1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. سورة آل‏ عمران: الآيات 23 الى 25

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (۲۳) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (۲٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (۲٥)


بعد ما ذكر سبحانه و تعالى أن أهل الكتاب إنما يختلفون في الدين، و لا يؤمنون به عن بغي و ظلم بعد ما علموا الحقّ، و ذكر جملة من قبائح أعمالهم من الكفر و قتل الأنبياء و الآمرين بالقسط، بين ما يوجب تشهيرهم من أن هؤلاء الّذين أوتوا نصيبا من الكتاب هم أولى الناس بأن يستجيبوا إذا دعوا إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم من الأميين الّذين لا يعلمون من الدين شيئا، فأعرضوا عن ذلك و اتخذوا الخلاف، و ليس ذلك إلّا لأجل أنهم ادّعوا اتصال النسب مع أنبيائه تعالى، فهو الذي يمنعهم من البقاء في العذاب. فكان ذلك سببا للافتراء على اللّه تعالى و اقتراف الآثام و تجرؤهم على اللّه سبحانه، و قد أثبت سبحانه و تعالى أن الجزاء إنما يكون على الأعمال دون الأنساب، و أوعدهم الخزي و العذاب في يوم يتجلّى العدل الإلهي و يجزي كلّ نفس ما كسبت و هم لا يظلمون.

قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ.
الاستفهام للتشهير و التعجيب، أو لبيان الحقيقة المستورة عن عامّة الناس.
مادة (نصب) تأتي بمعنى الوضع و التعب و الحصة التي تضاف إلى الشخص أو العلامة، قال تعالى: وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [سورة المائدة، الآية: 3]، و النصب هو حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية فيعبدونه و يذبحون له، بل كلّ ما عبد من دون‏ اللّه فهو نصب، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «فاطمة بضعة مني، ينصبني ما أنصبها»، أي يتعبني ما أتعبها.
و يمكن إرجاع الجميع إلى شي‏ء واحد، و هو الوضع، لكنه يختلف باختلاف الخصوصيات. و قد استعملت هذه الكلمة في موارد من القرآن الكريم، و غالب استعمالها فيه إنما هو في الذم.
و النصيب من المفاهيم القابلة للشدّة و الضعف و القلّة و الكثرة، فهو من المفاهيم التشكيكيّة جدا، فإن من فهم آية من آيات القرآن الكريم بحسب اعتقاده، يكون له نصيب منه، و فهم حقيقة نفس الآية بحسب الواقع نصيب منه أيضا، و فهم أسرارها و دقائقها نصيب منه، و هكذا في جملة من الآيات الشريفة. و إطلاق النصيب على بعض هذه الأنصباء، من باب مجرّد الإطلاق اللفظي فقط إذا لو حظ بملاحظة بعض مراتبها الأخرى.
و المراد من الكتاب جنسه الذي يشمل التوراة و الإنجيل، و إيتاء النصيب من الكتاب عبارة عن تطبيق الكتاب حسب آرائهم و معتقداتهم، أي: أخذوا من كتاب اللّه خصوص ما ينفعهم، و تركوا ما سواه، و هذا هو عادة أهل الدنيا الّذين لا همّ لهم إلّا قضاء الحاجة الفعلية و هذا هو حظهم ممّا أوتوه من الكتاب، و ليس من حظهم في الواقع، لأنه لا بد من أن يؤخذ بكلّ جزء منه مع مراعاة جميع ما فيه، لأن الإيمان بالبعض لا ينفك عن الإيمان بالكلّ و بالعكس.
و يستفاد من الآية الشريفة وقوع التحريف في الكتاب، و أن الذي بين أيديهم ليس إلّا نصيبا منه، فإن التحريف الذي أوقعوه فيه و تغييرهم له ما أوجب إذهاب كثير منه، و إنما بقي جزء منه، كما يدلّ على أنهم لا يحسنون فهمه و لا يلتزمون العمل به، فهم فقدوا الأهلية لتحمّله بسبب تحريفهم له.
و الآية الشريفة تدلّ على العجب من حالهم و أفعالهم، و الاستفهام تقريري، أي: انظر إلى أحوالهم تراهم كذلك، فيتطابق المخبر به مع المحسوس. و هذا أحسن وجه لبيان فساد طريقتهم و سوء عقيدتهم و نفاق سريرتهم.
و هذه الآية الشريفة و نظائرها تبيّن فساد عادة من عادات الناس التي جرت على أن من اطلع على شي‏ء من كتاب ما، يدّعي الاطلاع على جميع ما ورد فيه و الإحاطة به، مع أنه ربما لم يصل إلّا إلى جزء منه، و لم يدرك مفاهيمه العرفيّة فضلا عن دقائقه العلميّة، هذا في الكتب المؤلّفة فضلا عن الكتب الإلهيّة النازلة من السماء على الرسل و الأنبياء، التي قال فيها: ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، و قد وعد اللّه تعالى أن يعلمها المتّقين من عباده، قال تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [سورة البقرة، الآية: 282].
قوله تعالى: يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ.
مادة (دعو) تأتي بمعنى استدعاء الشي‏ء سواء كان بالخير أم الأمر أم بنحو آخر و هو كالنداء، و قد يستعمل كلّ منهما في موضع الآخر، و هي من المواد التي كثر استعمالها في القرآن الكريم، و لعلّ من ألطفها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [سورة الأنفال، الآية: ۲٤]، و من أشدّها هيبة و تسخيرا قوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ* مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ [سورة القمر، الآية: 7، 8]، و في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه و آله: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الاكلة على قصعتها»، و عنه صلّى اللّه عليه و آله: «مثل المؤمنين في توادّهم و تراحمهم و تعاطفهم، مثل الجسد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى».
و الكلمة مستعملة في جميع العوالم الإمكانيّة و النشآت الربوبيّة، فاللّه تعالى هو مبدأ الدعوة إلى الحقّ في تمام النشآت، و إليه ختمها في جميعها، فهو الحقّ المحض و مظهره و مظهره.
و كتاب اللّه هو القرآن العظيم المشتمل على حقائق واقعيّة و تشريعيّة، التي جعلها عزّ و جلّ لتنظيم النظام الأحسن في الدنيا و الآخرة، و قد قامت الحجج الكثيرة على أنه منزل من اللّه تعالى.
و دعوتهم إلى كتاب اللّه باعتبار أنه جامع لكثير ما ورد في الكتب الإلهيّة المهيمن عليها، و قد بشّرت به، فلم يكن مجهولا عندهم، يعرفه أهل الكتاب بأنه يحكم بالحقّ و يزيل كلّ لبس و جهالة و يمنعهم عن البغي و التعدّي، فيكون حكمه نافذا و يجب اتباعه، و الداعي إلى الكتاب هو اللّه تعالى بلسان نبيّه. و لو نظرنا إلى حاق الواقع يكون الداعي إلى كتاب اللّه و المدعو إليه و المدعو به واحد، و الفرق إنما هو بالاعتبار، و لعلّه تعالى إنما أجمل الدعوة لأجل هذه الجهة.
قوله تعالى: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ.
أي: أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب يتولّى كثير منهم، اغترارا بما عندهم و ما حرّفوه و وضعوه من عند أنفسهم، و استغناء به، و هم قد أعرضوا عن الحقّ و دلائله الواضحة.
و فيها دلالة على أن التولّي لا يكون إلّا عن البغي و الجحود بعد معرفتهم الحقّ و علمهم بالحجّة، فلا يرجى زواله إلّا من ثبت إيمانه في قلبه فدعى إلى إجابة الدعوة التي دعا إليها دينهم و أمرت به عقيدتهم، من الخضوع لأحكام اللّه تعالى و الإيمان بالدين الجديد، فالآية الشريفة تثبت جهتين من المذمّة عليهم:
الأولى: إدبارهم عن استماع الحقّ و عدم اجتماعهم على الحقّ، مع أنه واجب عقلا، و قد دعا إليه دينهم.
الثانية: إعراضهم عن الحقّ بقلوبهم و ضمائرهم، بعد ظهور الحجّة عليهم، و هذا هو الشقاق و النفاق و من أخبث الرذائل.
قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ.
أي: أن تولّيهم عن الحقّ بأبدانهم و إعراضهم عنه بقلوبهم، و عنادهم لما عرفوه من الحقّ، إنما هو لأجل زعمهم الفاسد و وهمهم الكاسد و افترائهم على اللّه بأنهم عباد اللّه الأخيار، و هذه الفريّة إنما كانت معتقد عامّة بني إسرائيل في التأريخ و قد استحكمت هذه الفريّة في أنفسهم على مرّ الدهور، بحيث سلبتهم الفكر عن البحث حولها فمنعتهم عن التسليم للحقيقة و الواقع و الخضوع للحق.
قوله تعالى: وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
مادة (غ ر ر) تدلّ على الأثر الحاصل للإنسان، سواء كان سببه الغفلة أم شي‏ء آخر، و في الحديث: «غر محجلون من آثار الوضوء».
و الافتراء هو الكذب على الغير، و في حديث بيعة النساء: «و لا يأتين ببهتان يفترينه»، و الافتراء على اللّه تعالى هو نسبة ما ليس بمأذون منه تعالى إليه، و بهذا المعنى يستعمل في غيره تعالى أيضا، كالافتراء على الأنبياء و سائر الناس، كما مرّ في الحديث، و هو قبيح عقلا و شرعا، لأنه ظلم، كما أنه من المعاصي الكبيرة. و هو أخصّ من الكذب، لأنه إخبار غير مطابق للواقع مطلقا، فيصدق في ما إذا كذب لنفسه أو على نفسه، بخلاف الافتراء فإنه الكذب على الغير فقط.
و الافتراء على اللّه تعالى من أقبح القبائح و أعظم الكبائر، تدلّ على ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [سورة الحاقة، الآية: ٤٤- ٤۷].
و يمكن أن يقام الدليل الاعتباري على حرمته أيضا، و هو أن القوانين مطلقا- سواء كانت سماويّة أم وضعيّة- لا بد أن تكون محدودة و تحت سلطة المقنّن، و لا تتغيّر و لا تتبدّل إلّا بالسير التكاملي، و ما هو الأصلح للإنسان، و حيث إنه لا يعقل التكامل بعد قوانين القرآن، فلا وجه لجعل شي‏ء فيه ابدا إلّا بالوحي المبين، و كلّما يكون من غيره، فإن كان بعنوان التعبّد و الدين فهو بدعة و ضلال، بلا فرق بين الأصول و الفروع بجميع أنواعهما، و السنّة المقدّسة بحكم القرآن، لأنها شارحة و مبيّنة له.
و المعنى: كان سبب غرورهم و بغيهم في دينهم الذي كان يأمرهم باطاعة الحقّ و نبذ المعصية و الكبر و البغي، إنما هو افتراؤهم في دينهم بأنهم شعب اللّه المختار، و أن عذابهم محدود بسبب اتصال نسبهم إلى أنبياء اللّه تعالى، فكان ذلك‏ سبب كفرهم بدين اللّه و إعراضهم عن كتابه، فضلّوا عن الصراط المستقيم.
قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ.
برهان عقلي على بطلان جميع المزاعم الفاسدة و الأوهام الباطلة، و دليل قاطع على بطلان كلّ افتراء و قول لا يستند إلى حقيقة، و هو ظهور الأعمال و الأقوال و المعتقدات في السير الاستكمالي الإنساني في عالم محيط بهذا العالم، تبدو الضمائر فيه و تنكشف السرائر، فيرى الإنسان بنفسه جميع أعماله و أقواله و معتقداته بنفسه حاضرة لديه بلا مرية و ارتياب، و حينئذ يغني العيان عن البرهان، و هذا من أقوم الأدلّة العقليّة التي قرّرتها الشرائع السماويّة.
و في الآية الشريفة روعة الأسلوب و بديع الفصاحة، و فيها التوعيد و الإيعاد، و إنما ذكر الجمع دون الأحياء و البعث، لأن الجمع يدلّ عليهما بالملازمة، و لأن اجتماعهم على الافتراء، و الخلاف في الدنيا لا يغني عنهم جمعهم في الآخرة و لا يعجزه تعالى جمعهم، و فيها من التهويل ما لا يخفى.
قوله تعالى: وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.
أي: و توفّى كلّ نفس ما كسبت و عملت، و هم لا يظلمون في ذلك من دون أن ينقص من عملهم شي‏ء.
و تدلّ الآية الشريفة على أن الجزاء معلول نفس العمل، بلا مدخلية شي‏ء آخر فيه، و يصحّ أن يعبّر عن ذلك بظهور الأعمال بصورها المناسبة لذلك اليوم، فإن الحقيقة واحدة و المظاهر مختلفة باختلاف العوالم، و لذلك أتى بالفعل المجهول المنسوب إلى ذاتهم.

التولّي عن الشي‏ء يفيد معنى الإعراض عنه- و يصحّ العكس أيضا- بالقرائن، و إنما جمع سبحانه و تعالى بينهما في قوله تعالى: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [سورة آل عمران، الآية: 23]، لبيان كثرة جحودهم للحقّ و جمودهم على الباطل بأبدانهم و قلوبهم، أو لأجل بيان أن ذلك صار ملكة في أنفسهم لكثرة المداومة عليه، فبناء على الأوّل يكون قوله تعالى: وَ هُمْ مُعْرِضُونَ جملة حالية للضمير في «منهم»، أو من «فريق» المنعوت، فهي إما مؤكّدة أو مبيّنة لاختلاف متعلّق التولّي و الإعراض، و الواو حالية، و على الثاني تكون الجملة في موضع النعت ل «فريق»، و الواو للعطف، فيكون إخبارا عن حالهم و سجيتهم.
و مدخول كيف في قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ مقدّر يدلّ عليه الكلام، أي فكيف حالهم أو كيف يصنعون و نحو ذلك.

يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الأول: يستفاد من قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أن ما عندهم ليس من اللّه تعالى، بل هو من أهوائهم الفاسدة.
كما أنه يستفاد أن المعتبر في نسبة أهل الكتاب إليه إنما هي النسبة العمليّة مضافا إلى النسبة الاعتقاديّة، فلا تكفي النسبة القوليّة، و لعلّ التعبير ب (أوتوا الكتاب) إشارة إلى هذه الجهة، حيث إنهم فقدوا النسبة العمليّة و الاعتقاديّة لوقوع التحريف عنهم في الكتاب، فعبّر عنهم ب (أوتوا) دون أهل الكتاب.
الثاني: أن الآية الشريفة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ، تشمل كلّ من يدعى إلى كتاب اللّه ليحكم بذلك في ما بينهم ثم يتولّى عن ذلك، سواء كان من اليهود أم النصارى أم من غيرهم، فلا تختصّ بملّة دون اخرى، و يكون إظهار الحقّ واجبا عقليّا، و الإعراض عنه قبيحا كذلك، فضلا عن جحوده و تلبيس الأمر على الناس، كما أن عموم الآية المباركة يشمل الدعوة إلى اصول الدين و فروعه.
الثالث: تشير الآيات الشريفة إلى حقيقة اجتماعيّة، و هي أن العصبية و الأهواء الباطلة توجبان البعد عن الحقيقة و الإعراض عن الحقّ، فلا تنفع المواعظ و الزواجر، بل تزداد بعدا و استكبارا و إعراضا حتى تتمكّن في قلوبهم، فيكون من الجهل المركب، الذي هو داء ليس له دواء.
الرابع: إنما أجمل سبحانه الداعي إلى كتاب اللّه لبيان أن الداعي إلى كتاب اللّه و المدعو إليه و المدعو به واحد، و الفرق إنما هو بالاعتبار، كلحاظ مرتبة إنشائه و الاعتقاد به و العمل به أو غير ذلك، و ليشمل جميع من يدعو إلى كتاب اللّه علما و عملا على مرّ العصور.
الخامس: يستفاد من قوله تعالى: وَ هُمْ مُعْرِضُونَ، أن سبب التولّي عن الحقّ و عدم الإيمان به إنما هو الإعراض المتمكّن في نفوسهم، الذي صار عادة لهم في نبذ كلّ دعوة إلى الحقّ، و أن سبب هذا الإعراض إنما هو الجهل المركب الناشئ من اختلال الطريقة و فساد العقيدة و العصبية و الافتراء على اللّه تبارك و تعالى، كما تقدّم في الآيات المباركة السابقة.
السادس: إنما أضاف سبحانه و تعالى الجمع إلى نفسه في قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لانحصاره به عزّ و جلّ فقط، و أن ذلك تحت قدرته تعالى.
كما أنه أتى بالمجهول في قوله تعالى: وَ وُفِّيَتْ، لبيان أن الجزاء إنما هو نتيجة أعمالهم الحاصلة من كسبهم، و أنه معلول نفس العمل بلا مدخليّة شي‏ء آخر.
السابع: يستفاد من قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، أهمية ذلك اليوم و التهويل فيه من جهات:
منها: نفس الجمع الذي تدهش منه العقول و استيلاء الحيرة على الناس و الذهول.
و منها: أن ذلك اليوم لا ريب فيه، فهو من الأمور التكوينيّة الذي لا بد من المصير إليه و يعمّ الجميع.
و منها: إضافة الجمع إليه سبحانه و تعالى، التي يستفاد منها كمال هيمنته عليه الدالّة على عظم الفعل و الصنع.
الثامن: يستفاد من قوله تعالى: وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ، كمال العدل في ذلك اليوم، فهم مع ظلمهم لا يظلمون في النقص من الأعمال و الجزاء، فلا ينقص من إحسان المسي‏ء و لا يزاد على إساءته، و هو يدلّ على نفي الظلم عنه عزّ و جلّ، و يدلّ عليه البرهان العقلي أيضا، و سيأتي في الموضع المناسب التفصيل إن شاء اللّه تعالى.
التاسع: تدلّ هذه الآية و أمثالها- مع اختصارها- على ثبوت المعاد، و على كيفيّة الجزاء، و قد دلّت على كلّ واحد منهما الأدلّة العقليّة.

في أسباب النزول: عن السدي في قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ: «دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله اليهود إلى الإسلام، فقال له النعمان بن أدفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: بل إلى كتاب اللّه تعالى، فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
و في الدر المنثور: عن ابن عباس قال: «دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى اللّه، فقال له نعيم بن عمرو و الحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملّة إبراهيم، قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديّا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فهلمّوا إلى التوراة فهي بيننا و بينكم، فأبيا عليه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية».
و عن الكلبي: أن الآية نزلت في قضية اللذين زنيا من خيبر، و سؤال اليهود النبي صلّى اللّه عليه و آله عن حدّ الزانيين.
أقول: هذه الروايات قاصرة الدلالة، مضافا إلى ضعف إسنادها، و سيأتي الكلام في الرواية الأخيرة في قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ [سورة المائدة، الآية: ۱٥].

الغرور: هو استعظام النفس أو عمل من أعمالها أو صفة من صفاتها، بحيث يوجب قصر النظر و انحصاره في ذلك و قطعه عن خالقه و مدبره و مديره، و هو من مبادئ الشرك، بل نفسه لدى النفوس القدسية، قال تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [سورة يوسف، الآية: ۱۰٦].
و الغرور رذيلة من الرذائل الخلقيّة، بل يمكن أن يسمّى بأم الرذائل و الخبائث.
و قد استعملت مادة (غرر) في القرآن الكريم في موارد شتّى مقرونة بالذم، قال تعالى: وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [سورة الإسراء، الآية: ٦٤]، و قال تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [سورة الملك، الآية: 20]، و يكفي في ذم الغرور أن الدنيا تسمّى بمتاع الغرور، قال تعالى: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [سورة الحديد، الآية: 20]، لأنها من مراتع الشيطان، و هو يوجب الحرمان عن جملة من مكارم الأخلاق و البعد عن ساحة الرحمن.
و إذا لا حظ المغرور نفسه رأى أنه ممكن من الممكنات، و حقيقة الممكن هي العدم المحض بالنسبة إلى ذاته، و إنما يكون له حظ من الوجود من حيث الإضافة إلى جاعله و خالقه بحسب ما قدر له، فهو الربّ المدبّر لأحواله و جميع شؤونه و إضافاته و خصوصياته، و أن ما يحصل له يكون في معرض الزوال، فهو لا حول له و لا قوة له إلّا باللّه العليّ المدبّر العظيم، فلا يبقى موضوع للغرور، و ما يعتقده‏ المغرور إنما هو و هم و خيال، و من نشأ في عالم الأضداد و دار الكون و الفساد و تزاحم الآراء و اختلاف الأهواء مع غلبة مشيئة العزيز الجبّار، كيف يصلح له أن يغتر بشي‏ء؟ و كيف يرى شأنا لنفسه من نفسه، فإنه من أعظم أنواع كفران المنعم و نسيان النعمة و الانهيار في الهاوية، و هذه من المقامات التي تحط دونها الرحال و تزل فيها أقدام الرجال.
و ينحصر علاج هذا الداء العظيم المهلك بالتفكّر في عظمة اللّه تعالى و فناء الدنيا و ما فيها، و التفكّر في الحوادث الواقعة بين أيدينا، و بعد التأمّل في جميع ذلك يزول الغرور لا محالة، كما نرى في حالات الأنبياء و الأولياء و عباد اللّه المخلصين، فإنهم لا يرون لأنفسهم شأنا إلّا بإضافة أنفسهم إلى اللّه تعالى،
قال علي عليه السّلام: «كفى بي فخرا أن أكون لك عبدا، و كفى بي عزّا أن تكون لي ربّا»، و قد سأل شخص مولانا الباقر عليه السّلام: «أنت من علماء أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال عليه السّلام: لست من جهالها»، و في الصحيفة الملكوتيّة السجاديّة: «اللهم لا ترفع لي درجة عند الناس إلا حططتني عند نفسي مثلها»، و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام في الغرور و نواحيه إن شاء اللّه تعالى.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"