1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 61 الى 63

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦۱) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦۲) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦۳) 


بعد ما سرد عز و جل جملة من قصص عيسى (عليه السلام) و ذكر ان مولده و ان كان على غرابة لكنه كان امرا عاديا بالنسبة إلى قدرة الخالق و مشيئته كما في خلق آدم (عليه السلام) و منحه النبوة و الكتاب و اقام الحجة عليه بما لا يدع مجالا الى الشك و الارتياب بأن عيسى عبد اللّه فلا مبرر لتأليهه و عبادته.
ما ذكره سبحانه و تعالى حق لا يرتاب فيه احد لأنه بيان الهي اشتمل على برهان قويم يقبله العقل السليم و يسطع نوره على كل القلوب فيدفع عنها الزيغ و الضلال و يستشعر السامع برد العلم و اليقين في قلبه فكانت تلك البيانات الإلهية قد أوجدت عند السامعين قوة الاحتجاج مع كل خصم بما لا يدع مجالا للارتياب.
امر سبحانه و تعالى في هذه الآيات الرسول الكريم (صلى اللّه عليه‏ و آله) و غيره ممن حصلت له قوة الاحتجاج و الكلمة الحاسمة الفاصلة بين الحق و الباطل و أحسّ ببرد اليقين في قلبه بالمباهلة- في دفع عناد المعاندين و إزهاق الدعاوى الباطلة غير المنصفة- قطعا للمعاذير و حسما لكل إصرار على الغي و الضلال، و ارشدهم إلى كيفية الاحتجاج و وعدهم النصر و الغلبة باذنه عز و جل.
و المباهلة من الأنبياء اظهار لاتصال نفوسهم القدسية بروح القدس و بيان لتأييداته تعالى لهم، و ارشاد الى انفعال عالم الشهادة و تأثره بعالم الغيب.
و المباهلة لا تصدر الا من النفوس الملكوتيّة و لذا كان لها التأثير الكبير على النفوس غير الكاملة و انفعالها بها كما انفعلت نفوس النصارى من نفس الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فتنازلوا عنها بعد قبولها لما استشعرت أنفسهم الخوف، و احجمت عنها و طلبت الموادعة و المعاهدة خوفا من اللعنة و ما يلحقهم من الوزر و الوبال كما نصحهم رهبانهم في ذلك الحين.

قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ.
تفريع على ما تقدم من بيان الحق في عيسى (عليه السلام) و الضمير في «فيه» يرجع إما الى عيسى (عليه السلام) الذي بين سبحانه و تعالى الأمر فيه بيانا شافيا بما لا يدع فيه الشك و الارتياب و قد اشتمل على البراهين الساطعة و الحجج القويمة. أو الى «الحق» المذكور في الآية السابقة الذي هو اقرب لفظا و يكون عبارة اخرى عن بيان اصل قصة عيسى (عليه السلام).
و المحاجة تبادل الاحتجاج و هي تستعمل في الحق و غيره كما حصلت‏ في المقام من النصارى في عيسى بن مريم (عليه السلام) زاعمين انه إله أو ابن اللّه باعتبار انه ولد من غير أب كما حكى اللّه تعالى عنهم في مواضع متعددة من القرآن الكريم قال عز و جل: «وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ» التوبة- 20 و قال تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»* المائدة- 72، و قال تعالى: «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» المائدة- ۱۱٦.
قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
تطييب لنفس الرسول (صلى اللّه عليه و آله) بانه على العلم المطابق للواقع و الحق اليقين، و وعد منه عز و جل بأنه ناصره و انه لا يخذله في المواطن، و ارشاد الى ان ما عنده من العلم هو الحق الذي لا ارتياب فيه و يقبله العقل السليم، فلا ينبغي التردد في المحاجة و المجادلة على الحق.
و المراد من العلم الأعم الحاصل من البرهان عن طريق الحس أو عن طريق العقل أو الوحي الالهي فان الجميع يتفق على ان المخلوق الممكن المربوب لا يمكن ان يكون إلها و ربا. و ان اللّه واحد لا شريك له و انه لم يلد و لم يولد.
قوله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ.
تعال: فعل امر يدل على طلب الإقبال من مكان مرتفع ثم استعمل في مطلق طلب المجي‏ء توسعا اي: اقبلوا بثبات و عزيمة.
و الخطاب للرسول (صلى اللّه عليه و آله) بالمحاجة لقطع كل عذر، و دفعا لكل ضلالة، و حسما لكل فساد. و التباهل الى اللّه عز و جل لمعرفة المحق من المبطل، و هو امر لا بد منه لحفظ الحق عن الضياع، و إتماما للحجة على العباد و صونا للمؤمن و مقامه في الحياة.
و الحاق الخزي و العار و الهلاك للمبطل و من هو على الغي و الضلال.
و المخاطب في «ندع» هو المتكلم مع الطرف الآخر ممن يراد المحاجة معه و هو في المقام النصارى اي: يدعو كل منا و منكم ابنائه و نساءه و نفسه.
و المباهلة و ان كانت بين الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و بين النصارى و لكن عممت ليشمل من ذكر في الآية الشريفة من الأبناء و النساء و الأنفس لأمور كثيرة أهمها:
أولا: ان للاجتماع خصوصية في الظفر على المطلوب و النيل بالمحبوب ليست هي في غيره و ان دعاء الجمع أقرب الى الاستجابة و لذا أمرنا اللّه تعالى في غالب الآيات المباركة الى الجمع في الدعاء قال تعالى: «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها» الأعراف- 180 و في السنة الشريفة الشي‏ء الكثير قال (صلى اللّه عليه و آله): «يد اللّه مع الجماعة».
و ثانيا: الأعلام بأن الحق إظهاره أعظم من كل ما يرتبط بالإنسان و انه لا غاية اشرف منه و ان كل شي‏ء هو دونه سواء كان النفس و الشرف و الأهل.
فالآية الشريفة ترشد الإنسان الى انه لا بد ان يكون سعيه و مقصده هو احقاق الحق و إظهاره و ان لا يثبطه في ذلك الأهل و العشيرة و الشرف بل يفدي كل ذلك دونه.
و ثالثا: بيان ان مورد المباهلة من الأمور النوعية و الاجتماعية فلا بد من الاجتماع فيه لإتمام الحجة و إيضاح المحجة.
و رابعا: اعتماد الداعي و الأعلام بانه على الحق و انه يقدم الأبناء و النساء و الأنفس للمباهلة و يخاطر بهم في العذاب و يشركهم في الدعاء على الكاذبين لينقطع دابرهم و يبطل مزاعم المبطلين و يظهر إبطالهم.
و خامسا: الأعلام بأن الداعي مطمئن باستجابة الدعاء و صدق دعواه و يقدم من هو اقرب الناس اليه و يذب عنهم في الشدائد و الأهوال و يظهر الشفقة عليهم و المحبة بهم و يتحمل الصعاب دونهم و مع ذلك فهو يخاطر بهم في شمول العذاب لهم و ليس ذلك الا لكون الداعي على يقين باستجابة دعائه.
و سادسا: الإشارة الى انهم على عظيم من الشرف و الكمال و انهم اقرب الناس الى الرسول العظيم (صلى اللّه عليه و آله) و ان دعاؤهم لا يرد و لهم منزلة عظيمة عند اللّه تبارك و تعالى و لذا أمر سبحانه و تعالى رسوله باشراكهم في الدعاء و المباهلة معهم.
و سابعا: الأعلام بأن المباهلة و ان كانت محاجة بين طرفين إلا انه لا بد ان تكون باشراف من اللّه تعالى على الجميع و لا يعقل ان تكون الرعاية الإلهية لكل فرد في هذا الأمر العظيم، و تشمل كل من لا يكون مرضيا لديه عز و جل.
و المراد من الأبناء هم أولاد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) الذكور المنحصرون في الحسن و الحسين (عليهما السلام) حين نزول الآية الشريفة.
و الآية المباركة ليست في مقام تكثير الإفراد في الأبناء و النساء و الأنفس و انه لا بد من تحقق ذلك الجمع خارجا كما هو الشائع بين الناس، بل هي ظاهرة في مقابلة الجمع بالجمع سواء كان كل جمع مشتملا على الكثرة أولا، مع انه من مجرد الإنشاء و الأمر بالمباهلة و هما لا يستلزمان كون المصداق الخارجي ايضا متحققا في الجمع و الكثرة بل المقصود هو الحكم و الإنشاء و الأمر فقط سواء كان مصداقه واحدا أو متعددا و مثل هذا كثير في الاستعمالات القرآنية و غيرها قال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» البقرة- 219 و قال تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» آل عمران- 173.
و بعبارة اخرى: مصداق النزول و التنزيل لا يكون مقيدا لأصل الحكم و هذا ظاهر.
يضاف الى ذلك ان إتيان لفظ الجمع من الأدب المحاوري الذي يلاحظه القرآن الكريم و هو دائر في المحاورات الفصيحة.
قوله تعالى: وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ.
النساء جمع لا واحد له من لفظه و مفردة المرأة، و لفظ النساء يشمل المرأة التي تنسب الى الشخص بسبب أو نسب كالزوجة و الام و الاخت و البنت و قد ورد استعماله في جميع تلك الموارد في القرآن الكريم قال تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» البقرة- 223 و قال تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» النساء- 11 و المراد بهن الأخوات و قال تعالى: «وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ» النساء- 7 و المراد بهن البنات و المتقين منهن في المباهلة فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) بالإجماع و نصوص متواترة كما سيأتي نقلها.
قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ.
الأنفس جمع النفس و هي تطلق تارة و يراد بها الروح قال تعالى: «وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ» الانعام- 93 و اخرى: يراد بها الذات و الشخص و هو المراد بها في المقام، و تقدم في قوله تعالى: «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» آل عمران- 28 بعض الكلام.
و المقصود بها نفس الرسول (صلى اللّه عليه و آله) القائم بالدعوة إلى اللّه تعالى و من هو بمنزلته في العلم و العمل و القضاء بالحق و هو منحصر في علي (عليه السلام) نصوصا و اجماعا.
و قيل: انه لا يمكن دخول الرسول (صلى اللّه عليه و آله) في الآية الشريفة لان الداعي لا بد ان يكون غير المدعو و لا يصح دعوة الشخص نفسه.
و يرد عليه: انه لم يقم دليل على بطلان دعوة الشخص نفسه بل الأمر يدور مدار الغرض الصحيح، و قد ورد في الفصيح ذلك يقال: آليت على نفسي ان لا افعل كذا و نحو ذلك مما هو كثير. مضافا الى ان دخول النبي (صلى اللّه عليه و آله) الذي له مقام الجمع في الجمع و بمنزلة الكل ينفي أصل هذا الأشكال.
على ان دخول الرسول (صلى اللّه عليه و آله) انما هو لأجل اثبات منزلة علي (عليه السلام) و الأعلام بأن وجوده (عليه السلام) بمنزلة وجوده (صلى اللّه عليه و آله) في العلم و العمل و الخصال الحميدة.
و في إتيان النساء و الأنفس جمعا ما تقدم ذكره من ان المراد هو وقوع هذا الجمع مقابل الجمع سواء تعددت الإفراد أم لا.
قوله تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ.
مادة (بهل) تدل على شدة الاجتهاد و الاسترسال في الأمر المطلوب قال لبيد: في قروم سادة من قومه نظر الدهر إليهم فابتهل‏ اي فاجتهد في إهلاكهم. و قد استعمل في الاجتهاد في الدعاء سواء كان لعنا أو غيره، و نبتهل افتعال بمعنى المفاعلة اي يدعو بعضنا على بعض، و يختص هذا الدعاء في المقام باللعنة بقرينة ما يأتي.
قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
بيان للابتهال. و المراد من اللعنة النكال و العذاب مطلقا و منه البعد عن رحمته تعالى و توفيقاته، كما ان المراد بالكاذبين هم الذين كذبوا و افتعلوا الباطل في شأن عيسى (عليه السلام) فيكون اللام للعهد اي: الكاذبين من احد طرفي المباهلة الواقعة بين الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و بين النصارى و يستفاد من ذلك ان احد الطرفين كان كاذبا و الآخر كان صادقا، و قد ذكرنا ان الآية الشريفة تجعل هذا الجمع مقابل الجمع فتكون الإفراد في كل طرف شركاء في الدعوى فلو كان أحد الجمعين كاذبا كان الإفراد يشتركون فيه و يلزمه اشتراك الإفراد في الجمع الآخر في الصدق، و في ذلك فضل عظيم لمن اشترك في دعوة الرسول (صلى اللّه عليه و آله).
و في إتيان الكاذبين جمعا الدلالة على ان في كل طرف افرادا متصفين بالدعوى سواء كانت صادقة أم كاذبة و هذا بخلاف ما ذكرنا في الأبناء و النساء و الأنفس حيث انه لا يعتبر تعددا في كل عنوان، إذ المنساق هو جعل هذا الجمع مقابل الجمع سواء تعددت الإفراد أم لا.
قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ.
إشارة إلى ما قصه اللّه تعالى في امر عيسى (عليه السلام) من ولادته إلى حين رفعه من عالم الأرض، و القصص جمع القصة و هي مجموعة من المعاني يتابع بعضها بعضا من يقص فلان اثره اي يتبع اثره و منه قوله تعالى: «وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ» القصص- 11 و قال تعالى: «فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً» الكهف- ٦٤.
و في تأكيد الجملة ب إن و اللام و ضمير المنفصل دلالة على ان هذا هو الحق فقط دون غيره مما تدعيه النصارى في عيسى بن مريم (عليه السلام) الذي هو خلاف الحق، و تطييب لنفس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اعلامه بانه على الحق و اليقين و تشجيعه على المباهلة و المحاجة مع المبطلين.
قوله تعالى: وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ.
حصر الألوهية في اللّه تبارك و تعالى، و ابطال لما ادعاه النصارى من التثليث و الحلول في عيسى ابن مريم (عليهما السلام). و الجملة كالنتيجة للآيات الشريفة المتقدمة.
قوله تعالى: وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
تطييب لنفس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بانه عز و جل ناصره و انه لا يخذله في نصرة الحق فهو الذي لا يعجزه شي‏ء، الحكيم في أفعاله و تقديره و تدبيره في خلقه فليس احد يضاهيه في عزته و حكمته و لا يساويه في ألوهيته و جميع ما سواه مخلوق و مربوب له فما قاله الخصماء اوهام باطلة.
و الجملة تفيد قصر الألوهية في اللّه عز و جل و تنفي ما سواه مما يدعيه المشركون، فالآيتان تفيدان القصر و الحصر و ان أحدهما تفيد توحيد الذات و تنفي الشرك في العبودية و في مقام الذات. و الثانية تفيد توحيد الأفعال، و تنفي التشريك في الفعل.
قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.
اي: فان تولوا عن اظهار الحق و الاعتقاد به فان اللّه تعالى عليم بفسادهم و يقضي بالحق و هو الذي يجزيهم جزاء التولي عن الحق.
و لما كانت المباهلة طريقا لإظهار الحق و ابطال الباطل فيكون التولي‏ عنها توليا عن الحق و إظهاره و اعراضا عن السعادة و يكون البقاء على اهوائهم الباطلة و افكارهم المزيفة فسادا و اللّه عليم بأنهم مفسدون لا يريدون الا الفساد و الشقاء، و لا فساد أعظم من البقاء على الباطل و ترويجه و إفساد عقائد الناس و اضلالهم و الاعراض عن التوحيد و الحق و ليس ذلك إلا إفسادا للفطرة و جلب الشقاء للناس و ان اللّه تعالى عليم يجزيهم جزاؤهم الذي يستحقونه.
و يستفاد من قوله تعالى: «عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» ان اللّه تبارك و تعالى عليم بأنهم يعرضون عن المباهلة لان الفساد استولى عليهم فلا يذعنون للحق، و قد تحقق ذلك منهم و صدق ما أخبره اللّه تعالى.

تدل الآيات الشريفة على امور:

الاول:

يدل قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» ان ما اوحي إلى الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) هو العلم المطابق للواقع الذي يلزم قبوله و ان غيره من مجرد الظن و هو لا يغنى من الحق شيئا.

و يستفاد منه أيضا ان ما مع الرسول الكريم يشتمل على البرهان الساطع الذي لا يشك فيه احد، و لعل ارتداع النصارى عن المباهلة لأجل اقتناعهم بذلك.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» ان‏ الذي جاء مع الرسول (صلى اللّه عليه و آله) هو الحق المطابق للعقل السليم الذي يتقبله كل فرد فلا فرق حينئذ بين ان يكون مع الرسول أو مع غيره.

و بعبارة اخرى: ان المورد لا يكون مورد تعبد شرعي مختص به فان ما انزل اللّه تعالى عليه هو من الاحكام المستقلة العقلية التي يقبله الطبع المستقيم فيكون مع كل احد و ان الرسول الكريم هو واسطة الفيض.

الثالث:

ذكرنا ان إتيان هيئة الجمع في قوله تعالى: «أَبْناءَنا- و نِساءَنا- و أَنْفُسَنا» لا تدل على لزوم تعدد الإفراد في كل عنوان من العناوين الواردة في الآية الشريفة بل المقصود هو جعل هذا الجمع مقابل ذلك الجمع و ان القضية ليست من قبيل القضايا الخارجية التي يطلب فيها وجود الإفراد و تعددها بل هي من قبيل القضايا الحقيقية سواء تعددت الإفراد أولا و قد ذكرنا الوجه في إدراج الأبناء و النساء مع شخص الرسول الأمين (صلى اللّه عليه و آله) مع ان المباهلة انما كانت بينه و بين النصارى.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» على ان اللعنة موجودة و مقررة و امر مفروغ عنه لان بها يمتاز الحق عن الباطل و لذا كانت دعوة طلبها غير مردودة فالتعبير ب (نجعل) كان ادل على المطلوب من غيره.

الخامس:

تدل آية المباهلة على الفضل العظيم و المنزلة الكبرى، و المنقبة العظمى لأهل بيت النبي (صلى اللّه عليه و آله) من وجوه عديدة:

منها: اختصاصهم باسم النفس و النساء و الأبناء للرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) دون سائر الامة رجالا و نساء و أبناء.

و منها: دلالة الآية الشريفة على ان مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) شركاء معه في الدعوة و الدعاء و الصدق مقابل الطرف الآخر الذين وصفوا بالكذب كما عرفت في التفسير.

و منها: ان الدعوى لما كانت مختصة بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و قائمة به و قد عرض نفسه الأقدس للبلاء و اللعن و الطرد و العذاب على تقدير الكذب و لا يتعدى إلى غيره لو لم يكن معه شخص و لكن إتيانه (صلى اللّه عليه و آله) بمن كان معه يدل على انهم في المنزلة كنفسه الشريفة و انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء و النساء و الأنفس بمن أتى بهم، و غير ذلك من الوجوه المستفادة من لحن الآية الشريفة و سياقها الدالين على فضل اهل البيت و منزلتهم.

و نوقش في الاستدلال على ذلك بوجوه:

الاول: ان إحضار الرسول (صلى اللّه عليه و آله) بمن أحضرهم انما كان على سبيل الا نموذج لان جميع الامة من غير اختصاص بأحد تعتقد بأن اللّه واحد لا شريك له و ان عيسى بن مريم (عليه السلام) عبده و رسوله في مقابل النصارى الذين يعتقدون بخلاف ذلك فكانت المقابلة بين دعويين بلا فرق بين رجال كل طرف و أبنائهم و نسائهم فان الجميع في ذلك سواء، فلا يكون لمن أحضره الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فضل على غيره.

و فيه: أولا: ان الأمر لو كان كذلك لكان في إحضار رجل واحد أو امرأة واحدة أو غيرهما الكفاية، و لم يحتج الى إحضار رجل و امرأة و ابنين إلا لأن فيهم سرا الهيا لم يكن في غيرهم.

و ثانيا: ان الدعوة في عيسى بن مريم كانت قائمة بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) كما يستفاد من الآيات السابقة و أما سائر الامة الذين اتبعوه فلم يكن للنصارى الذين وفدوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بهم ارتباط و نسبة فيكون إتيان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأهل بيته ليس الا انهم كانوا مشتركين في الدعوة و الدعاء.

الثاني: ان الآية المباركة لا تدل على اكثر من ان إتيان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأهل بيته في المباهلة كان لأجل وثوقه بالسلامة و العافية و استجابة دعائه و اما انهم كانوا شركاء في الدعوة و غيرها فهي بمعزل عن ذلك.

و فيه: ان الآية الشريفة بمجموعها- كما عرفت- تدل على ان كل طرف من طرفي الدعوة في المباهلة شركاء في الدعوة و هي إما صادقة أو كاذبة و لذا احجمت صاحبة الدعوة الكاذبة عن المباهلة لما علمت صدق الطرف الآخر.

الثالث: ان الأمر لو كان كذلك- و كانت الآية المباركة تدل على فضلهم و كرامتهم- لاشتركوا مع الرسول في النبوة لان الدعوة التي كانت مختصة به انما كانت كذلك لان اللّه اوحى اليه.

و فيه ان الاشتراك في الدعوة لا يستلزم اشتراكهم في النبوة فإنها غير الدعوة بل هي من شئونها و لوازمها.

الرابع: ان الآية الشريفة تأمر الرسول (صلى اللّه عليه و آله) ان يدعو المحاجين و المجادلين في عيسى من اهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا و نساء و أطفالا، و يجمع هو المؤمنين رجالا و نساء و أطفالا و يبتهلوا إلى اللّه تعالى بأن يلعن الكاذب، و لا تدل الآية الشريفة على اجتماع الفريقين في مكان واحد بحيث يشتمل على النساء و الأولاد و الأنفس مع ان الآية المباركة نزلت في النصارى و لم يكن معهم نساؤهم و لا أولادهم.

و فيه: ان ما ذكر خلاف ظاهر الآية الشريفة فإنها تدل على دعوة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى اجتماع المتخاصمين و المجادلين من الفريقين إلى المباهلة مع الأولاد و النساء و الأنفس فكأنه قد جمع اهل بيته مع وفد النصارى الموجودين حين الابتهال و اما ان النصارى لم يكن معهم الأولاد و النساء فهذا مطلب آخر و قد ذكرنا ان المفهوم من الآية المباركة شي‏ء و المصداق شي‏ء و الخلط بينهما أوجب الالتباس.

السادس:

ذكرنا ان الآيات الشريفة و الاستعمال الفصيح يدلان على صحة استعمال النساء في البنات، و لكن استبعد بعض المفسرين ذلك و ذكر في معرض كلامه: «ان كلمة نسائنا لا يقولها العربي و يريد بها بنته لا سيما إذا كان له ازواج و لا يفهم هذا من لغتهم».

و المناقشة في ما ذكره واضحة بعد الاحاطة بما ذكرناه في تفسير الآية الشريفة و الشواهد القرآنية و الشعر العربي الفصيح تدلان على صحة استعمال الكلمة في البنات و لم يستشكل احد من فرسان البلاغة و الفصاحة على القرآن الكريم في استعماله هذا لا سيما إذا كان قصد المتكلم الاحتشام من التصريح بابنته، مع ان الروايات الكثيرة المتواترة التي تدل على ان المراد من النساء ابنته (صلى اللّه عليه و آله) فاطمة الزهراء (عليه السلام) كافية في رده. و أحسب ان الأمر أوضح من ان يخفى إلا ان يراد عدم صحة استعمال الجمع في الواحد. و لكنه مردود بما ذكرناه من ان الآية المباركة تدل على استعمال الجمع مقابل الجمع من دون النظر إلى الإفراد. و الاشتباه انما حصل من خلط المفهوم بالمصداق.

السابع:

انما ذكر سبحانه و تعالى النساء مع ان بناء القرآن على الكناية عنهن و التحفظ عليهن مهما أمكن لأمور:

منها: الأعلام باشتراك النساء في امور الدين اصولا و فروعا إلا ما خرج بالدليل.

و منها: الاهتمام بالدين و الاعتناء بشريعة سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله).

و منها: جعلهن في سياق المتدينين بتعلمهن الأعمال الصالحة و تلبسهن بالمعارف الحقة. و غير ذلك من المصالح.

الثامن:

انما أخر سبحانه و تعالى «أنفسنا» و ذكرها بعد تفدية الأبناء و النساء لبيان اهمية المباهلة و التفدية للّه جلت عظمته لإثبات الحق و إظهاره بتفدية جميع العلائق حتى علاقة الأهل.

التاسع:

ان كلمة «أنفسنا» تدل على شمولها لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) تنزيلا له منزلة نفس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا لأجل ان الداعي لا بد ان يكون غير المدعو كما ذكره بعض المفسرين بل لان وجود علي (عليه السلام) في الأثر و المزايا و الفضيلة و الصفات بمنزلة وجود رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا سيما إذا كان التنزيل بأمر من اللّه تعالى و لم يوجد احد غير علي (عليه السلام) يكون واجدا لتلك المزايا التي تؤهله لهذه المنحة الإلهية و يكون كنفس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا يمكن ان يكون احد نفس شخص آخر إلا إذا كان مشتملا على مزايا كبيرة يكون ثانيا في مزاياه أو الوجود المكرر له في الخصال و نحوها.

و يستفاد من الآية المباركة المنزلة الجليلة و المنقبة العظمى لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، و هذا ما يستفاد من سيرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالنسبة إلى علي (عليه السلام) في مواطن كثيرة تكون مبنية لمعنى «أنفسنا» في هذه الآية المباركة و مع ذلك‏ فقد أشكل على دلالة الآية الشريفة بوجوه:

الاول: ان المراد بالأنفس في الآية المباركة من يتصل بالقرابة و القومية و استشهد لذلك بقوله تعالى: «فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» البقرة- ٥٤ و قوله تعالى: «وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ» البقرة- ۸٤ و قوله تعالى: «هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ» البقرة- ۸٥.

و فيه: ان اطلاق الأنفس باعتبار رابطة القرابة و القومية صحيح و لا بأس به و لكن هذا الاستعمال في الآية الشريفة بعيد فان جعل الأنفس مقابل الأقرباء مثل النساء و الأبناء لا يراد منها إلا المعنى الحقيقي الواقعي و الادعائي التنزيلي و نظير ذلك في القرآن كثير قال تعالى: «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ»* الشورى- ٤٥ و قال تعالى: «قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً» التحريم- ٦.

الثاني: إن المراد من النفس القريب و قد عبر عن علي (عليه السلام) بالنفس لما كان له (ع) اتصال بالنبي (صلى اللّه عليه و آله) في النسب و المصاهرة و اتحاد في الدين.

و فيه: ان التنظير لو كان في القرابة فقط لما كان في علي (عليه السلام) خصوصية فان العباس عم الرسول و أولاده و بني هاشم كانوا من قرابته (صلى اللّه عليه و آله) و من المسلمين و المهاجرين.

مع انا ذكرنا انه ليس المراد من هذه الكلمة على (عليه السلام) بل المراد انه بمنزلة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و لذا لم يأت في مقام الامتثال غير علي (عليه السلام) و انه المصداق الوحيد لأنفسنا فلعل الاشتباه نشأ من الخلط بين المفهوم و المصداق.

الثالث: انه لو كانت الآية الشريفة دالة على المساواة بين علي (عليه السلام) و بين النبي (صلى اللّه عليه و آله) لزم كون علي (عليه السلام) نبيا. و انه أفضل من الأنبياء و المرسلين (عليه السلام).

و فيه: انه لا ملازمة بين كون علي (عليه السلام) نفس الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و بين مشاركته في النبوة، و قد تقدم ما يتعلق بذلك، و اما افضلية علي (عليه السلام) من الأنبياء و المرسلين فهي ثابتة مستفادة من قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» البقرة- 124 و ادلة اخرى تقدم بعضها و يأتي بعضها الاخرى.

العاشر:

الآية الشريفة تدل على صحة نبوة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بل هي من أجلاها و قد اعترف الخصم بها باباءهم عن المباهلة لما دعاهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إليها و أحجموا عنها و رضوا بالجزية.

الحادي عشر:

يدل قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ» على الحد الفاصل في كل من دعوى الألوهية و دعوى الشرك أو الحلول فانه قصر الألوهية في اللّه عز و جل المستجمع لجميع صفات الكمال و الجلال و قد وردت هذه الجملة الشريفة في نفي التثليث في قوله تعالى: «وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» النساء- 171 و في قوله تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ» المائدة- 73 و يحمل على المعنى الأعم من نفي الشرك في الذات أو المعبودية أو الصفات حملا لظاهر اللفظ على إطلاقه، و حينئذ لا فرق بين ان يكون القصر قصر افراد أو غيره.

الثاني عشر:

يدل قوله تعالى: «الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» على وجه انحصار الألوهية فيه عز و جل و لعله في خلق عيسى (عليه السلام) من غير أب فهو الحكيم المتقن في صنعه العليم بما فعله، العزيز الذي لا يمنعه احد و لا يغلبه فهو الإله الذي لا نظير له و ليس كمثله شي‏ء.

الثالث عشر:

يدل قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» على ان كل من امتنع عن قبول الحق فهو من المفسدين و اللّه تعالى عليم بحالهم و يجزيهم في الحال و المآل.

اتفقت الروايات المتواترة على ان آية المباهلة نزلت في وفد نصارى نجران الذين هم من اشرافهم و فيهم السيد و العاقب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في المدينة المنورة في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة و مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اهل بيته و هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم الصلاة و السلام) و قد روي خبر المباهلة عن اكثر من خمسين طريقا من الصحابة مذكورة في كتب أحاديث الجمهور و غيرهم.
ففي تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام): ان نصارى نجران لما وفدوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و كان سيدهم الأهتم، و العاقب، و السيد … إلى ان قال: فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فباهلوني فان كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم و ان كنت كاذبا أنزلت عليّ. فقالوا: أنصفت فتواعدوا للمباهلة فلما رجعوا إلى منازلهم قال: رؤساؤهم السيد و الأهتم: ان باهلنا بقومه باهلناه فانه ليس نبيا، و ان باهلنا باهل بيته خاصة لم نباهله فانه لا يقدم إلى اهل بيته إلا و هو صادق فلما أصبحوا جاءوا إلى رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و آله) و معه أمير المؤمنين (عليه السلام) و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فقال النصارى من هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمه و وصيه و ختنه علي بن أبي طالب و هذا ابنته فاطمة و هذا ابناه الحسن و الحسين فتفرقوا فقالوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة فصالحهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على الجزية و انصرفوا».
أقول: دلالة هذا الحديث على فضل اهل البيت مما لا ينكر.
و في تفسير العياشي باسناده عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن فضائله فذكر بعضها، ثم قالوا له زدنا فقال: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أتاه حبران من احبار النصارى من اهل نجران فتكلما في امر عيسى (عليه السلام) فانزل اللّه هذه الآية: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأخذ بيد علي و الحسن و الحسين و فاطمة (عليهم السلام) ثم خرج و رفع كفه إلى السماء و فرّج بين أصابعه و دعاهم إلى المباهلة قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام) و كذلك المباهلة يشبك يده في يده يرفعهما إلى السماء فلما رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: و اللّه لئن كان نبيا لنهلكن و ان كان غير نبي كفانا قومه فكفا و انصرفا».
أقول: تقدم في بحث الدعاء انه على اقسام منها التبهل كما ورد في هذه الرواية.
و في العيون باسناده إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث له مع الرشيد قال له الرشيد. كيف قلتم إنا ذرية النبي (صلى اللّه عليه و آله) و النبي لم يعقب و انما العقب للذكر لا للأنثى و أنتم ولد البنت و لا يكون له عقب فقلت له: اسأله بحق القرابة و القبر و من فيه إلا ما اعفاني عن هذه المسألة فقال: تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي و أنت يا موسى يعسوبهم و امام زمانهم، كذا أنهي الي، و لست أعفيك في كل ما اسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب اللّه، و أنتم تدعون معشر ولد علي على انه لا يسقط عنكم منه شي‏ء لا ألف و لا واو إلا تأويله عندكم و احتججتم بقوله عز و جل: «ما فرضنا في الكتاب من شي‏ء» و قد استغنيتم عن رأي العلماء و قياسهم فقلت تأذن لي في الجواب؟ فقال: هات قلت أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس له أب فقلت: إنما الحقه بذراري الأنبياء من طريق مريم، و كذلك الحقنا اللّه تعالى بذراري النبي من أمنا فاطمة، أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال هات قلت قول اللّه عز و جل: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا و أبنائكم و نسائنا و نسائكم و أنفسنا و انفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين. و لم يدع احد انه ادخل النبي (صلى اللّه عليه و آله) تحت الكساء عند المباهلة مع النصارى إلا علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فكان تأويل قوله أبنائنا الحسن و الحسين و نسائنا فاطمة و أنفسنا علي بن أبي طالب».
أقول: تقدم ما يتعلق بهذه الرواية في التفسير.
و في سؤالات المأمون عن الرضا (عليه السلام) قال المأمون: «ما الدليل على خلافة جدك علي بن أبى طالب؟ قال (عليه السلام) آية أنفسنا قال: لو لا نسائنا قال: لو لا أبنائنا».
أقول: هذا اشكال و جواب بالمعارضة فان قوله (عليه السلام) «آية أنفسنا» يعني جعل نفس علي (عليه السلام) بمنزلة نفسه (صلى اللّه عليه و آله) و قول المأمون «لو لا نسائنا» فإنها صريحة في الاختلاف فتكون كذلك أنفسنا فأجاب (عليه السلام): «لو لا أبنائنا» فنزل أبناء على منزلة أبناء نفسه (صلى اللّه عليه و آله) و هكذا يكون في علي (عليه السلام).
و اخرج حديث المباهلة الشيخ المفيد في اختصاصه باسناده عن محمد بن الزبرقاني عن موسى بن جعفر (عليه السلام) و رواه أيضا محمد بن المنكدر عن أبيه عن جده.
و أخرجه الشيخ في اماليه باسناده عن عامر بن سعد عن أبيه و باسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق (عليه السلام)، و باسناده عن ربيعة بن ناجد عن علي (عليه السلام) و رواه عن أبى ذر ان عليا احتج بذلك يوم الشورى.
و رواه العياشي في تفسيره عن محمد بن سعيد الاردني عن موسى بن الرضا عن أخيه (عليه السلام)، و رواه أيضا عن أبى جعفر الأحول عن الصادق (عليه السلام) و رواه أيضا عن المنذر عن علي (عليه السلام) و رواه أيضا باسناده عن عامر بن سعد.
و رواه في روضة الواعظين و اعلام الورى و الخرائج، و الفرات في تفسيره معنعنا عن أبى جعفر (عليه السلام) و أبى رافع، و الشعبي و علي (عليه السلام) و شهر بن حوشب.
اما عن طريق الجمهور فقد روى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبى و قاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبى سفيان سعدا فقال: ما يمنعك ان تسب أبا تراب؟ قال اما ما ذكرت ثلاثا قالهن‏ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلن اسبه، لان يكون لي واحد منهن أحب الي من حمر النعم، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: أما ترضى ان تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي؟
و سمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليا فأتى به ارمد العين فبصق في عينيه و دفع الراية اليه ففتح اللّه على يده.
و لما نزلت هذه الآية: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ» دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا فقال: اللهم هؤلاء اهل بيتي».
و روى مثله الترمذي، و الحاكم، و ابن المنذر، و البيهقي عن سعد أيضا و الحمويني في فرائد السمطين و أبو المؤيد الموفق بن احمد في كتاب فضائل علي.
أقول: أمثال هذه الروايات عن طرقهم كثيرة.
و في حيلة الأولياء لأبي نعيم باسناده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «لما نزلت هذه الآية دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا فقال: اللهم هؤلاء اهل بيتي».
أقول: تبين هذه الرواية معنى آية المباهلة.
و في تفسير الثعلبي عن مجاهد و الكلبي: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما دعاهم إلى المباهلة قالوا نرجع و ننظر فلما تخالوا للعاقب- و كان ذا رأيهم- قالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال و اللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل و لقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، و اللّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم و لئن فعلتم لتهلكن فان أبيتم الا ألف دينكم و الاقامة على ما أنتم‏ عليه فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم فاتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قد غدا محتضنا بالحسين آخذا بيد الحسن و فاطمة تمشي خلفه و علي خلفها و هو يقول: إذا انا دعوت فأمّنوا فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه ان يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا ان لا نباهلك و ان نقرك على دينك و نثبت على ديننا قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم فأبوا قال: فأني أناجزكم فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقة و لكن نصالحك على ان لا تغزونا و لا تخيفنا و لا تردنا عن ديننا على ان نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر و ألف في رجب و ثلاثين درعا من حديد فصالحهم على ذلك و قال (صلى اللّه عليه و آله): و الذي نفسي بيده ان الهلاك قد تدلى على اهل نجران و لو لاعنوا لمسخوا قردة و خنازير و لاضطرم عليهم الوادي نارا، و لاستأصل اللّه نجران و اهله حتى الطير على رؤوس الشجر و لما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا».
و روى قريبا منه في المغازي عن أبى إسحاق، و المالكي في الفصول المهمة، و الحموي عن ابن جريح.
أقول: ان صفر في السنة العربية القديمة كان يشمل فترة من الزمن تتضمن شهرين أحدهما المحرم و كان يسمى بالصفر الاول أيضا.
و في حلية الأولياء لأبى نعيم باسناده عن الشعبي عن جابر قال: «قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) العاقب و الطيب فدعاهما إلى الإسلام فقالا: اسلمنا يا محمد، فقال كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام فقالا: فهات إلينا قال: حب الصليب و شرب‏ الخمر، و أكل لحم الخنزير قال جابر فدعاهما إلى المباهلة فواعداه إلى ان يأتياه بالغداة، فغدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أخذ بيد علي و الحسن و الحسين و فاطمة فأرسل إليهما فأبيا ان يجيباه و اقرا له فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر عليهم الوادي نارا فقال جابر: فيهم نزلت «ندع أبنائنا و أبنائكم» قال جابر: أنفسنا و انفسكم رسول اللّه و علي و أبنائنا الحسن و الحسين و نسائنا فاطمة.
و رواه ابن المغازلي في مناقبه عن الشعبي عن جابر و الحمويني في فرائد السمطين عن جابر أيضا، و رواه المالكي في الفصول المهمة مرسلا عنه و عن أبي داود الطيالسي عن شعبة الشعبي مرسلا أيضا.
و في الدر المنثور عن الحاكم و صححه، و عن ابن مردويه و أبى نعيم في الدلائل عن جابر.
و في الدر المنثور اخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كتب إلى اهل نجران قبل ان ينزل عليه طسم سليمان: بسم اللّه اله ابراهيم و اسحق و يعقوب اما بعد فاني أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد و أدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد فان أبيتم فالجزية و ان أبيتم فقد آذنتكم بالحرب و السلام. فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به و ذعر ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من اهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة فدفع اليه كتاب النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقرأه فقال له الأسقف ما رأيك؟ فقال شرحبيل قد علمت ما وعد اللّه ابراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن ان يكون هذا الرجل ليس لي في النبوة رأي، و لو كان رأي من امر الدنيا أشرت عليك‏ فيه أو جهدت لك، فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من اهل نجران فكلمهم قالوا مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على ان يبعثوا شرحبيل بن وداعة و عبد اللّه بن شرحبيل و جبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فانطلق الوفد حتى أتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فسألهم و سألوه فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ما عندي فيه شي‏ء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال في عيسى صبح الغد فانزل اللّه تعالى هذه الآية «ان مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب إلى قوله تعالى- فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين» فأبوا ان يقروا بذلك فلما أصبح رسول اللّه الغد بعد ما أخبرهم الخبر اقبل مشتملا على الحسن و الحسين في خميلة له و فاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة و له يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبه اني ارى امرا مقبلا ان كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر و لا ظفر إلا هلك فقالا له. أنت و ذلك، فتلقى شرحبيل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: اني رأيت خيرا من ملاعنتك قال و ما هو؟ قال: حكمك اليوم إلى الليل و ليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز، فرجع رسول اللّه (ص) و لم يلاعنهم و صالحهم على الجزية».
أقول: الحديث لم يتعرض لذكر علي (عليه السلام) لأجل الاكتفاء بذكر الأبناء و الزوجة عن ذكر الزوج أو لأجل معلومية كونه فيهم.
و الذي يتحصل مما تقدم ان المستفاد من جميع الروايات التي رواها الجمهور و الخاصة ان القدر المشترك بينها هو ان رسول اللّه (صلى اللّه‏ عليه و آله) دعا عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) ليباهل بهم نصارى نجران و هذا القدر هو المتواتر بينهم إلا ان بعض المفسرين ناقش في تلك الروايات فقال: «انها متفقة على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) اختار للمباهلة عليا و فاطمة و ولديهما، و يحملون كلمة نسائنا على فاطمة، و كلمة أنفسنا على علي فقط. و مصادر هذه الروايات الشيعة، و مقصدهم منها معروف و قد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من اهل السنة». ثم ذكر بعض الإيرادات و قد ذكرنا جملة منها و أجبنا عنها.
و أنت بعد ما ذكرنا شطرا من الروايات التي نقلت عن طرق الجمهور يتضح لك فساد ما ذكره فإنها بلغت مبلغا لا يمكن إنكارها و قد ذكرها بعض ارباب الصحاح كمسلم و الترمذي في صحيحيهما و بعض اهل التاريخ كالطبري و ابو الفداء و ابن كثير و جمع غفير من المفسرين و اهل الحديث و قد نقلوا جميعا تلك الأحاديث عن الصحابة أمثال سعد بن أبى و قاص و جابر بن عبد اللّه و عبد اللّه بن عباس و عليا اليشكري وجد سلمة و غيرهم من الصحابة و كثير من التابعين أمثال الشعبي، و الحسن، و السدي، و الكلبي، و مقاتل، و ابن صالح، فهل هؤلاء كانوا من الشيعة و أرادوا ترويج مذهبهم؟!! أو انهم دسوها في كتب السنة و هل هذه التهمة كانت مختصة بهذه الأحاديث أو تسري في كثير من السنة؟!! إذن لا يبقى اعتماد عليها فتبطل و لا تكون حجة، و لا يبقى للدين أساس و هذا ما لا يرتضيه احد.

ذكرنا أن المباهلة نوع من الدعاء و الابتهال و التضرع و التبتل إلى اللّه تعالى لإثبات حق علم به و هي عادة جارية بين الناس في جميع الملل و الأقوام ممن يعتقد بوجود عالم الغيب وراء هذا العالم المادي فتكون نظير صلاة الاستسقاء أو الاستخارة و نحوهما.
و المستفاد من الآيات الشريفة و ما ورد في شأنها من السنة المقدسة انها تتقوم بأمرين:
الاول: ثبوت حق علم بانه حق قد سبق الأعلام به بالحجة و البيان و بعد اليأس عن الفائدة فيهما يرجع بالدعاء و اللعان و اللجوء إلى الأمر الغيبي الذي يعترف به الخصمان و هذا يدل عليه قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ» اي في الحق المعلوم.
الثاني: وجود الرابط بين عالم الغيب و عالم المادة إما في شخص الرسول أو من يقوم مقامه علما و عملا أو حالة الانكسار و الخضوع و التضرع التي تكون رابطة حالية فإذا تحقق هذان الأمران تجوز المباهلة لإثبات الحق بالتماس من عالم الغيب، فلا تختص المباهلة بمورد خاص و قد ورد في السنة الشريفة ما يدل على التعميم ففي الكافي عن أبي مسترق عن الصادق (عليه السلام): «قلت له انا نكلم الناس فنحتج عليهم بقول اللّه عز و جل «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» فيقولون نزلت في أمراء السرايا فنحتج عليهم بقوله عز و جل: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ» فيقولون في المؤمنين و نحتج عليهم بقول اللّه عز و جل «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏» فيقولون نزلت في قربى‏ المسلمين قال: فلم ادع شيئا مما حضرني ذكره من هذا و شبهه إلا ذكرته فقال (ع) لي: إذا كان كذلك فادعهم إلى المباهلة قلت كيف اصنع؟ قال (ع): أصلح نفسك ثلاثا و أظنه انه قال: و صم و اغتسل و ابرز إلى الجبان فشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه ثم أنصفه و ابدأ بنفسك و قل: «اللهم رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع عالم الغيب و الشهادة الرحمان الرحيم» ان كان أبو مسترق جحد حقا و ادعى باطلا فانزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما ثم رد الدعوة عليه فقل: و ان كان فلان جحد حقا أو ادعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما ثم قال (ع) لي فإنك لا تلبث ان ترى ذلك فيه- الحديث-» و قريب منه غيره.
و في الدر المنثور عن علياء بن أحمر اليشكري قال: «لما نزلت هذه الآية «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ» أرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى علي و فاطمة و ابنيهما الحسن و الحسين و دعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أ ليس عهدتم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة و خنازير؟ لا تلاعنوا فانتهوا» و هذه الرواية تدل على تعدد المباهلة.
و للمباهلة آداب خاصة مذكورة في أبواب الدعاء و لا ريب في تقومها بمن يقوم به الاحتجاج و اظهار الحق و هو في المقام نفس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). و حيث انها تدل على الملاعنة و الهلاك يكون إحضار من يريده صاحب الحق اولى في الاحتجاج و اثبت للمدعى و اقطع لدعوى الخصم، و لان الاجتماع في الدعاء و التأمين عليه مرغوب اليه كثيرا في السنة المقدسة.

مظاهر تجليات الحق جل جلاله في عالم الشهادة لاحد لها و لا حصر عميت عين لا تراها و خسرت صفقة عبد ليس له فيها نصيب، و من أعظم تجلياته عز و جل استجابة دعوات المحرومين و اغاثة الملهوفين و التنفيس عن كربات المكروبين.
و منها: المباهلة التي يتحقق فيها الارتباط بين عالم الغيب و عالم الشهادة بل انها من أشد أنحاء الارتباط و أشرفها لا يمكن تحديده بحد و لا توصيفه بوصف بل لا يعقل الاحاطة به لأحد إلا لعلام الغيوب و المطلع على السر المحجوب، و هي الكرامات الصادرة من الأولياء و المعجزات المتحققة من الأنبياء لا سيما إذا لا حظنا ذلك بعد قوله تعالى: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» الأنفال- 17.
و تتجلى عظمة المباهلة انها لإقامة الحق و دحض الباطل و إبقاء الشريعة الختمية و النور المحمدي و فيها يتحد الداعي و المدعو فان اللّه هو الذي باهل الكفار.
و المباهلة و ان كانت في الظاهر فيها العذاب للكفار و لكنها في الواقع تكون لحفظ النظام و إبقاء سلسلة الأسباب و المسببات بين الأنام.
و في المباهلة الأحمدية تجلت العنايات الخاصة من الحضرة الاحدية و قد جمعت في هذه المباهلة أنوار كلها واسطة الفيض ظهرت فيهم عظمة الباري و عنايته و فيها قابل الحق المحض مع الباطل كذلك.
و فدّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نفسه الشريفة و اهل بيته فيها دون إقامة الحق و إظهاره و إماتة الباطل.
و لم يتعرض للمال لأنه لا شي‏ء اغلى من النفس و لا قيمة له في مقابل تفديتها، مع أن المفدى أجل و أكرم من ان يفدي بشي‏ء آخر لا قيمة له بل يعد من متاع الغرور. و تكون هذه المباهلة تعليما لكل مرشد قام بين الناس داعيا للحق و ناصرا له، فلا بد من خلوص النية و صفاء السريرة ليستعد بذلك لتجلى اللّه جل جلاله و في الحديث «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تخرق الحجب السبع».

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"