1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 26 الى 27

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (۲٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (۲۷) 


الآيتان من جلائل الآيات القرآنيّة تبيّن عظمة الباري جلّ شأنه و هيمنته و جبروته، و سيطرته على جميع الموجودات سيطرة ملكوتيّة، عمّت تمام المخلوقات بجواهرها و أعراضها و جميع اضافاتها و تبدّلاتها و حالاتها. و هما تبعثان في نفس المخاطب عظمة اللّه سبحانه و تعالى و كبرياؤه و تمام قدرته. فهو القائم على شؤون خلقه و المالك الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يعجزه شي‏ء و هو العليم بأسرار خلقه و المدبّر لهم تدبير حكمة.
و الآية المباركة تبيّن سرّ الوحدة الحقيقيّة التي ظهرت في أعيان التكثّرات، و أنها بدت من الواحد بالذات و الصفات.
و فيها تلقين للعباد كيفية التمجيد و الثناء و الابتهال، يتّحد فيه الداعي و المدعو و الدعاء فهو اللّه بالتحقيق و الركن الوثيق و الجار اللصيق، كلّ ذلك بأسلوب رفيع و نظم بديع و نسق لطيف.

قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ.

خطاب (قل) موجّه إلى سيد الأنبياء باعتبار وجوده الجمعي و واسطة الفيض و غاية الإفاضة، ليشمل جميع ذوي العقول و الروحانيين، بل يصحّ الشمول للجمادات أيضا، لأن خطابات اللّه المقدّسة بالنسبة إلى الحقائق التكوينيّة شاملة للجميع، كما في قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصلت، الآية: 11]، مع أن الخطاب عدم لجميع الممكنات، يصحّ أن يكون لفظه أيضا كذلك.

اللهم: أصله «يا اللّه»، و الميم المشدّدة عوض عن حرف النداء (يا)، و لا يجتمعان إلّا شاذا كما في قول الراجز:

إني إذا ما حدث ألما             أقول يا اللهم يا اللهما

و قال آخر:

و ما عليك أن تقولي كلّما             صلّيت أو سبّحت يا اللهم ما

و مادة (ملك) تأتي بمعنى الاستيلاء و السلطنة، و هما قد يكونان حقيقيتان، و هي عبارة: عن الاستيلاء على الشي‏ء من كلّ جهة إيجادا و إبقاء و افناء و ربوبيّة، و تصويره بكلّ صورة شاء و أراد. و هذا القسم مختصّ باللّه سبحانه و تعالى، فإنه مالك لجميع خلقه ملكيّة حقيقيّة من كلّ جهة يفرض فيها.

و اخرى: اعتباريّة تدور مدار اعتبار العقلاء، نحو ملكية الإنسان للأشياء التي تقع تحت استيلائه، و في الحديث: «أملك عليك لسانك»، أي لا تجرّه إلّا بما يكون ذلك لا عليك، و هذه الملكيّة الاعتباريّة تدور مدار اعتبار المعتبر، و قابلة للتغيير و التبديل و الزوال.

و هذا القسم يلازم القسم الأوّل دون العكس. فيصحّ اعتبار هذه الملكيّة بالنسبة إلى اللّه عزّ و جلّ بالأولى، لأن كلّ وصف ممكن لا يستلزم من إطلاقه النقص بالنسبة إليه عزّ و جلّ، فيصحّ وصفه به، قال تعالى: وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [سورة النور، الآية: 33]، و قال تعالى: لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ [سورة التغابن، الآية: 1]، و يصحّ انتزاع هذه الملكيّة الاعتباريّة عن الملكية الحقيقيّة. و بها تنظيم الأغراض العقلائيّة الفرديّة و الاجتماعيّة.

ثم إنّ الملكيّة الاعتباريّة:

تارة: تكون بوضع من اللّه تعالى، كملكيّة الإنسان لنفسه و أجزائه و تصرفاته السائغة في بدنه، بحسب التكوين و التشريع.

و اخرى: تكون بوضع و اعتبار من العقلاء كما ذكرنا، و أما بالنسبة إلى ملكيّة المولى للعبد، فإنه لا ريب في كونها من الملك (بالكسر) الاعتباري، لصحّة هذا الاعتبار عند الجميع، و أما كونها من الملك (بالضم) ففيه منع، إذ لا يعتبر العقلاء بين المولى و العبد الملوكيّة و الرعيّة.

و الملك (بالضم) اسم لما يملك و يتصرّف، و إنه على قسمين أيضا، ملك حقيقي و هو التصرّف في شؤون الرعية تصرفّا حقيقيّا بكلّ ما يريد من غير مزاحمة و لا معارضة، و هو مختصّ باللّه تعالى أو ما يمنحه اللّه عزّ و جلّ لبعض أنبيائه و أوليائه، فهو جلّت عظمته خالق كلّ شي‏ء و مالكه، و له الربوبيّة العظمى العامّة و القيوميّة المطلقة، قال تعالى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [سورة فاطر، الآية: 13]، فيرجع إلى الملك (بالكسر) الحقيقي و ملازم له، و يصحّ أن يعبّر عنه بأنه ملك في ملك.

و اخرى: ملك (بالضم) اعتباري اعتبره الاجتماع، مثل ملوك أهل الأرض الّذين يتسلّطون على جماعة من الناس و يتصرّفون فيهم تصرّفا يصلح بها شؤونهم. و بعد فرض أنه تعالى خالق لجميع الممكنات و موجدها من العدم و مبقيها و مفنيها، و بيده تدبيرها و تربيتها، و هو الربّ على الإطلاق و القيوم كذلك، فهو مالك و ملك و مليك، و جميع هذه الإطلاقات من لوازم الفرض الذي فرضناه.

و قد ورد جميع ذلك في القرآن الكريم أيضا قال تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: ۲٥٥]، فقد أثبت الملكية لنفسه، و قال تعالى: مَلِكِ النَّاسِ [سورة الناس، الآية: 2]، الذي أثبت الملوكية لنفسه، و قال تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [سورة القمر، الآية: ٥٥]، حيث أثبت المالكيّة و الملوكيّة لنفسه الأقدس، فثبت قول جمع من الفلاسفة المتألّهين من أن بسيط الحقيقة من كلّ جهة يتّصف بكلّ شي‏ء لا يستلزم النقص فيه، و تقدّم بعض الكلام في سورة الحمد [سورة الحمد، الآية: ٤]، فراجع.

و من ذلك يظهر أن الملك في الآية الشريفة هو الأعم من الحقيقي‏ و الاعتباري في الملك (بالكسر) و الملك (بالضم)، و يبيّن ذلك بقية الآية الشريفة، أي قوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، لأنّ مالكيّته تعالى للملك تستلزم مالكيّته لما يتسلّط عليه كلّ مالك و ملك.

كما أنه يمكن أن يكون المراد بالملك طبيعته و ذاته، أي ما يصحّ أن يقع تحت الاستيلاء، فيشمل جميع ما سواه عزّ و جلّ وجودا أو عدما، فإن قسما من الأعدام أيضا داخلة تحت ملكه و سلطنته، فهو مسلّط على إيجاد المعدوم و إعدام الموجود، و يبيّنه ما بعده أيضا، فتكون هذه الآية الشريفة شارحة لقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ [سورة التغابن، الآية: 1]، و قوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [سورة الملك، الآية: 1]، و نحو ذلك.

و إنما عبّر سبحانه و تعالى بلفظ الملك دون غيره لإظهار معنى التسخير، فكما أن المملوك مسخّر تحت إرادة المولى، كذلك تكون جميع الممكنات بالنسبة إليه عزّ و جلّ، و هذا المعنى ظاهر من سائر الآيات الشريفة.

قوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.

مادة (نزع) تأتي بمعنى إخراج الشي‏ء و قلعه عن محلّه و مقره، كنزع الثوب عن البدن، قال تعالى: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما [سورة الأعراف، الآية: 27]، و قال تعالى: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [سورة الحجر، الآية: ٤۷]، و قال تعالى: وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ [سورة الأعراف، الآية: 108]، و قال تعالى: وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً [سورة النازعات، الآية: 1]، و الملك في المقام هو مطلق السلطنة و الاستيلاء، و قد ذكرنا أن المراد به طبيعته و ذاته، و هو ما يصحّ أن يقع تحت الاستيلاء و السلطنة، ليشمل جميع الممكنات القابلة للوجود و الإيجاد، فيشمل الملك (بالضم) و الملك (بالكسر)، و النبوّة، إذ هي ملك ايضا، قال تعالى: وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [سورة النساء، الآية: ٥٤]، فإن جميع ذلك واقع تحت سلطان اللّه تعالى و إرادته المقدّسة، و هي من مواهبه و عطاياه التي يمّن بها على من يشاء من‏ خلقه و يمنعها عمّن يشاء منهم، و قد بنى اللّه تعالى النظام التكويني و التشريعي و الاجتماعي على الملك، و هو محبوب لدى المجتمع الإنساني تستقيم به حياتهم في النشأتين.

و أما ما يترتب عليه من الآثار السيئة، فهي ترجع إلى كيفية إعماله و الاستفادة منه، دون أصله الذي هو محبوب كما ذكرنا، و به يقع الامتحان و الابتلاء، قال تعالى حكاية عن سليمان: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [سورة النمل، الآية: ٤۰].

و إنما علّق سبحانه و تعالى الإيتاء و النزع على المشيئة، لبيان أن العباد غير مجبورين على ذلك على نحو الحتم و القضاء المبرم، بل لإرادة العباد و أعمالهم المدخلية فيهما، فجميع أعمال العباد الصادرة منهم منسوبة إليهم، كما أنها منسوبة إلى اللّه تعالى، كلّ منهما على نحو الاقتضاء لا العلّيّة التامّة.

نعم، له عزّ و جلّ ألطاف و توفيقات خاصة بالنسبة إلى المستفيض إن كان من أهل الصلاح و التقوى و إقامة العدل، فيعطيه اللّه الملك لإقامة العدل و الإصلاح بين العباد، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [سورة الحج، الآية: ٤۱]، و ليس لغير أهل التقوى هذا التوفيق و اللطف الخاص، و لكنّه تعالى يقدّر الملك لمثل هؤلاء تنظيما للنظام و الامتحان و الاختبار و إتماما للحجّة، قال تعالى: أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [سورة الأنعام، الآية: ٦]، و قال تعالى: وَ قالَ مُوسى‏ رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ* قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ [سورة يونس، الآية: 88 و 89]، كما أن في التعليق على المشيئة إشارة إلى أنه تعالى غير مجبور في أفعاله، و إن كانت تجري وفق المصلحة و الحكمة التامّة.

قوله تعالى: وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ.

مادة (عزز) تأتي بمعنى المنيع الذي لا ينال و لا يغالب و لا يعجزه شي‏ء، فيكون صعب المنال. و بهذه العناية يطلق على الشي‏ء النادر الوجود أنه عزيز، و في المأثور: «إذ أعزّ أخوك فهن»، أي إذا غلبك و لم تقاومه، فلن له.

و من أسمائه تعالى (العزيز)، أي الغالب القوي الذي لا يغلب و لا يعجزه شي‏ء، كما أن من أسمائه تعالى (المعزّ)، أي واهب العزّة لمن يشاء من عباده، و قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة، الآية: 128]، أي صعب و شديد عليه، و قال تعالى: وَ عَزَّنِي [سورة ص، الآية: 23]، أي غلبني.

و العزّة و الذلّة متقابلان، فالذليل هو الذي يغلب عليه و يعجزه كلّ شي‏ء، سواء كان بالقهر و بلا اختيار، كقوله تعالى: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ [سورة البقرة، الآية: ٦۱]، و قال تعالى: وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [سورة الإنسان، الآية: 14]، و في الحديث: «اللهم اسقنا ذلل السحاب»، أي ما لا رعد فيه و لا برق. أم بالاختيار، قال تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [سورة الإسراء، الآية: ۲٤]، و قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سورة المائدة، الآية: ٥٤]، و قال تعالى: وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [سورة النمل، الآية: ۳٤].

و من أسمائه تعالى: «المذل»، أي هو الذي يلحق الذلّ بمن يشاء من عباده و ينفي عنه أنواع العزّة.

و هما من الأمور التشكيكيّة التي لها مراتب كثيرة، و هما اما دنيوية أو اخروية أو هما معا، و العزّة أعمّ من الملك، و هي قد تكون حقيقيّة، و هي التي يمنحها اللّه تعالى لعباده المخلصين و أوليائه المقرّبين، قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة المنافقون، الآية: 8]، و قد تكون وهميّة خياليّة تابعة للملك‏ و السلطنة، و هي إن كانت عزّة ظاهرا و لكنّها ذلّة في الحقيقة و الواقع، قال تعالى: أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [سورة النساء، الآية: 139].

و يستفاد من الآية المباركة تلازم العزّة و الذلّة خارجا، لأن عزّة كلّ فرد تلازم ذلّة آخر، كالعكس أيضا كما نراه بالعيان.

ثم إن العزّة و الذلّة لا تختصّان بمورد واحد، فقد تكون العزّة في أشياء كثيرة و الذلّة كذلك، فربّ عزيز من جهة ذليل من جهة اخرى، و ربّ ذليل من ناحية هو عزيز من ناحية اخرى، و إعطاء العزّة و الذلّة لعباده من شؤون ربوبيّته العظمى، و كذا بالنسبة إلى جهاتها غير المحدودة بحدّ.

و يصحّ أن يقال: إنّ الممكن في حدّ ذاته الإمكانية ذليل، أي ليس فيه أي حظ من الخير إلّا ما يمنحه اللّه تعالى. و الكلام في تعليق العزّة و الذلّة على المشيئة ما تقدّم في صدر الآية.

قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ.

اليد تأتي بمعنى الاستيلاء. و المراد بها في المقام القدرة الكاملة و التدبير الكامل الموافق للحكمة البالغة المتعالية، و بها تقوم جميع الممكنات في النظام الأحسن و ينتظم شؤونها، و هي القوّة القاهرة التي لا بد من انبعاث جميع قوى الموجودات عنها.

و الخير ضد الشرّ، و معناه كلفظه مرغوب و مطلوب، و المراد به في المقام حقائق الممكنات بجميع شؤونها و أطوارها، حدوثا و بقاء، و هو من الحقائق الواقعيّة التي لها مراتب كثيرة، متفاوتة جوهرا و عرضا، اشتدادا و تضعّفا، هذا بالنسبة إليه تعالى.

و أما بالنسبة إلى الإنسان، فهو خير اعتقادي بحسب ما يختاره و يقيسه بالنسبة إلى شي‏ء آخر، أو ما يتحقّق فيه رغبته و مطلوبه، فقد يكون مطابقا للواقع، كما في الحديث: «رأيت الجنّة و النار فلم أر مثل الخير و الشرّ»، أي لم أر مثلهما لا يميّز بينهما، فيبالغ في طلب الجنّة (الخير) و الهرب من الشرّ (النار)، و قد يكون مخالفا قال تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: ۲۱٦].

و تدلّ الآية الشريفة على انحصار الخير فيه تعالى، فيستفاد منها و من أمثالها أمران:

الأوّل: أن ذاته تبارك و تعالى خير محض، لقاعدة: «ان معطي الشي‏ء لا يمكن أن يكون فاقدا له»، فهو تعالى خير على الإطلاق، و لكن لم يرد في الكتاب و السنّة إطلاق الخير بنحو الاسمية، و إنما ورد في القرآن الكريم على نحو التوصيف، قال تعالى: وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ [سورة طه، الآية: 73]، و قوله تعالى: أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [سورة يوسف، الآية: 39]، و لعلّ عدم إطلاق لفظ الخير عليه تعالى لتنزيهه عمّا يتبادر في أذهان الناس من نسبته إلى غيره.

نعم اطلق عليه بنحو الإضافة في موارد متعدّدة، مثل قوله تعالى: وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سورة الحج، الآية: ٥۸]، و قوله تعالى: وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [سورة المؤمنون، الآية: 29]، و قوله تعالى: وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ [سورة يونس، الآية: 109]، و نحو ذلك و إطلاقه في جميع الآيات الشريفة من باب إضافة الصفة إلى الاسم الذي ورد التوقيف فيه، و هو لا محذور فيه.

الأمر الثاني: أنها تدلّ على أصالة الماهيّة في الجعل، كما عليها أغلب المتكلّمين و جمع كثير من الفلاسفة، لأن الخير المطلق و ملكوت الأشياء ليس إلا حقائقها، فإذا لا حظنا الحقائق باعتبار إضافتها الإيجادية الإشراقية إليه تعالى تشمل الحقائق بوجوداتها و ماهياتها، و ليس ذلك تعدّدا في الجعل حتّى يلزم عليه مناقشات و محذورات، لأنّه بعد فرض كون أحدهما تبعا محضا للآخر، كالماهيّة إن قلنا بأصالة الوجود، فالوجود إن قلنا بأصالة الماهيّة، فأين التعدّد الخارجي حتى يلزم المحذور، و لا ينافي ذلك ما اشتهر بين الفلاسفة من أن الوجود خير محض، لاتفاق الكلّ على أن الخيريّة المحضة إنما تكون بعد جعل الحقائق.

بل يمكن أن يستفاد من مثل هذه الآية الشريفة الجعل المركب بالنسبة إلى الحقائق، فهو الذي جعل النار نارا و الماء ماء، كما عليه بعض محقّقي مشايخنا قدس سرّهم، و في الحديث: «ان اللّه مجسّم الجسم و خالقه»، و في الحديث الآخر: «و هو الذي أيّن الأين و كيّف الكيف».

و هذه الآية في موضع التعليل لما تقدّمها و ذكر العام بعد الخاص، أي: أن اللّه تعالى يؤتي الملك و العزّة لمن يشاء و يمنعهما عمّن يشاء، لأن بيده الخير الذي هو أعمّ منهما.

إن قيل: انتزاع الملك و الذلّة ليسا من الخير، فكيف يشملهما قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ؟

يقال: بعد أن كانت الذلّة و انتزاع الملك مطابقين للحكمة الواقعيّة التامّة يكونان خيرا محضا، و إن كانتا بحسب اعتقاد الناس من عدم الخير.

و إنما قال تعالى: بِيَدِكَ، لبيان أن جميع ما يفعله تعالى من إيتاء الملك و نزعه و نحو ذلك، كلّه خير محض بحسب الواقع، فهو عبارة اخرى عن الرحمة الرحمانيّة و الرحمة الرحيميّة التي تعمّ الجميع.

و أما ما فرق به بعض أعلام المفسّرين بين الخير التكويني و الخير التشريعي، فهو في نفسه حقّ، لأنّ الخير التشريعي منوط بإرادة الناس للطاعة، بخلاف الخير التكويني، فإنه منوط بإرادة اللّه تعالى فقط.

لكن، لا وجه له في المقام، لأنّ الخير التشريعي يرجع إلى الخير التكويني، كما قرّره بعض مشايخنا في الأصول، و خلاصة كلامه أن إثارة دقائق العقول و ما في الفطرة من أهم و جهات نظام التكوين، و لا يمكن ذلك إلّا بالتشريع، فكما أن التكوين بلا تشريع باطل في النظام الأحسن، كذلك التشريع بلا تكوين باطل أيضا و لا وجه له.

هذا موجز الكلام و سيأتي التفصيل في الموضع المناسب إن شاء اللّه، هذا كله في الخير.

و أما الشرّ، سواء كان تكوينيّا، كنزع الملك و الذلّة، أم تشريعيّا و هو أقسام المعاصي و الذنوب، فإن رجع إلى عدم الخير و عدم التوفيق، فيمكن انتسابه إلى اللّه تعالى، و إن رجع إلى فعل المعاصي و الذنوب و القبائح و أمثال ذلك فلا يمكن انتسابه إلّا إلى اختيار الإنسان، و أما نسبته إلى اللّه تعالى المنزّه عن النواقص و القبائح فلا تصحّ.

قوله تعالى: إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

الجملة في مقام التعليل لجميع ما تقدّم، أي: أن جميع ما سواه تحت قدرته و إرادته، فكلّ ما يطلق عليه الشيئيّة جوهرا أو عرضا خارجا أو ذهنا أو في أي عالم من العوالم، يكون تحت قدرته.

أي: أن اللّه تعالى قادر على إيتاء الملك و نزعه و إيتاء العزّة و الذلّة، بل كلّ ما هو خير مفروض يكون تحت إرادته و سلطانه، و قدرة العبد على شي‏ء من ذلك إنما هي مستندة إلى إيجاد القدرة فيه و مستندة إلى قدرته عزّ و جلّ، قال تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء، الآية: 78].

قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.

الولوج هو دخول شي‏ء في شي‏ء بحيث يستره، و سمّي السباع و الحيات الوالجة لأنها تلج في كهف أو شعب أو حجر أو غيرها، و في المأثور: «إياك و المناخ على ظهر الطريق، فإنه منزل للولجة»، يعني السباع و الحيات، و سمّيت بالولجة لاستتارها في النهار بالاولاج.

و إيلاج الليل في النهار و بالعكس معلوم لكلّ من يقع في طي الزمان و توارد الحدثان، و هو المشاهد من اختلاف الليل و النهار في طول السنة و دخول أحدهما في الآخر، بحيث يطول طرف و يقصر الطرف الآخر حسب سير دقيق و منظم، و هذا يختلف باختلاف الفصول و البعد عن خط الاستواء، فيتساوى الليل و النهار على خط الاستواء في جميع بقاع الأرض بحسب الحسّ، و إن كان التغيير فيهما واقعا أيضا حقيقة و يختلفان باختلاف ميل الشمس عنه و سيرها في منطقة البروج، فيتفاوتان بالزيادة و النقصان بحسب مواقع الأرض و الزمان، فنشاهد من أوّل الشتاء إلى أوّل الصيف يأخذ الليل بالزيادة و النهار بالنقيصة على حساب منظم، و هذا هو ولوج النهار في الليل، ثم تأخذ الليالي بالنقيصة و النهار بالزيادة من أوّل الصيف إلى أوّل الشتاء، و هذا هو ولوج الليل في النهار، و يختلف ذلك على سبيل التعاكس في المدارات الشماليّة و المدارات الجنوبيّة، كلّ ذلك على تفصيل مذكور في علم الفلك ليس ها هنا محل ذكره.

و عموم الآية الشريفة يشمل كلّ ليل و نهار يفرض، سواء كانا على وجه هذه البسيطة أم في كرات سماويّة اخرى، كما قرّر في علوم الفلك.

و في اختلاف الليل و النهار من الحكمة الباهرة و عموم الرحمة و النظام الدقيق و الحكمة العظيمة ما تبهر منه العقول، و تظهر فيه آثار القدرة الكاملة و الحكمة العالية، و هذا من أعظم مجالي قدرته تعالى و سلطته على الزمان، التي تحيّر فيها عقول الحكماء، حتى ذهب جمع إلى وجوب وجوده و قدمه، و جمع آخر إلى خلاف ذلك، حتّى حدى بعضهم على إنكار الزمان و القول بأنه مجرّد امتداد وهمي.

و في هذه الآية و أمثالها يبين سبحانه و تعالى أن الزمان ممكن و واقع تحت قدرته و مجعول له تعالى، و يقع التغيير و التبديل فيه فلا يمكن قدمه الذاتي، كما ذهب إليه بعض، و لا يصحّ القول بوهميّته، لأنه خلاف ما هو المنساق من هذه الآيات و الوجدان، و بيّن سبحانه و تعالى في آيات اخرى المنافع و الحكم العظيمة في ذلك، و قد تقدّم في أحد مباحثنا الكلام في ذلك.

قوله تعالى: وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ.

الموت و الحياة متقابلان و معلومان لكلّ ذي حياة، و لا يختصّان بخصوص الحيوان فقط، بل لكلّ شي‏ء حياة و موت حسب استعداده و قابليته، كما أثبته العلم الحديث، و لكن لكل شي‏ء حياة خاصة به، و كذلك الموت، لا يمكن إدراكهما لغيره‏ تعالى، قال جلّ شأنه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [سورة الإسراء، الآية: ٤٤].

و خروج الحي من الميت و بالعكس لهما مظاهر مختلفة، لا يمكن إدراكها إلّا للّه تعالى:

منها: خروج النباتات التي لها حياة نباتيّة من الأرض الميتة.

و منها: خروج الإنسان من النطفة ثم موته بعد مدة.

و منها: خروج المؤمن من صلب الكافر، و خروج الكافر من صلب المؤمن، فإن الإيمان أعظم أقسام الحياة المعنويّة، قال تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الأنعام، الآية: 122].

و عموم هذه الآية الشريفة يشمل جميع ما سواه تعالى ممّن له استعداد الحياة و الموت بأي وجه يتصوّر، و ما ذكره المفسّرون في تفسير الآية المباركة من باب ذكر المصاديق.

قوله تعالى: وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

الجملة في مقام التعليل أيضا، أي: أن إعطاءه الملك و العزّة و الخير من صغريات رزقه الذي يرزق به من يشاء بغير حساب في الكميّة أو الكيفيّة و عدم المداقة، بل من كلّ جهة.

و الرزق هو العطاء المستمر، و من أسمائه تعالى: «الرازق»، و هو الذي خلق الأرزاق و أعطاها الخلائق و أوصلها إليهم.

و الرزق نوعان ظاهري للأبدان كالأقوات، و باطني للقلوب و النفوس كالمعارف و العلوم، فكما أنه يشمل المال و الجمال و الكمال، و كلّ ما هو دائر في الاجتماع من الخير، فهو رزق منه جلّ شأنه.

و لا يختصّ الرزق بالإنسان، بل يشمل الحيوان و النبات و الجماد، فإن الرزق‏ يعمّ جميع ذلك بما لها من الأفراد و الأنواع غير المتناهيّة، فلا يكون الرزق متناهيا لا من حيث الإضافة إلى اللّه تعالى، و لا من حيث الإضافة إلى المرزوق، بل يستحيل ذلك لعدم التناهي بقاء و إن كان متناهيّا حدوثا، و إذا لوحظ بالإضافة إلى كونه في غير حساب يصير من غير المتناهي في غير المتناهي.

و يستفاد من الآية الشريفة أن الرزق إنما هو فضل منه عزّ و جلّ يعطيه بلا مقابل و عوض، و أن عمومه يشمل المؤمن و غيره، و إن كان في نسبة الرزق إليه تعالى بالنسبة إلى الأخير كلام نتعرّض له مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

اختلف الأدباء في صيغة «اللّهم»، فقيل إنّ أصله: «يا اللّه»، فلما حذف حرف النداء جعلوا بدله الميم المشدّدة، و الضمة في الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد. و لا يجتمع العوض و المعوض في الكلمة إلّا شاذا كما مرّ.
و قيل: إنّ أصله: «اللهم آمنا بخير»، فحذف و خلط الكلمتان، و أن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في (أمنا) لما حذفت انتقلت الحركة إلى ما قبلها.
و الحقّ: أن الكلمة هي واردة بهذه الهيئة كسائر الكلمات من دون احتياج إلى التماس الأصل فيها، و استعمالها مع حرف النداء- كما مرّ- شاذ لا يقاس عليه.
و قوله تعالى: مالِكَ الْمُلْكِ، منصوب على أنه منادى آخر مضاف أو على أنه صفة لاسم اللّه تعالى.
و قوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، إما في موضع الحال من المضمر في مالك، أو أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «أنت تؤتي الملك من تشاء»، و كذلك الحال في «تنزع» و «تعز» و «تذل».
و قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ، قيل: إنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: «أنت بيدك الخير».
و الصحيح: أنه جملة مؤلّفة من خبر مقدّم و مبتدأ مؤخّر تفيد الحصر.
و قيل: إنّ في قوله تعالى إيجاز بالحذف، أي: «بيدك الخير و الشر»، نظير قوله تعالى: وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [سورة النحل، الآية: 81]، أي و البرد.
و لكن الحذف خلاف القاعدة، و لا نحتاج إلى التقدير مع أن الجملة وافية بالمقصود من دون تقدير، و كأن السبب في الحذف و التقدير هو ما يرتبط بآراء المعتزلة بعدم استناد الشرور إليه تعالى، و لكن المبنى و البناء كليهما باطل، كما عرفت، و يأتي له مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى.

تدلّ الآيات الشريفة على امور:
الأول: يصحّ أن يكون المخاطب في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ، هو سيد الأنبياء، لأنه واسطة الفيض و غاية الإفاضة و أكمل الممكنات من الاستفاضة، كما يصحّ أن يكون الخطاب الأعمّ من التشريع و التكوين، نظير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصلت، الآية: 11].
و عظمة مضمون الخطاب في المقام تشمل كلا منهما، لشهادة جميع الموجودات بلسان الحال بمضمون المقال.
و ربما يقال: إنّ الآية الثانية قول اللّه تعالى مباشرة، و في المقام أمر بالقول، فلا وجه لتعليقه بالتكوينيّات.
يقال: إنه إذا كان الأمر من اللّه عزّ و جلّ، فلا فرق بين أن يتعلّق بالقول أو بشي‏ء آخر، أن المناط كلّه إرادة المنشئ (بالكسر)، إلّا أن في التشريعيات يصدر الفعل عن اختيار العبد تصحيحا للثواب و العقاب، و في التكوينيّات لا اختيار في البين بحسب إدراكاتنا القاصرة.
الثاني: تقديم اسم الجلالة في الآية الشريفة لبيان السبب، أي: أن مالكيته تعالى للملك و كون العزّة و الخير و القدرة و الرزق بيده، لأنه اللّه المستجمع لجميع صفات الجمال و الكمال.
الثالث: في الآية الشريفة من أسرار البلاغة و لطائفها ما تبهر العقول منها، فإنه تعالى جمع بين أنحاء من أفعاله المتقابلة، فجمع بين إيتاء الملك و نزعه، و هما ممّا يقوم به نظام الاجتماع، كما جمع بين النهار و الليل و إيلاج أحدهما في الآخر، و هما من أتم ما يقوّم نظام العالم، و المناسبة بين هذين الأمرين، فإن إيتاء الملك نحو كمال و حياة و تسليط لبعض الأفراد على بعض، فيكون من قبيل إيلاج النهار في الليل، حيث يتسلّط الضوء و تذهب الظلمة، و نزع الملك نحو حزازة و منقصة بالنسبة إلى من ينزع عنه، فيكون من قبيل تسليط الليل على النهار و إذهاب الضوء.
و في الآية الثانية ذكر إيتاء العزّة لمن يشاء، و قال جلّ شأنه تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، و هو نوع من الحياة، فإن العزيز له نحو حياة عند المجتمع، و الإذلال نحو من الموت عندهم، و هذا ممّا يناسب قوله تعالى: تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ.
الرابع: جمع سبحانه و تعالى في هذه الآيات بين أربعة من الأمور التكوينيّة، و هي: إيلاج الليل في النهار و بالعكس، و الموت و الحياة، و أربعة من الأمور الاجتماعيّة، و هي: إيتاء الملك و نزعه و العزّة، و الذلّة، و هذه الأمور الثمانية يناسب أحدها الآخر، فإن إيتاء الملك و نزعه يناسبان الليل و النهار، و العزّة و الذلّة تناسبان الحياة و الموت.
و ذكر: بِيَدِكَ الْخَيْرُ، لبيان تسلّطه على هذه الأمور الاجتماعية، و تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، لبيان تسلّطه على الأمور التكوينيّة، فكانت المقابلة بين هذين الأمرين أيضا من هذه الجهة. و يجتمع الجميع في الحياة بالمعنى الأعمّ، أي الحياة الفردي و الاجتماعي، و يستلزم ذلك الاقتدار على مقابلها و هو الموت، لأن القدرة على شي‏ء يستلزم القدرة على نقيضه أيضا، و إلّا لا معنى للقدرة.
الخامس: إنما عبّر سبحانه و تعالى في هذه الآيات المباركة بالمشيئة دون الإرادة، لأن إرادته المقدّسة من صفات فعله، و المشيئة مقدّمة على الإرادة، فبيّن تعالى أن إيتاء الملك و نزعه و العزّة و الذلّة داخلة تحت مشيئته، و الأسباب الظاهريّة التي تبذل في طلبها ليست علّة تامّة لحصولها.
السادس: إنما ذكر تعالى العزّة و الذلّة دون غيرهما من الأمور الدائرة في الاجتماع، كالغنى و الفقر و نحوهما، لأن لهما مصاديق كثيرة، تشملان جميع شؤون الدنيا، و فيه ردّ على مزاعم أهل الكتاب من طلب العزّة بغير اللّه تعالى.
السابع: إنما اقتصر سبحانه و تعالى على ذكر الخير فقط، لأن المقام مقام تعليم الدعاء و الثناء عليه و التعريض بالبشرى به، و لا معنى لذكر الشرّ، مع أننا ذكرنا سابقا أن الشرّ داخل تحت قضائه و قدره، و إن لم يكن مرضيّا له، مضافا إلى أنه يمكن استفادته من ذكر الذلّة و نزع الملك.
و لا يستفاد من عدم ذكر الشرّ قول المعتزلة من نفي استناد الشرور إليه تعالى، فإنهم إن أرادوا نفي رضاه تعالى به فهو مسلّم و لا يقول به أحد، و إن أرادوا نفي قضائه له و عدم قدرته تعالى عليه، فهو خلاف صريح الآية الشريفة و الأدلّة العقليّة و النقليّة.
الثامن: يستفاد من قوله تعالى: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، أن أهمّ مقاصد الإنسان الذي هو العزّة، لا بد و أن ترجع إليه تعالى، كما أن أهم ما يبتعد عنه و هو الذلّة ترجع إليه أيضا، فجميع ما ينفع في هذا العالم و ما يضرّ ترجع إليه عزّ و جلّ، و قد دلّت الأدلّة العقليّة و النقليّة عليه، لأن جميع الممكنات لا بد أن يرجع إلى الواجب بالذات. قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء، الآية: 78]، فالآية المباركة ترشد إلى أمر عقلي و هو استيلاء اللّه جلّت عظمته على هذا العالم.
التاسع: الآية الشريفة جامعة للتوحيد الذاتي في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ، و التوحيد الفعلي في بقية الآية المباركة في نظم بديع و نسق لطيف.
العاشر: الآية الشريفة من القضايا التي تشتمل على العلّة و المعلول، فيصحّ أن يقال إنه مالك الملك، لأنه على كلّ شي‏ء قدير، كما يصحّ أن يقال إنه على كلّ شي‏ء قدير، لأنه مالك الملك، و كذلك بالنسبة إلى سائر جملاتها، و يصحّ اجتماع العلّيّة و المعلوليّة في شي‏ء واحد باختلاف الاعتبار و تعدّد الجهات.

فضل الآية:
وردت روايات تدلّ على فضل آيات شريفة كآية الكرسي و آية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [سورة آل عمران، الآية: 18 و 19]، و هذه الآية المباركة: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ و غيرها من الآيات، فقد وردت في فضل هذه الآية المباركة روايات:
منها: ما تقدّم في آية الكرسي، و آية 18 من سورة آل عمران.
و منها: ما عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي أجاب في هذه الآية».
أقول: المراد من كون الاسم الأعظم في هذه الآية الشريفة إما الاسم الأعظم الحالي لمن حصل له حالة خاصة، أو المقالي، لكن مع شروط خاصة لا بد منها.
و منها: ما عن بعض الأعاظم أن من قرأ هذه الآية و بعد تمامها قال: «يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما تعطي منهما ما تشاء و تمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني»، يقضى عنه دينه.
أقول: و قد جرّب ذلك بعض، و اللّه العالم.
تفسير الآية:
في الكافي: عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قلت له: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، أليس قد آتى اللّه بني امية الملك؟ قال عليه السّلام: ليس حيث تذهب!! إن اللّه عزّ و جلّ آتانا الملك و أخذته بنو امية، بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو الذي أخذه».
أقول: المراد بذلك بعض بطون الآية، و إلّا فالآية المباركة عامّة شاملة لكلّ ملك، حقيقيّا كان- و هو الإحاطة على حقائق الموجودات بحسب الاستعداد- أو ظاهريّا واقعيّا كان أم تشريعيّا، و قد يقع الخلط بينها كما وقع لراوي الحديث، لأن الملك الحقيقي و الواقعي كان لهم عليهم السّلام.
و في المجمع: روي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام في قوله تعالى: وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، قيل: معناه و تخرج‏ المؤمن من الكافر، و تخرج الكافر من المؤمن».
و في الدر المنثور: عن ابن مسعود و عن سلمان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: في قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قال صلّى اللّه عليه و آله: «المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن».
أقول: هذا من باب ذكر بعض المصاديق، لأن الحياة و الموت كما مرّ في التفسير تشملان الحياة الحقيقيّة و الجسمانيّة.
و في الدر المنثور- أيضا-: عن سلمان الفارسي: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لما خلق اللّه آدم عليه السّلام أخرج ذرّيته فقبض قبضة بيمينه، فقال: هؤلاء أهل الجنّة و لا أبالي، و قبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كلّ ردي‏ء، فقال: هؤلاء أهل النار و لا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن و يخرج المؤمن من الكافر، فذلك قوله تعالى: تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ».
أقول: تقدّم وجهه و أن ذلك من باب بيان بعض المصاديق، و أمثال هذه الرواية كثير وردت في أبواب الطينة و سنتعرّض لها إن شاء اللّه تعالى في الآيات المناسبة.
و فيه- أيضا-: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما خطّ الخندق عام الأحزاب، و قطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا و أخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، و كبّر و كبّر المسلمون، و قال: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء و أخبرني جبرائيل عليه السّلام أن امتي ظاهرة على كلّها فابشروا، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنّيكم و يعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى، و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.
أقول: أبطل اللّه مزاعمهم المحصورة على خصوص المحسوسات التي يرونها بأعينهم في وقت خاص، و لا يطّلعون على المستقبل و ما يظهره اللّه بقدراته على يد نبيّه أو على يد أمته صلّى اللّه عليه و آله.
و في أسباب النزول للواحدي: عن ابن عباس و أنس بن مالك: «لما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكّة و وعد أمته ملك فارس و الروم، قال المنافقون و اليهود: هيهات هيهات؟!! من أين لمحمد ملك فارس و الروم؟ هم أعزّ و أمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكّة و المدينة حتى طمع في ملك فارس و الروم؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ- الآية-».
أقول: تقدّم ممّا ذكر وجهه.
و فيه- أيضا-: عن قتادة: «ذكر لنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سأل ربّه أن يجعل ملك فارس و الروم في أمته، فأنزل اللّه تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ».
أقول: يمكن أن تكون الرواية من باب تعدّد المورد، مع أنها لا تنافي ما تقدّمتها من الروايات.

تدلّ الآيات الشريفة على قواعد فلسفيّة لها الشأن الكبير في كلّ من الفلسفة الإلهيّة و الطبيعيّة.
منها: أن قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، يدلّ على أن للّه تعالى صفات جماليّة هي عين ذاته، لا يمكن التفكيك بينهما، فمنها الملك، و هي صفة جماليّة ليست داخلة تحت أية مقولة من المقولات العشر التي أثبتها الفلاسفة و الحكماء، و يمكن إرجاع ملكه و مالكيّته إلى الإحاطة القيوميّة على جميع مخلوقاته، إيجادا و إبقاء، و تدبيرا و افناء، و إيجادا بعد الافناء، و يشهد لذلك ما ورد في بعض الدعوات المعتبرة: «اللهم إني أسألك باسمك الذي تبلي به كلّ جديد، و تجدّد به كلّ بال».
و منها: أنه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ و نظائرها من الآيات المباركة، القاعدة التي نقلت عن بعض قدماء فلاسفة اليونان، و هي: «ان كلّ شي‏ء في كلّ شي‏ء»، و أثبتوها بالبراهين و أطالوا القول في النقض و الإبرام حولها، و المراد منها أن جميع ما في هذا الكون من العناصر و المواد و الآثار و الصور تكمن في كلّ شي‏ء كمونا هيولائيّا، فيمكن أن يستخرج أحد الضدين من الآخر، كما يستخرج في هذه الأعصار من مادة النفط- مثلا- كثير من الأمور التي ربما يكون أحدها مضادا للآخر.
و لعلّ نظرية الفلسفة الديالكتيكيّة القائلة بأن كلّ شي‏ء يحمل ضدّه، مأخوذة من هذه القاعدة، و كذا نظرية داروين القائلة بالتنازع في البقاء و بقاء الأصلح، و إن كان لنا كلام في هاتين النظريتين يأتي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
و كيف كان، فإن كانت الأشياء حاملة لكلّ شي‏ء، فهي لا تخرج عن قدرته، بل هي داخلة تحت قدرته و ربوبيّته العظمى و قهّاريته التامّة، كما يدلّ عليه ذيل هذه الآية الشريفة: إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.
و منها: أنه يمكن أن يستدلّ بقوله تعالى: تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ، و أمثال هذه الآيات الشريفة على الحركة الجوهريّة الثابتة في ذوات الأشياء و حقائقها، بدعوى أن تلك الحركة إما بذاتها لذاتها من ذاتها، أو بذاتها من غيرها، و الأوّل باطل مع فرض الإمكان و إجماع الشرائع الإلهيّة على حدوث الأشياء، فيتعيّن الثاني، و المحرك الأوّل هو القديم الأزلي، و قد أثبت جمع من الفلاسفة وجود اللّه تبارك و تعالى بالحركة، فتكون الحركة الجوهرية ثابتة في الحقائق من محرك غيبي، و هو اللّه تعالى، و لا محذور فيه من عقل أو نقل.
و هذه الآية الشريفة تدلّ على وجود الحركة في جميع الأشياء من النقص إلى الكمال، و منه إلى الأكمل حدوثا و بقاء، لكن هذه الحركة مستمرة مع جميع جهاتها تحت إرادة مدبّر فيها، و الحركة بما شاء و أراد، فهو من جميع ذرات الكون معيّة قيوميّة مدبّر لها بالربوبيّة العظمى، التي لا يعزب عنه شي‏ء في السموات و الأرض.
و هذه الحركة بهذا المعنى عامّة لجميع مخلوقاته، و هي صحيحة، و ممّا اتّفقت عليه الكتب السماويّة و كلمة الأنبياء و كلمات جمع من الفلاسفة المتألّهين.
و أما الحركة التي ذكرها بعض الفلاسفة الطبيعيّين، و هي الحركة في الطبيعة و المادة فحسب، و قالوا إنها ذاتيّة لها و الذاتي لا يعلل، فإن أرادوا أنها واجبة بالذات فهو باطل بالضرورة، و إن أرادوا أنها تحت قدرة اللّه تعالى فهي قسم من تلك الحركة التي ذكرناها آنفا.

لا ريب في أن نظام هذا العالم يتقوّم بترتب العلل و المعلولات المتتالية و غيرها، و هذه السلسلة لا بد أن تنتهي إلى اللّه تعالى، الذي تكون أزمّة الأمور تحت إرادته، و الإنسان مسخّر و مقهور تحت قوى فعّالة، منها قدرة اللّه تعالى و إرادته التامّة، فهو يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد. و منها قوى الطبيعة التي قلّ ما يسلم أحد من آفاتها و عاهاتها. و منها النفس الأمّارة بالسوء و الشيطان الرجيم الذي لا يسلم منه أحد. فالإنسان قرين هذه القوى و إن كانت جميعها مقهورة تحت قدرة العزيز الجبّار، و هذه الآية الشريفة و نظائرها شاهدة على ذلك، فإن قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ، يدلّ على انتهاء الوسائط إليه عزّ و جلّ، و لكن ذلك لا ينافي أن تكون المسبّبات و النتائج مترتبة على الأسباب، و قد جرت عادته عزّ و جلّ على إجراء الأمور بأسبابها التي لها دخل في تحقّقها، و على الإنسان أن يعد الأسباب الظاهريّة التي تكون دخيلة في حصول المسبب، ثم تفويض الأمر إليه في الجهات التي تقصر عقولنا عن الإحاطة بها، و قد دلّت على ذلك آيات كثيرة، قال تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ [سورة النجم، الآية: 39]، و قال تعالى: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [سورة القصص، الآية: 77]، و هذا هو التوكّل الذي‏ أمرنا به و حث عليه القرآن الكريم، و لكن التماس الأسباب على قسمين:
الأوّل: أن تلحظ مستقلة مع قطع النظر عنه عزّ و جلّ بالمرّة، و هذا مذموم بل هو الشرك بعينه، و تكون قرينة الخيبة غالبا.
الثاني: أن ينظر إليها من حيث إنها من قبيل المعدات قد أفاضها اللّه عزّ و جلّ، و هذا القسم ممدوح بل هو التوحيد الخالص، و لكن ترتب النتيجة منوط بإرادة اللّه تعالى، فإن اعتقاد الخير في نظر الفاعل لا يغيّر الواقع عمّا عليه، قال تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: ۲۱٦].
و بالجملة: أن كون الخير بيده عزّ و جلّ، و أن بيده ملكوت كلّ شي‏ء، لا ينافي تسبّب الأسباب الظاهريّة و إيكال الأمور الخارجة عن علم الإنسان إليه عزّ و جلّ، بل لا بد من ذلك.

الإنسان قرين الحاجة و الفقر، و هو يحتاج في حدوثه و بقائه إلى اللّه جلّ جلاله، و بعد كون الخير بيده تعالى فلا بد من الرجوع إليه عزّ و جلّ و التماس الخير منه و الإعراض عمّا سواه ليتمّ له التوحيد الفعلي، كما يتمّ بذلك تفويض الأمر إليه عزّ و جلّ و تتجلّى في قلبه هذه الآية الشريفة، و يكون من مظاهر: «لا حول و لا قوة إلّا باللّه»، فتسهل عليه جملة من الصعاب التي عاقت أهل الدنيا عن الوصول إلى مقاصدهم، فإن من شاهد القيوميّة المطلقة منه تعالى في وجوده و بقائه و جميع شؤونه، لا يرى لنفسه شيئا إلّا مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: ٦]، و تتم بذلك نشأة الآخرة، حيث تكون من مظاهر قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَ ادْخُلِي جَنَّتِي [سورة الفجر، الآية: 27- 30]، و لا معنى للعبوديّة الحقيقيّة إلّا ذلك، و يتّحد المبدأ و المآب حينئذ من كلّ‏ جهة، بل إن وصل إلى مرتبة التفاني في مرضاة اللّه يتّحد السائر و السير و المسير إليه.
فهذه الآية الشريفة من أجلّ موارد تجلّيات اللّه تعالى لعباده، و لأن خرّ موسى بن عمران عليه السّلام صعقا في تجلّ واحد منه تعالى للجبل، لكن صار الكروبيون و الروحانيون و عقول ذوي الألباب صرعى في مثل هذه التجلّيات الإلهيّة القرآنية.
و لأن كان للاسم الأعظم الذي هو أم الأسماء الحسنى مظاهر كثيرة، يكون العالم واحدا منها، فيصحّ أن تكون هذه الآية من بعض مظاهره، و صحّ ما نسب إلى سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله حين سئل عن الاسم الأعظم فقرأ هذه الآية الشريفة، كما مرّ، فإن فيها اجتمع كمال الذات و الصفات.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"