني عن العالمين، و غير ذلك من الحقائق التي قامت الدلائل الواضحة، و البراهين القويمة عليها، و أن إنكارها و الكفر بها بعد العلم بها يكون كفر جحود و مكابرة للحق، و هما من أعظم أنحاء الكفر و شناعته أكبر.
و الكفر بآيات اللّه غير الكفر باللّه تعالى الذي يكون منشأه الالتزام بالشرك و نفي التوحيد، و الأول اصطلاح قرآني يستعمل مع أهل الكتاب لأنهم لا ينكرون اللّه تعالى.
و إن كان الكفر بآيات اللّه، و أحكامه المقدسة، و المعارف الإلهيّة يستلزم الكفر به و عدم الايمان به و اليوم الآخر، و يدل عليه قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» التوبة- 29. فانه يدل على أن الكفر باحكام اللّه تعالى، و ما جاء به الرسول الكريم و عدم الايمان بها يستلزم الكفر باللّه و اليوم الآخر.
و لكن الكفر قد يكون صريحا معلوما للكافر، و قد يكون بالملازمة الخفية عليه بحيث لا يشعر به.
قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ.
مبالغة في قبح كفرهم، و تشنيع لفعلهم، لان الكفر مع شهادة الآيات البينات على الوحدانية و الرسالة، لا يكون إلا عن جحود و فساد السريرة. و الشهادة من الشهود بمعنى الحضور، سواء كان بالحس أو بالوجدان.
و التعبير به لبيان أن علمهم انما هو من المشاهدة و الحسّ.
قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ.
مادة (لبس) تدل على الستر و التغطية، و سمي اللباس لباسا، لأنه يستر البدن و يغطيه. و لبس الحق بالباطل ستره و تغطيته بالباطل بإلقاء الشبهات عليه و تمويهه و خلطه بالباطل.
و المراد بالحق الحقائق الواقعية، و الكمالات الانسانية و المعارف الإلهية، منها البشارة بنبوة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و نزول‏ القرآن عليه و غير ذلك مما أنزله اللّه تعالى على الأنبياء السابقين و أخبروا به أممهم.
و الاستفهام انكاري، و فيه من التوبيخ لهم و التشنيع بهم ما لا يخفى.
قوله تعالى: وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ.
كتمان الحق إما أن يكون بستره و عدم إظهاره، أو بتحريف الكتاب و جعله قراطيس يبدون شيئا منها و يخفون الكثير. أو بتمويه الحق بالتأويلات الباطلة و الأوهام الفاسدة، و الآراء المزيفة.
و قد بيّن سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم كتمان الحق الذي هو من أعظم الكبائر.
قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي و أنتم تعلمون الحق و تعرفونه إلا إنكم تكفرون به و تكتمونه و فيه من التشنيع عليهم، و التوبيخ لهم ما لا يخفى.
قوله تعالى: وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
الطائفة الجماعة من الناس. و المراد من أهل الكتاب هنا اليهود الذين عرفوا بالغدر و الخيانة لأهل الإيمان. كما أن المراد بوجه النهار أوله في مقابل آخره، و سمي وجها لأنه أول ما يواجه الإنسان و يبدو له بعد انقضاء الليل.
و الآية تدل على أن طائفة من اليهود هي الآمرة لطائفة أخرى منها بالإيمان أول النهار و الكفر اخرى، مخادعة للمؤمنين أو كيدا بهم، و محاولة لا ضلالهم عن الحق، و بعث الشك و الارتياب في نفوسهم و التشكيك في دينهم، و هذا من أهم الأعمال العدوانية التي مارستها اليهود ضد المسلمين و له الأثر الكبير في النفوس، و يعتبر من أعظم الحروب النفسية مع المسلمين أبان الدعوة الاسلامية.
و في التعبير ب «عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا» اشارة إلى ذلك، فان قصدهم كان إضلال المؤمنين و حرمانهم من الثبات و الاستقامة في الدين، و إعلان هذه الحرب معهم دون نفس القرآن و الإسلام، فان لهم بالنسبة إليهما شأنا آخر إما الكتمان أو التمويه و الخلط و نحو ذلك مما حكى اللّه تعالى عنهم آنفا.
و اختلف المفسرون في متعلق الظرف في قوله تعالى: «وَجْهَ النَّهارِ … و آخِرَهُ». فالمشهور إن وجه النهار متعلق بجملة «آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ». و آخره متعلق ب «وَ اكْفُرُوا». أي خادعوا المؤمنين بهذا النحو من الخديعة، و هي الايمان الصوري بالقرآن و الرسالة أول النهار، و الالتحاق بالمؤمنين في هذا الوقت، ثم إظهار الكفر و الارتداد آخره، إيماء الى أن القرآن و الإسلام عاريان عن الصدق و الحقيقة، و أن ما ورد من البشارات في كتبهم لا تنطبق على هذا الدين الجديد و رسوله الكريم، و إيهاما للمؤمنين بأن أهل الكتاب العالمين بهذا الدين لم يتحقق لهم صدق الرسول، و حقانية الدين، و لم يكن هو ذلك المبشر به، فيرتاب المؤمنون في دينهم.
و قيل: ان الظرف متعلق ب (أنزل). أي آمنوا بالوحي النازل‏ على رسوله الكريم أول النهار الذي يوافق أهل الكتاب، و اكفروا بالوحي النازل عليه (صلى اللّه عليه و آله) آخر النهار الذي يخالف ما هم عليه، فيكون الايمان و الكفر متعلقين بشي‏ء خاص، و هو الوحي الموافق و المخالف. و حينئذ يكون من وضع الظرف موضع المظروف. و أيّد ذلك ببعض الروايات.
و قيل: إن ذلك كان في شأن القبلة لما حوّلت الى الكعبة حيث ثقل ذلك على اليهود، فأمر اشرافها جماعة منها بالصلاة الى القبلة، الجديدة، و الإيمان بهذا التكليف الجديد أول النهار، و الكفر آخره لعل المؤمنين يرجعون عنه.
و الحق أن يقال: أن الآية لا غموض فيها و لا إجمال، و هي تثبت هذه المكيدة لليهود التي صدرت عنهم مرات عديدة و بأساليب مختلفة و قد ذكرنا انها من الحرب النفسية التي شنتها ضد المسلمين، و هي عامة تشمل جميع ما ذكر فلا وجه للتخصيص بشي‏ء من ذلك.
و يحتمل أن يكون المراد من الآية الشريفة هو المعنى الكنائي أي المكر و الخديعة بهذا النحو مع المسلمين فحينئذ لا يلاحظ المعنى المطابقي بل يكون من إحدى صغريات المعنى الكنائي، كما هو معروف في علم الأدب. و حينئذ لا وجه لما ذكره المفسرون في الاختلاف في المتعلق.
قوله تعالى: وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ.
غواية أخرى لأهل الكتاب و سبيل آخر من سبل اضلالهم، و الجملة من أقوالهم التي أرادوا بها الكيد بالمسلمين.
و الايمان يتعدى بالباء- و هو كثير- و قد يتعدى باللام فيفيد التصديق، و الثقة، و الركون، قال تعالى: «وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» البراءة- ٦۱. فيكون تصديقا خاصا لا يكون في مطلق الايمان، و يكون المراد من النهي هو عدم التصديق و الركون إلى المؤمنين.
و المعنى و قالت طائفة من أهل الكتاب- و هم اليهود على ما عرفت- لطائفة أخرى منهم لا تثقوا بغيركم فتظهروا أحاديثكم لأحد منهم و تلقون اليه السر الذي أودعه اللّه فيكم، فيكون النهي نهيا عن افشاء ما عندكم من الحق، و قد أخبرهم اللّه تعالى بظهور النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و جعل معجزته في فيه، و ظهور الشواهد الكثيرة على صدقه.
و إنما نهوهم عن ذلك لما ذكره عز و جل في ما يأتي، و هو لئلا يكون للمسلمين مثل ما عندهم من الحق، أو تكون لهم الحجة.
و هذا هو كتمان الحق الذي عرفت به اليهود، و انما قالوا ذلك تعصبا منهم في حصر الحق في أنفسهم، و حسدا منهم بأنهم أولى بالحق من غيرهم، و كيدا بالمؤمنين.
و حينئذ فلا يختص هذا المكر باليهود فقط فكل من تعصب لنفسه و غلبت عليه العصبية يخفي الحق و لا يظهره لأحد من غير ملته، فتشمله الآية الكريمة.
قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ.
جملة اعتراضية بين اقوال الكائدين جي‏ء بها للتأكيد على عدم إضرار كيدهم بمن لطف به اللّه تعالى، و لتثبيت إيمان المؤمنين، و التعجيل في تقريعهم، و الاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا اليه، و تسفيها لآرائهم. و الآية جواب عن جميع ما قالوه في الكيد بالمؤمنين و غوايتهم.
و نظير هذه الآية ما تقدم في سورة البقرة، قال تعالى: «قُلْ‏ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏» البقرة- 120 إلا إن الفرق بينهما أن المقام من القضايا الحقيقية الكلية المنطبقة على جميع الموارد، و هناك من قبيل القضايا الخارجية باعتبار تغيير القبلة، و انه كان من اللّه تعالى، كما أن القبلة السابقة كانت كذلك، و في المقام يكون باعتبار اصل الدين اصولا و فروعا، فيكون معنى قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ» نظير قوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» آل عمران- 19.
و المعنى إن الهدى الذي هو الغرض الاصلي من التشريعات السماوية و غاية سعي كل مؤمن انما هو هدى اللّه تعالى فقط الذي يحتاج اليه المؤمنون في جميع أمورهم دون ما اعتقده غيرهم، و العقل حينئذ يحكم باتباع هدى اللّه، و الاعراض عن غيره فلا يضرّ بعد ذلك كتمان أهل الكتاب الحق أو إظهاره.
قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
عود إلى مقالتهم، و بيان للسبب في نهيهم عن التصديق بغيرهم و افشاء السرّ، أي لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى أحد من غيركم مثل ما أوتيتم من الحق فيعرفه فلا تنفع غواياتهم و مكائدهم و هذا يكون بحسب زعمهم الفاسد، و هو السبب في كتمانهم للحق أيضا.
و قيل: إن هذه الجملة متعلقة بالجملة السابقة التي أمر اللّه تعالى فيها رسوله بأن يقول لأهل الكتاب «إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ». و يكون قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ» تأكيدا لما أمر اللّه به أولا فلا يكون في البين فصل بكلام أجنبي. و تفيد هذه الجملة الإنكار لغيضهم و حسدهم، و تكون جوابا عن خدعهم، و لكن الأول هو الاولى.
قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.
سبب آخر في كتمان الحق، و قد بين سبحانه هذا الأمر في موضع آخر، قال تعالى: «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» البقرة- 77.
و ربما يكون الأمران متلازمين فان إيتاء غير اليهود الحق يلازمه المحاجة عند ربهم.
و إنما قطع سبحانه هذا الأمر عن سابقه (بأو) لبيان استقلال كل واحد من هذين الأمرين في مكائدهم و غيضهم. أو يكون الترديد باعتبار اختلاف العوالم، فان الأول في دار الدنيا، و الثاني يكون في عالم الآخرة.
قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ.
ردّ لما زعموه، و إبطال لحججهم في كتمانهم الحق. و الفضل عبارة عما يؤتى زيادة عن أصل الاستحقاق، و قد يطلق على أصل ما يؤتى و لو لم تكن زيادة. و المراد به المعنى الأعم من ذلك، بناء على ما أثبته جمع من الفلاسفة و المتكلمين من أنه لا استحقاق في البين أصلا و انما يكون مطلق عطائه تبارك و تعالى فضلا. و يراد به في المقام مطلق مواهبه و عطياته فتشمل اصل النبوة و الرسالة، و تفضيل بعض النبيين على بعض، و ما منحه اللّه تعالى لنبيه الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و أمته. فيكون مثل هذه الآية ردا على كل من زعم أن أفعاله و حركاته و سعيه مؤثرة في إزالة الحق عن مقره، أو تخصيصه لنفسه، فان الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده وفق الحكمة المتعالية، لا سيما في الفضائل المعنوية التي لا يعلم خصوصياتها أحد إلا اللّه تعالى الذي بيده‏ الملك يمنحه من يشاء من عباده.
و ما فضّله اللّه تعالى اليهود ببعض النعم، و منحهم الملك و النبوة قال تعالى: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ»* البقرة- ٤۸. لا يستلزم اختصاصهم بالفضل و حرمان غيرهم منه فان الملك و الفضل بيد اللّه يعطيه من يشاء من خلقه، و يمنعه عمن يشاء.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
برهان قويم على بطلان مقالاتهم و حججهم في كتمان الحق. أي و اللّه واسع في فضله و رحمته لا يحدّهما شي‏ء إلا أن يكون التحديد في الموضوع و المفضل عليه، عليم بخصوصيات فضله، و استعداد الموضوع و قابليته و هذا من القواعد العقلية المسلمة المعروفة، من أن الإفاضات لا بد أن تكون بقدر القابليات، و اللّه تعالى عليم بتلك القابليات لا يجهلها.
و الآية تدل على أن الفضل غير محدود بشي‏ء فلا يوصف بالقلة مطلقا فلا يلزم من إعطائه لأحد انزوائه و منعه عن آخر، أو يحتاج إلى التماس مرجح لقلته و عدم وفائه للمجموع، بل الحدّ انما يكون من ناحية الموضوع و المفضل عليه، فتستفيض الموضوعات بقدر الاستعدادات و هو عليم بها.
فتكون الآية ردّا على أقوالهم و أفعالهم الفاسدة من تخصيص النعمة و الفضل لأنفسهم حسدا و بغيا، كما أن الآية الشريفة ردّ واضح لمقالة اليهود التي حكاها عز و جل عنهم «قالوا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» المائدة- ٦٤.
قوله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ.
لمّا اثبت سبحانه أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، واسع في إيتاء الفضل، عليم بمواضعه. ذكر هنا أنه لم يمنعه أحد من ذلك، و لا شي‏ء يصرفه عن الرحمة بعباده فله أن يتصرف في ملكه بأي نحو أراد فيختص برحمته من يشاء منهم لعلمه بأهليته لها، و لكن ليس كل أحد من عباده يستحق الفضل منه عز و جل، فتكون الرحمة تحت إرادته و مشيته.
و إنما عدل سبحانه عن الفضل، و ذكر الرحمة هنا لبيان أن الأول من شعب رحمته، و أوسعيتها من الفضل، لقوله تعالى: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» الأعراف- ۱٥٦. و يمكن أن تكون الرحمة استحقاقية بخلاف الفضل فانه ليس كذلك مطلقا.
و إنما اطلق سبحانه الرحمة لتشمل كل ما يكون دخيلا في سعادة الإنسان دنيا و آخرة أو هما معا.
قوله تعالى: وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
تعليل لجميع ما تقدم، فان عظمة الفضل تستلزم أن يكون واسعا يشمل كل جهات الفضل، و كل من يريده عز و جل و تتعلق به مشيته و يعلم بأهليته لهذه المنحة الربانية فيختص برحمته من يشاء من عباده، و يعطيه ما هو اللائق بحاله. و الفضل هنا يشمل الرحمة أيضا.

تدل الآيات الشريفة على شدة الصراع بين الحق و الباطل، و كيد أهل الكتاب في اطفاء نور اللّه تعالى و ستر الحق، و قد توسلوا بجميع ما احتملوا تأثيره في إضلال المؤمنين و غوايتهم، و قد ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآيات أصول مكرهم، و بينها في مواضع أخرى من القرآن الكريم، و يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام:
الاول: كيدهم بالنسبة إلى أصل الإيمان و الحق، و يدل عليه قوله تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، و قوله تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ». و هما يدلان على أن كتمان الحق و تلبيسه بالباطل و الكفر بآيات اللّه هي من عادتهم، و قد بين سبحانه في مواضع متعددة من القرآن الكريم سبل هذه المكيدة و الخديعة.
الثاني: خديعتهم بالنسبة إلى أهل الايمان و المؤمنين، و يدل عليه قوله تعالى: «وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ»، و قوله تعالى: «وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ». و ذكرنا أن هذه الخديعة من أهم ما أرادوا بها التأثير على نفسية المؤمنين و تذليلها، و الشك في إيمانهم.
الثالث: مكرهم بالنسبة إلى الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و يدل عليه قوله تعالى: «وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ»، و يدل‏ عليه ايضا قوله تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ» أيضا، فقد كذبوا الآيات الباهرات التي دلت على صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و ما عرفوه من الدلائل على نبوته و رسالته و صدق دعواه التي وردت في كتبهم.
و قد واجه المسلمون أبّان الدعوة الاسلامية هذه المكائد و الخدع من الكافرين و عانوا منها أشد المعاناة و لا يزالون كذلك، إلا أنه تعالى أظهر كيدهم و خدعهم، و أمر المسلمين بالصبر و الاستقامة و الالتفاف حول الرسول الكريم و اتباعه، و في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ» كمال العناية بالمؤمنين، و فيه إيماء إلى انهم على هداية اللّه تعالى، و أمرهم بالتمسك بها و الاستقامة عليها.

في تفسير القمي عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ …» قال «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما قدم المدينة، و هو يصلي نحو بيت المقدس أعجب ذلك القوم فلما صرفه اللّه عن بيت المقدس الى بيت اللّه الحرام وجدت اليهود من ذلك، و كان صرف القبلة صلاة الظهر، فقالوا: صلى محمد الغداة و استقبل قبلتنا فآمنوا بالذي انزل على محمد وجه النهار و اكفروا آخره يعنون القبلة حين استقبل رسول اللّه المسجد الحرام».
أقول: يصح أن تحمل هذه الرواية على بيان بعض مصاديق عاداتهم لا الاختصاص، و أن مورد النزول لا يكون مخصصا للحكم‏ كما هو المعروف.
و في اسباب النزول للواحدي في قوله تعالى: «وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا …». قال الحسن و السدي: تواطأ إثنا عشر حبرا من يهود خيبر- و قرى عرينة- و قال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، و اكفروا به آخر النهار و قولوا: إنا نظرنا في كتبنا، و شاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك و ظهر لنا كذبه، و بطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم و قالوا: إنهم أهل الكتاب و هم أعلم به منا، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، و أخبر به نبيه محمدا (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين.
أقول: تقدم ما يتعلق بذلك آنفا.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"