1. الرئيسية
  2. /
  3. مکتبة
  4. /
  5. التألیفات
  6. /
  7. مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن
  8. /
  9. سورة آل عمران‏
  10. /
  11. الآيات 21 الى 22

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (۲۱) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (۲۲)


بعد ما بيّن سبحانه و تعالى أعظم شهادة منه جلّت عظمته، و هي الشهادة بالوحدانيّة، و ذكر جلّ شأنه حقيقة الدين، و أنه واحد لا اختلاف فيه، و هو الجامع بين أفراد الإنسان في هدف واحد بالتسليم لوجهه تعالى، و أن هذا الدين من الفطرة و لا يجهلها أحد، و الاختلاف فيه من البغي و الظلم الذي يذكرها كلّ ذي وجدان، ثم ذكر سبحانه و تعالى محاجّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع الكفّار و مشركي العرب، و أمره بالتسليم له تعالى، و إنما عليه البلاغ، فلا يضرّه من يكفر، و في ذلك تسلية له صلّى اللّه عليه و آله.
و في هاتين الآيتين يذكر اليهود و كفرهم بآيات اللّه و محاجّتهم مع آياته سبحانه و تعالى، و قتلهم أنبياء اللّه و المؤمنين الموحّدين، و قد أوعدهم اللّه بالعذاب الأليم بعد ما أسدلوا على أنفسهم حجبا ظلمانيّة، تستر الضمائر و البصائر و تظلم القلوب و السرائر فحقّت عليهم الخيبة، و ما لهم من ناصرين ينقذونهم من هذا المصير و يرفعون عنهم العذاب الأليم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ.
مادة كفر تأتي بمعنى الستر، قال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها و هي من المواد الكثيرة الاستعمال في القرآن الكريم بهيئات مختلفة، و ذلك لأنّ من أهمّ مقاصد القرآن العظيم هي الدعوة إلى التوحيد و نبذ الشرك و الاختلاف، و توجيه الإنسان إلى الكمال المنشود له، و إزالة العقبات التي تصدّه عن‏ ذلك، و من أعظمها الكفر و جحود الحقّ، و لأجل ذلك تكرّر ذكرها لإرشاد الناس و تثبيت الحجّة عليهم.
و يطلق الكافر على الزارع، لأنه يستر البذر تحت الأرض، قال تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [سورة الحديد، الآية: 20]، كما ان ستر النعم كفران لها.
و في عرف الكتاب و السنّة تستعمل الكلمة في ستر العقائد الحقّة و عدم الاعتقاد بها و جحودها مطلقا، فإن أظهر الإيمان و الاعتقاد و أخفى الجحود فهو (المنافق)، و إن أظهر كفره بعد إظهار الاعتقاد أو الإيمان فهو (المرتد)، فإن قال بالشرك في الالوهية فهو (المشرك)، و إن تديّن أو أعتقد ببعض الأديان الإلهيّة المنسوخة فهو (الكتابي)، و إن ذهب إلى قدم الدهر و إسناد الحوادث إليه فهو (الدهري)، و إن كان لا يعتقد بالمبدأ و الباري فهو (المعطل) أو الملحد.
و المراد بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ هم اليهود، بقرينة ما يأتي.
قوله تعالى: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن الثاني يضاف إلى اللّه تعالى، و الأوّل يضاف إلى الفاعل فكلّ قتل موت و لا عكس، فالاختلاف بينهما بالاعتبار لا بالذات، و لفظ (بغير حق) قيد توضيحي، لا أن يكون احترازيّا، لأن قتل النبيّين لا يكون إلّا بغير الحقّ، نظير قوله تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ [سورة المؤمنون، الآية: 117]، فإن الشرك مع اللّه سبحانه و تعالى لا يعقل أن يكون مع البرهان.
و ذكر هذا الوصف لبيان قبح أعمالهم و بشاعتها و انقطاع العذر عنهم، بعد عرفان الحقّ و ظهوره.
و الفعل في المواضع الثلاثة: يكفرون، و يقتلون في الموضعين، يدلّ على الاستمرار و الثبوت، أي: أن عادتهم و دأبهم جرت على الكفر بآيات اللّه تعالى بعد البيان، و قتلهم الأنبياء و الأولياء و الصلحاء و الداعين إلى الحقّ و العدل، و لو بحسب القصد و النية، و ليس لهم شأن إلّا ذلك، و على هذا لا نحتاج إلى تخصيص الجملات الثلاث بالآباء فقط، بل كلّ من فيه منشئيّة الصراع مع الحقّ يكون داخلا في معنى الآية المباركة، و هذا ما نعلمه من تاريخ أعداء الإسلام و دين الحقّ، فإنهم قتلوا الأنبياء و دعاة الحقّ الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، و قد جرت العادة على أخذ الخلف بما فعل السلف، و قد تقدّم في سورة البقرة ما يرتبط بالمقام، فراجع.
قوله تعالى: وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ.
تعميم بعد التخصيص، لأن الأنبياء أيضا يأمرون بالقسط، لبيان أن هؤلاء لا شأن لهم إلّا الدعوة إلى الحقّ و إقامة العدل اللذين تدعو إليهما الفطرة، و فيه تشنيع فعلهم و تهييج الفطرة الإنسانيّة و استفزاز الضمير عليهم، لأنهم فعلوا ما لا يرتضيه الضمير و لا العاقل البصير.
قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
مادة (بشّر) في حاق الواقع بمعنى الإخبار بما يظهر أثره في بشرة الوجه، كما يشاهد فيمن أخبر بموجب السرور، فإنه يظهر أثر الفرح في ظاهر الوجه. و في الإخبار بالشرّ يظهر الهم و الغم في ظاهره أيضا. فيصحّ استعمال هذه المادة بحسب واقعها في كلّ من الأخبار بموجب السرور و الغم، من دون مجاز و استعارة.
نعم، إذا أطلقت اختصّت بما يوجب السرور.
و لو قيل: باختصاص البشارة بالإخبار بموجب السرور، فيصحّ استعمال البشارة في الغم و الحزن أيضا من باب الوصف بحال المتعلّق، لأن الإخبار يوجب سرور المؤمنين بلا إشكال، و لم يقم دليل على أنه لا بد أن تكون جميع جهات الإخبار منحصرة في الوصف بحال ذات المخبر عنه فقط، بل الكلام الفصيح ما كان متكفّلا لجهات شتى و نواح مختلفة من الدلالة و الإفادة، فيكون كالبحر الذي فيضه عميم و أمواجه لا تستقيم، و يتضمّن الكلام الاستعارة التي تشتمل على الحسن و البلاغة، كما لا يخفى.
و الفاء في قوله عزّ و جلّ: فَبَشِّرْهُمْ للجواب، لتضمّن الجملة معنى الجزاء المتفرّع على الجملة السابقة المتضمّنة لمعنى الشرط، و هو الكفر و قتل النبيّين.
و العذاب: كلّ ما شقّ على الإنسان و منعه عن مراده، و كلّ عذاب في القرآن فهو التعذيب، أي الايجاع، سواء كان دنيويّا أم اخرويّا، روحيّا أم جسميّا.
و العذاب في الآية المباركة مطلق، يشمل الدنيوي منه و الاخروي، و فيه من الدلالة على شمول الغضب لهم و احتوائهم السخط و العذاب، و هذا قرينة على ما ذكرناه آنفا من تهييج الفطرة عليهم، و قد أخزاهم اللّه تعالى في الدنيا فكتب عليهم القتل و الجلاء و التفريق و عداء النفوس لهم، و لهم في الآخرة أشدّ العذاب و أليمه، كما نطقت به الآيات الكريمة في مواضع متعدّدة.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ.
الحبط: بطلان العمل و عدم الأجر له، أي: الّذين كفروا بآيات اللّه و قتلوا الأنبياء و دعاة الحقّ و العدل، بطلت أعمالهم في الدنيا و الآخرة، أما بطلان عملهم في الدنيا فلأنهم فعلوا ذلك لإزالة الحقّ و إثبات الباطل، و اللّه تعالى فعل بهم خلاف ما أرادوه، فأثبت الحقّ و أزال الباطل و أذاقهم العذاب الأليم، و أما في الآخرة فلأنهم لا يؤجرون على أعمالهم بشي‏ء، بل يعذّبون عليها و هم وقود النار.
و الآية المباركة تدلّ على أن قتل الأنبياء و الأولياء و الأوصياء و دعاة الحقّ ممّا يحبط الأعمال.
قوله تعالى: وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.
أي: من شافعين، و هذا يدلّ على عدم شمول الشفاعة لهم، كما تقدّم في بحث الشفاعة في سورة البقرة، فراجع.

النصرة إما واقعيّة معنويّة حقيقيّة، أو وهميّة خياليّة، و الاولى مبنيّة على الدوام و البقاء و الثبات، و لا تزول بخلاف الثانية، و الآثار الحقيقيّة تترتب على الاولى.
و النصرة المنفية في أمثال هذه الآية إنما هي الاولى، و أما النصرة الوهميّة الخياليّة فليست من اللّه تعالى في شي‏ء، كما لا أثر لها عند ذوي العقول، بل إطلاق النصرة عليها إنما يكون بالمجاز و العناية.

في الكافي: عن يونس بن ظبيان، قال: سمعت الصادق عليه السّلام يقول: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: ويل للذين يختلسون الدنيا بالدين، و ويل للذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس، و ويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقيّة، أبي يغترون أم عليّ يجترءون؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحكيم منهم حيران».
أقول: قد ظهر حقيقة ما حلفه تبارك و تعالى في هذه الأعصار لكلّ ذي شعور.
و في المجمع: عن أبي عبيدة الجراح قال: «قلت: يا رسول اللّه، أي الناس أشدّ عذابا يوم القيامة؟ قال صلّى اللّه عليه و آله: رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ثم قرأ صلّى اللّه عليه و آله: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة و أربعين نبيّا أوّل‏ النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل و اثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فقتلوا من أمروهم بالمعروف و نهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم، و هو الذي ذكره اللّه».
أقول: ما ورد في هذه الرواية من باب بيان بعض المصاديق، و إلّا فحكم الآية الشريفة عام إلى يوم القيامة، و قتل الأنبياء و الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر يشمل كلا من المباشر و المسبّب بالأسباب المختلفة في كلّ عصر و زمان.

الرئیسیة
السیرة
المکتبة
القائمة
بحث
× Add a menu in "WP Dashboard->Appearance->Menus" and select Display location "WP Bottom Menu"